بالسلع، أو الخدمات، وتحث عليها، وتدفع إلى اقتنائها وتملكها من صاحبها بالثمن، سواء كانت تلك الأعمال قبل عقد البيع أو بعده» (١).
* * *
стр. 1717
المطلب الثاني
الأصل في الحوافز التجارية
[ن-٢٥] الأصل في الحوافز التجارية الحل إذا روعي فيها الضوابط الشرعية وذلك بمراعاة ما يلي:
الأول: أن يكون ذلك عن رضا وطيب نفس من العاقدين، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
الثاني: ألا توقع في الربا، وذلك بألا تكون المسألة من مسائل ما يعرف بمد عجوة ودرهم، فإن كانت من هذه المسائل وجب أن يراعى في ذلك شرط الجواز كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كتاب الربا.
الثالث: أن تكون المعاملة خالية من القمار والمخاطرة، والغرر الفاحش، والخداع والتدليس.
الرابع: ألا يؤدي ذلك إلى التغرير بالمشترين كأن يرخص سلعة، ويزيد في أسعار السلع الأخرى عن سعر السوق.
الخامس: ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالسوق وصغار المستثمرين.
السادس: أن تكون الحوافز مما أباح الله، فلا يضع حوافز تؤدي إلى الوقوع في الحرام، من ذلك صرف تذاكر للمراهقين والمراهقات للسفر إلى بلاد الكفار، أو توزيع أفلام ساقطة، أو مجلات خليعة، أو الدخول في الحفلات المختلطة، أو غيرها من المحرمات.
السابع: أن يكون التاجر ملتزمًا ببذل ما وعد؛ لأن هذه العدة جزء من المعاوضة لا يجوز الخروج منها، أو التحايل على إسقاطها، لأن التاجر عندما
стр. 1718
وعد ببذل هذه الحوافز لا يبذلها هدية للمشتري أو إحسانًا عليه، وإنما كان الغاية منها والباعث عليها ترويج السلع، وإغراء الناس في الشراء، وهذا يلحقها بعقود المعاوضات لا عقود التبرعات؛ لأن التبرع والهبة إذا رتب على عمل خرج من كونه تبرعًا إلى كونه معاوضة.
قال ابن تيمية: «الواهب لا يهب إلا للأجر فتكون صدقة، أو لكرامة الموهوب له فتكون هدية، أو لمعنى آخر فيعتبر ذلك المعنى» (١).
* * *
стр. 1719
المطلب الثالث
في حكم الحوافز إذا تضمنت إلحاق الضرر بصغار المستثمرين
[ن-٢٦] بعض المحلات التجارية الكبرى ذات الفروع الكثيرة تستطيع أن تحصل على السلع بسعر أقل من سعر الجملة لقدرتها على الشراء بكميات كبيرة، ومن ثم بيعها بالتجزئة بأقل من سعر الجملة أيضًا بعد توزيعها على فروعها المنتشرة في المدن، وهذا التصرف لا يستطيع معه صغار المستثمرين الدخول في المنافسة؛ لأن ذلك يعني خسارتهم المؤكدة، وبعض التجار قد يكون محكومًا بسعر معين من قبل المنتج لا يستطيع البيع بأقل منه، فيعمد إلى وضع جوائز مع السلعة تكون محصلته أنه باع بأقل من سعر السوق، وبأقل من السعر المتفق عليه مع المنتج، والسؤال ما حكم هذه الحوافز في هذه الحالة؟
وللجواب على ذلك أن يقال: البيع بمثل هذه الحوافز إما أن يقلل أرباح بقية التجار أو يتسبب بالخسارة لهم.
فإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني التقليل من أرباح التجار، ولو باعوا بمثل ما باع به هذا التاجر لم يلحق التجار خسارة في تجارتهم؛ فإن هذا التصرف جائز؛ لأن التعدي كان من التجار أنفسهم بسبب طمعهم وجشعهم ورفعهم الأرباح فوق المقدار المطلوب.
ولأن أسعار السلع حق لأربابها فلا يحجر عليهم فيها ما دام أن هذا التصرف لا يلحق الضرر بالآخرين.
وقد أجاز الفقهاء بيع الوضيعة، وهو بيع السلعة بنقيصة عن الثمن الأول.
стр. 1720
ويعتبر هذا التاجر محسنًا في تصرفه هذا؛ لأن هذا التصرف يؤدي إلى مصلحتين:
الأولى: انتفاع الناس بالحصول على السلع في سعر أقل.
الثانية: الحد من طمع التاجر في سعيهم إلى رفع أسعار السلع على الناس.
وهاتان المصلحتان مقصودتان للشارع.
وإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني أن هذا التاجر يبيع بسعر لا يمكن لبقية التجار أن يبيعوا بمثله، ولو باعوا بمثله لخسروا، فإن هذا الفعل لا يجوز، ويجب على وزارة التجارة أن تتدخل لوضع حد لمثل هذا السلوك، فإن حرية الإرادة ليست مطلقة، فحرية الإنسان يجب ألا تسبب في إلحاق الضرر بالسوق، ولا في كساد تجارة صغار المستثمرين، والتسابق في التنافس في جذب المستهلك والاستئثار به يجب أن يكون متوازنًا بين مصلحة المستهلك ومصلحة التاجر.
قال ابن القيم «أنه ﷺ نهى عن طعام المتباريين (١)،
وهما الرجلان يقصد
كل منهما مباراة الآخر، ومباهاته: إما في التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر، ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء ... » (١).
(ث-٣٢) وروى مالك، عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا (٢).
[رجاله ثقات، وعلى تقدير أن سعيدًا لم يسمع من عمر فمراسيله من أصح المراسيل] (٣).
стр. 1724
وظاهر الأثر أن المقصود: يزيد في الثمن لأن قوله (إما أن تزيد في السعر) فالسعر يطلق على الثمن، ولذلك يقال: هذا له سعر، إذا زادت قيمته، وليس له سعر: إذا أفرط رخصه (١).
ولأنه طلب خروجه من السوق، ولم يطلب منعه من البيع، وهذا دليل على أنه يضر بالسوق، وإنما يضر بالسوق إذا باع بأقل من سعر السوق. إلا أن أصحاب مالك اختلفوا في قوله: إما أن تزيد في السعر، هل المقصود: يزيد في الثمن، أو يزيد في المثمن على قولين، وعلى أي تقدير فإنه يقال: إذا منعتم النقص من المثمن، وهو أحد العوضين، فالنقص من الثمن مقيس عليه؛ فالنقص من المثمن يضر بالمشتري، والنقص في الثمن يضر بالسوق، وهو أكبر، والإضرار ممنوع منه الإنسان.
стр. 1725
وإذا كانت الشريعة قد سمحت بغبن البادي من أجل نفع السوق، فنهى أن يبيع الحاضر للباد، وعلل ذلك ﷺ بقوله: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. فكيف يعتقد بأن الشريعة تسمح بالإضرار بالسوق.
وقد حرمت الشريعة الإضرار بالآخر، فمنعت بيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه كل ذلك منعًا للضرر الواقع بين المسلمين، فإذا كان ذلك بين آحاد المسلمين، وضرره محدود، فكيف إذا كان الضرر يقع على عامة التجار، وصغار المستثمرين، فإذا رأى الباعة أن بعض التجار يبيع بسعر لا يمكن لهم أن يبيعوا به، ولو باعوا به لخسروا، فلا شك أن مثل ذلك سيكون سببًا للعداوة والبغضاء.
وإذا كانت الشريعة قامت بحماية المشتري، من تحريم النجش، وتحريم الاحتكار، وتحريم الغبن، فإن أهل السوق هم مشترون قبل أن يكونوا باعة، فإن السلع التي في محلاتهم ليست نتاجًا، وإنما اشتروها طلبًا للربح، فتعريضهم للخسارة ضرر كبير بهم يعود في نهايته على المستهلك، فإن هؤلاء الكبار إذا ألحقوا الضرر بصغار المستثمرين، وأخرجوهم من السوق، تحكم هؤلاء فيما بعد بالمستهلك، وصاروا هم وحدهم اللاعب بالسوق، فالشريعة قامت على العدل، فهي في الوقت التي تحمي المشتري من أن يتعرض للاستغلال، تحمي البائع كذلك من أن يتعرض للخسارة بفعل غيره، وكما هو مطلوب حماية المشتري من الغبن، مطلوب أيضًا حماية بقية أهل السوق من الخسائر، والله أعلم.
* * *
стр. 1726
المطلب الرابع
في صور الحوافز التجارية وبيان حكمها
الصورة الأولى
أن تبذل الحوافز بلا مقابل
[ن-٢٧] تقوم بعض الشركات التجارية عند إصدار نوع جديد من منتجاتها بالترويج لها وذلك بتوزيع بعض العينات المجانية تعريفًا بالسلعة طمعًا في إقبال الناس على المنتج بعد ذلك، وتارة يكون تقديم الهدية خاليًا من أي شرط، وتارة تشترط الشركة المنتجة الجواب على بعض الأسئلة إلا أنه في الحالين يكون بذل الهدية ليس مشروطًا بالشراء من الشركة، والغرض من اشتراط الجواب على الأسئلة هو التعريف بالشركة ومنتجاتها، والترويج للسلعة الجديدة. وهذا العمل جائز شرعًا؛ لأن الترويج للسلعة وطلب اشتهارها جائزان شرعًا إذا ما روعي في ذلك الضوابط الشرعية، من ذلك:
التزام الصدق، وذلك بأن لا يزين السلعة بما ليس فيها، ولا يخفي عيوبها.
وأن يتجنب المبالغة في مدح السلعة.
وألا يتعدى على غيره بأن يشمل الترويج لسلعته ذم سلع الآخرين.
وهذه الحوافز لا تخرج عن كونها هبة من الشركة التي أنتجت السلعة؛ لأن التمليك فيها بدون عوض، وهي من طرف واحد فلا تدخل في القمار، ولا أعرف أن أحدًا من أهل العلم حرم مثل ذلك (١).
* * *
стр. 1727
الصورة الثانية
أن يكون بذل الحافز مشروطًا بالشراء
المسألة الأولى
ربط السلعة المبيعة بهدية ظاهرة لكل مشتر
[ن-٢٨] تقوم بعض المحلات التجارية بربط السلعة بهدية ظاهرة للعيان، بحيث يحصل كل مشتر لهذه السلعة على هذه الهدية، كأن يقول:
من اشترى سيارة كذا وكذا فله جهاز كذا وكذا، وتعرض عينة من الهدية، أو يذكرها بصفاتها المعروفة المتميزة عن غيرها.
من أحضر خمسين كوبونًا أو بطاقة أو غطاء معينًا فله كذا وكذا.
وقد تكون الهدية خدمة معينة، كأن يقال: من اشترى كمية من البنزين حصل على حق تغيير الزيت مجانًا، أو على حق تغسيل سيارته.
وفي كلا الحالين يكون المشتري موعودًا بالهدية قبل الشراء، ويكون مقدار الهدية معلومًا.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
ذهب أكثر أهل العلم في عصرنا إلى القول بجواز هذه الهدايا والخدمات، على رأسهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (١)،
وبه أفتت اللجنة الدائمة
стр. 1728
للبحوث العلمية والإفتاء في البلاد السعودية (١).
ومستند القول بالجواز ما يلي:
أن هذه الحوافز بالنسبة للمشتري متحققة، وليس مبناها على الحظ والتردد بين الغنم والغرم، فخرجت عن كونها قمارًا أو ميسرًا، وقد قبل المشتري الصفقة وهو يعلم ما سوف يأخذه في مقابل ما سوف يدفعه.
وأما بالنسبة للبائع فإن هذه الحوافز إما أن يكون توصيفها على أنها هبة، فيكون متبرعًا بها، والهبة جائزة.
стр. 1729
وإما أن يكون توصيفها على أنها جزء من المبيع، وهذا جائز؛ لأن المبيع معلوم لا جهالة فيه (١).
القول الثاني:
ذهب جماعة إلى تحريم هذه الجوائز.
وممن قال بهذا القول سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم (٢)، وسماحة الشيخ
стр. 1730
عبد العزيز بن باز (١)، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين (٢).
وجه القول بالتحريم:
الوجه الأول:
أن هذا العمل يغري بعض الناس على الشراء من هذا المحل دون غيره مما يؤدي إلى ترويج سلعته وكساد سلعة الآخرين.
ويناقش:
سبق لنا أن البيع بأقل من سعر السوق إن كان يؤدي ذلك إلى خسارة التجار، فإن ذلك محرم، ولا أعتقد أن هذه الجوائز والتي تمنح لكل مشتر تبلغ هذا المبلغ، وإن كانت تؤدي إلى تقليل أرباح التجار فقط، فإن هذا الأمر سائغ، وإلزام التاجر بأن يبيع بمثل ما يبيع به الناس فإن هذا يعني التسعير على التاجر دون حاجة، وقد امتنع الرسول ﷺ عن التسعير بلا حاجة.
(ح-٢٤٠) فقد روى أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت البناني،
عن أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرزاق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (٣).
[صحيح] (٤).
стр. 1731
الوجه الثاني:
أن هذا الفعل يتسبب في نشر العداوة والبغضاء بين التجار، فيكون من الميسر الذي أخبر الله عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].
ويناقش:
بأن العداوة إن كان سببها التعدي فلا يجوز، وإن كان الباعث عليها حب الأثرة والاستئثار، والحسد بين التجار فلا يكلف الشخص بدفع مثل ذلك؛ والناس يتفاوتون في هذا.
الوجه الثالث:
أنها تغري المشتري في شراء سلع ليس لهم فيها حاجة طمعًا في الحصول على الجائزة.
ويناقش:
الأصل أن الهدايا تابعة، وليس لها قيمة كبيرة؛ لأنها تصرف لكل مشتر، ولم ترفع قيمة السلعة بسبب الهدية، ولو كانت قيمتها كبيرة لأدى ذلك إلى خسارة البائع، ومع ذلك لو فرض أن المشتري أقدم على الشراء بسبب حاجته إلى الجائزة دون السلعة، فإن المبيع بالأصالة في حق المشتري ستكون الجائزة، وتكون السلعة هي التابعة، وهذا غير ممنوع ما دام أن المشتري يعرف حق المعرفة ما سوف يأخذه في مقابل ما سوف يدفعه، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بالجواز هو أرجح القولين.
стр. 1732
ويمكن أن يخرج ما وضع باسم الجائزة على أنه جزء من المبيع، ويكون مراد التاجر التخفيض من الثمن للسلعة الأصلية بزيادة المبيع، والله أعلم (١).
* * *
стр. 1733
المسألة الثانية
ربط السلعة بهدية مجهولة
القسم الأول
أن توضع الهدية المجهولة مع كل سلعة
[ن-٢٩] إذا وعد المشتري بأنه مع كل سلعة يشتريها سوف يحصل على هدية إلا أن هذه الهدية مستترة، فهي مجهولة النوع والمقدار، فما حكم البيع مع وجود هذه الهدية؟
أما القائلون بتحريم ربط السلعة بهدية ظاهرة معلومة فإنهم سيقولون بتحريم هذه من باب أولى. وهذا ما يراه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين، وقد ناقشنا أدلتهم في المسألة السابقة، وأجبنا على الإشكالات الواردة، فأغنى عن إعادتها هنا.
وأما القائلون بالجواز، فإن حكمهم سيختلف بناء على اختلافهم في توصيف وتخريج الهدية:
فمن خرجها على أنها هبة محضة، فإنه لا يمانع من القول بالجواز إذا كانت قيمة السلعة لم تزد بسبب الهدية؛ لأن الجهالة مغتفرة في عقود التبرعات على الصحيح بخلاف الجهالة في عقود المعاوضات فإنها مؤثرة في صحة العقد.
وأما من خرج الهدية على أنها جزء من المبيع فسوف يمنع هذه المعاملة؛ لأن الجهالة بالهدية سيؤدي إلى جهالة جزء من المبيع، وجهالة جزء من المبيع جهالة للمبيع كله، وإذا كان العقد محرمًا:
стр. 1734
فإما أن نقول: إن العقد باطل لتحريمه، أو نقول: بتفريق الصفقة.
الراجح:
أن الهدية المجهولة إذا كانت مربوطة مع السلعة فإنها جزء من المبيع، والجهالة بها يؤدي إلى جهالة المبيع، فتحرم، والله أعلم.
* * *
стр. 1735
القسم الثاني
أن توضع الهدية المجهولة مع بعض السلع
[ن-٣٠] قد يعلن المنتج لسلعة ما أنه وضع بداخل بعض السلع هدية، ولا يعلن عن جنس الهدية، وقد يعلن عن جنس الهدية ولا يبين مقدراها، كأن يقول: يوجد داخل بعض السلع نقود ورقية، ولا يبين من أي فئة، أو يعلن عن وجود قطعة ذهبية، ولا يبين زنتها. فهنا المشتري يشتري البضاعة وهو لا يعلم نوع الهدية، ولا يعلم هل يحصل عليها، أو لا يحصل عليها؟ فما حكم هذا النوع من الهدايا؟
اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا يجوز الشراء من هذه السلع، وإلى هذا ذهب الشيخ محمد الحامد (١)، والشيخ رفيق المصري (٢)، والشيخ سليمان الملحم (٣)، والشيخ خالد المصلح (٤). كما أن هذا القول هو قول من حرم هدايا البيوع مطلقًا، كسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم (٥)، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٦)، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين (٧).
стр. 1736
القول الثاني:
يجوز بشرط ألا يكون هناك زيادة في الثمن من أجل الهدية، وإلى هذا ذهبت لجنة .. الإفتاء المصرية (١)، ولجنة الإفتاء بالأزهر (٢)،
стр. 1737
ورجحه الشيخ محمد عثمان شبير (١).
وجه القول بالتحريم:
الوجه الأول:
أن هذا البيع مشتمل على غرر ظاهر، فقد يشتري الرجل سلعة واحدة أو أكثر، ولا يحصل على شيء، وإذا حصل عليها قد تكون لها قيمة، وقد لا تكون لها قيمة، وهذا من أقوى الأدلة على المنع.
ونوقش هذا:
بأن الهدية إذا كيفت بأنها تبرع، فالجهالة لا تضر على الصحيح؛ لأن باب التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في باب المعاوضات.
ورد هذا:
بأن التوصيف على أنها تبرع ليس صحيحًا؛ لأن ربط هذه الهدية بالشراء دليل
стр. 1738
على أنها جزء من العقد، ولذلك لو رد المشتري السلعة لعيب أو غيره فإنه يرد الهدية معها؛ لأنها من قبيل هدية الثواب.
الوجه الثاني:
أن هذه الوسيلة قد تدفع الناس إلى الإسراف في الاستهلاك، حيث يشتري الناس ما لا حاجة لهم فيه طمعًا في الحصول على الهدية التي لا يعرف مقدارها.
ونوقش هذا:
بأن الإسراف لا تعلق له بالمبيع، وإنما يتعلق بالمستهلك، ولذا قد يحصل الإسراف في كل أنواع البيوع من مأكولات ومشروبات وملبوسات ونحوها إذا كان الإنسان مسرفًا مبذرًا، وهذا لا يؤاخذ عليه البائع، ولا يمنع من هذه الوسيلة.
الوجه الثالث:
أن بعض البائعين ممن يفعل ذلك قد يلجأ إلى رفع أسعار السلع لتغطية قيمة الهدايا، وهذا يؤدي إلى القمار الممنوع شرعًا، والذي بدوره يولد العداوة والبغضاء في قلوب الخاسرين، وعلى التنزل أن البائع لم يرفع السعر من أجل ذلك فإن إباحة هذه الصورة ذريعة للوقوع في الميسر، ومعلوم أن من القواعد الأصولية في الشريعة سد الذرائع، فلو لم يكن في المنع إلا سد الذرائع لكان كافيًا.
ونوقش هذا:
بأننا نشترط ألا يرفع سعر السلعة في مقابل الهدية، وهذا يمكن التحقق منه اليوم بسهولة عن طريق معرفة سعر مثلها في السوق، فإذا لم يزد البائع في سعر
стр. 1739
السلعة فلا تعتبر من القمار؛ لأن المشتري لا يدفع شيئًا مقابل الهدية، وإنما يدفع قيمة السلعة فقط، فالمشتري إما أن يكون غانمًا بتحصيل الهدية، وإما أن يكون سالمًا من الغرم.
وجه من قال بالجواز:
أن البائع إذا لم يزد في الثمن من أجل الهدية فإن هذه الأعيان الموضوعة في بعض السلع تعد من قبيل الهدية، وهي عقد تبرع، ولا يشترط العلم بالهدية، ويغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات.
ويجاب:
بأن التاجر حين وضع هدية لها قيمة مع بعض السلع، وربط ذلك بالشراء كان ذلك تخفيضًا منه لقيمة السلعة الأصلية، والتجار تارة يخفضون قيمة السلع عن السوق، وتارة يكون التخفيض بإضافة سلعة أخرى للمبيع، كمن يقول: اشتر سلعة، واحصل على الأخرى مجانًا، فالحقيقة أن السلعة الأخرى ليست مجانًا، وإنما باع التاجر السلعة بنصف قيمتها، وحتى يسوق بقية السلع جعل التخفيض في صورة الهبة ليستفيد التاجر في بيع سلعتين بدلًا من سلعة واحدة.
الراجح من الخلاف:
القول بالتحريم أقوى، لأننا إذا حرمنا وضع الهدية المجهولة مع كل سلعة كان أولى بالتحريم وضع الهدية المجهولة مع بعض السلع، والله أعلم.
* * *
стр. 1740
المسألة الثالثة
أن تكون الهدية معلومة والحصول عليها غير معلوم
في المسألتين الماضيتين كانت السلعة مجهولة للمشتري، سواء أكان الحصول عليها مقطوعًا به لكل مشتر، أم كان الحصول عليها غير مقطوع به، كأن يحصل عليها بعضهم دون بعض، وأما مسألتنا هذه فالهدية معلومة بالمشاهدة، كأن يضع سيارة أمام المحل، ويمنح كل مشتر رقمًا أو بطاقة تخوله الدخول في السحب، فإذا انتهت المدة أجريت القرعة، فمن خرج رقمه أو بطاقته فهو الفائز، وليس لغيره شيء، وقد يجعل بعض التجار بدل الجائزة الواحدة عدة جوائز تكون متفاوتة في القيمة، فمن خرج اسمه أولًا استحق الجائزة الكبرى، ومن خرج اسمه ثانيًا استحق التي تليها، وهكذا.
والحصول على الجائزة معلق على أمر احتمالي تخفى عاقبته، والسؤال ما حكم هذا النوع من الحوافز.
وللجواب على هذا نقول: هذه الحوافز لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يزاد في قيم السلع بسبب الهدية.
الحال الثانية: ألا يزاد في قيم السلع من أجل الهدية.
وسوف نبحث كلام أهل العلم في كل حالة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 1741
الحال الأولى
أن يزاد في قيمة السلعة من أجل الهدية
[ن-٣١] إذا زاد التاجر في قيم السلع عن ثمن مثلها من أجل الهدية فإن الدخول في هذا النوع من الجوائز يعتبر من القمار المحرم؛ لأن المشارك يبذل مالًا زائدًا على ثمن السلعة رجاء حصوله على الهدية، فقد تحصل له، وقد لا تحصل له، فهو بين أن يفوز بالهدية فيكون غانمًا، وبين ألا يفوز بها، فيكون غارمًا، وهذا هو الميسر الذي حرمه الله في كتابه.
فإن قيل: إن ما يزاد في قيمة السلعة يعتبر يسيرًا ليس له وقع في الثمن، وقد جرت عادة الناس بالتغابن بمثله.
فالجواب: أنه لا فرق في القمار بين أن يكون المبلغ المقامر به قليلًا أو كثيرًا ما دام أن مناط الحكم موجود، وعلته قائمة، فكما أن الشارع لم يرخص في اليسير من الربا، سواء أكان ذلك في الفضل أو في النسأ، ولم يرخص في اليسير من الخمر، فكذلك هنا، ولهذا لم تكن يسارة المبلغ المقامر به في اليانصيب موجبة للحل عند أحد من العلماء، إذ لو فتح هذا الباب لتدرج الناس منه إلى المحارم، واستحلوا العظائم (١).
* * *
стр. 1742
فرع
لو كان السحب على أموال المتبرعين لجهة خيريه
ت (بطاقات تبرع) وتحمل هذه البطاقات أرقامًا خاصة على كل من يتبرع لها بمبلغ من المال، ومن ثم يجري سحب على هذه الأرقام وصاحب الرقم الفائز سوف تمنحه اللجنة جائزة قيمة. فما حكم هذا النوع من السحب؟
هذا العمل لا يجوز؛ لأن الحصول على الجائزة مشروط بالتبرع، ويخشى أن يكون المتبرع إنما تبرع من أجل الحصول على الجائزة، ولولا الجائزة لم يتبرع، فيأخذ التبرع هنا حكم المعاوضة، وليس من قبيل التبرع المحض، وإذا أخذ حكم المعاوضة صار الداخل في هذه المعاملة مترددًا بين أن يكون غانمًا وذلك بالحصول على الجائزة، وبين أن يكون غارمًا بأن يخسر ماله الذي قدمه، وهذا حقيقة القمار.
وبهذا أفتت لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت (١).
стр. 1743
الحال الثانية
ألا يزاد في قيم السلع من أجل الهدية
[ن-٣٣] إذا كان التاجر يبيع السلع بقيمة مثلها، وقد وضع جائزة يجري السحب عليها عن طريق القرعة، فما حكم الدخول في هذا النوع من الجوائز علمًا أن المشتري قد اشترى السلعة لحاجته إليها، ولم يكن الباعث على الشراء هو الحصول على الهدية؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول بالتحريم، وقد ذهب إلى هذا سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم (١)، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، وفضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين (٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في البلاد السعودية (٤)، وهو قول قديم لفضيلة شيخنا محمد بن عثيمين (٥).
وجه القول بالتحريم:
الوجه الأول:
أن كل عقد معلق على خطر الحدوث من عدمه غير جائز شرعًا، وهو من
стр. 1744
القمار، وإن لم يكن من القمار فهو ذريعة ووسيلة قوية إليه، وقد تقرر في الشريعة سد الذرائع المفضية إلى المحرمات، وهذا من أقوى الأدلة على التحريم.
الوجه الثاني:
أن استعمال القرعة في المسابقات التجارية لتحديد الفائز لا يجوز؛ لأنها من قبيل اليانصيب المحرمة التي تتضمن القمار، فهي تؤدي إلى حصر الفائزين في فئة معينة، وأما بقية المشاركين فيخسرون، ولا يحصلون على فائدة.
ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين ورقة اليانصيب وبين القرعة، فالمشتري لورقة اليانصيب اشتراها قصدًا ليربح بالحظ، فيكون قمارًا، وأما هذا فقد اشترى البضاعة قاصدًا لها، محتاجًا إليها بسعر مثلها، وقد تبرعت الشركة بجائزة، وجعلت هذا الحق للمشتري، فتزاحمت الحقوق لوجود مجموعة من المشترين، ولم يكن هناك سبب لتفضيل بعضهم على بعض فكان الفصل بينهم بالقرعة، والفصل بالقرعة أمر مشروع عند تزاحم الحقوق.
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
(ح-٢٤١) ومن السنة ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (١).
وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه.
стр. 1745
الوجه الثالث:
أن وضع الجوائز الكبيرة تغري الناس في الشراء، وترغبهم فيه، فيكون ذلك داعية إلى إسراف وضياع مال.
ونوقش هذا:
بأن القول بالجواز مشروط بأن يكون المشتري قد اشترى السلعة لحاجته، ولم يكن الباعث على الشراء الحصول على الجائزة.
الوجه الرابع:
أن ذلك يعود الناس على الكسل، وانتظار المكاسب الوهمية.
ونوقش هذا:
لا يوجد أحد من الناس يعتمد في كسبه على مثل هذه الجوائز حتى يقال: إن مثل هذه الجوائز تعود الناس على الكسل.
القول الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى القول بجواز هذه الحوافز لكن بشروط، وهذا الاختيار هو آخر القولين لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١)، والشيخ محمد عثمان شبير (٢)، وأفتى به الدكتور يوسف القرضاوي (٣)، ولجنة الفتوى
стр. 1746
في بيت التمويل الكويتي (١)، وهيئة الفتوى لبنك دبي الإسلامي (٢)، واختاره من طلبة العلم الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان (٣).
وقد وضعوا للجواز ثلاثة شروط:
الشرط الأول:
شرط يعود إلى السلعة، وهو ألا يزاد في قيمة السلعة من أجل الهدية حتى لا يكون هناك قمار، ويكون المشتري مترددًا بين الغنم والغرم.
ونوقش هذا:
بأن الأسعار يصعب ضبطها، لاسيما مع اختلاف السلع وتنوعها، وقيام بعضها مقام بعض، وبعض السلع لا تباع إلا من جهة البائع فلا يعرف سعرها عن طريق السوق.
ويجاب:
بأن معرفة هذا ممكن وذلك بالنظر إلى قيمة السلعة قبل وضع الجائزة، وقيمتها بعدها، ومع ذلك إذا لم يمكن معرفة قيمة السلعة على وجه الدقة ترك هذا لأمانة البائع، وحرصه على الحلال.
الشرط الثاني:
شرط يعود على المشتري، وهو أن يشتري السلعة لحاجته إليها، فإن
стр. 1747
اشترى السلعة من أجل الجائزة فهو يقامر؛ لأنه قد يحصل عليها وقد لا يحصل عليها.
ونوقش هذا الشرط:
بأن العلم بالمقاصد متعذر فإن ما في القلوب لا يطلع عليه إلا علام الغيوب، وما يدرينا أنه اشتراها لحاجته، أو مخاطرة من أجل الجائزة.
ورد هذا:
بأن الباعث على الشراء إن علم ذلك بالقرائن أو بغلبة الظن حرم على البائع البيع عليه، وإن لم يعلم فإن ذلك يوكل إلى دين المشتري وذمته، ومثل ذلك كثير في الفقه، كشراء العنب لمن يعصره خمرًا، أو شراء السلاح بقصد القتل، أو غير ذلك من البواعث المحرمة.
الشرط الثالث:
شرط يعود على البائع، وهو أن يكون قصده من الهدية الترويج للسلعة، وليس الإضرار بغيره من التجار، أو الإضرار بالسوق، لقوله ﷺ : لا ضرر ولا ضرار، وهو حديث حسن (١).
(ح-٢٤٢) ولما رواه الشيخان من طريق قتادة،
عن أنس مرفوعًا: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢).
وقد استدل من قال بالجواز بالشروط السابقة:
أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة ما لم يقم دليل على التحريم، ولا
стр. 1748
دليل هنا يعتمد عليه في منع هذه الصورة من الجوائز، وما ذكر من الشروط للإباحة إنما هو احتراز من قيام أسباب التحريم من القمار وإضاعة المال.
القول الثالث:
ذهب الشيخ الزرقاء ﵀ إلى التفريق بين الجوائز البسيطة المعتادة بين التجار كقلم، وساعة يد، وبين الجوائز ذات القيمة الكبيرة كالسيارة، والثلاجة، فأجاز الجوائز البسيطة؛ لأنها تقدمة تعبيرية عن تقديرات التاجر لذلك الزبون، ومنع الجوائز ذات القيمة الكبيرة؛ لأنها من قبيل اليانصيب التجاري الذي هو الآن في نظر علماء الشريعة ضرب من المقامرة محرم يأثم فيه الطرفان التاجر والزبون، ولا يكون ما يستحقه بهذه الطريقة حلالًا، ولاسيما أنه يضر اقتصاديًا بالتجار الذين لا يملكون مثل هذه الوسائل القامرية المغرية، فيصرف عنهم الناس، ويخرجهم من السوق، وهذا ضرر اقتصادي كبير.
الراجح:
كل قول من هذه الأقوال له ما يؤيده، وإن كنت أميل إلى القول الأخير باعتبار أن مثل هذه الهدايا لا تبعث المشتري على الشراء من أجل الحصول على الهدية بخلاف الهدايا ذات القيمة الكبيرة، والله أعلم.
* * *
стр. 1749
الصورة الثالثة
أن يكون بذل الهدية دون وعد سابق على الشراء
[ن-٣٤] تكلمنا في الصورة الأولى: أن تبذل الهدية بلا مقابل، وفي الصورة الثانية: أن يكون بذل الحوافز بشرط الشراء، وفي هذه الصورة نوع آخر من الحوافز، فقد يبذل التاجر هدية دون أن يكون قد التزم بذلك بوعد سابق على عقد الشراء، فالباعث على الشراء قد خلا من الإغراء بتقديم الحوافز، والمشتري لم يعلم بحصوله على الهدية إلا عندما تم الإيجاب والقبول.
وإنما قصد بذلك ترغيب المشتري بتكرار الشراء منه، أو قصد إكرامه بهذه الهدية مكافأة له على اختيار الشراء منه، أو لغيرها من الأسباب.
وسواء اعتبرنا هذه الجائزة هبة محضة نظرًا إلى ظاهر اللفظ.
أو اعتبرناها زيادة في المبيع بعد تمام العقد، لأن البيع هو السبب في حصول الهدية. قال ابن تيمية ﵀: «الهدية إذا كانت بسبب ألحقت به» (١).
وجاء في القواعد لابن رجب: «تعتبر الأسباب في عقود التمليكات، كما تعتبر في الأيمان، ويتخرج على هذا مسائل متعددة .... » ذكر منها:
هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك، فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها فلها الرجوع فيها، نص عليه أحمد في رواية عبد الله ....
ومنها ما نص عليه أحمد في رواية ابن ماهان فيمن اشترى لحمًا، ثم استزاده البائع، فزاده، ثم رد اللحم بعيب، فالزيادة لصاحب اللحم؛ لأنها أخذت بسبب
стр. 1750
اللحم، فجعلها تابعة للعقد في الرد؛ لأنها مأخوذة بسببه، وإن كانت غير لاحقة به» (١).
أو اعتبرناها حطًا من الثمن، قال في مطالب أولي النهى: «وهبة بائع لوكيل اشترى منه كنقص من الثمن، فتلتحق بالعقد؛ لأنها لموكله، وهو المشتري، ويخير بها».
فكل هذه التخريجات تدل على جواز مثل تلك الهدايا، وإن كان الاعتبار الثالث هو أضعفها، لأن البائع في الحقيقة لم يحط من الثمن شيئًا، فثمن السلعة لم يطرأ عليه تغيير، ولو اعتبرناها جزءًا من المبيع لطبق عليها أحكام البيع، من اشتراط العلم بها، والرد بالعيب ونحوه، ولا يظهر لي هذا، فأقوى التخريجات اعتبارها هدية على سبب، وهو وجود العقد، واختلفت الهدية في هذه الصورة عن الهدايا في الصور السابقة؛ لأن الهدايا في الصور السابقة قد التزم بها البائع بوعد سابق على عقد الشراء، بخلاف هذه الصورة فإن المشتري لم يعلم بحصوله على الهدية إلا عندما تم الإيجاب والقبول والله أعلم.
* * *
стр. 1751
[ن-٣٥] في البنوك التجارية يوجد نوعان من الحسابات: حسابات جارية، وأخرى آجلة، والآجلة أنواع، منها ما يسمى بحسابات التوفير، فهي نوع من الودائع المصرفية الآجلة.
وفي الحسابات الجارية لا يدفع البنك في الغالب عليها أية فوائد، ولصاحبها الحق في أن يسحبها في أي وقت شاء.
وأما حسابات التوفير فإنها لا تسحب كامل المبلغ دفعة واحدة إلا بعد إشعار ومضي مدة معينة متفق عليها، و تدفع البنوك الربوية فوائد مضمونة معلومة المقدار مستحقة بمضي تلك المدة، ولا يعلق الاستحقاق على وجود الأرباح، بينما في البنوك الإسلامية يكون العائد غير معلوم المقدار، ويعلق الاستحقاق على وجود أرباح حقيقية، ويستحق صاحبه نسبة مئوية من الربح، وإن خسر البنك جهده خسر العميل ماله. وقد أخذت تلك البنوك على صرف جوائز عن طريق السحب على تلك الشهادات؟
وقد اختلف العلماء في حكم جوائز البنوك على حسابات التوفير على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
القول بالتحريم مطلقًا، سواء أكانت تلك الجوائز من البنوك التقليدية (الربوية) أم كانت من المصارف الإسلامية، وهذا ما ذهبت إليه لجنة الرقابة الشرعية لمصرف قطر الإسلامي (١).
стр. 1752
وجه القول بالتحريم مطلقًا:
أما تحريم الجوائز من البنوك الربوية؛ فلأن حساب التوفير هو في حقيقته قرض ربوي، وصاحب الحساب مقرض، والبنك مقترض، وأخذ الجوائز على القروض محرم شرعًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى قرض جر نفعًا.
وأما وجه تحريم الجوائز من المصارف الإسلامية؛ فلأن هذا يعد تقليدًا للغرب، وحثًا للناس على الاستهلاك، وشراء ما لا يحتاجون إليه.
ونوقش هذا:
بأن تقليد الغرب في وسائل المعاملات المالية الأصل فيه الإباحة ما لم يوجد ما يمنع منه شرعًا، بل ربما يأخذ تقليد الغرب الأحكام التكليفية الخمسة.
فإن كان التقليد في الأمور المباحة كالمعاملات المالية المباحة كان التقليد مباحًا، وإن كان التقليد في الأمور المطلوبة كان التقليد مطلوبًا وجوبًا أو استحبابًا، وإن كان التقليد في الأمور المحرمة كان التقليد محرمًا، أو في الأمور المكروهة كان مكروهًا.
وأما دعوى أن الناس قد يدفعهم ذلك إلى الإسراف، فسبق الجواب عليه، وهذا ممكن أ ن يقال في الجوائز على الشراء، وليس في الجوائز على حسابات التوفير، والله أعلم.
القول الثاني:
القول بجواز هذه الجوائز مطلقًا، وهذا ما اختاره الشيخ جاد الحق.
стр. 1753
وجه من قال بالجواز:
جاء في جواب على سؤال وجه لفضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وكان نص السؤال: «أولًا: هل الجوائز التي يحصل عليها أصحاب شهادات الاستثمار من فئة (ج -) حلال أم حرام (١).
ثانيًا: السائل لديه دفاتر توفير في بنك الإسكندرية باسم أولاده - وقد تنازل عن الفائدة؛ لأنها ربا محرم، ولكن البنك يجرى على الدفاتر سحبًا شهريًا بجوائز لها - فما هو الحكم الشرعي لهذه الجوائز؟
فأجاب فضيلته: «إن الجوائز التي تعطى للفائزين من أصحاب شهادات الاستثمار من الفئة (ج -) وللمدخرين في دفاتر التوفير تدخل في نطاق الوعد بجائزة الذي أباحه بعض الفقهاء.
أما الفائدة المحددة مقدمًا .... بواقع كذا في المائة فهي المحرمة، لأنها من باب ربا الزيادة المحرم شرعًا، ولما كان ذلك فإنه يباح للسائل أن يحصل على
стр. 1754
الجائزة عن شهادات الاستثمار فئة (ج) أو عن دفاتر التوفير، أما الفوائد فإنها محرمة، والله أعلم» (١).
ويناقش:
بأن ما يعطيه البنك لا يدخل في نطاق ما يسمى بالوعد بالجائزة لسببين:
الأول: أن ما يدفعه صاحب حساب التوفير هو قرض، وليس وديعة، لأن الوديعة أمانة في يد المودَع لا يملكها، ولا يتصرف فيها، بينما البنك يأخذ هذه الأموال من أصحاب الحساب، ويتملكها، ويستثمرها، وإذا تصرف المودَع في الوديعة، فإن كانت الوديعة من العروض كالكتاب والسيارة فإنها تتحول إلى عارية، وإن كان الوديعة نقودًا تهلك بالاستعمال فإنها تتحول إلى قرض، هذا هو القول الصحيح في توصيف وديعة المصارف، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الخلاف في توصيف الوديعة المصرفية. وإذا كانت قروضًا فإنه لا يجوز أخذ الجائزة على القرض؛ لأنها تؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا على المقرض، وهذا لا يجوز.
ثانيًا: أن البنوك الربوية تحدد فائدة ربوية على الودائع ابتداء، ثم منهم من يصرح بالفائدة ويوزعها بعد ستة أشهر، أو أكثر أو أقل، ومنهم من يخفي ذلك، ويوزعها بالقرعة على بعض المستثمرين، وهذا أسوأ من الأول، لأنه جمع بين الربا والقمار.
القول الثالث:
القول بالتفصيل: فيحرم أخذ الجوائز من البنوك التقليدية، ويجوز أخذها من المصارف الإسلامية بشرط أن تكون تلك الجوائز من أرباح أصحاب الأسهم،
стр. 1755
وأن يكون مجلس الإدارة مخولًا بذلك، ولا يجوز إخراج الجوائز من أرباح المودعين؛ لأن ذلك يؤدي لإخراج جزء من حصة أصحاب المودعين على سبيل التبرع، وهو ممنوع شرعًا؛ إذا لا يجوز للمضارب (البنك) التبرع من مال المضاربة إلا بإذن رب المال (أصحاب الحسابات الاستثمارية). وهذا ما ذهبت إليه لجنة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (١)، ورجحه الشيخ محمد عثمان شبير (٢).
وجه القول بالتفريق:
أن العقد بين البنك الربوي وبين أصحاب حسابات التوفير هو عقد قرض كما تقدم، والمقرض هو صاحب الحساب، ولا يجوز له أن ينتفع من المقترض بشيء بسبب القرض؛ لأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا.
والقول بأن حساب التوفير أو شهادات الاستثمار هي من قبيل شركة المضاربة الشرعية، دعوى بلا دليل لأسباب منها:
أولًا: أن البنك يضمن لصاحب الحساب رأس ماله، وضمان رأس المال في عقد المضاربة باطل.
ثانيًا: يضمن البنك لصاحب الحساب الربح. وضمان الربح في عقد المضاربة باطل أيضًا.
ثالثًا: أن البنك يحدد للعميل مقدارًا معلومًا من الأرباح حتى قبل أن يتجر البنك بمال العميل، فالبنك لا يكتفي بأن يضمن للعميل عدم الخسارة، ولا الربح فقط، بل يحدد له مقدارًا معلومًا من الربح بحسب طول مدة القرض.