← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

[ن-٣٥] في البنوك التجارية يوجد نوعان من الحسابات: حسابات جارية، وأخرى آجلة، والآجلة أنواع، منها ما يسمى بحسابات التوفير، فهي نوع من الودائع المصرفية الآجلة. وفي الحسابات الجارية لا يدفع البنك في الغالب عليها أية فوائد، ولصاحبها الحق في أن يسحبها في أي وقت شاء. وأما حسابات التوفير فإنها لا تسحب كامل المبلغ دفعة واحدة إلا بعد إشعار ومضي مدة معينة متفق عليها، و تدفع البنوك الربوية فوائد مضمونة معلومة المقدار مستحقة بمضي تلك المدة، ولا يعلق الاستحقاق على وجود الأرباح، بينما في البنوك الإسلامية يكون العائد غير معلوم المقدار، ويعلق الاستحقاق على وجود أرباح حقيقية، ويستحق صاحبه نسبة مئوية من الربح، وإن خسر البنك جهده خسر العميل ماله. وقد أخذت تلك البنوك على صرف جوائز عن طريق السحب على تلك الشهادات؟ وقد اختلف العلماء في حكم جوائز البنوك على حسابات التوفير على ثلاثة أقوال. القول الأول: القول بالتحريم مطلقًا، سواء أكانت تلك الجوائز من البنوك التقليدية (الربوية) أم كانت من المصارف الإسلامية، وهذا ما ذهبت إليه لجنة الرقابة الشرعية لمصرف قطر الإسلامي (١).

стр. 1752

وجه القول بالتحريم مطلقًا: أما تحريم الجوائز من البنوك الربوية؛ فلأن حساب التوفير هو في حقيقته قرض ربوي، وصاحب الحساب مقرض، والبنك مقترض، وأخذ الجوائز على القروض محرم شرعًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى قرض جر نفعًا. وأما وجه تحريم الجوائز من المصارف الإسلامية؛ فلأن هذا يعد تقليدًا للغرب، وحثًا للناس على الاستهلاك، وشراء ما لا يحتاجون إليه. ونوقش هذا: بأن تقليد الغرب في وسائل المعاملات المالية الأصل فيه الإباحة ما لم يوجد ما يمنع منه شرعًا، بل ربما يأخذ تقليد الغرب الأحكام التكليفية الخمسة. فإن كان التقليد في الأمور المباحة كالمعاملات المالية المباحة كان التقليد مباحًا، وإن كان التقليد في الأمور المطلوبة كان التقليد مطلوبًا وجوبًا أو استحبابًا، وإن كان التقليد في الأمور المحرمة كان التقليد محرمًا، أو في الأمور المكروهة كان مكروهًا. وأما دعوى أن الناس قد يدفعهم ذلك إلى الإسراف، فسبق الجواب عليه، وهذا ممكن أ ن يقال في الجوائز على الشراء، وليس في الجوائز على حسابات التوفير، والله أعلم. القول الثاني: القول بجواز هذه الجوائز مطلقًا، وهذا ما اختاره الشيخ جاد الحق.

стр. 1753

وجه من قال بالجواز: جاء في جواب على سؤال وجه لفضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وكان نص السؤال: «أولًا: هل الجوائز التي يحصل عليها أصحاب شهادات الاستثمار من فئة (ج -) حلال أم حرام (١). ثانيًا: السائل لديه دفاتر توفير في بنك الإسكندرية باسم أولاده - وقد تنازل عن الفائدة؛ لأنها ربا محرم، ولكن البنك يجرى على الدفاتر سحبًا شهريًا بجوائز لها - فما هو الحكم الشرعي لهذه الجوائز؟ فأجاب فضيلته: «إن الجوائز التي تعطى للفائزين من أصحاب شهادات الاستثمار من الفئة (ج -) وللمدخرين في دفاتر التوفير تدخل في نطاق الوعد بجائزة الذي أباحه بعض الفقهاء. أما الفائدة المحددة مقدمًا .... بواقع كذا في المائة فهي المحرمة، لأنها من باب ربا الزيادة المحرم شرعًا، ولما كان ذلك فإنه يباح للسائل أن يحصل على

стр. 1754

الجائزة عن شهادات الاستثمار فئة (ج) أو عن دفاتر التوفير، أما الفوائد فإنها محرمة، والله أعلم» (١). ويناقش: بأن ما يعطيه البنك لا يدخل في نطاق ما يسمى بالوعد بالجائزة لسببين: الأول: أن ما يدفعه صاحب حساب التوفير هو قرض، وليس وديعة، لأن الوديعة أمانة في يد المودَع لا يملكها، ولا يتصرف فيها، بينما البنك يأخذ هذه الأموال من أصحاب الحساب، ويتملكها، ويستثمرها، وإذا تصرف المودَع في الوديعة، فإن كانت الوديعة من العروض كالكتاب والسيارة فإنها تتحول إلى عارية، وإن كان الوديعة نقودًا تهلك بالاستعمال فإنها تتحول إلى قرض، هذا هو القول الصحيح في توصيف وديعة المصارف، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الخلاف في توصيف الوديعة المصرفية. وإذا كانت قروضًا فإنه لا يجوز أخذ الجائزة على القرض؛ لأنها تؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا على المقرض، وهذا لا يجوز. ثانيًا: أن البنوك الربوية تحدد فائدة ربوية على الودائع ابتداء، ثم منهم من يصرح بالفائدة ويوزعها بعد ستة أشهر، أو أكثر أو أقل، ومنهم من يخفي ذلك، ويوزعها بالقرعة على بعض المستثمرين، وهذا أسوأ من الأول، لأنه جمع بين الربا والقمار. القول الثالث: القول بالتفصيل: فيحرم أخذ الجوائز من البنوك التقليدية، ويجوز أخذها من المصارف الإسلامية بشرط أن تكون تلك الجوائز من أرباح أصحاب الأسهم،

стр. 1755

وأن يكون مجلس الإدارة مخولًا بذلك، ولا يجوز إخراج الجوائز من أرباح المودعين؛ لأن ذلك يؤدي لإخراج جزء من حصة أصحاب المودعين على سبيل التبرع، وهو ممنوع شرعًا؛ إذا لا يجوز للمضارب (البنك) التبرع من مال المضاربة إلا بإذن رب المال (أصحاب الحسابات الاستثمارية). وهذا ما ذهبت إليه لجنة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (١)، ورجحه الشيخ محمد عثمان شبير (٢). وجه القول بالتفريق: أن العقد بين البنك الربوي وبين أصحاب حسابات التوفير هو عقد قرض كما تقدم، والمقرض هو صاحب الحساب، ولا يجوز له أن ينتفع من المقترض بشيء بسبب القرض؛ لأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا. والقول بأن حساب التوفير أو شهادات الاستثمار هي من قبيل شركة المضاربة الشرعية، دعوى بلا دليل لأسباب منها: أولًا: أن البنك يضمن لصاحب الحساب رأس ماله، وضمان رأس المال في عقد المضاربة باطل. ثانيًا: يضمن البنك لصاحب الحساب الربح. وضمان الربح في عقد المضاربة باطل أيضًا. ثالثًا: أن البنك يحدد للعميل مقدارًا معلومًا من الأرباح حتى قبل أن يتجر البنك بمال العميل، فالبنك لا يكتفي بأن يضمن للعميل عدم الخسارة، ولا الربح فقط، بل يحدد له مقدارًا معلومًا من الربح بحسب طول مدة القرض.

стр. 1756

بينما يشترط في المضاربة الصحيحة ألا يحدد الربح سلفًا، وأن يكون الربح شائعًا بين المضارب ورب المال، فلا يجوز أن يشترط أحدهما جزءًا معلومًا من الربح، وهذا الشرط نص عليه جميع الفقهاء من المذاهب الأربعة المعتمدة. فإذا لم يكن المال الذي أخذه البنك التجاري مضاربة، فإنه سيكون قرضًا، والقرض لا يجوز أخذ الجوائز عليه؛ لأنها من قبيل الربا. وأما أصحاب حسابات التوفير في البنوك الإسلامية فهم في الحقيقة دفعوا أموالهم لتستثمر لهم، والعقد بينهم وبين البنك عقد مضاربة، فالبنك: هو المضارِب، ومنه العمل، وهو الاتجار بالمال طلبًا للربح. ورب المال: هو صاحب حساب التوفير، حيث يدفع ماله للبنك ليتجر فيه، ويتحملا الغرم معًا، والربح لهما على ما شرطاه، ففي حال الخسارة يخسر البنك جهده وعمله، ويخسر رب المال ماله، وفي حال الربح فإنه يشترط أن يكون جزءًا شائعًا كالنصف أو الثلث، فإن شرطا مقدارًا معينًا من المال فسدت المضاربة، هذا هو الفارق الجوهري بين عمل البنوك الربوية وبين عمل المصارف الإسلامية. فإذا أعطى المصرف الإسلامي أصحاب حسابات التوفير جوائز على ذلك فإن ذلك يعد من قبيل الهبة، لأن البنك في هذه الحالة ليس مقترضًا، وإنما هو مضارب لصاحب المال، والباعث على دفع البنك جوائز لشركائه هو تشجيع أصحاب المال لاستقطاب أكثر عدد ممكن من العملاء (الشركاء) بطريقة لا تفضي إلى محظور شرعًا، وإذا كان التقديم مسبوقًا بالإعلان فيكون ذلك وعدًا بالهبة، سواء أكان الوعد لجميع العملاء أم كان ذلك لبعضهم طبقًا لمواصفات معينة، والجهالة هنا مغتفرة كما هو مقرر في عقود التبرعات، ولا يشبه هذا القمار؛ لأن العميل لم يدفع شيئًا حتى يتردد بين أن يكون غانمًا أو غارمًا ..

стр. 1757

الراجح: أرى أن القول بالتفصيل هو القول الوسط، فالسحب على حسابات التوفير إن كانت صادرة من المصارف الإسلامية فالجوائز جائزة، وإن كانت من البنوك التقليدية فهي محرمة، والله أعلم. * * *

стр. 1758

الصورة الخامسة بطاقات التخفيض المسألة الأولى التعريف ببطاقات التخفيض وبيان أقسامها تعريفها: عبارة عن قطعة صغيرة من البلاستيك أو غيره، يكتب عليها اسم المستفيد والجهة المصدرة لها، وتمنح حاملها حسمًا من أسعار سلع وخدمات مؤسسات وشركات معينة مدة صلاحية البطاقة. وهي على نوعين: النوع الأول: بطاقة التخفيض العامة: وهي بطاقات يتولى إصدارها في الغالب شركات السياحة والدعاية، والإعلان، أو الجمعيات التعاونية، أو الأندية، وتمنح حاملها حسمًا في أسعار السلع والخدمات لدى جهات تجارية عديدة، من الفنادق والمطاعم والمستشفيات والمدارس ومكاتب السفر والسياحة. النوع الثاني: بطاقة التخفيض الخاصة: وهي بطاقة تصدرها بعض الشركات والمؤسسات، وتمنح حاملها حسمًا لدى جميع سلعها وخدماتها في جميع فروعها. الفرق بين بطاقة التخفيض العامة وبطاقة التخفيض الخاصة: الفرق بين بطاقات التخفيض العامة والبطاقة الخاصة من وجهين:

стр. 1759

الوجه الأول: أن البطاقات العامة يستفيد المستهلك بالتخفيض من جهات تجارية عديدة من فنادق ومطاعم ومراكز تسوق، ومستشفيات ونحوها. أما البطاقات الخاصة فلا يستفيد العميل إلا من جهة واحدة، وهي الجهة التي أصدرتها. الوجه الثاني: أن البطاقات التخفيضية العامة أطرافها ثلاثة: (١) المصدر للبطاقة، وهي الجهة القائمة على برنامج التخفيض والمنظمة له، حيث تقوم بإصدار البطاقات التخفيضية والتنسيق مع الجهات التجارية المشتركة، ومتابعتها في الوفاء بما تعهدت به من تخفيض سلعها، وخدماتها، وهذه الجهة غالبًا ما تكون شركات السفر والسياحة، أو شركات الدعاية والإعلان. (٢) الجهات التجارية المشتركة في هذه البطاقة، والمانحة للتخفيض. (٣) حامل البطاقة، وهو العميل أو المستهلك وأما البطاقات الخاصة فإن أطرافها طرفان فقط: (١) جهة الإصدار. (٢) حامل البطاقة.

стр. 1760

المسألة الثانية توصيف العلاقة بين أطراف البطاقة الثلاثة قبل البحث في حكم بطاقات التخفيض العامة يحسن بنا أن نتكلم عن توصيف العلاقة بين أصحاب البطاقة؛ لأن القول بالتحريم أو الجواز محكوم بهذا التوصيف: العلاقة بين جهة التخفيض وبين جهة الإصدار: [ن-٣٦] يرى القائلون بالتحريم أن العلاقة بين جهة التخفيض (المحلات التجارية، والمطاعم، والفنادق) وبين جهة الإصدار هو عقد إجارة، بحيث تبذل جهة التخفيض رسمًا إما أن يكون مقطوعًا، وإما أن يكون مقدرًا بالنسبة من ثمن المبيعات التي حصل عليها المحل بسبب البطاقة، كأن يعطى ٢% أو ٣% من قيمة المبيعات. والمنفعة التي تستفيدها جهة التخفيض: هي منفعة الدعاية، وجلب كثير من الناس للشراء من هذه المحلات. وإذا كان التوصيف بهذه الصورة، فإن العقد مشتمل على غرر، فقد يحصل الشراء، وقد لا يحصل، وإذا كان كذلك فإنه سيكون محرمًا. كما أن الأجرة إن كانت نسبة من المبيعات، فإن هذه الأجرة مجهولة، فلا ندري قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة. ويناقش: الذي أميل إليه أن العلاقة بين جهة الإصدار وبين شركات التخفيض هي

стр. 1761

علاقة سمسرة، وعقد السمسرة يتسامح فيه بالغرر لقيام الحاجة إلى هذا العقد، لأن السمسار إذا أخذ السلعة قد ينادي عليها الوقت الكثير، ولا يجد مشتريًا، ومع ذلك لا يستحق شيئًا، وقد يجد السمسار المشتري المناسب من حين أن يعلن عن السلعة، ويأخذ أجرته كاملة دون أن يكون هناك كلفة أو مشقة. وإذا كانت أجرة السمسار مقدرة بالنسبة لثمن المبيعات لم يكن هناك ظلم، فإن وجد السمسار مشترين، وحصل الشراء فعلًا استحق السمسار العوض، وإن لم يجد السمسار المشتري لم يستحق شيئًا، وهذا تمام العدل لكل منهما. وقد يقال: إن العلاقة بينهما عقد جعالة، فكأن هذه المحلات قالت: من جاءنا بمن يشتري منا استحق كذا وكذا، وعلى كلا التوصيفين لا يكون الغرر مؤثرًا في صحة العقد؛ لأن السمسرة والجعالة يقبل فيهما الغرر لقيام الحاجة إلى هذه العقود، والله أعلم. العلاقة بين جهة الإصدار وبين المستهلك (حامل البطاقة): يرى بعض العلماء أن العقد بينهما عقد إجارة، وإذا كان الحال كذلك كانت إجارة فاسدة لسببين: السبب الأول: أن المنفعة المعقود عليها، وهو التخفيض من السعر مجهولة، فلا يعلم قدر التخفيض الذي يحصله المستهلك، فقد تكون مشترياته كثيرة، فتكون نسبة التخفيض كبيرة، وقد تكون مشترياته قليلة، فتكون نسبة التخفيض قليلة، وجهالة المعقود عليه في الإجارة يصيرها فاسدة. ويناقش: بأن المعقود عليه أحد أمرين:

стр. 1762

الأمر الأول: أن يكون المعقود عليه هو الحصول على التخفيض، فكأن المستهلك قال لمصدر البطاقة: ائتني بتخفيض ولك كذا وكذا، وقد فعل مصدر البطاقة، فاستحق الجعل أو الأجرة، فعلى هذا تكون الرسوم التي يأخذها مصدر البطاقة من قبيل الجعل أو الأجرة على السمسرة، ولا حرج شرعًا أن يقول شخص لآخر: حصِّل لي تخفيضًا من المحلات التجارية، ولك كذا وكذا، وقد نص الإمام أحمد على جواز أن يقول الرجل لآخر: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة، كما نقل ذلك ابن قدامة في المغني، فإذا جاز العوض مقابل التوسط للحصول على القرض، فالعوض مقابل التوسط للحصول على التخفيض أولى بالجواز. الأمر الثاني: أن يقال: إن المعقود عليه هو الحق في التخفيض، وليس مقدار التخفيض، والحق في التخفيض قد استحقه من حين العقد، خاصة إذا علمنا أن التاجر لا يلحقه خسارة من التخفيض؛ لأن مقدار التخفيض الذي يقبله التاجر هو التنازل عن جزء من الربح، فالتاجر لا يمكن أن يقبل البيع بخسارة، والتقليل من الربح معوض بكثرة البيع، فالربح القليل مع البيع الكثير يصير الربح كثيرًا. على أنه يمكن أن يوصف العقد بين جهة الإصدار وبين المستهلك بأنه عقد ضمان تضمن فيه جهة الإصدار للمضمون له وهو المستهلك الحصول على التخفيض من هذه المحلات الخاصة مقابل مبلغ من المال، وأخذ العوض على الضمان إذا لم يكن من ضمان الديون لا أرى حرجًا في أخذه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في عقد الربا، وأما أخذ العوض على ضمان الديون فلا يجوز حتى لا يؤول إلى قرض جر نفعًا في حال عجز المضمون عنه عن السداد. وإذا

стр. 1763

لم يف الضامن بما ضمن أمكن للمضمون له الرجوع إليه بما دفع له مقابل هذا الضمان. السبب الثاني: أن منفعة التخفيض ليست عند جهة الإصدار فتكون منفعة غير مقدور على تسليمها، وعدم القدرة على التسليم يجعل الإجارة فاسدة. ويناقش: بأن العقد أطرافه ثلاثة، وإذا كان العقد بين جهة الإصدار وبين جهة التخفيض هو عقد سمسرة أو جعالة، فإن جهة التخفيض ملزمة بتنفيذ الاتفاق، باعتبار أن جهة الإصدار مفوضة من المحلات التجارية القابلة للتخفيض، ونائبة عنها، فلا يصح دعوى أن جهة الإصدار لا تملك القدرة على التسليم؛ لأن الوكيل نائب عن الموكل. وإذا أخل أحد بالتزاماته فإنه يمكن الرجوع إلى الجهات الحكومية المختصة التي منحت الترخيص لمثل هذا النشاط، فإنها هي المسئولة عن إلزام كل طرف بتعهداته. العلاقة بين جهة التخفيض وبين المستهلك: العلاقة بين جهة التخفيض وحامل البطاقة هي علاقة بيع وشراء، والمشتري غير ملزم بالشراء، إن شاء اشترى، وإن شاء لم يفعل، وأما البائع فإنه ملزم بالبيع بسعر محدد إذا كانت البضاعة موجودة، والتسعير جائز خاصة إذا كان التسعير جاء من إلزام البائع نفسه بهذا، ولم يلزمه أحد بقبول هذا التسعير، إلا أن التزام البائع لما لم يكن للمستهلك، وإنما كان التزامه لجهة إصدار البطاقة لم يكن المشتري قادرًا على إلزام البائع بالتزام التخفيض، وغاية ما يمكن المستهلك إذا رفض المحل أن يراجع الجهة الضامنة جهة الإصدار.

стр. 1764

وقد أصبح لهذه البطاقات شهرة دولية، وتتعامل مع المراكز التجارية الكبيرة، مما أدى إلى أن يكون الالتزام فيها مستقرًا، وترعاه وزارة التجارة. * * *

стр. 1765

المسألة الثالثة حكم بطاقات التخفيض العامة [ن-٣٧] سبق لنا توصيف خلاف العلماء في توصيف العلاقة بين أطراف بطاقة التخفيض، وبناء عليه يمكن القول بأن بطاقات التخفيض العامة إن كانت مجانية فالتخفيض من قبيل الهبة، والهبة جائزة؛ لخلوها من القمار؛ لأن حامل البطاقة سيكون إما غانمًا أو سالمًا. والجهالة في الهبة على الصحيح لا تؤثر في صحتها، لأنه يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في باب المعاوضات، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وسأنقل نصه قريبًا إن شاء الله تعالى. [ن- ٣٨] وإن كانت بطاقة التخفيض يستحقها حاملها مقابل رسوم يدفعها لمصدر البطاقة، فقد اختلف العلماء فيها، ولما كانت هذه المسألة من النوازل كان الاجتهاد فيها محصورًا بالعلماء المعاصرين، وقد اختلفوا فيها على قولين. القول الأول: القول بتحريم مثل تلك البطاقات. وبه قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١)، وفضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين (٢)، وفضيلة الشيخ بكر ابن عبد الله أبو زيد (٣)، وأخونا الشيخ خالد

стр. 1766

المصلح (١)، وأخونا فضيلة الشيخ خالد ابن علي المشيقح (٢). وأفتت بالتحريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٣)، وبه صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي. جاء في نص القرار: «بطاقات الفنادق وشركات الطيران، والمؤسسات التي تمنح نقاطًا تجلب منافع مباحة، هي جائزة إذا كانت مجانية (بغير عوض) وأما إذا كانت بعوض فإنها غير جائزة لما فيها من الغرر» (٤). وجه القول بالتحريم: يرجع القول بالتحريم إلى تكييف العلاقة بين أطراف البطاقة الثلاثة: أدلة القائلين بتحريم بطاقات التخفيض: ساق القائلون بالتحريم أدلة كثيرة على تحريم مثل هذه البطاقات، منها: الدليل الأول: الجهالة والغرر في هذا العقد، وقد بينا وجه الغرر عند الكلام على توصيف العلاقة بين أصحاب البطاقة في المبحث السابق.

стр. 1767

ويناقش: بأن الاعتقاد بأن المعاملة فيها غرر جاء من اعتقاد أن المعقود عليه هو مقدار التخفيض، وهو غير معلوم، أما إذا اعتبرنا أن المعقود عليه هو العمل على الحصول على حق التخفيض من المحلات التجارية، فإن هذا ليس فيه غرر، أو تكون الأجرة في مقابل الضمان على الحصول على التخفيض إذا أراد الشراء، والضمان إذا لم يكن في باب الديون فلا محذور من المعاوضة عليه، والله أعلم. الدليل الثاني: أن فيها أكلًا للمال بالباطل. ويناقش: بأن أكل المال بالباطل إذا كان أحد العوضين يدفع ماله بلا مقابل، وهذا لا يظهر في بطاقة التخفيض. الدليل الثالث: أن هذه المعاملة كثيرًا ما تكون سببًا للنزاعات والمخاصمات بين أطرافها. ويناقش: بأن معاملات الناس لا تسلم من النزاع، ولكن الكلام على المعاملة نفسها هل هي سبب للوقوع في النزاع بحيث لا يعرف الأطراف الثلاثة في العقد التزامات كل طرف، فإن كانت التزامات كل طرف فيها محددة ومعلومة لم يكن النزاع فيها إلا بسبب شح الناس وطمعهم، وهو ما يوجد في كثير من المعاملات المباحة.

стр. 1768

الدليل الرابع: أن فيها إضرارًا بالتجار الذين لم يشاركوا في برنامج التخفيض. ويناقش: بأن التخفيض الموجود في هذه البطاقة إن كان يؤدي إلى وقوع التجار في الخسارة فيما لو باعوا بمثل هذا التخفيض لم يكن التخفيض مباحًا، وهذا التحريم ليس راجعًا للبطاقة، وإنما هو راجع لأمر آخر، حتى ولو لم يكن عن طريق البطاقة، وإن كان التخفيض يؤدي إلى تقليل أرباح التجار فقط، فالضرر كان بسبب طمعهم وجشعهم. وقد سبق مناقشة هذا في مبحث مستقل. الدليل السادس: أن في هذه البطاقات حصرًا لتداول المال بين طائفة معينة من التجار وهم المشاركون في برنامج التخفيض دون غيرهم. ويجاب عنه بنفس الجواب السابق. الراجح: الذي أميل إليه هو القول بجواز بطاقات التخفيض، وأرى أن أطراف العقد الثلاثة لهم مصلحة في إتمام العقد. فالمصدر للبطاقة يستفيد من الرسوم التي يحصل عليها من البائع والمستهلك، وهو في مقابل عمل وجهد، فهو يذهب ليعقد اتفاقًا مع المحلات التجارية من مطاعم وفنادق ومراكز تسوق وغيرها ويقدم دعاية لتلك المحلات، ويقوم بطبع نشرات تبين مواقع هذه المحلات، ووسيلة الاتصال بها، وتقريبها للمستهلك. وأرى أن عمولة المصدر للبطاقة من قبل البائع بالذات يجب أن تكون مقدرة بالنسبة لثمن المبيعات وليست مبلغًا مقطوعًا حتى يكون الأمر عادلًا، فإذا وجد

стр. 1769

مشتر استحق العوض، وإلا لم يستحق شيئًا، كما في عمل السمسار، وعقد الجعالة. كما أن البائع يستفيد من وجود عدد من المشترين، وكثرة الطلب على السلع تزيد في أرباحه، والتخفيض الحاصل لا يضره إذ هو خصم جزء من الربح يستفيد منه المستهلك، ولا يلحق الضرر بالتاجر. والمستهلك يستفيد بالحصول على حق التخفيض، فهو لا يقدم على البطاقة إلا وهو يعلم أن له حاجة في مثل هذه السلع، فإن اشترى فقد مارس هذا الحق، وإن لم يشتر فالأمر جاء من جهته، وتنازل الشخص عن حقه لا يقدح في هذا الاستحقاق. والله أعلم. ومما يبين مصلحة هذه البطاقة وأهدافها ما ورد في خطاب رئيس مجموعة مركز الأعمال السعودي الدولي، حيث جاء في سؤاله الذي وجهه إلى اللجنة الدائمة ما نصه: «بعد دراسة مستفيضة عن الأسواق التجارية، وأسعار البضائع والخدمات التي تقوم بها المؤسسات للمستهلك، وجدنا أن المستهلك يدفع مبالغ كبيرة، وإنه بالإمكان إيجاد وسيلة للتوفير من هذه المصروفات التي يتكبدها المستهلك، وخاصة ذوي الدخل المحدود منهم. فحرصنا ووفقنا بحمد الله لابتكار وسيلة لإقناع التجار بالإسهام معنا في هذا الهدف، بطريقة عملية وحديثة، تتماشى مع عصر النهضة والتقدم الذي نعيشه، وهذه الوسيلة هي عبارة عن بطاقة يعترف بها التاجر ويحملها المستهلك، وقد أسميناها بـ (بطاقة الأسرة الاقتصادية) واختصرنا الاسم إلى اسم تجاري هو: (بطاقة بيكس) وهذا المسمى يعني: أنها بطاقة يحملها كل الناس، وجعلناها في

стр. 1770

متناول الجميع، وجعلنا لها سعرًا رمزيًا يغطي ما نتكبده من المصاريف، وسعرها مائة وخمسون ريالا فقط، وإليكم شرحًا لأهدافها وفوائدها والتزاماتها تجاه المشتركين فيها: أولا: الأهداف: أ - تخفيف أعباء المعيشة على المواطن والمقيم والزائر لهذا البلد الكريم وكافة الدول العربية والإسلامية التي تقبل هذه البطاقة حاليًا أو مستقبلًا. ب - توجيه المستهلك لشراء حاجته دونما إسراف، ولا حاجة لتكديس ما لا يحتاجه بأسباب التخفيضات الموسمية المؤقتة. جـ - تركيز الاستفادة لصالح ذوي الدخل المحدود. د - إعداد وتعويد جيل المستقبل على التوفير. ثانيا: فوائد البطاقة: أ- توفير الجهد والوقت في البحث عن الأماكن التي يرغب الشراء منها، وذلك بوضع دليل لجميع الأماكن المشاركة لكافة احتياجاته، حيث يوضح له العنوان ونسبة الخصم وعليه الاختيار. ب - المشترك لا يحتاج إلى التخفيضات الموسمية، حيث يتمتع بالتخفيض طوال العام وإن وجدت يستفيد منها أيضًا. جـ - يستطيع الحصول على الخصومات طوال مدة اشتراكه معنا، وفى مختلف مدن المملكة والبلدان الأخرى، ويستطيع حاليًا أن يستفيد من خدماتنا فيما لا يقل عن ألفي متجر، وباب الاشتراك معنا للتجار مفتوح، وليس مخصصًا لتاجر دون الآخر، المهم أن يكون له رغبة بالالتزام بتخفيض أعباء المعيشة على المستهلك.

стр. 1771

د - يوفر المشترك ما لا يقل عن ثلث دخله في السنة، فإذا فرضنا أن مشتركًا دخله الشهري ثلاثة آلاف ريال، يكون دخله السنوي ستة وثلاثين ألفًا، وإذا كان متوسط توفيره معنا ٣٠ % فقط أصبح توفيره (١٠٨٠٠) عشرة آلاف وثمانمائة ريال سنويًا، وذلك نظير اشتراكه بالبطاقة لمدة عام، وباشتراك رمزي قدره مائة وخمسون ريالًا. ثالثا: التزاماتنا تجاه المشتركين: أ - نلتزم بالمتابعة والإشراف والتأكد من أن جميع المحلات ملتزمة بالتخفيض. ب - حل أي مشكله تواجه المشترك من قبل التجار. جـ - دفع نسبة الخصم إن رفض التاجر ذلك. د - تزويد المشترك بكل جديد من المحلات طوال مدة اشتراكه وذلك من خلال جميع فروعنا ووكلائنا المنتشرة في جميع المناطق التي فيها المتاجر المشتركة معنا. هـ - إصدار دليل تجاري كل سنة، فيه شرح عن المتاجر وعناوينها ونسبة الخصم المقدمة له». ا هـ وأعتقد أن هذه الرسالة تكشف بوضوح مقدار المصلحة المتحققة لكل من الأطراف الثلاثة: المصدر للبطاقة، والتاجر، والمستهلك. وبعد أن أنهيت البحث في هذه المسألة وجدت فضيلة الشيخ الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم قد اتفق معي بالقول بالجواز، ويرى أن ثمن الاشتراك مقابل وساطة مصدر البطاقة لدى المحل وإقناعه بالتخفيض للمشتري أجرة على عمل، ولا حرج شرعًا أن يقول شخص لآخر: احصل لي على تخفيض من المحل

стр. 1772

الفلاني، ولك كذا، وقد نص الإمام أحمد على جواز أن يقول الرجل لآخر: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة، كما نقل ذلك ابن قدامة في المغني، فإذا جاز العوض مقابل التوسط للحصول على القرض، فالعوض مقابل التوسط للحصول على التخفيض أولى بالجواز. وهدف بطاقة التخفيض هو تحقيق مصالح الأطراف الثلاثة: التاجر والمشترك والوسيط. فالتاجر ينتفع بتسويق بضاعته، والمشترك ينتفع بالتخفيض، والوسيط بالاشتراك، وإنما نشأ الإشكال من جهة أن المشترك قد يشتري، وقد لا يشتري، فإن اشترى تحققت المصلحة، وإلا خسر هو قيمة الاشتراك، وخسر التاجر أيضًا إن كان قد دفع مبلغًا محددًا للوسيط. وهذا التردد أورث شبهة الغرر. لكن ليس كل ما تردد بين الغنم والغرم، أو بين الانتفاع وبين الخسارة يدخل في باب الغرر الممنوع، ففي بيع العربون يتردد المشتري بين أن يملك السلعة وينتفع بها، وبين أن يغرم إذا لم يشترها ويخسر العربون، وهو مع ذلك جائز عند الإمام أحمد وجمع من السلف، وذلك أن الهدف من العربون ليس المقامرة، وإنما الانتفاع بالسلعة، والتردد بين إمضاء الشراء وعدمه راجع للمشتري، وليس معتمدًا على الحظ أو ما لا يتحقق غالبًا. وحقيقة الغرر المحرم أنه معاوضة احتمالية نتيجتها انتفاع أحد الطرفين على حساب الآخر، فإن كانت المعاملة تحتمل انتفاع كلا الطرفين، وتحتمل مع ذلك انتفاع أحدهما

стр. 1773

وخسارة الآخر، أي أن المعاملة تحتمل الغرر وتحتمل عدمه، فينظر في احتمال كل واحد من الأمرين. فإن كان الغالب هو انتفاع الطرفين، وهذا هو مقصود المعاملة، فهي جائزة، ويغتفر ما فيها من الغرر، وهذا هو ضابط الغرر اليسير الذي نص عليه الفقهاء. أما إن كان احتمال انتفاع أحدهما وخسارة الآخر هو الغالب، وهو مقصود الطرفين، فهذا من الغرر الفاحش الذي لا يغتفر. وشراء بطاقة التخفيض معاملة تحتمل انتفاع الطرفين: المصدر والمشترك. وتحتمل مع ذلك انتفاع المصدر وخسارة المشترك. فإن كان المشترك يحتاج غالبًا للسلع محل التخفيض، وينتفع بحصول التخفيض على أسعارها، فالغالب في هذه الحالة هو انتفاع الطرفين، فيغتفر ما فيها من الغرر؛ لأنه من اليسير المعفو عنه. فشراء البطاقة في هذه الحالة لا حرج فيه إن شاء الله (١). * * *

стр. 1774

المسألة الرابعة حكم بطاقات التخفيض الخاصة [ن-٣٩] عرفنا فيما سبق الفرق بين بطاقة التخفيض العامة، وبين بطاقة التخفيض الخاصة، وأن أهم فرق بينهما أن بطاقة التخفيض الخاصة يتولى إصدارها المحل التجاري الملتزم بالتخفيض، وبالتالي فإن أطراف العقد طرفان فقط: أحدهما: الجهة المصدرة للبطاقة، وهي المحل التجاري الملتزم بالتخفيض، كما لو قام فندق أو مستشفى أو صاحب مكتبة بإصدار بطاقات عن طريق رسوم يدفعونها مثلًا مائة ريال مقابل التخفيض بنسبة معينة تقدر بـ ٢٠% أو أقل أو أكثر. والثاني: المستهلك وهو المستفيد من التخفيض. وهذا النوع من البطاقات لابد أنه أفضل من البطاقة العامة حيث إن جهة الإصدار تملك منفعة التخفيض، والتزامها مباشرة مع المستهلك، بخلاف البطاقة العامة. وقد اختلف العلماء في هذه البطاقة على قولين: القول الأول: يرى تحريم هذه البطاقة . وبهذا أفتى فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١)، وفضيلة الشيخ

стр. 1775

عبد الله بن جبرين (١)، والشيخ محمد عثمان شبير (٢)، ورجحه الشيخ خالد المصلح (٣). وأدلتهم: هي نفس أدلة القول بتحريم بطاقات التخفيض العامة، وقد سبق ذكرها، ومناقشتها فأغنى عن إعادتها.

стр. 1776

القول الثاني: ذهب بعض الباحثين إلى جوازها (١)، ومال إليه أخونا فضيلة الشيخ خالد ابن علي المشيقح (٢). وقيد القول بالجواز بشرطين: الشرط الأول: معرفة نسبة التخفيضات، كأن ينص في العقد على مقدار التخفيض بـ ٢٠% أو ٥٠%. وهذا الشرط لابد منه حتى في بطاقة التخفيض العامة. الشرط الثاني: معرفة ما يكون فيه التخفيضات، كأن يقال: التخفيض على تكاليف الكشف، أو التخفيض على تكاليف الأدوية، أو التخفيض على تكاليف التحاليل. وهكذا بحيث تكون المشتريات محدودة السلع. الراجح: إذا كنت أميل إلى جواز التخفيض في البطاقات العامة فإن الجواز في هذه البطاقات الخاصة لا تختلف عنها في الحكم إن لم تكن هذه البطاقات أولى منها بالجواز. والله أعلم.

стр. 1777

الفصل الثالث البيوع المنهي عنها من أجل الضرر تمهيد في تعريف الضرر كل البيوع المنهي عنها لا بد وأن فيها ضررًا، ولذلك نهى الشارع عنها، وأحكام المعاملات معللة، وليست تعبدية، لأن القصد منها تحقيق العدل بين الناس، ورفع الظلم عنهم، فلا تجد معاملة قد نهى عنها الشارع ولا تتلمس الضرر البين فيها. تعريف الضرر اصطلاحًا (١): الذي يعنينا هنا من الضرر هو الضرر المالي فحسب، ولسنا في صدد الضرر بمفهومه العام، والذي قد يلحق أيضًا غير المال من بدن، أو عرض.

стр. 1778

وقد عرف الشيخ علي الخفيف الضرر المالي بقوله: «كل أذى يصيب الإنسان، فيسبب له خسارة مالية في أمواله، سواء كانت ناتجة عن نقصها، أو عن نقص منافعها، أو عن زوال بعض أوصافها، ونحو ذلك مما يترتب عليه نقص في قيمتها عما كانت عليه قبل حدوث ذلك الضرر» (١). ولقد اعتنى الشارع الحكيم بموضوع الضرر، ومنعه قبل وقوعه، ودفعه بعد وقوعه، برفعه أو تخفيف آثاره، وقعد الفقهاء لذلك مجموعة من القواعد الفقهية الكلية التي تضبطه، وتوضح معالمه العامة، وتعالج آثاره. (ح-٢٤٣) وكان الحديث النبوي، الذي رواه الدارقطني من طريق عثمان ابن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٢). [المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٣).

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1783

يعتبر كما قال أبو داود: من الأحاديث التي يدور الفقه عليها. اهـ بل إن هذا الحديث نصف الفقه، وذلك أن الأحكام: إما لجلب مصلحة، أو لدفع مضرة (١). لأن الشريعة إما أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، والأول تجلب فيه المصالح، والثاني تدفع فيه المضار. وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) فيه نفي الضرر، وليس المراد نفي وقوعه، ولا إمكانه، فدل على أنه لنفي الجواز، وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم، فالحديث يوجب منعه مطلقًا، ويشمل بعمومه الضرر العام والخاص، ويشمل ذلك دفعه قبل الوقوع بطرق الوقاية الممكنة، ورفعه بعد الوقوع بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره، وتمنع تكراره، وتدل أيضًا على وجوب اختيار أهون الشرين لدفع أعظمهما؛ لأن في ذلك تخفيفًا للضرر عندما لا يمكن منعه بتاتًا (٢).

стр. 1784

معنى حديث: لا ضرر ولا ضرار: اختلف العلماء في معنى حديث: (لا ضرر ولا ضرار) هل تكرار الكلمتين من باب التوكيد، أو بينهما اختلاف في المعنى؟ على أربعة أقوال: القول الأول: أن المعنى واحد، وتكرارهما يراد به التوكيد، ذكره بعض الحنفية (١)، واختاره ابن حبيب من المالكية (٢). القول الثاني: الضرر: فعل الواحد، والضرار: أن يضر كل واحد منهما بصاحبه؛ لأن هذا البناء يستعمل كثيرًا بمعنى المفاعلة، كالقتال، والضراب، والسباب، والجلاد، والزحام وهذا اختيار بعض الحنفية (٣)، والباجي من المالكية (٤)، وذكره بعض

стр. 1785

الشافعية (١)، وارتضاه الإمام الزبيدي في تاج العروس (٢). القول الثالث: الضرر: هو مالك فيه منفعة، وعلى غيرك فيه مضرة. والضرار: ما ليس لك فيه منفعة، وعلى غيرك فيه مضرة، فيكون الضرر: ما قصد به الإنسان به منفعة نفسه، وكان فيه ضرر على غيره، والضرار: ما قصد به الإنسان الإضرار بغيره، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٠٧]. وهذا اختيار الخشني (٣). القول الرابع: الضرر: أن يضر نفسه، والضرار: أن يضر غيره، اختاره بعض الشافعية (٤). فيؤخذ من هذه الأقوال الواردة في معنى حديث: (لا ضرر، ولا ضرار) يؤخذ منها حكمان: الحكم الأول: أنه لا يجوز الإضرار ابتداء، أي لا يجوز للإنسان أن يضر شخصًا آخر في نفسه، وماله، سواء كان فيه منفعة له، أو ليس فيه منفعة له؛ لأن إضراره بغيره ظلم، والظلم ممنوع في كل دين.

стр. 1786

الحكم الثاني: لا يجوز مقابلة الضرر بمثله، وهو الضرار. فمن أتلف مال غيره مثلًا، فلا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأن في ذلك توسيعًا للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف؛ فإن فيه نفعًا بتعويض المضرور، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص، فمن قتل يقتل، ومن قطع يقطع؛ لأن هذه الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها، كي يعلم الجاني أنه في النهاية كمن يعتدي على نفسه، ومهما تكن العقوبة الأخرى فإنها لا تعيد للمجني عليه ما فقد من نفس أو عضو (١). ومن أجل دفع الضرر شرع الشارع أمورًا ومنع من أخرى من باب الوقاية من الوقوع في الضرر، ورفعه أو تخفيفه إذا وقع، وقطع كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء. ففي ميدان المصالح العامة: شرع الجهاد، لدفع ضرر الأعداء. وشرع العقوبات؛ لقمع الإجرام. وشرع سد ذرائع الفساد؛ لدفع الشر بجميع أنواعه. وفي ميدان الحقوق الخاصة: شرع الرد بالعيب؛ لإزالة الضرر الواقع على المشتري. وشرع جميع أنواع الخيارات؛ لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار المجلس، والعيب، والغبن، والتدليس.

стр. 1787

وشرع الحجر بسائر أنواعه منعًا للضرر الحاصل من سوء التصرف، أو الضرر اللاحق للدائنين. وشرع الشفعة لدفع ضرر الشريك. وهذه أمثلة لما شرعه الشارع في سبيل منع الضرر ودفعه وتخفيفه، وهي أمثلة تدل على غيرها. وأما ما منعه الشارع في سبيل الوقاية من الوقوع في الضرر. فيدخل فيه كل ما يضر الإنسان نفسه: سواء كان الضرر في دينه كبيع وشراء الأفلام الخليعة التي تخدش الحياء، ومثله بيع كتب أهل البدع، والروايات الماجنة، والمجلات الخليعة. أو يضر المشتري في بدنه، أو في ماله، مثل بيع وشراء الخمر، والحشيش والمخدرات، والدخان، وسائر المحرمات. أو يلحق ضررًا بالسوق. مثل الاحتكار - والتسعير - وتلقي الجلب - وبيع الحاضر للباد. أو يلحق ضررًا بأخيه المسلم: كالبيع على بيعه - وبيع المضطر - وأخذ الربا - وغبن المسترسل - والنجش، وحرم الغش، والتدليس (كالتصرية)، وحرم القمار والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل. أو يعين على باطل، مثل بيع السلاح في زمن الفتنة، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا. وأختم هذه المقدمة الموجزة لبيان ذكر بعض القواعد التي ذكرها الفقهاء لمنع الضرر، وإزالته، وتخفيفه، والمقام لا يحتمل شرح كل هذه القواعد، لأن المقصود من هذا الكلام التمهيد لبيان بعض البيوع المحرمة من أجل الضرر، فمن هذه القواعد:

стр. 1788

ــ الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم (١). ــ العقود ما شرعت إلا للنفع، وكل بيع فيه ضرر من غير نفع راجح لا يجوز؛ لأنه خلاف الوضع، وخلاف الوضع لا يجوز في الشرع. ــ كل أمر ضرره وإثمه أكبر من نفعه فهو منهي عنه، من غير أن يحتاج إلى نص خاص (٢). ــ الضرر يدفع بقدر الإمكان (٣). ــ الضرر يزال (٤).

стр. 1789

والمقصود من هذه القاعدة: رفع الضرر وترميم آثاره. ــ الضرر لا يزال بمثله (١). وهذا قيد للقاعدة السابقة، فإن إزالة الضرر لا يجوز أن يكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن السعي بإزالته بإحداث ضرر مثله ضرب من العبث، ولأن هذا ليس إزالة للضرر، ويفهم من ذلك، أنه لا تجوز إزالته بضرر أعظم منه بحكم الأولوية. ــ الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (٢). «يعني: أن الضرر تجوز إزالته بضرر أخف منه، ولا يجوز أن يزال بمثله، أو بأشد منه» (٣). ــ يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام. أو بعبارة أخرى: دفع الضرر العام واجب، ولو بإثبات الضرر الخاص (٤). درء المفاسد أولى من جلب المنافع (٥). الضرورات تبيح المحظورات (٦).

стр. 1790

ومن ثم أبيحت الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غص، ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمكره. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦]. هذا ما أردت أن أُقدِّم به بين يدي بحث بعض المسائل التي منعت من أجل الضرر، والتي يذكرها الفقهاء عادة في هذا الفصل، وسوف أنتقي من هذه المسائل ما يناسب البحث إن شاء الله تعالى، سائلًا الله الإعانة والتوفيق، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. * * *
следующие страницы →