الحكم الثاني:
لا يجوز مقابلة الضرر بمثله، وهو الضرار.
فمن أتلف مال غيره مثلًا، فلا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأن في ذلك توسيعًا للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف؛ فإن فيه نفعًا بتعويض المضرور، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص، فمن قتل يقتل، ومن قطع يقطع؛ لأن هذه الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها، كي يعلم الجاني أنه في النهاية كمن يعتدي على نفسه، ومهما تكن العقوبة الأخرى فإنها لا تعيد للمجني عليه ما فقد من نفس أو عضو (١).
ومن أجل دفع الضرر شرع الشارع أمورًا ومنع من أخرى من باب الوقاية من الوقوع في الضرر، ورفعه أو تخفيفه إذا وقع، وقطع كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء.
ففي ميدان المصالح العامة: شرع الجهاد، لدفع ضرر الأعداء.
وشرع العقوبات؛ لقمع الإجرام.
وشرع سد ذرائع الفساد؛ لدفع الشر بجميع أنواعه.
وفي ميدان الحقوق الخاصة: شرع الرد بالعيب؛ لإزالة الضرر الواقع على المشتري.
وشرع جميع أنواع الخيارات؛ لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار المجلس، والعيب، والغبن، والتدليس.
стр. 1787
وشرع الحجر بسائر أنواعه منعًا للضرر الحاصل من سوء التصرف، أو الضرر اللاحق للدائنين.
وشرع الشفعة لدفع ضرر الشريك.
وهذه أمثلة لما شرعه الشارع في سبيل منع الضرر ودفعه وتخفيفه، وهي أمثلة تدل على غيرها.
وأما ما منعه الشارع في سبيل الوقاية من الوقوع في الضرر.
فيدخل فيه كل ما يضر الإنسان نفسه: سواء كان الضرر في دينه كبيع وشراء الأفلام الخليعة التي تخدش الحياء، ومثله بيع كتب أهل البدع، والروايات الماجنة، والمجلات الخليعة.
أو يضر المشتري في بدنه، أو في ماله، مثل بيع وشراء الخمر، والحشيش والمخدرات، والدخان، وسائر المحرمات.
أو يلحق ضررًا بالسوق. مثل الاحتكار - والتسعير - وتلقي الجلب - وبيع الحاضر للباد.
أو يلحق ضررًا بأخيه المسلم: كالبيع على بيعه - وبيع المضطر - وأخذ الربا - وغبن المسترسل - والنجش، وحرم الغش، والتدليس (كالتصرية)، وحرم القمار والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل.
أو يعين على باطل، مثل بيع السلاح في زمن الفتنة، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا.
وأختم هذه المقدمة الموجزة لبيان ذكر بعض القواعد التي ذكرها الفقهاء لمنع الضرر، وإزالته، وتخفيفه، والمقام لا يحتمل شرح كل هذه القواعد، لأن المقصود من هذا الكلام التمهيد لبيان بعض البيوع المحرمة من أجل الضرر، فمن هذه القواعد:
стр. 1788
ــ الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم (١).
ــ العقود ما شرعت إلا للنفع، وكل بيع فيه ضرر من غير نفع راجح لا يجوز؛ لأنه خلاف الوضع، وخلاف الوضع لا يجوز في الشرع.
ــ كل أمر ضرره وإثمه أكبر من نفعه فهو منهي عنه، من غير أن يحتاج إلى نص خاص (٢).
ــ الضرر يدفع بقدر الإمكان (٣).
ــ الضرر يزال (٤).
стр. 1789
والمقصود من هذه القاعدة: رفع الضرر وترميم آثاره.
ــ الضرر لا يزال بمثله (١).
وهذا قيد للقاعدة السابقة، فإن إزالة الضرر لا يجوز أن يكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن السعي بإزالته بإحداث ضرر مثله ضرب من العبث، ولأن هذا ليس إزالة للضرر، ويفهم من ذلك، أنه لا تجوز إزالته بضرر أعظم منه بحكم الأولوية.
ــ الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (٢).
«يعني: أن الضرر تجوز إزالته بضرر أخف منه، ولا يجوز أن يزال بمثله، أو بأشد منه» (٣).
ــ يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.
أو بعبارة أخرى: دفع الضرر العام واجب، ولو بإثبات الضرر الخاص (٤).
درء المفاسد أولى من جلب المنافع (٥).
الضرورات تبيح المحظورات (٦).
стр. 1790
ومن ثم أبيحت الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غص، ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمكره.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦].
هذا ما أردت أن أُقدِّم به بين يدي بحث بعض المسائل التي منعت من أجل الضرر، والتي يذكرها الفقهاء عادة في هذا الفصل، وسوف أنتقي من هذه المسائل ما يناسب البحث إن شاء الله تعالى، سائلًا الله الإعانة والتوفيق، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
* * *
стр. 1791
المبحث الأول
الأمور التي نهي عنها حماية أو نفعًا للسوق
الفرع الأول
في الاحتكار
المسألة الأولى
تعريف الاحتكار
تعريف الاحتكار اصطلاحًا (١):
تعريف الحنفية: عرفه السغدي في فتاويه: «هو أن يشتري من مصره الطعام، فيحتكره عليهم» (٢).
стр. 1792
محترزات التعريف:
قوله: (أن يشتري من مصره) فإن اشتراه من بلد بعيد، ثم جلبه إلى بلده، أو كان ذلك من غلة أرضه بلا شراء، فله حبسه عنهم.
والتعريف غير جامع، حيث لم يشترط أن يكون ذلك فيه إضرار بالسوق، فإن اشتراه من السوق، ولم يكن في حبسه إضرار بهم، فليس باحتكار حتى عند الحنفية.
وعرفه ابن عابدين: «اشتراء طعام ونحوه، وحبسه إلى الغلاء أربعين يومًا» (١).
فقوله: (اشتراء طعام) إشارة إلى أن الاحتكار هو في القوت خاصة.
وقوله: (وحبسه إلى الغلاء) إشارة إلى أن حبسه إذا لم يكن مضرًا بالناس كما لو كان في زمن توفر السلع، وكثرتها؛ لعرضها في زمن قلتها، فليس بادخار؛ لأن هذا أنفع للناس.
وقوله: (أربعين يومًا) هذه مسألة تعرض لها الحنفية، ولم يتعرض لها غيرهم، وهي مدة الاحتكار، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
تعريف المالكية:
عرفه الباجي بقوله: «الاحتكار: هو الادخار للمبيع، وطلب الربح بتقلب الأسواق (٢).
وقال الرصاع في شرح حدود ابن عرفة: «ما ملك بعوض ذهب، أو فضة، محبوسًا لارتفاع سوق ثمنه» (٣).
стр. 1793
فقوله: (ما ملك بعوض) أخرج ما ملك عن طريق الزراعة، أو الهبة، أو غيرهما من أنواع التملك بغير معاوضة.
وقوله: (محبوسًا لارتفاع سوق ثمنه) فإن حبسه من أجل قوت عياله لم يكن احتكارًا، وإنما حبسه ليرتفع سعره.
تعريف الشافعية:
عرفه الشيرازي بقوله: أن يبتاع في وقت الغلاء، ويمسكه ليزداد في ثمنه (١).
وهذا التعريف ليس بمانع، فإنه ليس كل ما يشتريه في وقت الغلاء ويمسكه يكون احتكارًا، فإن الاحتكار عند الشافعية، هو في القوت خاصة.
تعريف آخر: الاحتكار، هو: إمساك ما اشتراه في الغلاء، لا الرخص من الأقوات، ولو تمرًا، أو زبيبًا، ليبيعه بأغلى منه عند الحاجة (٢).
وعرفه النووي بقوله: «وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال بل يدخره، ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص، وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء، لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار» (٣).
وهذا أتم من التعريفين السابقين.
стр. 1794
تعريف الحنابلة:
قال في كشاف القناع: «الاحتكار في القوت: أن يشتريه للتجارة، ويحبسه ليقل، فيغلو» (١).
وعرفه البهوتي في شرح منتهى الإرادات: «الشراء للتجارة وحبسه، مع حاجة الناس إليه في قوت آدمي» (٢).
تعريف الاحتكار في هذا العصر:
عرفه بعض الباحثين بقوله: «الاحتكار: هو حبس مال، أو منفعة، أو عمل، والامتناع عن بيعه، وبذله، حتى يغلو سعره غلاء فاحشًا غير معتاد، بسبب قلته، أو انعدام وجوده في مظانه، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه» (٣).
فالتعريفات القديمة لدى الفقهاء كانت تدل على مفهوم الاحتكار الذي كان سائدًا في تلك العصور، وأنه غالبًا ما كان يجري في الأقوات، نظرًا لبساطة تكاليف الحياة، ومتطلبات المعيشة، إلا أنها لا تصلح أن تكون تعاريف للاحتكار الحديث الذي اتسع مفهومه، وأصبحت له فنون، وطرق متشعبة مترامية الأطراف، فنحن نعيش في زمن أوحت الشياطين فيه إلى أوليائها زخرفًا من الأقوال، والأفعال، حيث امتد إخطبوط الاحتكار ليهيمن على مناحي الحياة، بما فيها من أقوات، وأعمال، ومنافع (٤).
стр. 1795
ومع ذلك فإن هذا التعريف قد لا يسلم من المعارضة، فقوله: الاحتكار حبس مال أو منفعة أو عمل، لعله أراد بالمال: مفهومًا خاصًا، لأن عطف المنفعة والعمل على المال، قد يبدو للقارئ أن المنفعة والعمل ليسا من الأموال، مع أن المنفعة والعمل داخلان في مسمى المال عند الجمهور، بل إن قوله: «أو عمل» العمل من المنافع أيضًا، إلا أن يقال: لعله من باب عطف الخاص على العام.
وإطلاقه الحبس يدخل فيه الحبس وقت الرخص، وهذا غير مراد؛ لأن حبس الشيء وقت كثرته من الحزم والعقل حتى ينتفع به يوم قلته، وسيأتي مزيد بحث لهذا القيد إن شاء الله تعالى عند الكلام عن شروط الاحتكار.
* * *
стр. 1796
المسألة الثانية
في خلاف العلماء في حكم الاحتكار
[م - ٣٣٩] اختلف العلماء في حكم الاحتكار على قولين:
القول الأول:
يحرم، وهو قول الجمهور (١)،
وعبر الحنفية بالكراهة، والمقصود بها كراهة التحريم (٢).
стр. 1797
القول الثاني:
لا يحرم، وهو قول الموصلي الحنفي في المغني (١)، وهو قول مرجوح لدى الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وإذا انتفى التحريم لم تنتف الكراهة (٤).
دليل من ذهب إلى القول بالتحريم:
الدليل الأول:
الاحتكار ظلم للعباد، ووجهه: أن بيع ما في المصر قد تعلق به حق العامة،
стр. 1798
فإذا امتنع المحتكر عن بيعه للناس عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم، ومنع الحق عن المستحق ظلم. وإذا كان ذلك كذلك فإن كل آية في تحريم الظلم فإنها بعمومها صالحة للاستدلال بها على تحريم الاحتكار.
ولذلك فسر بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: الإلحاد فيه: احتكار الطعام بمكة (١)، وهذا من قبيل التفسير بالمثال، والظلم أعم من ذلك، وأشده: الشرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
(ح-٢٤٤) وأما ما رواه أبو داود من طريق أبي عاصم، عن جعفر بن يحيى ابن ثوبان، أخبرني عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان، قال:
أتيت يعلى بن أمية، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه (٢).
[فهو حديث ضعيف، مسلسل بالضعفاء] (٣).
стр. 1799
الدليل الثاني:
(ح-٢٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان ابن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (١).
[المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٢).
وجه الاستدلال:
الحديث نص في النهي عن ارتكاب ما يضر بالغير، سواء كان هذا الغير فردًا، أو جماعة، ولا يشك عاقل في أن الاحتكار يلحق الضرر في عامة المسلمين حيث يعتبر الاحتكار من أعظم أسباب ارتفاع الأسعار، وانعدام السلع من الأسواق.
стр. 1800
الدليل الثالث:
(ح-٢٤٦) ما رواه مسلم من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد ابن المسيب،
عن معمر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ ، قال: لا يحتكر إلا خاطئ (١).
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث،
أن معمرًا قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر فهو خاطئ .... (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا يحتكر إلا خاطئ) قال النووي: «قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز: هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار» (٣).
وقال أبو عبيد: «سمعت الأزهري يقول: خَطِئ إذا تعمد، وأخطأ: إذا لم يتعمد ... » (٤).
стр. 1801
الدليل الرابع:
(ح-٢٤٧) ما رواه أحمد من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو ابن علقمة، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ (١).
[ضعيف، ويشهد له حديث معمر بن عبد الله السابق في مسلم] (٢).
стр. 1802
وجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث الذي قبله.
الدليل الخامس:
(ح-٢٤٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد، ثنا زيد - يعني ابن مرة - أبو المعلى، عن الحسن، قال:
ثقل معقل بن يسار، فدخل إليه عبيد الله بن زياد يعوده، فقال: هل تعلم يا معقل أني سفكت دمًا. قال: ما علمت. قال: هل تعلم أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت. قال: أجلسوني، ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئًا لم أسمعه من رسول الله ﷺ مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، فإن حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة، قال: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم غير مرة، ولا مرتين (١).
[حديث حسن، والحسن البصري سمع من معقل بن يسار] (٢).
стр. 1803
الدليل السادس:
(ح-٢٤٩) ما رواه ابن ماجه، من طريق أبي أحمد، ثنا إسرائيل، عن علي ابن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب،
عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1804
الدليل السابع:
(ح-٢٥٠) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق أبي يحيى المكي [عن فروخ مولى عثمان] (١).
عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من احتكر على المسلمين طعامهم ابتلاه الله بالجذام، أو قال بالإفلاس (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 1805
الدليل الثامن:
(ح-٢٥١) ما ورواه أحمد من طريق أصبغ بن زيد، حدثنا أبو بشر، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي.
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : من احتكر طعامًا أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1806
الدليل التاسع:
(ح-٢٥٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، قال: أخبرنا القاسم،
عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1807
الدليل العاشر:
(ح-٢٥٣) روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن الربيع ابن حبيب، عن نوفل بن عبد الملك، عن أبيه،
عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحكرة بالبلد (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الحادي عشر: من الآثار .
(ث-٣٣) روى ابن أبي شبية، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب،
عن ابن عمر، قال: الحكرة خطيئة (٣).
стр. 1808
[صحيح].
(ث-٣٤) وروى مالك في الموطأ، أنه بلغه،
أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا، فيحتكروه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء، والصيف، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله (١).
[البلاغ ضعيف؛ لأنه منقطع].
(ث-٣٥) وروى مالك في الموطأ، أنه بلغه:
أن عثمان بن عفان كان ينهى عن الحكرة (٢).
[ضعيف لكونه بلاغًا، والبلاغ منقطع].
(ث-٣٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: نا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن قيس، قال:
قال قيس: قد أحرق لي علي بيادر بالسواد كنت احتكرتها، لو تركها لربحتها مثل عطاء الكوفة (٣).
[رجاله ثقات إلا قيسًا والد عبد الرحمن، لم أقف له على ترجمة].
(ث-٣٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم
стр. 1809
ابن مهاجر عن عبد الله بن نائلة
عن عبد الله بن عمرو قال: لا يحتكر إلا خاطئ أو باغ (١).
[ضعيف لم أقف على ترجمة عبد الله بن نائلة].
الدليل الثاني عشر: من المعقول:
الاحتكار فيه ظلم للناس، وظلم للسوق، وظلم للتجار.
أما الظلم على المستهلكين فلما يقع فيه من التضييق عليهم في أرزاقهم، ورفع الأسعار عليهم.
وأما الظلم على التجار فلأن السلع تكون فقط في يد المحتكر دون بقية التجار، وفي ذلك إهدار لحرية التجارة والصناعة، وعدم التكافؤ في الفرص.
وظلم للسوق حيث ينتج من الاحتكار عدم توفر السلع في السوق، فالعقل دال على تحريم مثل هذا الفعل لما فيه من الظلم.
دليل من قال: يكره .
الدليل الأول:
قال الموصلي في كتابه المغني:
«قد ورد في ذلك أحاديث مغلظة، وليس فيها ما يصح، غير قوله ﵊: من احتكر فهو خاطئ» انفرد به مسلم، والجواب عنه من عدة وجوه:
الأول: «أن راوي هذا الحديث سعيد بن المسيب، عن معمر بن أبي معمر، وكان سعيد بن المسيب يحتكر، فقيل له في ذلك، فقال: إن معمرًا الذي كان
стр. 1810
يحدث بهذا الحديث كان يحتكر، والصحابي إذا خالف الحديث دل على نسخه أو ضعفه.
والثاني: أن للناس في انفراد مسلم بهذا كلامًا.
والثالث: أنه يحمل على ما إذا كان يضر بأهل البلد» اهـ (١).
والحمل الثالث هو المتعين؛ لأن تحريم الاحتكار إنما هو خاص فيما إذا كان يضر بأهل البلد، أما إذا كان لا يضرهم، ومن باب أولى إذا كان الاحتكار ينفعهم، كما لو كان الادخار زمن وفرة السلع لتوفيرها للناس زمن قلتها، أو في غير وقتها، فهذا مطلوب، وسنشرح ذلك إن شاء الله من خلال الكلام على شروط الاحتكار.
وقد قال بعضهم متهجمًا على الموصلي بأن رأيه هذا «من تمحلات متعصبة الحنفية في رد النصوص إذا خالفت المذهب» (٢).
فليعلم أن مذهب الحنفية هو تحريم الاحتكار، وقد نقلنا ذلك في نصوص كثيرة من كتب الحنفية، فلم يقل ذلك نصرة لمذهبه، وإنما لرأي رآه، وهو قد ذكر ثلاثة وجوه، أحدها صحيح بالاتفاق، وهو الوجه الثالث، والثاني إنما عزاه للناس من الكلام على أفراد مسلم، ولم ينسبه لنفسه، والأول هو المدخول، وهو قوله بأن معارضة الراوي لما روى تدل على نسخه أو ضعفه، والله أعلم، وعلى كل حال ينبغي أن يعذر المجتهد إذا لم يوفق للصواب.
* * *
стр. 1811
المسألة الثالثة
في شروط الاحتكار
لما كان حبس الطعام منه ما هو احتكار محرم، ومنه ما هو مباح، وضع الفقهاء شروطًا إذا تحققت سمي حبس الطعام احتكارًا، وهذه الشروط منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، وسوف نذكرها، ونشير إلى ما يوجد فيها من خلاف إن شاء الله تعالى.
الشرط الأول:
[م - ٣٤٠] أن يكون المحتكر قد اشتراه من السوق، وهذا الشرط نص عليه الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وأما ادخار غلة أرضه، فليس باحتكار، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك.
стр. 1812
قال في الجامع الصغير «فأما من جلب شيئًا من أرضه، وحبسه فليس باحتكار بالإجماع؛ لأن ذلك خالص حقه، فلم يكن بالحبس مبطلًا حق غيره» (١).
وقال في الدر المختار: «ولا يكون محتكرًا بحبس غلة أرضه بلا خلاف» قال ابن عابدين تعليقًا: «لأنه خالص حقه، لم يتعلق به حق العامة ألا ترى أن له ألا يزرع، فكذا له ألا يبيع» (٢).
(ث-٣٨) وقد روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس،
عن أبيه، أنه كان يكون عنده الطعام من أرضه السنتين والثلاث يريد بيعه، ينتظر الغلاء (٣).
[وإسناده صحيح].
[م - ٣٤١] وإن كان جلب ذلك عن طريق الشراء من سوق بلد إلى أخرى غير تلك البلد، فاختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
إن اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر كان محتكرًا، وإن اشتراه من مكان بعيد، وحبسه لا يكون محتكرًا.
ووجهه: أن حرمة الاحتكار بحبس المشترى في المصر لتعلق حق العامة به، فيصير ظالمًا بمنع حقهم، ولم يوجد ذلك في المشترى خارج المصر من مكان بعيد؛ لأنه متى اشتراه ولم يتعلق به حق أهل المصر، فلا يتحقق الظلم.
стр. 1813
وهذا رأي أبي حنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)،
والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 1814
القول الثاني:
اختار أبو يوسف أنه متى اشتراه وحبسه فهو احتكار، سواء اشتراه من مكان بعيد، أو من مكان قريب، لا فرق في ذلك (١).
ووجهه: أن المعنى الذي منع من أجله الاحتكار في المصر لما في ذلك من الإضرار بالعامة، وهو متحقق هنا، فإنه متى ما حبس المبيع عن الناس، ارتفع سعره عليهم، وإذا كانت العلة من منع الاحتكار: هو ارتفاع الأسعار بسبب ذلك، لم يكن هناك فرق بين ما اشتراه من مكان قريب، وما اشتراه من مكان بعيد.
الشرط الثاني:
اشترط المالكية (٢)، والشافعية (٣) والحنابلة (٤) أن يكون اشتراه زمن الغلاء، فإن اشتراه زمن الرخص، فحبسه ليرتفع سعره، فليس بمحتكر عندهم.
وهو معنى قول الحنفية وغيرهم أن يكون احتكاره مضرًا بالناس، لأنه لا يضر
стр. 1815
بالناس إلا أن يكون شراء ذلك في زمن الغلاء، أما إذا اشتراه في زمن الرخص لم يكن في ذلك إضرار بهم.
الشرط الثالث:
أن يدخره للتجارة، فإن ادخره لقوت أهله، وعياله، فليس باحتكار، وهو مذهب الجمهور (١).
لأن المقصود: هو منع التجار من الادخار لطلب الربح وغلاء الأسعار.
(ح-٢٥٤) فقد روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان،
أنه سمع ابن الخطاب يقول: كان رسول الله ﷺ يحبس نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي من تمره مجعل مال الله.
[صحيح، والحديث أصله في الصحيحين] (٢).
وفصل بعض المالكية في ذلك: فقالوا: إن كان ادخاره نفقة أهله وعياله من غلة أرضه، فلا خلاف في جوازه.
وإن كان ذلك عن طريق شرائه من السوق، فأجازه قوم، ومنعه آخرون إذا أضر بالناس، وهذا مذهب مالك في الادخار مطلقًا (٣).
وهذا التفصيل أولى بالقبول، وذلك أن المنع من الاحتكار هو الإضرار
стр. 1816
بالسوق، والتسبب في غلاء الأسعار، وهذا موجود فيما يشترى من السوق ليدخر لوقت طويل، والله أعلم.
الشرط الرابع:
أن يكون الاحتكار مضرًا بالناس، فإن كان البلد كبيرًا لا يضره الاحتكار لم يحرم، نص على ذلك الجمهور، وخالف في ذلك بعض المالكية وقالوا بتحريم الاحتكار مطلقًا.
جاء في درر الحكام: «قال في الهداية والكنز والكافي: يكره - يعني الاحتكار- إذا كان يضر بهم بأن كانت البلدة صغيرة، بخلاف ما إذا لم يضر بأن كان المصر كبيرًا؛ لأنه حبس ملكه من غير إضرار بغيره» (١).
وقال ابن رشد في التحصيل: «لا اختلاف في أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة في وقت يضر احتكاره بالناس، وأما احتكارها في وقت لا يضر احتكارها في الناس، ففيه أربعة أقوال:
أحدها: إجازة احتكارها كلها: القمح والشعير وسائر الأطعمة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: المنع من احتكارها كلها جملة من غير تفصيل .... وهو مذهب مطرف وابن الماجشون.
والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير، وهو دليل رواية أشهب عن مالك في رسم البيوع من كتاب جامع البيوع.
والرابع: المنع من احتكارها كلها ما عدا الأدم والفواكه، والسمن والعسل،
стр. 1817
والتين والزبيب، وشبه ذلك. وقال: قال ابن زيد فيما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة معناه في المدينة، إذ لا يكون الاحتكار أبدًا إلا مضرًا بأهلها، لقلة الطعام بها، فعلى قولهم: هم متفقون على أن علة المنع من الاحتكار تغلية الأسعار، وإنما اختلفوا في جوازه لاختلافهم باجتهادهم في وجود العلة وعدمها» (١).
و الراجح: أن الاحتكار لا يمنع إلا في حال كان مضرًا بالناس، فإن لم يكن مضرًا فإنه ربما كان مطلوبًا، وهذا ما صنعه يوسف ﵊ في أهل مصر، وجنب البلد شر مجاعة لو وقعت أتت على الأخضر واليابس، وذلك بالادخار زمن الرخاء.
قال تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٧،٤٨،٤٩].
فقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ [يوسف:٤٧] إشارة إلى ادخاره لأكله في وقت السبع الشداد، ولذلك قال سبحانه ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] قال القرطبي: أي ما ادخرتم لأجلهن ... وقال أيضًا: «وهو يدل على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة» (٢).
وقال ابن حزم: «والمحتكر في وقت رخاء ليس آثما بل هو محسن; لأن الجلاب إذا أسرعوا البيع أكثروا الجلب وإذا بارت سلعتهم، ولم يجدوا لها
стр. 1818
مبتاعًا، تركوا الجلب فأضر ذلك بالمسلمين قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] (١).
الشرط الخامس:
أنه لا احتكار إلا في القوت. وهذا الشرط بحسب مذهب الجمهور، وهو مختلف فيه وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير النزاع في فصل خاص، مع ذكر الأدلة والقول الراجح.
الشرط السادس:
أن يحتكر الطعام أربعين يومًا فأكثر، وهذا الشرط للحنفية وحدهم، وتوجيه قولهم: بأنه إذا كان الاحتكار: هو حبس الطعام، فإن حبس الطعام مدة قصيرة لا يتضرر منها الناس، فلا يكون احتكارًا، وإنما الضرر في حبسه مدة طويلة يتضرر الناس منها، ومن هنا تعرض الحنفية وحدهم لمدة الاحتكار.
فقال بعضهم: هي مقدرة بأربعين يوما لقول النبي ﷺ : من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه. وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
وقيل: بالشهر; لأن ما دونه قليل عاجل والشهر وما فوقه كثير آجل (٢).
* * *
стр. 1819
المسألة الرابعة
ما يجري فيه الاحتكار
قال أبو يوسف: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبًا أو فضة أو ثوبًا (١).
[م - ٣٤٢] اختلف أهل العلم في الأشياء التي يجري فيها الاحتكار على أربعة أقوال:
القول الأول:
يجري في قوت الآدمي وعلف البهائم، وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن (٢).
القول الثاني:
يجري في قوت الآدمي خاصة، وهذا مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثالث:
يجري في كل ما يضر بالعامة، قوتًا كان، أو لباسًا، أو غيرهما. وهذا اختيار
стр. 1820
أبي يوسف من الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
القول الرابع:
لا احتكار إلا في القوت والثياب خاصة، وهذا قول آخر لمحمد ابن الحسن (٥).
وجه قول من قال: يجري في قوت الآدمي وعلف الحيوان:
الدليل الأول:
(ح-٢٥٥) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق أبي يحيى المكي [عن فروخ مولى عثمان] (٦).
عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من احتكر على المسلمين طعامهم ابتلاه الله بالجذام، أو قال بالإفلاس (٧).
[ضعيف] (٨).
стр. 1821
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٦) ما ورواه أحمد من طريق أصبغ بن زيد، حدثنا أبو بشر، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي.
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : من احتكر طعامًا أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢٥٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، قال: أخبرنا القاسم.
عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
الدليل الرابع:
أن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف، فلا يتحقق الاحتكار إلا به (٥).
وما روي من أحاديث مطلقة، أو عامة، كحديث من احتكر فهو خاطئ، فإن العام يحمل على الخاص، والمطلق يحمل على المقيد.
стр. 1822
ويجاب عن هذا:
بأن هذه الأحاديث ضعيفة، ولو صحت لم تخصص العام، ولم تقيد المطلق، فإن ذكر فرد من أفراد العام، أو المطلق بحكم يوافق المطلق، أو العام، لا يقتضي تخصيصًا، ولا تقييدًا.
فلو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا، وهو من الطلبة لم يقتض هذا تقييدًا للمطلق، وذلك أن ذكر زيد بالحكم موافق للحكم المطلق.
ومثله قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] فذكر الصلاة الوسطى لا يقيد بقية الصلوات، وهكذا.
دليل من قال: يجري في كل شيء يضر بالعامة .
الدليل الأول:
(ح-٢٥٨) ما رواه مسلم من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد ابن المسيب،
عن معمر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ ، قال: لا يحتكر إلا خاطئ (١).
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث،
أن معمرًا قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر فهو خاطئ .... (٢).
فهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه، يدل على منع الاحتكار في كل شيء.
стр. 1823
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٩) ما رواه أحمد من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو ابن علقمة، عن أبي سلمة.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال كالاستدلال بالحديث الذي قبله.
الدليل الثالث:
(ح-٢٦٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد، ثنا زيد - يعني ابن مرة - أبو المعلى، عن الحسن، قال:
ثقل معقل بن يسار، فدخل إليه عبيد الله بن زياد يعوده، فقال: هل تعلم يا معقل أني سفكت دمًا. قال: ما علمت. قال: هل تعلم أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت. قال: أجلسوني، ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئًا لم أسمعه من رسول الله ﷺ مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من دخل في شيء من أسعار المسلمين، ليغليه عليهم، فإن حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة، قال: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم غير مرة، ولا مرتين (٣).
[حديث حسن، والحسن البصري سمع من معقل بن يسار] (٤).
стр. 1824
الدليل الرابع:
(ح-٢٦١) ما رواه ابن ماجه، من طريق أبي أحمد، ثنا إسرائيل، عن علي ابن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب،
عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(ث-٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب.
عن ابن عمر، قال: الحكرة خطيئة (٣).
[صحيح].
الدليل السادس:
أن النهي عن الاحتكار إنما كان لمكان الإضرار بالعامة، وهذا لا يختص بالقوت والعلف.
فكل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبًا أو فضة، أو ثوبًا، أو غيرها
وما ورد من النصوص الخاصة فهي من قبيل اللقب، واللقب لا مفهوم له.
وجه من قال: يجري في القوت والثياب خاصة .
بأن الثياب كالقوت في الحكم، باعتبار أن كلًا منهما من الحاجات الضرورية للإنسان.
стр. 1825
الراجح:
القول بأن الحكرة تجري في كل ما يضر بالناس، وذلك أن التحريم من باب دفع الضرر عن السوق والمستهلك، فما كان في احتكاره ضرر على السوق، أو على المستهلكين في رفع الأسعار عليهم حرم تعاطي ذلك، بل إن حماية السوق أهم من حماية الأفراد، وذلك أن الشارع نهى عن تلقي الجلب حماية للبائع، ولما كان النفع راجعًا إلى السوق نهى أن يبيع الحاضر للبادي، وكان المقصود نفع السوق، وإن تضرر البادي.
وقد تطورت عملية الاحتكار في هذا العصر، حتى أصبحت الشركات الصناعية، والتجارية تقوم باعتماد وكالات لها في مختلف الأسواق، ولا يكون البيع والشراء إلا من خلالها، بل إن بعض الدول تقوم باقتطاع نسبة معينة من الرسوم الجمركية (المكوس) التي تفرض على السلع المستوردة عن غير طريق الوكالة لصالح هذه الوكالة المحتكرة حماية لها.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى حرمة مثل هذا النوع من الاحتكار:
يقول ﵀: «ومن ذلك - أي من أقبح الظلم - أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام، أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلعة إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع، وعوقب، فهذا من البغي في الأرض، والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء» (١).
وقال أيضًا: «ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق، أو في القرية بأجرة معينة على ألا يبيع أحد غيره، فهذا ظلم حرام على المؤجر،