الدليل الثاني:
(ح-٢٥٦) ما ورواه أحمد من طريق أصبغ بن زيد، حدثنا أبو بشر، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي.
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : من احتكر طعامًا أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢٥٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، قال: أخبرنا القاسم.
عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
الدليل الرابع:
أن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت والعلف، فلا يتحقق الاحتكار إلا به (٥).
وما روي من أحاديث مطلقة، أو عامة، كحديث من احتكر فهو خاطئ، فإن العام يحمل على الخاص، والمطلق يحمل على المقيد.
стр. 1822
ويجاب عن هذا:
بأن هذه الأحاديث ضعيفة، ولو صحت لم تخصص العام، ولم تقيد المطلق، فإن ذكر فرد من أفراد العام، أو المطلق بحكم يوافق المطلق، أو العام، لا يقتضي تخصيصًا، ولا تقييدًا.
فلو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا، وهو من الطلبة لم يقتض هذا تقييدًا للمطلق، وذلك أن ذكر زيد بالحكم موافق للحكم المطلق.
ومثله قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] فذكر الصلاة الوسطى لا يقيد بقية الصلوات، وهكذا.
دليل من قال: يجري في كل شيء يضر بالعامة .
الدليل الأول:
(ح-٢٥٨) ما رواه مسلم من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد ابن المسيب،
عن معمر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ ، قال: لا يحتكر إلا خاطئ (١).
ورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث،
أن معمرًا قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر فهو خاطئ .... (٢).
فهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه، يدل على منع الاحتكار في كل شيء.
стр. 1823
الدليل الثاني:
(ح-٢٥٩) ما رواه أحمد من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو ابن علقمة، عن أبي سلمة.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال كالاستدلال بالحديث الذي قبله.
الدليل الثالث:
(ح-٢٦٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد، ثنا زيد - يعني ابن مرة - أبو المعلى، عن الحسن، قال:
ثقل معقل بن يسار، فدخل إليه عبيد الله بن زياد يعوده، فقال: هل تعلم يا معقل أني سفكت دمًا. قال: ما علمت. قال: هل تعلم أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت. قال: أجلسوني، ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئًا لم أسمعه من رسول الله ﷺ مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من دخل في شيء من أسعار المسلمين، ليغليه عليهم، فإن حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة، قال: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم غير مرة، ولا مرتين (٣).
[حديث حسن، والحسن البصري سمع من معقل بن يسار] (٤).
стр. 1824
الدليل الرابع:
(ح-٢٦١) ما رواه ابن ماجه، من طريق أبي أحمد، ثنا إسرائيل، عن علي ابن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب،
عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(ث-٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب.
عن ابن عمر، قال: الحكرة خطيئة (٣).
[صحيح].
الدليل السادس:
أن النهي عن الاحتكار إنما كان لمكان الإضرار بالعامة، وهذا لا يختص بالقوت والعلف.
فكل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبًا أو فضة، أو ثوبًا، أو غيرها
وما ورد من النصوص الخاصة فهي من قبيل اللقب، واللقب لا مفهوم له.
وجه من قال: يجري في القوت والثياب خاصة .
بأن الثياب كالقوت في الحكم، باعتبار أن كلًا منهما من الحاجات الضرورية للإنسان.
стр. 1825
الراجح:
القول بأن الحكرة تجري في كل ما يضر بالناس، وذلك أن التحريم من باب دفع الضرر عن السوق والمستهلك، فما كان في احتكاره ضرر على السوق، أو على المستهلكين في رفع الأسعار عليهم حرم تعاطي ذلك، بل إن حماية السوق أهم من حماية الأفراد، وذلك أن الشارع نهى عن تلقي الجلب حماية للبائع، ولما كان النفع راجعًا إلى السوق نهى أن يبيع الحاضر للبادي، وكان المقصود نفع السوق، وإن تضرر البادي.
وقد تطورت عملية الاحتكار في هذا العصر، حتى أصبحت الشركات الصناعية، والتجارية تقوم باعتماد وكالات لها في مختلف الأسواق، ولا يكون البيع والشراء إلا من خلالها، بل إن بعض الدول تقوم باقتطاع نسبة معينة من الرسوم الجمركية (المكوس) التي تفرض على السلع المستوردة عن غير طريق الوكالة لصالح هذه الوكالة المحتكرة حماية لها.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى حرمة مثل هذا النوع من الاحتكار:
يقول ﵀: «ومن ذلك - أي من أقبح الظلم - أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام، أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلعة إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع، وعوقب، فهذا من البغي في الأرض، والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء» (١).
وقال أيضًا: «ومن أقبح الظلم إيجار الحانوت على الطريق، أو في القرية بأجرة معينة على ألا يبيع أحد غيره، فهذا ظلم حرام على المؤجر،
стр. 1826
والمستأجر، وهو نوع من أخذ أموال الناس قهرًا، وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعًا، فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته، كما حجر على الناس فضله، ورزقه» (١).
وقال ابن تيمية: «ومن ضمن مكانا ليبيع فيه ويشتري وحده، كره الشراء منه بلا حق (٢) ويحرم عليه أخذ زيادة بلا حق» (٣).
وقال أيضًا: «إذا اتفق أهل السوق على أن لا يزايدوا في سلع، هم محتاجون لها؛ ليبيعها صاحبها دون قيمتها، ويتقاسموها بينهم، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقي السلع إذا باعها مساومة، فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى، والله أعلم» (٤).
وجاء في البيان والتحصيل: «وسئل عن قوم يجتمعون في البيع، يقولون: لا نزيد على كذا وكذا، فقال: لا والله، ما هذا بحسن.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن تواطؤهم على ذلك إفساد على البائع، وإضرار به في سلعته ... » (٥).
كما تكلم ابن القيم عن احتكار العمل.
قال ابن القيم: «منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسامين
стр. 1827
الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة، أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا، والناس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة.
قلت - القائل ابن القيم -: وكذلك ينبغي لولي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى، والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود، والدلالين وغيرهم ... » (١).
* * *
стр. 1828
المسألة الخامسة
في إجبار المحتكر على بيع ماله
[م- ٣٤٣] اتفق فقهاء المذاهب على أن الحاكم يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله للناس (١)، وإذا لم يمتثل، فهل يجبر على بيع ماله؟
وللجواب على هذا أن يقال: إذا خيف الضرر على العامة أجبر على بيعه، أو أخذ منه وأعطي مثله عند وجوده، أو أعطي قيمته، وهذا قدر متفق عليه بين الأئمة (٢).
قال الحطاب في مواهب الجليل: «أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه، دفعًا للضرر عن الناس» (٣).
стр. 1829
وممن حكى الإجماع أيضًا النووي في شرحه على صحيح مسلم (١)، والأذرعي (٢)، وغيرهم.
وقال ابن رشد: «إذا وقعت الشدة أمر أهل الطعام بإخراجه مطلقًا، كان من زراعة، أو جلب» (٣).
قال القرطبي: «من جلب طعامًا، فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، إلا إن نزلت فادحة، وأمر ضروري بالمسلمين فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل جبر على ذلك إحياء للمهج، وإبقاء للرمق» (٤).
وقال ابن تيمية: «لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره» (٥).
[م - ٣٤٤] وإذا لم يخش الضرر على العامة، وإنما احتيج إليه، فهل يجبر على بيعه؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس للحاكم أن يجبره على بيع ماله، وهذا رأي أبي حنيفة، وأبي يوسف (٦).
стр. 1830
القول الثاني:
للحاكم أن يجبره على بيع ماله، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وحكى بعض الحنفية الاتفاق على بيع مال المحتكر (٥).
وقال ابن نجيم: «قيل: يبيع - يعني يبيع القاضي طعام المحتكر - بالإجماع؛ لأنه اجتمع ضرر عام، وضرر خاص، فيقدم دفع الضرر العام .... قال بعض مشايخنا: إذا امتنع المحتكر عن بيع الطعام، يبيعه الإمام عليه عندهم جميعًا» (٦). قوله جميعًا يعني أبا حنيفة وصاحبيه.
стр. 1831
دليل أبي حنيفة على أنه لا يجبر:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وإذا أكره على البيع لم يكن البيع عن رضا.
الدليل الثاني:
بأن الإجبار نوع من الحجر، وهو لا يرى الحجر على الحر الكبير.
واستدل أبو حنيفة بأنه لا يحجر على الكبير مطلقًا سواء كان سفيهًا، أو غير سفيه، بقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] معناه مخافة أن يكبروا فيلزمكم دفع المال إليهم، ودفع المال إليهم هنا مطلق غير معلق بشرط الرشد.
(ح-٢٦٢) وبما رواه البخاري من طريق عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة (١).
(ح-٢٦٣) وبما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد، عن قتادة،
عن أنس: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع، وكان في عقدته - يعني عقله - ضعف، فأتى أهله النبي ﷺ ، فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان؛ فإنه يبتاع، وفي عقدته ضعف، فدعاه النبي ﷺ ، فنهاه عن البيع، فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال ﷺ : إن كنت غير تارك البيع، فقل: هاء
стр. 1832
وهاء، ولا خلابة (١).
[إسناده حسن] (٢).
فلم يحجر عليه الرسول ﷺ ماله، وأباح له التصرف فيه، ولو كان الحجر واجبًا لما تركه النبي ﷺ يبيع، وهو مستحق المنع منه.
وقد ناقشت قول أبي حنيفة، وجواب أهل العلم عليه في مسألة متقدمة، في الحجر على الكبير، فأغنى عن إعادته هنا.
الدليل الثالث:
(ح-٢٦٤) ما رواه ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز ابن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال:
سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (٣).
[إسناده حسن] (٤).
فحصر قيام البيع بقيام الرضا، ومفهومه: أنه لا يقوم البيع بانعدام الرضا، ولا يجتمع الإكراه والرضا.
وجه قول الجمهور:
الوجه الأول:
الإكراه على البيع قسمان: إكراه بحق، وإكراه بغير حق، وهذا من الإكراه
стр. 1833
بحق قال ابن عابدين: «الإكراه بحق لا يعدم الاختيار شرعًا» (١).
الوجه الثاني:
إذا كان من عنده طعام فاضلًا عن حاجته يجبر على بيعه إذا اضطر الناس إليه، فمن باب أولى أن يجبر المحتكر على البيع إذا احتاج الناس إليه، وذلك أن المحتكر يطلب غلاء السلعة، وقلتها من السوق، بخلاف الأول.
قال الحطاب: «أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه، دفعًا للضرر عن الناس» (٢).
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بأنه يجبر على بيعه، هو القول المتعين، لقوة أدلته، وضعف أدلة القائلين بأنه لا يجبر، والله أعلم.
* * *
стр. 1834
المسألة السادسة
إذا أجبر المحتكر على البيع فهل يبيع بسعر المثل
[م- ٣٤٥] اختلف العلماء في قيمة السلعة المحتكرة إذا أجبر المحتكر على بيعها على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يؤمر أن يبيع المحتكر بقيمة مثلها، ويعفى عن الزيادة اليسيرة إذا كان يتغابن الناس في مثلها، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب الحنابلة (١).
ولم يتعرض الشافعية لقيمة المباع؛ لأنه يحرم عندهم التسعير، ولو في وقت الغلاء (٢)، وإذا حددنا قيمة بيع المحتكر فهو نوع من التسعير، وسيأتي مناقشة التسعير إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.
القول الثاني:
تباع بالسوق، ويعطى المحتكر رأس ماله، والربح يتصدق به أدبًا له، وينهى عن ذلك، فمن عاد ضرب، وطيف به، وسجن (٣).
القول الثالث:
ذهب المالكية بأنه يجبر على البيع بالسعر الذي اشتراه به، ويشترك فيه الناس سواء كان أهل سوقه، أو غيرهم، فإن لم يعلم ثمنه، فبسعره يوم احتكاره.
стр. 1835
وجه ذلك:
أن المنع قد تعلق بشرائه لحق الناس وأهل الحاجة، فإذا صرفه إليهم بمثل ما كانوا يأخذونه أولًا حين ابتياعه إياه، فقد رجع عن فعله الممنوع منه.
فإن أبى المحتكر ذلك، فإنه يخرج من يده إلى أهل السوق يشتركون فيه بالثمن، فإن لم يعلم ثمنه فبسعره يوم احتكاره:
ووجه ذلك: أنه لما كان هذا الواجب عليه فلم يفعله أجبر عليه وصرف الحق إلى مستحقه (١).
الراجح من الخلاف:
الراجح قول من قال: تباع بقيمة مثلها؛ لأن ثمن المثل عدل في حق البائع والمشتري؛ ولأن للإنسان أن يربح في ماله كغيره، ولكن المحرم أن يستغل حاجة الناس، فيبيع بأكثر من ثمن المثل، وأما قول من قال: يتصدق بالربح أدبًا فلعله قال ذلك ليس من باب الوجوب، وإنما هو من باب اتباع السياسة الشرعية، ومراعاة المصالح، وردع المعتدي، فلو رأى الحاكم أن المحتكرين قد كثروا في السوق، وأن الأمر يتطلب إلى فعل رادع يحافظ به على مصلحة المستهلك، ومصلحة السوق، فللحاكم الشرعي أن يتخذ ما تقوم به مصالح العامة، والله أعلم.
* * *
стр. 1836
المسألة السابعة
في إخراج الطعام من بلد إلى آخر
[م- ٣٤٦] إخراج الطعام من بلد إلى آخر تكلم على هذه المسألة المالكية، وفرقوا بين إخراجه من الفسطاط للريف، والعكس:
والفسطاط كما في اللسان: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، ومنه قيل: لمدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص: الفسطاط (١).
قال الباجي: «إن اشترى بالفسطاط للريف فلا يخلو أن يكون بالفسطاط كثيرًا، فلا يضيق على أهله، أو قليلا يضيق على أهله. فإن كان كثيرًا، و عند أهل الريف ما يغنيهم، ففي كتاب ابن المواز عن مالك يمنعون ذلك.
ووجهه: أن الفسطاط عمدة الإسلام ومجتمع الناس، فإذا تساوت حاله وحال الأطراف منع الانتقال منه ; لأنه إذا فسد فسدت الأرياف، والجهات ولا تفسد الجهات مع صلاحه ; لأن قيامها به ...
وإن كانت الحاجة بالريف والكثرة بالمصر، جاز اقتيات أهل الأرياف منه بالإخراج إليهم; لأن جلب الطعام إلى المصر وادخاره بها إنما هو عدة للمصر، وأريافه، وجهاته.
وإن كان بالمصر قليلًا يخاف من شراء أهل الأرياف له، وإخراجه عنه مضرة منعوا من إخراجه؛ لتساوي الحالين، فإن ابتاعوه وأكلوا بالمصر لم يمنعوا
стр. 1837
منه; لأنه لا يجوز إسلامهم للضر والهلكة وإنما يمنعون من إضعاف المصر بإخراج الطعام منه; لأنه إذا لم يكن بد من إتلاف الجهتين كانت مراعاة بقاء المصر أولى» (١).
* * *
стр. 1838
الفرع الثاني
منع البيع بأقل من سعر السوق حماية له
[م - ٣٤٧] بعض أصحاب المحلات الكبار ذات الفروع الكثيرة المنتشرة في سائر بلاد المملكة تشتري كميات كبيرة جدًا من الشركة المنتجة، وتشترط على الشركة المنتجة أن تبيعها بسعر مخفض جدًا مقابل شرائها هذه الكمية الكبيرة، فتقوم هذه المحلات ببيعه بربح قليل، ولو باعت بمثله الشركات والمحلات الصغيرة لخسرت، فتجذب هذه الشركة الكبيرة بهذا التصرف غالب المشترين عن أصحاب المحلات الصغيرة، ويلحقها ضرر كبير، ولا تسطيع الشركات الدخول معها في المنافسة، ومع ذلك يكون ربح صاحب المحلات الكبيرة ربحًا مضاعفًا؛ لأن الربح القليل بالكميات الكثيرة يتحول إلى ربح كثير جدًا، والمستهلك يشتري أكثر من حاجته لخوفه ألا يجد فرصة للشراء بمثل هذا السعر.
خذ مثلًا لو أن شركة مثل هذه الشركات الكبيرة، والتي لها فروع كثيرة في المدينة الواحدة، فضلًا عن فروعها في سائر مدن المملكة، اشترت من شركات الدواجن مليون دجاجة، واشترطت على الشركة المنتجة أن يكون سعر الدجاجة خمسة ريالات، مقابل هذه الكمية الكبيرة، وكانت الشركة المنتجة تبيع الدجاجة الواحدة على التجار الصغار بسبعة ريالات، ليبيعها التاجر على المستهلك بثمانية، فإذا باعت هذه الشركة الدجاجة بسبعة ريالات، وفرقت هذه الكمية على محلاتها المنتشرة، فإنها سوف تبيعها من خلال يوم واحد، أو يومين، والتجار لا يستطيعون أن يبيعوا بهذا السعر؛ لأن ذلك يعني بيعها برأس مالها، بينما تكسب تلك الشركة مليوني ريال مقابل هذه الصفقة.
стр. 1839
وقد يشترط بعضهم أن يكون سداد الصفقة مؤجلًا، فينتفع بهذا المبلغ الكبير (الربح مع رأس المال) مدة قبل سداده للتاجر.
والسؤال الكبير: هل يجوز للتاجر أن يبيع بسعر أقل من سعر السوق، أو يجب على الدولة أن تمنع من ذلك حماية للسوق من الكساد، وحماية لصغار المستثمرين من الإفلاس؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
وقبل ذكر الخلاف نبين أن الكلام لا ينطبق على الجالب، فمن جلب شيئًا إلى السوق، فله أن يبيع بأقل من سعر الناس (١).
قال ابن رشد: «مما لا اختلاف فيه أنه لا يسعر على الجلاب» (٢).
وقال أيضًا: «أما الجلاب، فلا اختلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع، وإنما يقال لمن شذ منهم، فحط من السعر، أو باع بأغلى مما يبيع به عامتهم: إما أن تبيع بما يبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق» (٣).
وذلك أن السوق يستفيد من الجلاب، حيث يبيعون بضائعهم بسرعة، ويرجعون إلى أهلهم، وهذا ما حمل الشارع على النهي من أن يبيع حاضر لباد، وقال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.
أما غير الجالب فاختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
стр. 1840
القول الأول:
يبيع كيف يشاء، سواء باع بأقل من السوق، أو بأكثر منهم، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وابن حزم (٣).
القول الثاني:
يلزم أن يبيع كما يبيع الناس، فإن زاد، أو نقص عن أهل السوق منع من ذلك.
وهذا رأي ابن جزي (٤)، وأبو الحسن بن القصار من المالكية (٥)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٦)، رجحه ابن تيمية (٧).
وقد نسبه بعضهم إلى ابن عمر ﵁ (٨).
стр. 1841
القول الثالث:
قال مالك: من حط من سعر السوق أقيم (١).
واختلف أصحابه في تفسير ذلك:
فقيل: من حط من الثمن، ومعنى هذا: أنه يجوز الزيادة في الثمن عن سعر السوق، وهذا اختيار ابن عبد البر (٢)، وأبي الوليد الباجي في المنتقى (٣)، والزرقاني في شرحه على الموطأ (٤).
وقيل: من حط من المثمن، ومعنى هذا: أنه يجوز الحط من الثمن عن سعر السوق، وهذا ما اختاره ابن وهب (٥)، وابن رشد الجد (٦)،
والقاضي
стр. 1842
عبد الوهاب البغدادي (١)، وابن ناجي، والونشريسي (٢) وغيرهم.
واستدلوا على صحة هذا التفسير، بأن ابن وهب سمعه من مالك، قال ابن وهب: «سمعت مالك بن أنس يقول: لا يسعر على أهل الأسواق، فإن ذلك ظلم، ولكن إذا كان في السوق عشرة أصوع، فحط هذا صاعًا، أمر أن يخرج من السوق» (٣).
(ث-٤٠) وقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال:
وجد عمر بن الخطاب ابن أبي بلتعة يبيع الزبيب بالمدينة، فقال: كيف تبيع يا حاطب؟ فقال: مدين. فقال: تبتاعون بأبوابنا،
стр. 1843
وأفنيتنا، وأسواقنا، تقطعون رقابنا، ثم تبيعون كيف شئتم، بع صاعًا، وإلا فلا تبع في سوقنا، وإلا فسيروا في الأرض، واجلبوا، ثم بيعوا كيف شئتم (١).
فهذا الأثر نص بأن حاطبًا كان يبيع مدين، فطلب منه أن يبيع صاعًا، وهذا واضح أن نقص حاطب إنما كان في المبيع، وليس في الثمن.
إلا أن أثر عمرو بن شعيب عن عمر، مرسل، حيث لم يدرك عمرو ابن شعيب عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
هذا ملخص الأقوال في المسألة.
دليل من قال: يبيع كيف شاء، بأقل أو بأكثر من سعر السوق .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وإذا أكره على البيع بثمن معين، سواء قيل له: زد في الثمن، كما لو حط من السعر، أو قيل له: انقص منه كما لو زاد فيه فهذا البيع ليس عن تراض، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
قال الشافعي: «الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها، ولا شيئًا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم، وليس هذا منها» (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٥) ما رواه ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز
стр. 1844
ابن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال:
سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه من قال: إن زاد أو نقص عن سعر السوق لم يجز .
عللوا ذلك بأنه إن باع بأقل من سعر السوق أضر بالسوق، حيث يصرف الناس إليه، ويصاب غيره بالكساد، وإن باع بأكثر مما يبيع الناس أضر بالمشتري، فالعدل ثمن المثل.
(ح-٢٦٦) ولما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان ابن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٣).
[المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٤).
(ث-٤١) ومن الآثار استدلوا بما رواه مالك، عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب.
أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا (٥).
стр. 1845
[صحيح، وعلى تقدير أن سعيدًا لم يسمع من عمر فمراسيله من أصح المراسيل] (١).
وظاهر الأثر أن المقصود: يزيد في الثمن لأن قوله (إما أن تزيد في السعر) فالسعر يطلق على الثمن، ولذلك يقال: هذا له سعر، إذا زادت قيمته، وليس له سعر: إذا أفرط رخصه (٢).
ولأنه طلب خروجه من السوق، ولم يطلب منعه من البيع، وهذا دليل على أنه يضر بالسوق، وإنما يضر بالسوق إذا باع بأقل من سعر السوق. إلا أن أصحاب مالك اختلفوا كما سبق في قوله: إما أن تزيد في السعر، هل المقصود: يزيد في الثمن، أو يزيد في المثمن على قولين سبق ذكرهما، وعلى أي تقدير فإنه يقال: إذا منعتم النقص من المثمن، وهو أحد العوضين، فالنقص من الثمن مقيس عليه؛ فالنقص من المثمن يضر بالمشتري، والنقص في الثمن يضر بالسوق، وهو أكبر، والإضرار ممنوع منه الإنسان.
وإذا كانت الشريعة قد سمحت بغبن البادي من أجل نفع السوق، فنهى أن يبيع الحاضر للبادي، وعلل ذلك رسول الله ﷺ بقوله: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. فكيف تسمح بالإضرار بالسوق.
وقد حرمت الشريعة الإضرار بالآخر، فمنعت بيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه كل ذلك منعًا للضرر الواقع بين المسلمين، فإذا كان ذلك بين آحاد المسلمين، وضرره محدود، فكيف إذا كان الضرر يقع على عامة التجار، وصغار المستثمرين، فإذا رأى الباعة أن بعض التجار يبيع بسعر لا
стр. 1846
يمكن لهم أن يبيعوا به، ولو باعوا به لخسروا، فلا شك أن مثل ذلك سيكون سببًا للعداوة والبغضاء.
وإذا كانت الشريعة قامت بحماية المشتري، من تحريم النجش، وتحريم الاحتكار، وتحريم الغبن، فإن أهل السوق هم مشترون قبل أن يكونوا باعة، فإن السلع التي في محلاتهم ليست نتاجًا، وإنما اشتروها طلبًا للربح، فتعريضهم للخسارة ضرر كبير بهم يعود في نهايته على المستهلك، فإن هؤلاء الكبار إذا ألحقوا الضرر بصغار المستثمرين، وأخرجوهم من السوق، تحكم هؤلاء فيما بعد بالمستهلك، وصاروا هم وحدهم اللاعبين بالسوق، فالشريعة قامت على العدل، فهي في الوقت التي تحمي المشتري من أن يتعرض للاستغلال، تحمي البائع كذلك من أن يتعرض للخسارة بفعل غيره.
جواب الشافعي عن أثر عمر:
أجاب الشافعي بأن عمر رجع عن قوله، ولم يكن هذا القول عزيمة منه، وإنما اجتهاد اجتهده، ورجع عنه.
(ث-٤٢) واستدل الشافعي لذلك بما رواه هو، قال:
أخبرنا الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد،
عن عمر، أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعر له مدين بدرهم. فقال عمر: لقد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني، ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع.
стр. 1847
قال الشافعي: وهذا الحديث مستقصى، ليس بخلاف لما روى مالك، ولكنه روى بعض الحديث، أو رواه من روى عنه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول ; لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها، ولا شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها (١).
ويجاب عن اعتراض الشافعي:
بأن القاسم بن محمد لم يدرك عمر، فقد ذكر ابن حجر أقوال العلماء في تاريخ وفاته، وكانت الأقوال تتراوح بين عام (١٠١ إلى عام ١١٢) عن سبعين سنة، فعلى هذا لم يولد إلا بعد وفاة عمر ﵁، وكان مولد أبيه محمد في عام حجة الوداع.
وجه من قال: إن زاد عن سعر السوق منع، وإن نقص جاز .
لا يلام أحد على المسامحة في البيع، والحطيطة فيه، بل يشكر على ذلك إن فعله لوجوه الناس، ويؤجر فيه إذا فعله لوجه الله، ولكن إن زاد على غيره فقد أضر بالناس إذ كان يمكنهم أن يشتروا من غيره بأقل منه، وربما قلده أهل السوق، فرفعوا الأسعار على الناس، تأسيًا به، فلذلك قلنا: يخرج من السوق.
وجه من قال: إن زاد عن سعر السوق جاز، وإن نقص منع .
إن نقص عن سعر السوق أضر بالسوق فيمنع، وإن رفع عن سعر السوق فإن للمشتري الخيار إن شاء اشترى منه، وإن شاء تركه واشترى من غيره، فيرجع الضرر على البائع نفسه.
стр. 1848
وتعقب هذا بما قاله ابن حزم، قال: «وهذا عجب جدًا، أن يمنعوه من الترخيص على المسلمين، ويبيحوا له التغلية، إن هذا لعجيب، وما نعلم قولهم عن أحد قبل ... » (١).
الراجح:
لا شك أن الزيادة اليسيرة عن سعر السوق مما قد يتغابن الناس في مثله لا حرج منه، وأما إن كانت الزيادة كبيرة جدًا، مما قد يلحق بالمشتري غبن، فإنه يمنع من ذلك، ومثله من أراد أن يبيع بأقل من سعر السوق، فإن كان هذا الفعل يقلل من أرباح التجار في السوق لم يمنع، وإن كان يلحق التجار خسارة وكسادًا فإنه يمنع إلا أن يكون هذا عارضًا كما لو كانت البضاعة سينتهي تاريخها مثلًا، فإن البائع قد يخفض من سعرها خشية أن تبقى عنده، فتفسد عليه، وعلى الناس، والله لا يحب الفساد، وهذا أمر طارئ يتحمله السوق، أو كان للتاجر موسم معين قبل نهايته، وقبل بداية موسم جديد يريد أن يتخلص من البضاعة القديمة، فيعرض فيه تخفيضات محددة، ولفترة محددة لا تلحق بالسوق كسادًا من تصرفه، فمثل هذا أيضًا يكون مقبولًا، أما أن يبيع بأقل من سعر السوق دائمًا، ويضر بالتجار فإنه يمنع من ذلك، وكما هو مطلوب حماية المشتري من الغبن، مطلوب أيضًا حماية بقية أهل السوق من الخسائر، وقد سبق أن تكلمت على هذه المسألة حين الكلام على الحوافز التجارية إذا كانت تضر بالتجار الآخرين، فارجع إليه إن شئت. والله أعلم.
стр. 1849
الفرع الثالث
حماية السوق عن طريق تسعير السلع
المسألة الأولى
في حكم التسعير
[م - ٣٤٨] اختلف العلماء في حكم التسعير (١) إلى أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأصل في التسعير الحرمة، خاصة إذا كان أهل السوق يقومون بما أوجب الله عليهم (٢).
стр. 1850
ومن أجاز التسعير منهم كالحنفية (١)، وابن عبد البر من المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وابن تيمية، وابن القيم (٤)،
فإنما أجازوه في حالات خاصة، بشروط معينة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 1851
القول الثاني:
يجوز التسعير، وهو قول سعيد بن المسيب (١)، وربيعة ابن عبد الرحمن (٢)، والليث بن سعد (٣)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٤)، وهو رواية أشهب عن مالك (٥)، واختاره ابن العربي من المالكية (٦).
القول الثالث:
أوجب ابن تيمية وابن القيم التسعير في حال التزم الناس ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعوها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع (٧).
стр. 1852
دليل من قال: يحرم التسعير:
الدليل الأول:
إذا كان الإكراه على البيع لا يجوز بالإجماع، فكذلك إكراههم على تقدير الثمن لا يجوز أيضًا، وذلك أن الثمن حق البائع، فكان إليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وإذا أكره على البيع بثمن معين لم يكن البيع عن رضا.
(ح-٢٦٧) وروى ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال:
سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (١).
[حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
حصر قيام البيع بقيام الرضا، ومفهومه أنه لا يقوم البيع بانعدام الرضا، فإذا أكره على البيع بثمن معين انعدم الرضا الذي هو شرط لصحة البيع.
стр. 1853
ويناقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أنه ليس في التسعير إكراه على بيع الإنسان ماله، فهو حر إن شاء باع، وإن شاء أمسك، ما لم يكن محتكرًا، ولكن إذا شاء بيعه بإرادته فليس له بيعه إلا بسعر المثل، وهذا ليس إكراهًا على البيع، وإنما تقدير للثمن، فلا يجوز لنا أن نلحق الضرر بالمستهلك حماية لحق بائع، أو عدد من الباعة، وقد يزيدون فيما هو قوت للناس، ولا تقوم حياتهم إلا به، مع أن مصلحة الباعة مصلحة تحسينية في كسب مقدار زائد من الربح، في مقابل مصلحة المستهلك، وهي مصلحة ضرورية فيها حفظ الأنفس، وعلى تقدير أن تكون مصلحة البائع، ومصلحة المشتري متقابلتين، فليس أحدهما أولى بالمراعاة من الآخر، فلا يجوز للبائع أن يستغل حاجة المستهلك إلى السلعة، ليبيعها بأكثر من ثمنها، وليس من حق المشتري أن يأخذ السعلة بأقل من ثمنها، فالعدل مراعاة حق العاقدين من بائع ومشتر، وثمن المثل ليس فيه وكس ولا شطط.
الوجه الثاني:
أن يقال: ليس الإكراه على البيع باطلًا كله، بل منه ما هو بحق، ومنه ما هو بغير حق، فإذا كان الإكراه على البيع من أجل قضاء دين واجب عليه، أو لأداء نفقة واجبة عليه، فلا يعتبر من الإكراه الباطل، وكذلك تقدير الثمن: منه ما هو بحق، ومنه ما هو بغير حق، فإذا كان الباعة يتعدون في الثمن، ويلحقون الضرر بعامة الناس، ويحتكرون السلع طلبًا للغلاء الفاحش كان التسعير عليهم لدفع عدوانهم، وأما إذا كان ارتفاع الثمن نتيجة قلة السلع في السوق، أو كثرة الطلب عليها، كان التسعير عليهم من الظلم لهم، ونحن نقول بالتسعير إذا كان فيه عدل للطرفين، ولم يشتمل على ظلم طرف لآخر.
стр. 1854
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٨) ما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت البناني.
عن أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرزاق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ امتنع من التسعير، واعتبر ذلك من الظلم الذي لا يحب أن يلقى الله به.
وأجيب:
بأن التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن التسعير ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على من يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب.
والحديث يحمل على التسعير المحرم، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على
стр. 1857
الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق (١).
الدليل الثالث:
قال بعض الفقهاء: «التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها، ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها، فلا يجدونها إلا قليلًا، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الضرر بالجانبين، جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه (٢).
ويناقش:
بأن التسعير يكون سببًا للغلاء إذا كان في التسعير ظلم للباعة، وأما إذا كان بربح معقول يراعى فيه مصلحة البائع ومصلحة المشتري، كما سيأتي بيانه عند الكلام على كيفية التسعير وصفته، ويُقدَّر له ربح معقول يكفي مثله، فهو لا يمنع الجالب الطالب للرزق الحلال من البيع في السوق، وإنما يردع التاجر الجشع الذي لا يشبعه شيء، فهذا السوق ليس بحاجة إليه، وتضرر السوق منه أكثر من نفعه.
دليل من قال بجواز التسعير:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٩) ما رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق عبدًا بينه وبين آخر،
стр. 1858
قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا. وهو في البخاري بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (قوم عليه في ماله قيمة عدل) فالتقويم هنا: هو التسعير، قال ابن تيمية: «إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب، مثل حاجة المضطر إلى الطعام، واللباس، وغير ذلك، وهذا الذي أمر به النبي من تقويم الجميع بقيمة المثل، هو حقيقة التسعير» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٠) ما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه.
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٣).
[حسن بشواهده، وقد سبق بحثه] (٤).
وجه الاستدلال:
إذا كانت منفعة أحد من الناس تلحق الضرر بآخرين حرم ذلك النفع، فلا
стр. 1859
ضرر، ولا ضرار، فغلاء الأسعار يضر بالمشتري، والبيع بأقل من ثمن المثل يضر بالبائع، والتسعير: هو البيع بثمن المثل، وهو عدل، فالتسعير ضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، التاجر والمستهلك.
فالتسعير: لا يمنع البائع من الربح، ولا يجبره على بيع ماله بخسارة، ولا يسوغ له منه ما يضر بعامة الناس.
ولو ترك التاجر وما أراد، مع ما جبل عليه الإنسان من الشح والطمع، وحب المال لأدى ذلك إلى الإضرار بأقوات الناس، وما يحفظ عليه قوام عيشهم.
«قال الليث: السوق موضع عصمة ومنفعة للمسلمين، فلا ينبغي للوالي أن يترك أهل الأسواق، وما أرادوه من أنفسهم إذا كان في ذلك فساد لغيرهم، ولو كان في ذلك إخراجهم من السوق، وإدخال غيرهم فيه، والقيمة حسنة، ولابد منها عند الحاجة إليها مما لا يكون فسادًا ينفر به الجالب، ويمتنع به التاجر من البيع؛ لأن ذلك أيضًا باب فساد لا يدخل على الناس .. » (١).
وقال أيضًا: «لا بأس بالتسعير على البائعين إذا خيف منهم أن يفسدوا أسواق المسلمين، ويغلوا أسعارهم، وحق على الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم ويعمهم نفعه» (٢).
دليل من قال: يجب التسعير على محتكري بيع السلع .
نقل الإجماع ابن تيمية، وابن القيم على وجوب التسعير على أناس قد احتكروا بيع سلع معينة فلا تباع إلا عليهم، ولا تشترى إلا منهم، وقال: «لو
стр. 1860
سوغ لهم أن يبيعوا بما شاؤوا، أو يشتروا بما شاؤوا، كان ذلك ظلمًا للناس: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم» (١).
الراجح:
بعد استعراض أقوال أهل العلم أجد أن القول الراجح هو أن الأصل في التسعير الحرمة، وأن ارتفاع الأسعار منه ما هو مقبول، ولا يعالج بالتسعير، كما لو كان ذلك نتيجة عدم توفر السلع في الأسواق، أو كان ذلك بسبب كثرة الطلب على السلع، فهنا يترك السوق على حاله، والله هو المسعر كما قال ﷺ ، وهو الذي حمل النبي ﷺ على ترك التسعير، واعتباره من الظلم، وأما إذا كان الباعة يظلمون الناس، كما لو كان أهل السوق يتفقون على عدم البيع إلا بسعر معين، أكثر من ثمن المثل، أو كانوا يحتكرون السلع طلبًا لغلاء الأسعار، فهنا يجب على ولي الأمر، أو نائبه أن يتدخل ليحمي الناس من الإضرار بهم، فيسعر عليهم بطريقة تضمن حق البائع كما تضمن حق المشتري، وسنأتي إن شاء الله تعالى على كيفية التسعير وطريقته بما يحفظ المصالح العامة، ولا يظلم الناس حقوقهم، والله أعلم.
* * *