المسألة الثالثة
في المعاوضة على حق المسيل
[م -١٧] اختلف العلماء في المعاوضة على حق المسيل منفردًا،
فقيل: لا يجوز ذلك، سواء كان ذلك على سطح، أو على الأرض، وهذا مذهب الحنفية.
وقيل يجوز، سوء كان ذلك ببيع، أم بإجارة، وسواء كان المسيل على السطح أم على الأرض، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
والخلاف فيها بين الحنفية والجمهور راجع للخلاف في مالية المنافع.
فالحنفية يرون أن المنافع لا يجوز إفرادها بالبيع إلا تبعًا للعين، لأنها ليست مالًا؛ لأن المالية لا تثبت إلا بالتمول، وتمول الشيء يعني إحرازه وادخاره، والمنفعة لا يمكن صيانتها وادخارها.
والجمهور لا يوافقونهم على أن المنافع ليست من الأموال، بل إن المالية تدور على المنفعة، فأينما وجدت المنفعة المباحة مطلقًا وجدت المالية، وإذا فقدت المنفعة فقدت المالية. وسبق لنا تحرير أدلة كل قول، ومناقشتها في مالية المنافع، فارجع إليها إن شئت.
* * *
стр. 212
المسألة الرابعة
في بيع حق المرور
[م - ١٨] اختلف العلماء في بيع حق المرور.
فقيل: يجوز، وبه قال جماهير أهل العلم (١)،
ورواية في مذهب الحنفية (٢)، وعليها الفتوى (٣).
وجه الفرق عند الحنفية بين حق المرور وبين سائر حقوق الارتفاق:
أن الفرق بين حق المرور وحق المسيل: أن حق المرور متعلق بمحل معلوم، وهو الطريق، وهو معلوم الطول والعرض، فيجوز بيعه، وأما حق التسييل، فإن كان على الأرض، فمجهول لجهالة محله الذي يأخذه الماء؛ لأن مقدار ما يشغله الماء من الأرض مختلف، ويختلف بقلة الماء وكثرته. وهو مجهول، وإن كان على السطح فهو نظير حق التعلي، وحق التعلي ليس متعلقًا بما هو مال، بل بالهواء (٤).
стр. 213
كما أن الفرق بين حق المرور وحق التعلي أن حق المرور حق يتعلق برقبة الأرض، وهي عين مال، فما يتعلق به يكون له حكم العين، وأما حق التعلي فحق يتعلق بالهواء، وهو ليس بعين مال (١).
وقيل: لا يجوز بيع حق المرور، وهو رواية ثانية في مذهب الحنفية (٢).
بناء على أصلهم في أن الحقوق لا تفرد بالبيع، وأن المنافع ليست مالًا. وقد سبق مناقشة هذا الدليل فيما تقدم ذكره في بيع حق الشرب والمجرى والمسيل، فانظره هناك.
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من جواز بيع المنفعة كممر في دار، سواء كان ذلك على وجه التأبيد ليكون بيعًا، أو كان مؤقتًا كما لو كان العقد عقد إجارة، والله أعلم.
* * *
стр. 214
المسألة الخامسة
في بيع حق التعلي
[م - ١٩] اختلف العلماء في بيع حق التعلي.
فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول المزني من الشافعية (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقيل: بل يجوز، وهو مذهب الجمهور (٤)، بشرط أن يبين في العقد كل ما يرفع الجهالة والغرر، بحيث يبين قدر الارتفاع، ومتانته، ومادة البناء، ونحو ذلك.
وجه قول الحنفية:
أن حق التعلي ليس بمال؛ لأن المال ما يمكن إحرازه وقبضه، والهواء لا يمكن إحرازه وقبضه.
стр. 215
ويناقش:
بأن البيع ليس لمادة الهواء، وإنما لسطح البناء من أجل الانتفاع به، والبناء عليه، وهو مال، يمكن الانتفاع به، واستغلاله.
وجه قول الجمهور:
أنه بيع عين يجوز الانتفاع به، فجاز إفراده بالبيع، وهو الصواب.
* * *
стр. 216
المسألة السادسة
في حق الجوار
[م - ٢٠] اختلف الفقهاء في وضع الجار خشبةً على جدار جاره إذا اضطر إلى ذلك ولم يكن في ذلك ضرر على الجار.
فذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والجديد من قول الشافعي (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤)، إلى أن الجار ليس له أن يضع خشبة على جدار جاره إلا بإذنه، وإن امتنع لم يجبر، وله أن يأخذ عوضًا ماليًا عن استخدام جداره.
وذهب الشافعي في أحد قوليه (٥)، والحنابلة في المشهور عندهم (٦)، وأهل الحديث (٧)، إلى أنه لا يحق للجار أن يمنع جاره من ذلك.
دليل من قال: له أن يأخذ عوضًا ماليًا عن استخدام الجدار:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 217
فمن أخذ مال الغير بدون رضاه فقد أكل ماله بالباطل.
الدليل الثاني:
جميع الأدلة التي سقتها على مالية المنافع تصلح دليلًا على مالية هذه الحقوق.
الدليل الثالث:
تحريم مال المسلم إلا بطيب نفس منه.
(ح - ١٠) لما رواه البخاري من طريق ابن سيرين، عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة.
عن أبيه مرفوعًا، وفيه: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه. ورواه مسلم (١).
وأجيب عن هذا الحديث وأمثاله:
بأن مال المسلم حرام على وجه التمليك والاستهلاك، وليس المرفق من ذلك؛ لأن النبي ﷺ فرق بينهما في الحكم، فغير جائز أن يجمع بين ما فرق رسول الله ﷺ ، فقد أوجب أحدهما كما في غرز الخشبة على جدار الجار، ومنع من الآخر وهو التعدي على ملك الغير بغير حق (٢).
دليل من قال: لا يحق للجار أن يمنع جاره من ذلك .
(ح - ١١) واستدلوا بما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن الأعرج.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في
стр. 218
جداره. ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم (١).
جواب الجمهور عن هذا الحديث:
بأن المسألة محمولة على الندب، والنهي في قوله (لا يمنع جار جاره) محمول على الكراهة وليس على التحريم.
قال ابن رشد: «النهي إنما يحمل على التحريم أو الوجوب إذا لم تقترن به قرينة تدل على أن المراد به الكراهية أو الندب، ومن الدليل على أن المراد به كراهة المنع، والندب إلى الإذن: هو أنه إذن في حق الإذن؛ لأن الحائط ماله وملكه، وقد قال الرسول ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) وهذا عموم، فلا يخصص منه غرز الخشب في الجدار إلا بيقين في النهي عن المنع؛ لأن النهي قد يراد به الكراهة وقد يراد به التحريم، ولو كان من حق الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره لقال الرسول ﷺ : ليس للجار أن يمنع جاره خشبة يغرزها في جداره، ولما قال: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة على جداره) إذ ليس من حق الكلام أن يقال للرجل فيما يفعله لغيره: لا تفعله إلا فيما له أن يفعله به، ألا ترى أنك تقول للرجل: لا تضرب عبدك، إذ له أن يضربه، ولا تقل له: ولا تضرب أباك، إذ ليس له أن يضربه ... » (٢).
واستدل بعض المالكية بأن الأمر على الندب بقرينة أخرى.
قال: «قول أَبِي هريرة (ما لي أراكم عنها معرضين) دليل بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة قال: لأنه لو كان على الوجوب
стр. 219
لما جهل الصحابة تأويله، ولرضوا عن أبي هريرة حين حدثهم به، فلولا أن الحكم قد تقرر عندهم بخلافه لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدل على أنهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب.
وتعقبه ابن حجر، قائلًا: «وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا صحابة، وأنهم كانوا عددًا لا يجهل مثلهم الحكم، ولم لا يجوز أن يكون الذي خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء، بل ذلك هو المتعين، وإلا لو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك» (١).
رأي الباحث في المعاوضة على حقوق الارتفاق:
يمكن لنا أن نخرج بقول وسط، فنقول:
إن حق الارتفاق حق مالي يجوز الاعتياض عنه بالمال خاصة لمن أراد أن يتملكه بإتلاف أو استهلاك، وأما الانتفاع فهو أخف من التملك ويتجوز فيه ما لا يتجوز في غيره، خاصة إذا كان ينتفع به بلا ضرر، فيمكن لنا أن نقول: إن ما ورد فيه نص بوجوب بذله للجار بلا عوض يجب بذله، وما لم يرد فيه نص فالأولى بذله، لأن الله ذم من يمنع الماعون، بقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] فإن لم يفعل لم يجبر؛ لأن الأصل احترام حق الملكية الخاصة، وعدم الانتفاع بشيء منه بغير إذن مالكه.
وقول الحنفية قول ضعيف؛ لأننا قد قدمنا أن المالية ليس من شرطها الحيازة، ولو سلم لكانت حيازة المنفعة حاصلة بحيازة العين، ولأن المال هو ما تمول عرفًا، وقد اعتاد الناس على تمول مثل ذلك، ولهذه الأشياء قيمة في الشرع فما المانع من اعتبار ماليتها، والمقصود من الأعيان إنما هو منافعها دون أعيانها، والله أعلم.
* * *
стр. 220
الفصل الخامس
في تقسيم الأموال وأثره الفقهي
بعد أن عرفنا المال بأنواعه، من أعيان، ومنافع، وديون، وحقوق، نأتي إلى تقسيم الفقهاء للمال وأثره من الناحية الفقهية، فقد قسم الفقهاء المال إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة، وسوف أشير إلى أهم هذه التقسيمات، فمن ذلك:
تقسم المال إلى مثلي وقيمي.
تقسيم الحنفية المال إلى متقوم وغير متقوم.
تقسيم المال إلى عقار ومنقول.
تقسيم المال إلى عام وخاص.
تقسيم المال إلى أصول وثمار.
تقسيم المال إلى حلال وحرام ومختلط.
تقسيم المال إلى مال ظاهر ومال باطن.
تقسيم المال إلى مالٍ يقبل القسمة ومالٍ لا يقبل القسمة.
تقسيم المال إلى مستهلك ومستعمل.
تقسيم المال إلى مملوك وغير مملوك.
فهذا إحدى عشرة قسمةً مختلفة، ويمكن للباحث أن يحدث تقسيمات أخرى بحسب ما يلحظ من الفروق بين الأموال المختلفة، وسوف نتعرض إلى أهم هذه الأقسام مما لها تعلق في باب المعاملات إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.
стр. 221
المبحث الأول
في تقسيم المال إلى مثلي وقيمي
ينقسم المال باعتبار تماثل آحاده أو أجزائه أو عدم تماثلها إلى قسمين:
أ - مثلي ب - وقيمي.
تعريف المثلي والقيمي في الاصطلاح:
المثلي هو: «كل ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به» (١).
كالمكيل والموزون، والعدديات المتقاربة مثل الجوز والبيض؛ لأنه وإن وجد تفاوت في الكبر والصغر بين أفراد البيض والجوز وآحادهما، فذلك التفاوت لا يوجب اختلافًا في الثمن، ويباع الكبير منهما بمثل ما يباع به الصغير.
والقيمي: «ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به» (٢).
واعتمد هذا التعريف صاحب مجلة الأحكام الشرعية الحنبلي (٣).
وذكر الباجي في المنتقى: أن الأعيان نوعان:
نوع تختلف صفاته كالخيل والإبل والبقر والغنم وسائر الحيوان والثياب والعروض، فإن هذا لا يكاد جملة منه تتفق آحادها، فهذا مثال للقيمي.
стр. 222
ونوع لا تختلف صفاته على الوجه الذي ذكرناه كالجوز، والبيض، فهذا تتفق صفات آحاده، كما تتفق قيمه، فهذا هو المثلي (١).
وأما المصنوعات فقسمها الحنفية إلى قسمين:
«النوع الأول - التي لا تختلف باختلاف الصنعة كالدراهم والدنانير فالريالات والجنيهات المصنوعة في زماننا المتداولة بين الناس هي وإن كانت من المصنوعات إلا أنها غير مختلفة باختلاف الصنعة ; لأنها لم تكن من مصنوعات اليد بل هي تصاغ بقالب ولذلك فالجنيه ... الذي هو بمائة قرش مثل للجنيه الآخر بذات القيمة، كما أن الريال ذا العشرين قرشا مثل للريال الآخر ذي العشرين قرشًا. كذلك الجوخ الذي من جنس واحد والأقمشة التي هي من مصنوعات معمل واحد من هذا القبيل ....
النوع الثاني - المصنوعات التي تختلف باختلاف الصنعة، كأباريق النحاس والقدور، والأسورة، ومع أن الفضة هي من المثليات، فكون الأسورة المعمولة منها قيمية هو بسبب الصنعة; لأن الصانع يصنع الأسورة بصور مختلفة، ولذلك فالأسورة المصنوعة من عشرين درهما فضة أو ذهبا ليست مثلا للأسورة الأخرى المعمولة عن عشرين درهما فضة أو ذهبا» (٢).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث خاص مقارن عن الكلام عن المثلي والقيمي، عند الكلام على أحكام المبيع، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته.
* * *
стр. 223
فرع
الأثر الفقهي في تقسيم المال إلي مثلي وقيمي
يترتب على تقسيم المال إلى مثلي وقيمي أمور منها:
الأول: في باب الضمان .
[م - ٢١] إذا تلف الشيء في يد من عليه ضمانه.
فقيل: عليه رد مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
وقيل: يجب رد المثل مطلقًا، اختاره العنبري من الحنابلة.
وقال ابن حزم: يجب رد المثل مطلقًا، فإن عدم المثل فالمضمون مخير بين أن يمهله حتى يوجد المثل، وبين أن يأخذ القيمة.
وقيل: يضمن المثلي وغيره مطلقًا بالقيمة، اختاره بعض الفقهاء.
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى العزو إلى هذه المذاهب مع أدلتها، وبيان الراجح في باب تلف المبيع، وكيفية الضمان في المجلد الثالث من هذه المجموعة.
الثاني: في استقراض المال
[م - ٢٢] إذا كان المال مثليًا صح أن يكون دينًا في الذمة بالاتفاق، لأنه ينضبط بالصفة، كما جاء في الحديث: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم، على خلاف بين العلماء في بعض الأموال هل هي مثلية أو غير مثلية كالخلاف في الحيوان؟
وأما المال القيمي، فهل يثبت دينًا في الذمة؟
стр. 224
اختلف العلماء في هذه المسألة.
فقيل: المال القيمي لا يثبت دينًا في الذمة، وهو مذهب الجمهور، وأصح القولين في مذهب الشافعية.
وقيل: يجوز قرض كل شيء إلا الجواري، وهو قول في مذهب المالكية.
وقيل: يجوز قرض غير المثلي، ويرد بدلا منه قيمته، وهو قول في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو الراجح.
وقد ذكرت أدلة هذه المسألة مع العزو إلى كتب المذاهب، ولله ا لحمد في باب أحكام المعقود عليه.
الثالث: من الفروق المترتبة على تقسيم المال إلى مثلي وقيمي
[م - ٢٣] المال المشترك إذا كان مثليًا كالمكيل والموزون والمعدود المتقارب تدخله قسمة الإجبار: أي يجبر الشريك على القسمة، ويتولاها القاضي.
قال المرداوي في الإنصاف: «إذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أجبر عليه بلا نزاع» (١).
وأما المال القيمي، فإن كان مما يمكن قسمه بلا ضرر، ولا يحتاج إلى رد عوض، كالأرض الواسعة، والقرى والبساتين والدور الكبار والدكاكين الواسعة فإنه يقسم قسمة إجبار كالمال المثلي.
стр. 225
وإن كان مما لا يمكن قسمه، إلا بضرر كنقص القيمة، أو برد عوض من أحدهما على الآخر لم يجبر أحدهما على القسمة.
وسوف يأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في بابها، وإنما أردت هنا الإشارة إلى الآثار المترتبة على تقسيم المال إلى مثلي وقيمي، ولم أقصد تحرير قسمة المال المشترك بين الشركاء، وكيف يقسم، والله أعلم.
الرابع: من الفروق المترتبة على تقسيم المال إلى قيمي ومثلي
[م - ٢٤] إذا كان أحد المبيعين مثليًا والآخر قيميًا وأردنا تحديد المبيع من الثمن.
فالحنفية يرون أن المثلي هو الثمن لثبوته دينًا في الذمة، ولكونه لا يتعين بالتعيين، وأن القيمي هو المبيع.
يقول الكاساني في بدائع الصنائع: «المبيع والثمن على أصل أصحابنا من الأسماء المتباينة الواقعة على معان مختلفة فالمبيع في الأصل اسم لما يتعين بالتعيين والثمن في الأصل ما لا يتعين بالتعيين وإن احتمل تغير هذا الأصل بعارض ... والثمن في اللغة اسم لما في الذمة هكذا نقل عن الفراء وهو إمام في اللغة؛ ولأن أحدهما يسمى ثمنا والآخر مبيعًا في عرف اللغة والشرع واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل إلا أنه يستعمل أحدهما مكان صاحبه توسعًا; لأن كل واحد منهما يقابل صاحبه فيطلق اسم أحدهما على الآخر لوجود معنى المقابلة كما يسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء. (فأما) الحقيقة فما ذكرنا ...... ثم الدراهم والدنانير عندنا أثمان على كل حال أي شيء كان في مقابلتها وسواء دخله حرف الباء فيهما أو فيما يقابلهما; لأنهما لا تتعين بالتعيين بحال فكانت أثمانًا على كل حال.
стр. 226
وأما ما سواهما من الأموال فإن كان مما لا مثل له من العدديات المتفاوتة والذرعيات فهو مبيع على كل حال; لأنها تتعين بالتعيين، بل لا يجوز بيعها إلا عينًا، إلا الثياب الموصوفة المؤجلة سلمًا فإنها تثبت دينا في الذمة مبيعة بطريق السلم استحسانا بخلاف القياس لحاجة الناس إلى السلم فيها .... » (١).
فتبين من قوله: (أن الثمن اسم لما في الذمة) دليل على أنه لا يتعين بالتعيين: وهو نص على كونه مثليًا.
وقوله: (وأما ما سواهما من الأموال فإن كان مما لا مثل له من العدديات المتفاوتة، والذرعيات فهو مبيع على كل حال) دليل على أن المبيع يتعين بالتعيين، وهو نص على كونه قيميًا.
وللحنفية تفريعات كثيرة في معرفة الثمن والمثمن سيأتي تحريرها إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة مقابلا ذلك كله مع قول الجمهور وبيان الراجح، في أحكام المعقود عليه، وإنما اقتضى الإشارة هنا إلى الآثار المترتبة على تقسيم المال إلى مثلي وقيمي، والله أعلم.
* * *
стр. 227
المبحث الثاني
تقسيم المال إلي متقوم وغير متقوم
قال السرخسي: ما يكون متقومًا شرعًا فالاعتياض عنه جائز (١).
قال الماوردي: ما لا قيمة له لا تصح المعاوضة عليه (٢).
وقال السرخسي أيضًا: إتلاف ما ليس بمتقوم لا يوجب الضمان (٣).
سبق لنا أن الجمهور يشترطون في المال أن يكون الانتفاع به مباحًا، فالشيء إذا لم يكن مما يباح الانتفاع به شرعًا فليس بمال أصلًا.
جاء في شرح الرصاع على حدود ابن عرفة: «إن المعتبر في التقويم إنما هو مراعاة المنفعة التي أذن الشارع فيها، وما لا يؤذن فيه فلا عبرة به، فلا تعتبر قيمته؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا» (٤).
بينما الحنفية لا يشترطون في المالية إباحة الانتفاع، وهذا الذي دفعهم إلى تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم، ليخرجوا ما لا يحل الانتفاع به من الأموال من أن يكون محلًا للعقد، نظرًا لعدم تقومه.
فالمال المتقوم عند الحنفية: هو ما يباح الانتفاع به شرعًا في حال السعة والاختيار.
والمال غير المتقوم: هو ما لا يباح الانتفاع به في حال الاختيار، كالخمر
стр. 228
والخنزير، فهو مال غير متقوم بالنسبة للمسلم، وأما في حق الذمي، فهي مال متقوم؛ لأنه لا يعتقد حرمتها، ويتمولها (١).
فإذا أتلف مسلم خمرًا فإن كانت لذمي ضمنها المتلف، وإن كانت لمسلم لم يضمنها؛ لأنها ليست متقومة في حق المسلم (٢).
يقول ابن عابدين في حاشيته:
«المال أعم من المتقوم (٣)؛ لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم ... » (٤).
وقال أيضًا: «فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم .. » (٥).
والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وكيف يقال عن الخمر بأنه مال، والحنفية يعرفون المال بأنه ما يمكن تموله، وهل يمكننا تمول الخمر والخنزير، ويعرفون المال بأنه ما خلق لمصالح الآدمي، ويمكن ادخاره وقت الحاجة، ولا أعرف مصلحة في الخمر بعد تحريمها وقد أمرنا باجتنابها، وهو أبلغ من النهي عن شربها، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠] فالاجتناب: أن أكون في جانب، والخمرة
стр. 229
في جانب آخر، وهذا يقطع التمول في الخمر من أي وجه من الوجوه، ويقطع ادخاره لوقت الحاجة.
وقد يطلق الحنفية غير متقوم، ويقصدون به غير المحرز من المباحات، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، والأشجار في البراري، ومثله الذهب في مناجمه، والفضة في معادنها، فلو أتلفه متلف لم يضمنه؛ لأنه لا حماية له قبل حيازته.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «المال المتقوم يستعمل في معنيين:
الأول: ما يباح الانتفاع به.
والثاني: بمعنى المال المحرز، فالسمك في البحر غير متقوم؛ فإذا اصطيد صار متقومًا بالإحراز» (١).
فالمعنى الأول: هو معنى المال الشرعي.
والثاني: معناه العرفي.
فلحم الخروف المذبوح مثلًا بما أن أكله وتناوله مباح، فهو من هذه الجهة مال، ومتقوم أيضًا، أما لحم غير المذبوح كالمخنوق خنقًا، فبما أن أكله وتناوله حرام وممنوع، فمن هذه الجهة يعد غير متقوم، وإن عده البعض مالًا (٢).
стр. 230
الفرع الأول
الأثر الفقهي في تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم
قال ابن قدامة: ما لا مثل له تجب قيمته (١).
[م - ٢٥] إذا أتلف المال المتقوم ضمن متلفه لمالكه مثله إن كان مثليًا، أو قميته إن كان قيميًا.
وأما غير المتقوم فلا ضمان على متلفه، فلو أتلف مسلم لمسلم خمرًا أو خنزيرًا فلا ضمان عليه.
وأما إذا أتلف مسلم لذمي خنزيرًا أو أراق خمرًا، فهل يضمنه متلفه باعتبار أن الخمر مال متقوم عند الذمي، أو لا يضمنه باعتبار أنه غير متقوم عند المتلف،
في هذه المسألة خلاف بين العلماء:
فقيل: عليه الضمان، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣).
وقيل: لا ضمان عليه، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، ورجحه ابن حزم (٦).
стр. 231
وسيأتي تحرير هذه المسألة إن شاء الله تعالى في أحكام إتلاف المبيع، فانظره هناك غير مأمور.
* * *
стр. 232
المبحث الثالث
تقسيم المال باعتبار ثبوته أو تحويله
قسم الفقهاء المال بالنظر إلى إمكان نقله وتحويله إلى عقار ومنقول.
تعريف العقار:
جاء في مجلة الأحكام العدلية: العقار: غير المنقول: ما لا يمكن نقله من محل لآخر كالدور، والأراضي مما يسمى بالعقار.
والمنقول: هو الشيء الذي يمكن نقله من محل إلى آخر، ويشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلات والموزونات (١).
وفي مجلة الأحكام الشرعية: «العقار هو الأرض وحدها، أو ما اتصل بها للقرار، كالدور والبساتين.
والمنقول: هو الشيء الذي يمكن نقله من محل إلى آخر» (٢).
[م - ٢٦] فالفقهاء متفقون على أن ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر يسمى عقارًا، وأن ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء صورته وهيئته منقول.
واختلفوا فيما يمكن نقله مع تغيير صورته عند النقل كالبناء والشجر، هل هو عقار أو منقول؟
فذهب الحنفية إلى اعتباره من المنقولات إلا إذا كانا تابعين للأرض فيسري
стр. 233
عليهما حكم العقار بالتبعية (١).
وذهب الجمهور إلى اعتبار ذلك من العقار (٢).
والراجح - والله أعلم - قول الجمهور، وهو أن العقار يشمل الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر.
قال في مختار الصحاح: العقار بالفتح مخففًا: الأرض والضياع والنخل (٣).
وفي اللسان: العقار بالفتح: الضيعة، والنخل والأرض (٤).
* * *
стр. 234
فرع
الأثر الفقهي في تقسيم المال إلي عقار ومنقول
يظهر أثر تقسيم المال إلى عقار ومنقول في بعض أبواب الفقه كباب الشفعة، وباب الوقف.
أولًا: في باب الشفعة
[م - ٢٧] اتفق الفقهاء في ثبوت الشفعة في عقار يمكن قسمته ونحوه من البساتين.
قال ابن المنذر: «لا اختلاف بين أهل العلم في إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما يباع من أرض أو دار أو حائط» (١).
ولم يختلف الفقهاء فيما أعلم في ثبوت الشفعة في البناء والغرس تبعًا للأرض (٢).
ومستندهم:
(ح - ١٢) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٣).
стр. 235
وجه الاستدلال:
أن لفظ (ربعة) يتناول الأبنية، ولفظ (حائط) يتناول الأشجار.
واختلف الفقهاء في ثبوت الشفعة في المنقول فيما لم يقسم، كما لو باع أحد الشريكين نصيبه في حيوان أو ثمرة، فهل للشريك أن يأخذ نصيب شريكه بالشفعة؟
فقيل: لا شفعة في المنقولات، وهو مذهب الحنفية (١)،
والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
وقيل: فيه الشفعة، وهو ورواية عن أحمد (٥)، ونسب إلى ابن أبي مليكة، وعطاء وفقهاء مكة (٦)، واختاره ابن حزم (٧)، وابن عقيل من الحنابلة، ورجحه
стр. 236
ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢).
وقيل: بثبوت الشفعة في ثمرة تجنى مع بقاء أصلها، وما كانت ثمرته تجنى وليس له بقاء فلا شفعة فيه وهو قول في مذهب المالكية (٣).
وقيل: تثبت الشفعة في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وهو رواية عن أحمد (٤).
وسوف نأتي إن شاء الله تعالى على ذكر أدلة هذه الأقوال، والراجح منها في كتاب الشفعة، بلغنا الله ذلك بمنه وعونه وتوفيقه.
ثانيًا: تأثير تقسيم المال إلى عقار ومنقول في باب الوقف
سبق لنا تأثير تقسيم المال إلى عقار ومنقول في باب الشفعة، وفي هذا الفصل نبين أثر تقسيم المال إلى عقار ومنقول في باب الوقف،
[م - ٢٨] فقد أجمع الفقهاء بأن العقار يصح وقفه،
стр. 237
قال المرداوي: وقف غير المنقول يصح بلا نزاع (١).
كما أجمعوا على صحة وقف المنقول تبعًا للعقار، قال الزيلعي: «وقف المنقول تبعًا للعقار جائز بالإجماع» (٢).
واختلفوا في المال المنقول، فقيل: لا يصح وقفه، وهذا قول أبي حنيفة (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
стр. 238
وقيل: بل لا فرق بين العقار والمنقول في باب الوقف، والجميع يصح وقفه، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يصح وقف السلاح والكراع من المنقولات، وهذا مذهب أبي يوسف من الحنفية (٤).
وقيل: يصح وقف ما جرى العرف بوقفه، وهذا رأي محمد بن الحسن من الحنفية (٥).
وسوف نذكر إن شاء الله تعالى أدلة هذه الأقوال مع بيان الراجح في باب الوقف، أسأل الله أن يبلغنا ذلك بحوله وتوفيقه.
* * *
стр. 239
ثالثًا: تأثير تقسيم المال إلى عقار ومنقول في باب التصرف في المبيع
[م - ٢٩] يفرق بعض الفقهاء في باب التصرف في المبيع قبل القبض بين العقار والمنقول،
فقيل: يجوز بيع العقار قبل القبض في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، ولا يجوز بيع المنقول حتى يقبض (١).
وقيل: لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبض مطلقًا عقارًا كان أو منقولًا، وهو قول محمد بن الحسن، وزفر من الحنفية (٢)، ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٣)، وهو قول الثوري، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٤).
وقيل: لا يجوز بيع الطعام المكيل أو الموزون قبل قبضه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٥).
стр. 240
وقيل: لا يجوز بيع المكيل أو الموزون أو المعدود أو المذروع، وكذا ما اشتري بصفة أو رؤية متقدمة قبل قبضه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يجوز بيع الطعام الربوي فقط قبل قبضه، وأما غير الربوي من الطعام فيجوز بيعه قبل قبضه، وهو رواية عن مالك (٢).
وسوف نأتي على ذكر أدلة هذه الأقوال إن شاء الله تعالى في باب التصرف في المبيع، عند ذكر أحكام المبيع من هذا الكتاب، فانظره هناك مشكورًا.
رابعًا: تأثير تقسيم المال إلى عقار ومنقول في حقوق الارتفاق
سبق لنا مناقشة مالية الحقوق، ومنها حقوق الارتفاق، وعرفنا حقوق الارتفاق بأنه: حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر مملوك لمن لا يملك العقار الأول (٣).
ومن خلال تعريفها يتبين أن حقوق الارتفاق هي حقوق تتعلق بالعقار وحده، ولا تتعلق بالمنقول.
стр. 241
فيمكن أن نقول من فوائد تقسيم المال إلى عقار ومنقول، اختصاص العقار بحقوق الارتفاق والجوار دون غيره من الأموال المنقولة.
وللتوسع أكثر في حقوق الارتفاق يراجع الفصل الخاص بمالية حقوق الارتفاق، وقد سبق ذكره في هذا المجلد، والله أعلم.
* * *
стр. 242
المبحث الرابع
تقسيم المال إلى عام وخاص
قسم الفقهاء المال إلى عام وخاص:
فالمال العام: هو كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، وذلك كالزكاة والفيء، وخمس الغنائم المنقولة، وخمس الخارج من الأرض ... ونحوها (١).
والمال الخاص: هو المال الذي يملكه شخص معين، أو أشخاص محصورون (٢).
والأصل في التفريق بين المال العام والخاص .
(ح -١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا ثور الشامي، عن حريز ابن عثمان، عن أبي خداش،
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
стр. 243
فيؤخذ من هذا الحديث أن ما تعلقت به حاجة الجماعة في الانتفاع به في أشياء معينة، فإنه لا يجوز أن تقع تحت التملك الفردي، وإنما تحجر أعيانها، وتباح منافعها، وذلك كما في الأنهار الكبيرة والطرق والجسور والأراضي المتروكة حول القرى لتستعمل من قبل أهلها للرعي والحصاد وغيرها.
قال أبو يوسف: «الفرات ودجلة لجميع المسلمين، فهم فيه شركاء» (١).
وفي البحر الرائق «لا يملك الإمام أن يقطع ما لا غنى للمسلمين عنه، كالملح والآبار يستسقي منها الناس» (٢).
وقال ابن القيم: «الماء خلقه الله في الأصل مشتركًا بين العباد والبهائم، وجعله سقيا لهم» (٣).
وقال ابن قدامة: «ما تعلق بمصالح القرية كفنائها، ومرعى ماشيتها،
стр. 244
ومحتطبها، وطرقها، ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء، ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم» (١).
وقال أيضًا: «وما كان في الشوارع والطرقات والرحاب وبين العمران، فليس لأحد إحياؤه ... لأن ذلك يشترك فيه المسمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم» (٢).
الفرق بين المال العام والخاص:
[م - ٣٠] من أحكام المال الخاص: جواز التصرف فيه بأصالة أو بوكالة أو ولاية، ويقطع سارقه بشرطه.
يقابله المال العام: كبيت مال المسلمين، والموقوف على المسلمين عامة، وكل ما كان نفعه للمسلمين عامة.
فهل يقطع السارق من بيت المال؟ فيه خلاف.
فقيل: لا قطع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (٣)، وبه يقول الحكم ابن عتيبة ﵀ (٤)، وإبراهيم النخعي (٥).
стр. 245
وقيل: يقطع مطلقًا، وهو مذهب المالكية (١)، واختيار ابن حزم (٢)، واختاره حماد بن أبي سليمان (٣).
وقيل: إن سرق من بيت مال المسلمين، وهو مسلم، فإن فرز المال لطائفة ليس هو منهم قطع لانتفاء الشبهة، وإن لم يفرز فلا قطع، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤)، والله أعلم وبحث هذه المسألة يأتي في باب الحدود إن شاء الله تعالى.
стр. 246
المبحث الخامس
تقسيم المال إلى أصول وثمار
الأصول: جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد به عند الفقهاء: الأرض، والدور، والبساتين.
والثمار: جمع ثمر، كجبال وجبل، وواحد الثمر: ثمرة (١).
وكثير من الفقهاء في باب المعاملات يفرد بابًا باسم (بيع الأصول والثمار) ويذكر ما يتبع الأصول في البيع وما لا يتبعها، كما يتكلمون أحيانًا متى يجوز بيع الثمرة دون الأصل، ومتى يجوز بيعها مع أصلها، ومتى يجوز بيع الأصل دون الثمرة (٢).
وقد تكلمنا والحمد لله على فضله عن هذا المبحث عند الكلام على شمول المبيع، وما يدخل فيه، فانظره هناك مشكورًا.
* * *
стр. 247
الباب الثاني
في حكم البيع وبيان أركانه
الفصل الأول
في حكم البيع
بعد أن عرفنا البيع، وأنه مبادلة مال بمال، وأخذنا تصورًا شاملًا عن تعريف المال، وأقسامه، والأثر الفقهي لهذه الأقسام نأتي في هذا الفصل في بيان حكمه؛ لأن الحكم على الشيء يجب أن يكون بعد معرفته، وتصوره.
[م - ٣١] وقد اتفق الفقهاء على جواز البيع في الجملة، «قال ابن عبد السلام: كما أن حقيقته معلومة لكل الناس، فحكمه من الإباحة معلوم من الدين بالضرورة، فالاستدلال المذكور على ذلك في الكتب والمجالس إنما هو على طريق التبرك بذكر الآيات والأحاديث مع تمرين الطلبة على الاستدلال» (١).
وقد دل على جوازه الكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ [البقرة:١٩٨].
стр. 248
وأما السنة فأحاديث كثيرة، من بيعه ﷺ ، وشرائه، وإذنه في البيع، ووقوعه بحضرته.
(ح - ١٤) ومن هذه الأحاديث: ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث،
عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفيه: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
(ح - ١٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه،
إلى حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٢).
وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة» (٣).
وأما المعقول فقال ابن قدامة: «والحكمة تقتضيه - يعني تقتضي جوازه- لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته» (٤).
ومع أن قولنا: إن البيع جائز في الجملة، فقد يعرض للبيع الأحكام الخمسة:
فقد يكون محرمًا، كما في البيوع المنهي عنها، كبيع الميتة، والدم، والخنزير، والخمر.
وقد يكون واجبًا، كما لو كان البيع على من اضطر إلى شراء طعام أو شراب
стр. 249
لإنقاذ مهجة، وبعضهم اعتبر الواجب هنا التمليك، وليس البيع نفسه (١)، ومثل له بعضهم ببيع القاضي مال المفلس بشروطه (٢).
وقد يكون مندوبًا، كما في بيع الطعام زمن الغلاء، ومثله بيع الكتب النافعة مع النية الصالحة.
وقد يكون مكروهًا، كما في البيوع المكروهة، وذلك نحو تلقي الجلب، وبعضهم يمثل في البيع والشراء ممن أكثر ماله حرام، وقد اختلط بالحلال.
* * *
стр. 250
الفصل الثاني
في أركان البيع
تعريف الركن في الاصطلاح (١):
عرفه ابن نجيم: بأن الركن، هو جزء الماهية (٢).
وعرفه بعض المالكية: ما تحقق به الماهية، ولو لم يكن جزءًا منها حقيقة (٣).
وعرفه بعض الشافعية: بأن أركان الشيء: أجزاؤه في الوجود، التي لا يحصل إلا بحصولها، داخلةً في حقيقته، محققةً لهويته (٤).
وفي الموسوعة الكويتية: الركن ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا منه، أم لازمًا له (٥).
أركان البيع عند الفقهاء:
[م - ٣٢] اختلف الفقهاء في تحديد أركان البيع: