وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ امتنع من التسعير، واعتبر ذلك من الظلم الذي لا يحب أن يلقى الله به.
وأجيب:
بأن التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن التسعير ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على من يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب.
والحديث يحمل على التسعير المحرم، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على
стр. 1857
الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق (١).
الدليل الثالث:
قال بعض الفقهاء: «التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها، ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها، فلا يجدونها إلا قليلًا، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الضرر بالجانبين، جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه (٢).
ويناقش:
بأن التسعير يكون سببًا للغلاء إذا كان في التسعير ظلم للباعة، وأما إذا كان بربح معقول يراعى فيه مصلحة البائع ومصلحة المشتري، كما سيأتي بيانه عند الكلام على كيفية التسعير وصفته، ويُقدَّر له ربح معقول يكفي مثله، فهو لا يمنع الجالب الطالب للرزق الحلال من البيع في السوق، وإنما يردع التاجر الجشع الذي لا يشبعه شيء، فهذا السوق ليس بحاجة إليه، وتضرر السوق منه أكثر من نفعه.
دليل من قال بجواز التسعير:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٩) ما رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق عبدًا بينه وبين آخر،
стр. 1858
قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا. وهو في البخاري بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (قوم عليه في ماله قيمة عدل) فالتقويم هنا: هو التسعير، قال ابن تيمية: «إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب، مثل حاجة المضطر إلى الطعام، واللباس، وغير ذلك، وهذا الذي أمر به النبي من تقويم الجميع بقيمة المثل، هو حقيقة التسعير» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٠) ما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه.
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٣).
[حسن بشواهده، وقد سبق بحثه] (٤).
وجه الاستدلال:
إذا كانت منفعة أحد من الناس تلحق الضرر بآخرين حرم ذلك النفع، فلا
стр. 1859
ضرر، ولا ضرار، فغلاء الأسعار يضر بالمشتري، والبيع بأقل من ثمن المثل يضر بالبائع، والتسعير: هو البيع بثمن المثل، وهو عدل، فالتسعير ضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، التاجر والمستهلك.
فالتسعير: لا يمنع البائع من الربح، ولا يجبره على بيع ماله بخسارة، ولا يسوغ له منه ما يضر بعامة الناس.
ولو ترك التاجر وما أراد، مع ما جبل عليه الإنسان من الشح والطمع، وحب المال لأدى ذلك إلى الإضرار بأقوات الناس، وما يحفظ عليه قوام عيشهم.
«قال الليث: السوق موضع عصمة ومنفعة للمسلمين، فلا ينبغي للوالي أن يترك أهل الأسواق، وما أرادوه من أنفسهم إذا كان في ذلك فساد لغيرهم، ولو كان في ذلك إخراجهم من السوق، وإدخال غيرهم فيه، والقيمة حسنة، ولابد منها عند الحاجة إليها مما لا يكون فسادًا ينفر به الجالب، ويمتنع به التاجر من البيع؛ لأن ذلك أيضًا باب فساد لا يدخل على الناس .. » (١).
وقال أيضًا: «لا بأس بالتسعير على البائعين إذا خيف منهم أن يفسدوا أسواق المسلمين، ويغلوا أسعارهم، وحق على الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم ويعمهم نفعه» (٢).
دليل من قال: يجب التسعير على محتكري بيع السلع .
نقل الإجماع ابن تيمية، وابن القيم على وجوب التسعير على أناس قد احتكروا بيع سلع معينة فلا تباع إلا عليهم، ولا تشترى إلا منهم، وقال: «لو
стр. 1860
سوغ لهم أن يبيعوا بما شاؤوا، أو يشتروا بما شاؤوا، كان ذلك ظلمًا للناس: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم» (١).
الراجح:
بعد استعراض أقوال أهل العلم أجد أن القول الراجح هو أن الأصل في التسعير الحرمة، وأن ارتفاع الأسعار منه ما هو مقبول، ولا يعالج بالتسعير، كما لو كان ذلك نتيجة عدم توفر السلع في الأسواق، أو كان ذلك بسبب كثرة الطلب على السلع، فهنا يترك السوق على حاله، والله هو المسعر كما قال ﷺ ، وهو الذي حمل النبي ﷺ على ترك التسعير، واعتباره من الظلم، وأما إذا كان الباعة يظلمون الناس، كما لو كان أهل السوق يتفقون على عدم البيع إلا بسعر معين، أكثر من ثمن المثل، أو كانوا يحتكرون السلع طلبًا لغلاء الأسعار، فهنا يجب على ولي الأمر، أو نائبه أن يتدخل ليحمي الناس من الإضرار بهم، فيسعر عليهم بطريقة تضمن حق البائع كما تضمن حق المشتري، وسنأتي إن شاء الله تعالى على كيفية التسعير وطريقته بما يحفظ المصالح العامة، ولا يظلم الناس حقوقهم، والله أعلم.
* * *
стр. 1861
المسألة الثانية
الحالات التي يسوغ فيها التسعير
ذكرنا في باب أحكام الثمن الحالات التي يسوغ فيها التسعير، منها:
الأول: تعدي أهل السوق في قيم السلع.
الثاني: أن يكون الإمام عادلًا.
الثالث: أن تكون السلع مما يحتاجها عامة الناس.
الرابع: احتكار التجار للسلع الضرورية.
الخامس: أن يحتكر فئة معينة الشراء من المنتجين ويعاقب من يخالف ذلك.
السادس: أن يتواطأ البائعون ضد المشترين أو العكس.
وقد ذكرنا كلام أهل العلم حول هذه الشروط في باب أحكام الثمن، فارجع إليه غير مأمور.
* * *
стр. 1862
الفرع الرابع
حماية السوق عن طريق منع الحاضر أن يبيع للبادي
المسألة الأولى
في الأحاديث الواردة في الباب
ورد في الباب أحاديث كثيرة، منها:
(ح-٢٧١) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال: حدثني أبي.
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد (١).
(ح-٢٧٢) ومنها ما رواه البخاري، ومسلم من طريق معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد.
قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: لا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا (٢).
(ح-٢٧٣) ومنها ما رواه البخاري، ومسلم من طريق ابن عون، عن محمد،
عن أنس بن مالك، ﵁، نهينا أن يبيع حاضر لباد (٣).
стр. 1863
ورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن سيرين به، وزاد: وإن كان أخاه، أو أباه (١).
(ح-٢٧٤) وروى مسلم من طريق أبي الزبير،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (٢).
وفي الباب حديث أبي هريرة متفق عليه (٣).
ولما كانت الأحاديث متفقًا عليها اكتفيت بذكرها عن ذكر غيرها.
* * *
стр. 1864
المسألة الثانية
علاقة النهي عن بيع الحاضر للباد بنفع السوق
[م - ٣٤٩] قال ابن عبد البر: «ومعنى نهي النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد، لم يختلفوا أنه أريد به نفع أهل السوق، ونحوها من الحاضرة» (١).
قال المازري: «لما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشارع لأهل البلد على البادي» (٢).
قلت: في ذلك فائدتان للسوق وللتجار.
أما الفائدة للتجار: فإن أهل البادية يستعجلون الذهاب إلى أماكنهم، فيبيعون برخص، فينتفع الباعة منهم، ولذلك قال ﷺ : «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
و أما الفائدة للسوق: فإن التاجر إذا اشترى برخص باع برخص، وإذا باع برخص استفاد عامة الناس، وكثر الطلب على السلعة، بخلاف ما إذا كانت قيم السلع مرتفعة، فإن كثيرًا من الناس قد لا يستطيع الشراء حينئذ.
قال الشافعي: «أهل البادية يقدمون جاهلين بالأسواق، وبحاجة الناس إلى ما
стр. 1865
قدموا به، ومستثقلين المقام، فيكون أدنى من أن يرتخص المشترون سلعهم، فإذا تولى أهل القرية لهم البيع، ذهب هذا المعنى .... » (١).
ويقول الطحاوي: «أن رسول الله ﷺ إنما نهى الحاضر أن يبيع للبادي؛ لأن الحاضر يعلم أسعار الأسواق، فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم الأعرابي على غرته، وجهله بأسعار الأسواق، ربح عليه الحاضرون، فأمر النبي ﷺ أن يخلى بين الحاضرين وبين الأعراب في البيوع، ومنع الحاضرين أن يدخلوا عليهم في ذلك» (٢).
* * *
стр. 1866
المسألة الثالثة
تعريف الحاضر للبادي
[م - ٣٥٠] اختلف العلماء في تعريف الحاضر والبادي على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
البادي: ساكن البادية، والحاضر: ساكن الحاضرة، كالمدن، والقرى والريف، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية (١).
ويستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: ٢٠].
وقد يقال: لو كان البادي هو الأعرابي لما احتاج إلى تقييد البادي بالأعراب.
стр. 1867
واستدلوا من جهة المعنى:
فإن حرمة المصري لمصري آخر متساوية، وبأيسر مقام في البلد يعرفون الأسعار، ولا يصح أن يخفي ذلك عليهم، فلا فائدة لكتمانهم ذلك (١).
القول الثاني:
البادي: من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدويًا، أو من قرية، أو بلدة أخرى، وهذا مذهب الحنابلة (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
قلت: ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
стр. 1868
ومن جهة المعنى:
فإن اغترابهم، وبعد أوطانهم يقتضي جهلهم بالأسعار، فمنع من يعرفها من البيع لهم، ليرخص بذلك ما جلبوه (١).
ومنشأ الخلاف راجع إلى النظر في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي، فمن نظر إلى لفظ الحديث قصره على أهل البادية، ومن نظر إلى المعنى الذي جعل الشارع ينهى عن بيع الحاضر للبادي، حمله على أهل البادية ومن كان في معناهم، والذي يظهر لي أن النظر إلى المعنى هو المتعين؛ لأنه لا معنى باختصاص الحكم في أهل البادية فقط، فأقول: ينظر إلى حال البادين، فإن كانوا تجارًا لم يمنعوا من طلب الربح، لأنهم قد اشتروا ذلك بأموالهم، وطلب الربح هو حرفتهم، فيطلب انتفاعهم كما يطلب انتفاع غيرهم من أهل السوق، وتكره لهم الخسارة كما تكره لغيرهم من أهل السوق، بصرف النظر، هل هم من الحاضرة، أو من البادية، وإن كان ما معهم من نتاج أموالهم، ولم يكونوا تجارًا، وقد جاؤوا من خارج البلد، ويريدون الرجوع سريعًا إلى أهلهم، فلا يباع لهم طلبًا أن ينتفع أهل السوق بما معهم، هذا هو المعنى الذي يظهر من منع الحاضر من البيع للبادي، والله أعلم.
* * *
стр. 1869
المسألة الرابعة
معنى النهي عن يبع الحاضر للبادي
[م -٣٥١] إذا عرفنا الحاضر، وعرفنا البادي، فما معنى النهي عن بيع الحاضر للبادي؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يبع حاضر لباد، معناه: أن يكون لرجل طعام، وعلف، لا يبيعهما إلا لأهل البادية بثمن غال (١).
فعلى هذا يكون الحاضر: هو مالك السلعة، وهو البائع، والبادي: هو المشتري. وهذا التفسير انفرد به الحنفية عن غيرهم (٢).
قالوا: ويشهد لصحة هذا التفسير، ما في الفصول العمادية، عن أبي يوسف: لو أن أعرابًا قدموا الكوفة، وأرادوا أن يمتاروا منها، ويضر ذلك بأهل الكوفة، قال: أمنعهم عن ذلك، قال: ألا ترى أن أهل البلدة يمنعون عن الشراء للحكرة، فهذا أولى (٣).
القول الثاني:
وهو مذهب الجمهور، والأصح في مذهب الحنفية، وهو أن يتوكل الحاضر
стр. 1870
عن البادي، ويبيع الطعام له، ويغالي السعر.
وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن يصير الحاضر سمسارًا للبادي البائع.
الصورة الثانية: أن يبيع له بالتدريج أي بالتجزئة كوكيل، شيئًا فشيئًا، بدلًا من بيعه جملة.
قال العيني: «صورة البيع للبادي، أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه، فيقول له بلدي: اتركه عندي؛ لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه ... » (١).
ويؤيد هذا قوله في الحديث: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
ولأن الفعل عدي باللام، فقال: (لا يبع حاضر لباد) ولم يعد بمن.
ونوقش هذا:
بأنه ليس من بيع الحاضر للبادي بيع الدلال اليوم؛ لأن الدلال إنما هو لإشهار السلعة فقط، والعقد عليها إنما يتولاه ربها، وبيع الحاضر: إنما هو أن يتولى الحاضر العقد، أو يقف مع رب السلعة ليزهده في البيع، ويعلمه أن السلعة لم تبلغ ثمنها، ونحو ذلك، والدلال على العكس؛ لأن له رغبة في البيع (٢).
ويجاب:
بأن الدلال، وإن كان له رغبة في البيع، إلا أنه حريص على أن يبيع بثمن
стр. 1871
أغلى؛ لأنه كلما زاد سعر السلعة زادت أجرة السمسرة، هذا من جهة، والقول بأن السمسرة لا تدخل في الحديث لأن العاقد في نهاية الأمر هو البادي، وليس الحاضر، إنما هو تحكيم لظاهر اللفظ دون النظر إلى المعنى، وذلك لأن السمسرة وإن كانت لإشهار السلعة، فإن الإشهار سبب لارتفاع قيمتها، ولم يكن النهي لمجرد أن يكون الإيجاب والقبول في نهاية الأمر صادرًا من الحضري كوكيل، أو من البدوي كأصيل، فإن هذا لا يختلف في المعنى ما دام أن الحضري، هو سبب ارتفاع قيمة السلعة، وهو الذي يعرض على البدوي القبول المعروض من جماعة المشترين، والله أعلم.
ثم إن البائع حقيقة هو الموكل؛ لأن الوكيل نائبه.
* * *
стр. 1872
المسألة الخامسة
حكم بيع الحاضر للبادي
[م-٣٥٢] اختلف أهل العلم في حكم بيع الحاضر للباد على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز أن يبيع الحاضر للبادي مطلقًا، وهذا قول منسوب لأبي حنيفة (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وهو قول مجاهد، وعطاء (٣).
القول الثاني:
يحرم بيع الحاضر للبادي، وهذا مذهب الحنفية (٤)،
стр. 1873
ومذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثالث:
يكره بيع الحاضر للبادي، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، وحكاه النووي في شرحه على صحيح مسلم (٥).
دليل الجمهور على تحريم بيع الحاضر للبادي .
ما ورد من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، وفيها النهي عن بيع الحاضر للبادي، من ذلك حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وقد سبق تخريجها في أول البحث (٦) والأصل في النهي التحريم.
стр. 1874
دليل من قال: يجوز بيع الحاضر للبادي .
الدليل الأول:
(ح-٢٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن عطاء ابن السائب، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه.
عمن سمع النبي ﷺ يقول: دعوا الناس فليصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه، فلينصح له (١).
[إسناده ضعيف على اضطراب فيه، وزيادة: إذا استنصح، فلينصح له في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منكرة، وهي ثابتة من حديث لا علاقة له بحديث بيع الحاضر للبادي] (٢).
стр. 1875
(ح-٢٧٦) وله شاهد عند البيهقي، رواه في سننه من طريق عبد الملك ابن عمير، عن أبي الزبير.
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه (١).
стр. 1876
[إسناده ضعيف] (١).
(ح-٢٧٧) وقد روى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست .. وذكر منها: وإذا استنصحك فانصح له (٢).
فقوله: «وإذا استنصحك فانصح له» أي إذا طلب منك النصيحة، كان واجبًا عليك نصيحته.
ومن ذلك حديث «الدين النصيحة» رواه مسلم من حديث تميم الداري (٣).
وجه الاستدلال:
أن بيع الحاضر للبادي من النصح له، ورأوا أن هذه الأحاديث ناسخة للنهي، وأن النهي كان في أول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك.
ويجاب:
أولًا: أن أحاديث النصيحة عامة، أو مطلقة، وحديث النهي عن بيع الحاضر للبادي خاص، والخاص مقدم على العام (٤).
стр. 1877
ثانيًا: النصيحة للبادي ليست بأولى من النصيحة للحاضر، فلا تقدم النصيحة للبادي (البائع) على حساب النصيحة للمشتري الحاضر، فليس أحدهما بأولى من الآخر بتقديم النصح، فيترك البادي يبيع لنفسه، بل إن النصيحة للحاضر أولى بالتقديم، لأن المنفعة عامة، وذلك أن المنفعة تعود لأهل السوق، وللمستهلكين، بينما المضرة خاصة، وتقديم النفع العام على النفع الخاص، هو مقتضى قواعد الشريعة.
ثالثًا: لو صح الحديث لم يكن فيه حجة على جواز بيع الحاضر للبادي؛ لأنه قال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فأمر بترك البادي يبيع لنفسه، حتى يصيب الناس منه، وإذا استنصح فلينصح له، هذه حالة استثناء، وهو في حال ما إذا طلب النصيحة، وسوف يأتي بحث إذا طلب النصيحة فهل يلزمه أن ينصح له، أو لا؟
رابعًا: القول بالنسخ مجرد دعوى؛ إذ النسخ لا يثبت بالاحتمال.
الدليل الثاني:
(ث-٤٣) ما رواه عبد الرزاق (١)، وابن أبي شيبة (٢)، عن الثوري، عن أبي موسى، عن الشعبي، قال: كان المهاجرون يكرهون ذلك، يعني: بيع الحاضر للبادي. وإنا لنفعله.
[ضعيف، فيه أبو موسى، وهو مجهول] (٣).
стр. 1878
الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول، يتبين لي - والله أعلم - أن القول بالتحريم أقوى؛ لأنه الأصل في النهي.
لكن هل يختص الإثم بالحضري؟
قال الشافعية: يختص الإثم بالحضري؛ لأن البدوي لا سبيل إلى منعه من طلب الربح؛ ولأن منعه من الربح فيه إضرار به، وهذا ممنوع (١).
وهو ظاهر مذهب الحنابلة؛ لأنهم اشترطوا للتحريم أن يكون الحاضر هو الذي طلب من البادي أن يبيع له، فلو قصده البادي لم يكن محرمًا عليه.
لكن قد يقال: إن الإثم يلحقه؛ لأنه بموافقته قد مكن الحاضر من الوقوع في الإثم، فأعانه على الوقوع في محرم، كما لو باع من تلزمه الجمعة على آخر لا تلزمه الجمعة بعد نداء الجمعة الثاني، وكما لو وافقت الزوجة الحلال زوجها المحرم على جماعها، مع أن الجماع منها لا يحرم عليها؛ لكونها غير محرمة.
ولذلك قيل: الإثم يلحقهما معًا، وهو ظاهر مذهب المالكية:
جاء في الشرح الكبير: «وأُدِّب كل من المالك والحاضر والمشتري، إن لم يعذر بجهل» (٢).
والتأديب إنما يكون على محرم.
* * *
стр. 1879
المسألة السادسة
شروط تحريم بيع الحاضر للبادي
[م-٣٥٣] اختلف العلماء في بيع الحاضر للبادي، هل التحريم مطلق دون قيد أو شرط، أو أن التحريم مقيد بشروط على قولين:
القول الأول:
أن تحريم بيع الحاضر للبادي مطلق بدون قيد أو شرط، وهذا مذهب الظاهرية (١)، ورجحه الشوكاني:
وجه القول بذلك:
أن النصوص في النهي عن بيع الحاضر للبادي مطلقة، فلم تقيد بشرط، وتقييدها بالشروط تقييد لما أطلقه الشارع، والعام، والمطلق، لا يخصصه، ولا يقيده إلا نص مثله.
قال الشوكاني: «البقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرمًا على العموم، سواء كان بأجرة، أم لا» (٢).
القول الثاني:
ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بأن التحريم مقيد بشروط على خلاف بينهم في تلك الشروط، فمن هذه الشروط:
стр. 1880
الشرط الأول:
اشترط الشافعية أن يكون الحاضر عالمًا بالنهي.
وهذا شرط يعم جميع المناهي (١). ولا أظن أن أحدًا ينازع في ذلك.
الشرط الثاني:
اشترط الحنفية أن يكون هذا الفعل مضرًا بأهل البلد، كما لو كانوا في قحط وعوز، فإن كانوا في خصب وسعة، فلا بأس به؛ لانعدام الضرر (٢).
جاء في البحر الرائق: «وهو مقيد - كما في الهداية - بما إذا كان أهل البلد في قحط وعوز .... لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك، فلا بأس به؛ لانعدام الضرر» (٣).
الشرط الثالث:
اشترط الحنفية والشافعية أن تكون السلعة مما تعم الحاجة إليه، كالأقوات، فإن كانت الحاجة إليها نادرة لم يمنع الحاضر من بيعها (٤).
الشرط الرابع:
اشترط المالكية أن تكون بضاعة البادي مما استفاده من فوائد البادية، أي لا رأس مال لهم فيه، وإنما صار لهم بالاستغلال، فإنه إذا باعه برخص لم يكن فيه
стр. 1881
ضرر على أهل البادية، وكان فيه إرفاق بأهل الحاضرة، وهي أكثر بلاد الإسلام، فيلزم الرفق بها، وبمن يسكنها.
فإن كان الذي قد جلبوه قد اشتروه، فهم فيه تجار، يقصدون الربح، وهذا عملهم، فلا يحال بينهم وبينه (١).
الشرط الخامس:
اشترط المالكية والحنابلة أن يكون البادي جاهلًا بالسعر؛ وذلك لأن النهي لأجل أن يبيع للناس برخص، وهذا العلة إنما توجد إذا كان جاهلًا بالسعر، لأنه إذا عرف السعر كان له أن يتوصل إلى تحصيله إما بنفسه، وإما بغيره (٢).
وقيل: يمنع الحاضر من البيع للبادي مطلقًا، سواء كان البادي عالمًا بالسعر، أو جاهلًا به، وهو قول لبعض المالكية (٣).
لأن النهي مطلق، لم يقيد، وما أطلقه الشارع لم يقيد إلا بنص.
وقد تكون العلة ليست الجهل بالسعر، فإن البادي لا مقام له في الحاضرة، فيريد الاستعجال للرجوع إلى البادية، فإذا أخذها الحاضر ليبيعها له، رجع إلى بلده، ولم يستعجل بيعها، وبذلك يحرم أهل السوق من الانتفاع بما جلب.
الشرط السادس:
اشترط الشافعية والحنابلة: أن يدعو الحاضر البدوي إلى ذلك، فإن التمسه
стр. 1882
البدوي منه فلا بأس (١).
قال العمراني: «إذا جاء البادي إلى الحاضر، وسأله أن يبيع له، لم يحرم ذلك عليه؛ لقوله ﷺ (إذا استُنصِح أحدكم فلينصح) ولأنا لو منعنا الحاضر من البيع في ذلك أدى ذلك إلى الإضرار بصاحب المتاع، وربما أدى ذلك إلى انقطاع الجلب؛ لأن كل أحد لا يقدر على البيع بنفسه» (٢).
الشرط السابع:
اشترط الحنابلة أن يجلب البادي السلعة ليبيعها، فإن جلبها ليدخرها، فلا ضرر على الناس في بيع الحاضر له (٣).
الشرط الثامن:
اشترط الشافعية والحنابلة، أن يقصد البادي بيعها بسعر يومها، ويتضرر الناس بتأخير بيعه (٤).
الشرط التاسع:
اشترط البخاري أن يبيع الحاضر للبادي بالأجر، أما إذا باع له بغير أجر فلا يمنع، واستدل على ذلك بقول ابن عباس: لا يكون له سمسارًا، والسمسار: هو الذي يبيع بالأجر. ولأن الذي يبيعه بأجر لا يكون غرضه نصح البائع، وإنما
стр. 1883
غرضه تحصيل الأجرة، وأما إذا كان بغير أجرة فإنه لا بأس به؛ لأن ذلك من باب النصيحة له، وقد ورد الأمر بنصحه (١).
هذه تقريبًا ما وقفت عليه من الشروط، وأنت ترى أن بعضها قد انفرد بذكرها بعض المذاهب، والبعض الآخر قد اشترطها أكثر من مذهب، ومنشأ الخلاف والله أعلم ما قاله ابن دقيق العيد، قال ﵀:
«اعلم أن أكثر هذه الأحكام: قد تدور بين اعتبار المعنى، واتباع اللفظ، ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى ولا يظهر ظهورًا قويًا، فاتباع اللفظ أولى. فأما ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك، فلا يقوى لعدم دلالة اللفظ عليه وعدم ظهور المعنى فيه. فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي، لا يفترق الحال فيه بين سؤال البدوي، وعدمه، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﷺ (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد فكذلك أيضا أي أنه متوسط في الظهور لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح، والرزق على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه كشرطنا العلم بالنهي، ولا إشكال فيه، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية. وهي أن النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص. هل يصح أو لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار بعض ما ذكرناه من الشروط.» (٢).
* * *
стр. 1884
المسألة السابعة
الحكم الوضعي لبيع الحاضر للبادي
[م-٣٥٤] سبق لنا الحكم التكليفي لبيع الحاضر للبادي، ورجحنا القول بالتحريم، ونريد أن نبحث في هذا الفصل الحكم الوضعي لبيع الحاضر للبادي.
هل العقد إذا وقع يكون باطلًا، يجب فسخه، أو يكون لازمًا، وصحيحًا؟ في هذا خلاف بين القائلين بتحريم بيع الحاضر للبادي على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
العقد صحيح، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، وراية عن أحمد (٤).
стр. 1885
القول الثاني:
إن العقد باطل، وهذا مذهب والحنابلة (١)، والظاهرية (٢).
القول الثالث:
العقد فاسد، ويجب فسخ المبيع ما لم يفت، بأن كان المبيع قائمًا، وإلا فالبيع ماض بالثمن وقت العقد، وهذا مذهب المالكية (٣).
وجه من قال: العقد صحيح .
قالوا: إن النهي في الحديث لا يعود إلى ذات البيع، فالبيع قد توفرت فيه
стр. 1886
شروط العقد الصحيح، وقد سلم بنفسه من الفساد، وإنما النهي راجع لأمر خارج عن البيع، وهو معنى الاسترخاص، وانتفاع أهل البلد بالرخص، كما قال في الحديث: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، وهذا لا يوجب إبطال العقد (١).
وجه من قال: العقد باطل .
قالوا: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحاضر للبادي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (٢).
وقد قال رسول الله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد (٣).
والراجح القول بالصحة مع الإثم لمن كان عالمًا بالنهي.
* * *
стр. 1887
المسألة الثامنة
حكم الشراء للبادي
[م-٣٥٥] نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحاضر للبادي، فهل يختلف الحكم في شراء الحاضر للبادي؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا بأس أن يشتري له، وهذا مذهب المالكية (١)،
والحنابلة (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، إلا أن المالكية - في المعتمد - قيدوا الجواز فيما إذا اشترى له بالنقد.
стр. 1888
القول الثاني:
لا يجوز أن يشتري له، وهو قول في مذهب المالكية (١)، والصحيح في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن حزم من الظاهرية (٣).
وجه من قال: لا يجوز:
احتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء، كما يقع الشراء على البيع، كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠]. أي: باعوه، وهو من الأضداد.
(ح-٢٧٨) ومثله ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يبع بعضكم على بيع بعض ... الحديث (٤).
أي لا يشتري على شراء أخيه.
مثال البيع على بيعه: أن يقول لمن اشترى شيئًا: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه.
ومثال الشراء على شرائه: أن يقول للبائع: افسخ هذا البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن.
стр. 1889
(ث-٤٤) وقد روى أبو داود من طريق أبي هلال، حدثنا محمد،
عن أنس بن مالك، قال: كان يقال: لا يبع حاضر لباد، وهي كلمة جامعة، لا يبيع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا (١).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
وقد فسر ابن عباس حديث: «لا يبع حاضر لباد» أي لا يكون له سمسارًا، والسمسار عام لمن يبيع ويشتري للناس.
وجه من قال: يجوز الشراء لهم:
قالوا: إن النهي غير متناول للشراء، لا بلفظه، ولا في معناه.
أما اللفظ فلأنه صرح في البيع دون الشراء.
وأما ا لمعنى: فلأن ما يجلبه البادي يكون لأهل السوق تشوف له، وتطلع إلى شرائه، فمنع الحاضر أن يبيعه له حتى لا يحرم أهل السوق من الانتفاع منه، بخلاف الشراء للبادي.
стр. 1890
ولأن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر؛ ليرخص عليهم السعر، ويزول عنهم الضرر، والمنتفع بذلك عموم الناس، ولا يلحق البادي مضرة، فقدمت مصلحة الجماعة مقابل مصلحة فرد، وهو البادي، وليس ذلك في الشراء للبادي، إذ لا يتضرر الحاضرة بعدم غبنهم للبادي في شرائه، بل يتضرر البادي إذا غبن، والمنتفع هو البائع فقط، والشرع ينظر في دفع الضرر عن البادي كما يدفع الضرر عن الحاضر، إذ الخلق في نظر الشرع كلهم سواء، ولذلك نهي عن تلقي الجلب لما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد في قبالة واحد، فلم يكن في إباحة التلقي مصلحة عامة فلذلك نهي عنه (١).
وهذا هو الصواب، والله أعلم.
стр. 1891
المسألة التاسعة
النهي عن بيع الحاضر للباد أذن بغبنه
[م-٣٥٦] هل يفهم من قوله ﷺ : (لا يبيع حاضر لباد)، وتعليل ذلك بقوله: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) على جواز الغبن بالتجارة، وبالتالي يجوز غبن الحاضر للبادي؟
قال القرطبي: «الجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك، جائز له أن يبيع ماله الكثير، بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة، واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك.
فقال قوم: عرف قدر ذلك، أو لم يعرف، فهو جائز، إذا كان رشيدًا، حرًا، بالغًا.
وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، قاله ابن وهب من أصحاب مالك.
والأول أصح؛ لقوله ﵊ في حديث الأمة الزانية: (فليبعها، ولو بظفير).
وقوله ﵊: (لا تبتعه - يعني الفرس - ولو أعطاكه بدرهم).
وقوله ﵇: (دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعضه).
وقوله ﵇: (لا يبع حاضر لباد).
стр. 1892
وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره .. اهـ» (١).
وقد بحثت حكم الغبن في البيوع في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 1893
المسألة العاشرة
هل ينصح الحاضر للبادي
[م-٣٥٧] هل ينصح الحاضر للبادي، إذا استنصح البادي الحاضر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا ينصح له، قال مالك في البدوي يقدم، فيسأل الحاضر عن السعر، أكره له أن يخبره (١).
واعتبر المالكية أن تعريفه بالسعر كالبيع له (٢). يعني في الحكم.
قال ابن رشد: «وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في مذهب مالك» (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
قال الليث: لا يشير الحاضر على البادي (٥).
القول الثاني:
إذا استنصح البادي الحاضر نصح له، وهذا هو الوجه المعتمد عند الشافعية (٦)،
стр. 1894
ومذهب الحنابلة (١)، وهو رأي الإمام البخاري (٢)، والأوزاعي (٣).
وجه من قال: لا يشير عليه .
لا فرق بين الإشارة عليه، وبين البيع له من جهة المعنى، لأن المعنى الذي نهي عنه من أجل البيع، ما قاله ﷺ : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا أشار إليه حرم السوق من الانتفاع بما قد يبيعه البادي برخص.
دليل من قال: يشير عليه، ولا يبيع له .
الدليل الأول:
استدلوا بأحاديث النصيحة للمسلم، خاصة إذا استنصحه.
(ح-٢٧٩) فقد روى البخاري، ومسلم من طريق سفيان، عن زياد بن علاقة،
سمع جرير بن عبد الله يقول: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم (٤).
(ح-٢٨٠) وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست .. وذكر منها: وإذا استنصحك فانصح له (٥).
стр. 1895
(ح-٢٨١) ومنها ما رواه مسلم من حديث تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة ... (١)
(ح-٢٨٢) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن عطاء ابن السائب، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه،
عمن سمع النبي ﷺ يقول: دعوا الناس، فليصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه، فلينصح له (٢).
[إسناده ضعيف على اضطراب فيه، وزيادة: إذا استنصح، فلينصح له في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منكرة، وهي ثابتة من حديث لا علاقة له بحديث بيع الحاضر للبادي] (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٣) ما رواه أبو يعلى من طريق حماد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن سالم المكي.
أن أعرابيًا قال: قدمت المدينة بحلوبة لي، فنزلت على طلحة بن عبيد الله، فقلت: إنه لا علم لي بأهل السوق، فلو بعت لي. فقال: إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك، فشاورني، حتى آمرك، أو أنهاك (٤).
[المحفوظ أن الاستشارة منصبة حول وفاء الرجل المشتري وملاءته، وليست الاستشارة حول قيمة المبيع] (٥).