← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المسألة التاسعة النهي عن بيع الحاضر للباد أذن بغبنه [م-٣٥٦] هل يفهم من قوله ﷺ : (لا يبيع حاضر لباد)، وتعليل ذلك بقوله: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) على جواز الغبن بالتجارة، وبالتالي يجوز غبن الحاضر للبادي؟ قال القرطبي: «الجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك، جائز له أن يبيع ماله الكثير، بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة، واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك. فقال قوم: عرف قدر ذلك، أو لم يعرف، فهو جائز، إذا كان رشيدًا، حرًا، بالغًا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، قاله ابن وهب من أصحاب مالك. والأول أصح؛ لقوله ﵊ في حديث الأمة الزانية: (فليبعها، ولو بظفير). وقوله ﵊: (لا تبتعه - يعني الفرس - ولو أعطاكه بدرهم). وقوله ﵇: (دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعضه). وقوله ﵇: (لا يبع حاضر لباد).

стр. 1892

وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره .. اهـ» (١). وقد بحثت حكم الغبن في البيوع في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 1893

المسألة العاشرة هل ينصح الحاضر للبادي [م-٣٥٧] هل ينصح الحاضر للبادي، إذا استنصح البادي الحاضر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا ينصح له، قال مالك في البدوي يقدم، فيسأل الحاضر عن السعر، أكره له أن يخبره (١). واعتبر المالكية أن تعريفه بالسعر كالبيع له (٢). يعني في الحكم. قال ابن رشد: «وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه في مذهب مالك» (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤). قال الليث: لا يشير الحاضر على البادي (٥). القول الثاني: إذا استنصح البادي الحاضر نصح له، وهذا هو الوجه المعتمد عند الشافعية (٦)،

стр. 1894

ومذهب الحنابلة (١)، وهو رأي الإمام البخاري (٢)، والأوزاعي (٣). وجه من قال: لا يشير عليه . لا فرق بين الإشارة عليه، وبين البيع له من جهة المعنى، لأن المعنى الذي نهي عنه من أجل البيع، ما قاله ﷺ : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا أشار إليه حرم السوق من الانتفاع بما قد يبيعه البادي برخص. دليل من قال: يشير عليه، ولا يبيع له . الدليل الأول: استدلوا بأحاديث النصيحة للمسلم، خاصة إذا استنصحه. (ح-٢٧٩) فقد روى البخاري، ومسلم من طريق سفيان، عن زياد بن علاقة، سمع جرير بن عبد الله يقول: بايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم (٤). (ح-٢٨٠) وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست .. وذكر منها: وإذا استنصحك فانصح له (٥).

стр. 1895

(ح-٢٨١) ومنها ما رواه مسلم من حديث تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة ... (١) (ح-٢٨٢) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن عطاء ابن السائب، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عمن سمع النبي ﷺ يقول: دعوا الناس، فليصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه، فلينصح له (٢). [إسناده ضعيف على اضطراب فيه، وزيادة: إذا استنصح، فلينصح له في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منكرة، وهي ثابتة من حديث لا علاقة له بحديث بيع الحاضر للبادي] (٣). الدليل الثاني: (ح-٢٨٣) ما رواه أبو يعلى من طريق حماد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن سالم المكي. أن أعرابيًا قال: قدمت المدينة بحلوبة لي، فنزلت على طلحة بن عبيد الله، فقلت: إنه لا علم لي بأهل السوق، فلو بعت لي. فقال: إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك، فشاورني، حتى آمرك، أو أنهاك (٤). [المحفوظ أن الاستشارة منصبة حول وفاء الرجل المشتري وملاءته، وليست الاستشارة حول قيمة المبيع] (٥).

стр. 1896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1898

الراجح في هذه المسألة: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول الراجح مذهب المالكية، وما قلناه في مسألة النهي عن بيع الحاضر للبادي، نقوله في مسألتنا هذه، فالاحتجاج بأحاديث النصيحة عامة، لا تقضي على أحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي لكونها خاصة، وإذا كان في النصيحة للبادي ما يوقعنا فيما نهينا عنه حرمت النصيحة، وهو أنه إذا نصحنا للبادي لم ندع الناس يرزق الله بعضهم من بعض، هذه علة منصوص عليها لم تستنبط، ولأن الشارع إذا نهى عن شيء نهى عن كل ما يؤدي إليه، ومنه النصيحة، فيعتذر المسْتَنْصَح بفتح الصاد للمستنصِح. * * *

стр. 1899

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة تقديم أصحاب المعالي الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ تأليف دبيان بن محمد الدبيان المجلد الخامس

стр. 1900

دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الدبيان، دبيان محمد المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ ٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم. ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١ ١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان ديوي ٢٥٣ ٤٧٠٦/ ١٤٣٢ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٣٤ هـ الطبعة الثانية للطلب الاتصال بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤

стр. 1901

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٥)

стр. 1902

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فهذا هو المجلد الخامس من عقد البيع، وسوف نكمل فيه إن شاء الله مباحث الباب السادس المتعلق بموانع البيع، أو البيوع المنهي عنها، ونذكر معه الباب السابع والمتعلق بالشروط الجعلية في عقد البيع، أسأل الله الإعانة والسداد. وستكون خطة البحث في هذا المجلد على النحو التالي: الفرع الخامس: المنع من تلقي الركبان نفعًا للسوق وحماية للجالب. المسألة الأولى: الأحاديث في النهي عن تلقي الركبان. المسألة الثانية: علاقة النهي عن تلقي الركبان بنفع السوق. المسألة الثالثة: الحكم التكليفي لتلقي الركبان. المسألة الرابعة: الحكم الوضعي لتلقي الركبان. المبحث الثاني: البيوع المنهي عنها دفعًا للضرر عن المسلم. الفرع الأول: البيع على بيع المسلم والشراء على شرائه. المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في الباب. المسألة الثانية: الحكم التكليفي للبيع على بيع أخيه والشراء على شرائه. المسألة الثالثة: الحكم الوضعي لعقد من باع على بيع أخيه. المسألة الرابعة: البيع على بيع المسلم في بيع المزايدة. المسألة الخامسة: في الاتفاق على ترك المزايدة.

стр. 1903

الفرع الثاني: النهي عن النجش. المسألة الأولى: تعريف النجش. المسألة الثانية: الحكم التكليفي للنجش. المسألة الثالثة: الحكم الوضعي لبيع النجش. الفرع الثالث: في النهي عن بيع المضطر. المسألة الأولى: في معني بيع المضطر وبيان الأحاديث الواردة فيه. المسألة الثانية: في حكم بيع المضطر. الفرع الرابع: في النهي عن الغش في البيوع. المسألة الأولى: تعريف الغش. المسألة الثانية: الحكم التكليفي للغش. المسألة الثالثة: الحكم الوضعي للبيع الذي وقع فيه غش. الفرع الخامس: في النهي عن بيع المخدرات. المسألة الأولى: تعريف المخدرات. المسألة الثانية: حكم بيع المخدرات. الفرع السادس: أن يكون العقد مشروعًا والباعث عليه غير مشروع. الفصل الرابع: في البيوع المنهي عن بيعها لعدم جواز تملكها. المبحث الأول: في الوقف. الفرع الأول: في حكم بيع الوقف. الفرع الثاني: في بيع رباع مكة ودورها.

стр. 1904

الفرع الثالث: في بيع أرض الخراج. المسألة الأولى: توطئة. المسألة الثانية: خلاف العلماء في بيع الخراج. الفرع الرابع: في بيع فضل الماء والكلأ. الفصل الخامس: ما نهي عن بيعه لحرمة المكان أو لحرمة الزمان. المبحث الأول: البيع في المسجد. المبحث الثاني: البيع بعد نداء الجمعة الثاني. المسألة الأولى: الحكم التكليفي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني. المسألة الثانية: الحكم الوضعي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني. المسألة الثالثة: البيع في حال السعي للجمعة. المسألة الرابعة: هل يقاس على البيع سائر العقود. المسألة الخامسة: في بيع من لا تلزمه الجمعة. الباب السابع: الشروط في البيع (الشروط الجعلية). التمهيد: وفيه مبحثان. المبحث الأول: الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع. المبحث الثاني: الأصل في الشروط الجواز والصحة. المبحث الثالث: الشرط العرفي كالشرط اللفظي. الفصل الأول: الشروط الصحيحة المعتبرة في العقود. المبحث الأول: اشتراط ما يقتضيه العقد.

стр. 1905

الفصل الثاني: اشتراط صفة لازمة مباحة في المعقود عليه. الفرع الأول: اشتراط الحمل في الدابة. الفرع الثاني: اشتراط أن تكون الدابة ذات لبن. الفرع الثالث: في اشتراط أن يكون الحيوان معلمًا. الفرع الرابع: في اشتراط التصويت في الطير ونقل الرسائل. الفصل الثالث: من الشروط الصحيحة اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه. المبحث الأول: بيان معني هذا الشرط. المبحث الثاني: في حكم اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه. الفرع الأول: اشتراط مالا يقتضيه العقد ولا ينافيه وفيه مصلحة للعقد. المطلب الأول: في اشتراط الرهن في العقد. المطلب الثاني: في اشتراط الكفيل في العقد. المطلب الثالث: اشتراط التأجيل في العقد. المطلب الرابع: الأحكام المتعلقة بالأجل. المسألة الأولى: أن يكون الأجل معلوما. المسألة الثانية: أثر الجهالة في الأجل على عقد البيع. المسألة الثالثة: اشتراط أن يؤدي الثمن من بيعه. المسألة الرابعة: في اشتراط أن يكون الأجل بالشهور العربية. المسألة الخامسة: إذا حدد التأجيل بالشهر وأطلق فلم يعين. المسألة السادسة: في التأجيل إلى الحصاد والجذاذ.

стр. 1906

الفرع الثاني: اشتراط مالا يقتضيه العقد ولا ينافيه وليس فيه مصلحة للعقد. المبحث الرابع: تعدد الشروط الصحيحة في المبيع. المبحث الخامس: إذا لم يف أحد العاقدين بالشرط الصحيح. الفرع الأول: إذا لم يف وعاد ذلك بالنقص على المعقود عليه. الفرع الثاني: إذ لم يف وعاد ذلك بالنفع على المعقود عليه. الفصل الرابع: في الشروط الفاسدة. المبحث الأول: في الشروط التي تخالف نصًا شرعيا. فرع: حكم البيع مع وجود شرط محرم. المبحث الثاني: حكم البيع مع وجود شرط يخالف مقتضى العقد. الفرع الأول: إذا باعه بشرط ألا يبيع ولا يهب. الفرع الثاني: إذا باعه بشرط أن لا خسارة عليه أو متى نفق المبيع وإلا رده. المبحث الثالث: اشتراط أحد المتعاقدين مع البيع عقدًا آخر. الفرع الأول: إذا باعه أو صارفه أو أجره بشرط أن يقرضه. الفرع الثاني: إذا اجتمع مع عقد البيع عقد آخر غير القرض. المبحث الرابع: من الشروط المفسدة أن يوقع الشرط في غرر محرم. المبحث الخامس: الشروط التي تعلق العقد. الفرع الأول: شروط التعليق. الفرع الثاني: أثر التعليق على التصرفات. الفرع الثالث: خلاف العلماء في تعليق البيع على شرط.

стр. 1907

الفرع الرابع: تعليق فسخ البيع على شرط. المبحث السادس: اشتراط البراءة من العيوب. الفرع الأول: تعريف البيع على البراءة. الفرع الثاني: في أقسام البراءة. الفرع الثالث: في البراءة من العيب المعلوم. الفرع الرابع: في البراءة من العيب المجهول. الفرع الخامس: الإبراء من المجهول. الفرع السادس: الحكم الوضعي للعقد إذا اقترن به شرط البراءة. المبحث السابع: بيع العربون. الفرع الأول: في تعريف بيع العربون. الفرع الثاني: غرض العاقد من بيع العربون. الفرع الثالث: شروط بيع العربون عند من يجيزه. الفرع الرابع: خلاف العلماء في بيع العربون. الفرع الخامس: بعض المعاملات التي تشبه بيع العربون وليست منه. المبحث الثامن: في الشرط الجزائي. الفرع الأول: في تعريف الشرط الجزائي. الفرع الثاني: شروط استحقاق الشرط الجزائي. الفرع الثالث: إذا كان الشرط الجزائي تعويضًا عن ضرر فما نوع الضرر الذي يستحق عليه التعويض.

стр. 1908

الفرع الرابع: حكم العقد إذا تضمن شرطًا جزائيًا. المسألة الأولى: الشرط الجزائي في مقابل التأخير عن تنفيذ الأعمال. المسألة الثانية: الشرط الجزائي في مقابل الديون. المطلب الأول: الاتفاق على دفع غرامة مالية عند تأخر المدين عن الأداء. المطلب الثاني: في أخذ الغرامة المالية من المماطل في السداد. المطلب الثالث: سقوط الأجل إذا لم يسدد في وقته المحدد. هذا ما أمكن استيعابه في هذا المجلد من خطة البحث، وستكون بقية مباحث عقد البيع محل العناية في المجلدين التاليين، نسأل المولى سبحانه العون والسداد، إنه على كل شيء قدير. * * *

стр. 1909

الفرع الخامس المنع من تلقي الركبان نفعًا للسوق وحماية للجالب المسألة الأولى الأحاديث في النهي عن تلقي الركبان [م- ٣٥٨] وردت أحاديث كثيرة في النهي عن تلقي الركبان، منها: (ح - ٢٨٤) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد (١). (ح-٢٨٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر (٢). معنى تلقي الركبان: التلقي: المقصود به الخروج من البلد التي يجلب إليها القوت ونحوه. والركبان: جمع راكب، والتعبير جرى به على الغالب، والمراد به القادم، سواء أكانوا ركبانًا، أو مشاة، جماعة، أم واحدًا.

стр. 1910

وقد روي النهي عن التلقي بألفاظ مختلفة، من حديث أبي هريرة وغيره: فحديث الأعرج عن أبي هريرة: (لا تلقوا الركبان). ورواية ابن سيرين، عن أبي هريرة: (لا تلقوا الجلب). ورواية أبي صالح وغيره، عن أبي هريرة: (لا تلقوا السلع). والركبان: هو الغالب على تعبير الشافعية، والحنابلة، وتلقي الجلب هو الغالب على تعبير الحنفية، وعبر المالكية بتلقي السلع. والمعنى في كل ذلك واحد. وهل يعتبر من التلقي إذا وصل بائع البضاعة إلى السوق قبل البضاعة، فاشتراها مشتر منه قبل أن تعرض على الباعة، أو وصلت البضاعة إلى السوق قبل صاحبها، فخرج أحد الباعة ليتلقاه، ويشتري منه، فهل يعتبر هذا من التلقي؟ وللجواب، يقال: إذا وصل بائع البضاعة المجلوبة إلى السوق قبل أن تصل بضاعته، فاشتراها منه رجل، فقد قال الباجي: «روى ابن المواز، عن مالك، فيمن جاءه طعام، أو بز، أو غيره، فوصل إليه خبره، وصفته على مسيرة يوم، أو يومين، فيخبر بذلك، فيشتريه منه رجل، فلا خير فيه وهذا من التلقي. ووجه ذلك: ما قدمناه، من أنه شراء السلع قبل وصولها الأسواق وإنما الاعتبار على هذا بوصول السلع، ووصول بائعها» (١). أما إذا وصلت البضاعة إلى السوق قبل صاحبها، فتلقاه مشتر، فقد قال الباجي: «لو وصلت السلع السوق ولم يصل بائعها، فخرج إليه من يتلقاه،

стр. 1911

ويشتريها منه قبل أن يهبط إلى الأسواق، ويعرف الأسعار، فلم أر فيه نصًا وعندي أنه من التلقي الممنوع والله أعلم» (١). ويستثنى من منع التلقي: الأول: البضائع التي تتعرض للتلف في حالة تبليغها للأسواق. قال الباجي: «ما كان يضر بالناس تبليغه الأسواق، كالفواكه، والثمار التي يلحق أهل الأصول ضرر بتفريق بيعها، ومحتاجون إلى بيعها جملة ممن يجنيها، أو يبقيها في أصلها ويدخلها إلى الأمصار والقرى بقدر ما يتأتى له من بيعها، فقد روى ابن القاسم عن مالك في العتبية في الأجنة التي تكون حول الفسطاط من نخيل، وأعناب، يخرج إليها التجار، فيشترونها، ويحملونها في السفن إلى الفسطاط للبيع لا بأس بذلك ... » (٢). فالجواز هنا ظاهر لأمرين: (أ): أن المنهي عنه هو تلقي الجلب، وما اشتري في أصوله لم يجلب أصلًا حتى يكون المتلقي قد قطع الطريق على الجالب، وحرمه وحرم السوق من

стр. 1912

بضاعته، وإنما خرج إلى الحائط والبستان في مكانه، فمثله مثل من يستورد البضائع من أماكن صناعتها، ليجلبها إلى السوق. قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا في جواز خروج الناس إلى البلدان، في الأمتعة، والسلع، ولا فرق بين القريب والبعيد من ذلك في النظر، وإنما التلقي تلقي من خرج بسلعة يريد بها السوق، وأما من قصدته إلى موضعه فلم تتلق» (١). (ب): ما أشار الباجي فيه إلى الضرر الحاصل من قطع الفواكه من أصولها، فقد تفسد على صاحبها، فاحتاج إلى بيعها في أصولها على من يملك تحصيلها شيئًا فشيئًا، ويعرض بالسوق منها على قدر حاجة السوق. الثاني مما يستثنى: البضائع التي تأتي بالبواخر، ولو كانت خارج السوق، إذا تلقاها أحد، واشترى منهم بالساحل، ولو لم يكن هو محل سوق تلك البضائع. وقال الباجي أيضًا: «ما أرسي بالساحل من السفن بالتجار، فلا بأس أن يشتري منهم الرجل الطعام وغيره، فيبيعه بها، إلا أن يقصد الضرر، والفساد، فلا يصلح؛ لأنه من باب الحكرة. ووجه ذلك: أن هذا منتهى سفر الوارد (الجالب) فلا يكلف سفرًا آخر؛ لأن ذلك مضر به، كما لو كان السفران في البر» (٢). الثالث مما يستثنى: إذا كان منزل المتلقي خارجًا عن البلد التي جلبت له بمسافة لا تقل عن ستة أميال، أو خرج إليهم بمقدار تلك المسافة.

стр. 1913

قال الدسوقي: «اختلف هل النهي عن التلقي مقيد بما إذا كان على أقل من ستة أميال. فإذا كان على ستة أميال فلا يحرم ; لأن هذا سفر لا تلقي. وقيل: إن النهي إذا كان التلقي على مسافة، فرسخ: أي ثلاثة أميال، فلا يحرم التلقي، إذا كان على مسافة أكثر منها. وقيل: إن النهي إذا كان التلقي على مسافة ميل فإن كان التلقي على مسافة أزيد من الميل فلا يحرم. والأول أرجحها» (١). اهـ وهذا التفصيل خاص للمالكية، والنصوص مطلقة، ليس فيها هذا التقييد، وقد انتقده القرطبي في المفهم، قال ﵀: «اختلف أصحابنا في مسافة منع ذلك، فقيل: يومان، وقيل: ستة أميال، وقيل: قرب المصر. قلت: - والقائل القرطبي - هذه التحديدات متعارضة، لا معنى لها، إذ لا توقيف، وإنما محل المنع أن ينفرد المتلقي بالقادم، خارج السوق، من حيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هذا فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصح قول بعض أصحابنا: لو تلقى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه لكان متلقيًا منهيًا عنه، وهو الصحيح لنهيه ﷺ في الرواية الأخرى: عن تلقي السلع حتى تورد الأسواق، فلو لم يكن للسلعة سوق فلا يخرج إليه؛ لأنه التلقي المنهي عنه، غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كله سوقها» (٢). * * *

стр. 1914

المسألة الثانية علاقة النهي عن تلقي الركبان بنفع السوق [م-٣٥٩] قال الباجي في بيان وجه المنع من تلقي الركبان، قال: «وجه ذلك: أن هذا فيه مضرة عامة على الناس؛ لأن من تلقاها، أو اشتراها غلاها على الناس، وانفرد ببيعها، فمنع من ذلك ليصل بائعوها بها إلى البلد، فيبيعونها في أسواقها، فيصل كل أحد إلى شرائها، والنيل من رخصها» (١). وقال ابن رشد: «المعنى في النهي عن تلقي السلع عند مالك، إنما أريد به نفع أهل الحاضرة، كما أريد بالنهي عن أن يبيع حاضر لباد نفع أهل الحاضرة، بأن يكون البادي والجالب هو المتولي البيع في السوق، على ما هو عليه من الجهل بالسوق، فيشتري أهل الحاضرة منه في السوق بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، فإذا باع ... الجالب لها من رجل من أهل الحاضرة، قبل أن يصل إلى السوق، فكان هو الذي يقوم بها، ويبيعها على معرفة، فقد قطع عن أهل الحاضرة الحق الذي جعله رسول الله ﷺ لهم في ذلك، والله الموفق» (٢). وقال ابن عبد البر: «أما مذهب مالك والليث، ومن قال بمثل قولهما في النهي عن تلقي السلع، معناه عندهم: الرفق بأهل الأسواق لئلا يقطع بهم عما له جلسوا، يبتغون من فضل الله، فنهى الناس أن يتلقوا السلع التي يهبط بها إليهم؛ لأن في ذلك فسادًا عليهم.

стр. 1915

وأما الشافعي فمذهبه في ذلك أن النهي إنما ورد رفقًا بصاحب السلع؛ لئلا يبخس في ثمن سلعته ... » (١). (ح-٢٨٦) قلت: ويدل لمذهب مالك: ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ... لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق (٢). ويدل لما ذهب إليه الشافعي ﵀: (ح-٢٨٧) ما روه الشيخان من حديث أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نتلقى الجلب، فمن تلقى، فاشتراه منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار (٣). فأثبت الخيار للبائع وحده، ولم ينقض البيع من أ جل مصلحة السوق. قال ابن قدامة: «وجعل النبي ﷺ الخيار له، يدل على أن النهي عن تلقي الركبان لحقه، لا لحق غيره، ولأن الجالس في السوق كالمتلقي، في أن كل واحد منهما مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق الضرر به، دفعًا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس أولى من رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته، فلا يعرج على مثل هذا، والله أعلم» (٤). ولا مانع، والله أعلم من اعتبار المعنيين، فمراعاة السوق من جهة حتى لا

стр. 1916

يتفرد المتلقي بالرخص عن أهل السوق، ويتفرد بالمجلوب عن أهل السوق، وهم أولى بالمراعاة من المتلقي؛ لأنهم الأكثر، ومراعاة الجالب من جهة أخرى حتى لا يغرر به المتلقي، وهو واحد والمتلقي واحد، فليس أحدهما أولى بالمراعاة من الآخر. وهذا رأي ابن العربي (١)، وأومأ إليه المازري بقوله: «فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سبب الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي أن لا يغبن البادي، ولهذا قال ﷺ : فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار» فالجواب: أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشارع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد في قبالة واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لاسيما إذا انضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع المواد عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشارع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين بل هما متفقتان في الحكمة والمصلحة والله أعلم» (٢). وفي المغني: «روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق فربما غبنوهم غبنًا بينًا فيضرونهم وربما أضروا بأهل البلد ; لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم والذين يتلقونهم لا يبيعونها

стр. 1917

سريعًا ويتربصون بها السعر فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي ﷺ عن ذلك .. » (١). قلت: وقد جمع الرسول بين النهي عن تلقي الركبان، وبين النهي عن بيع الحاضر للباد، لكون المعنى فيهما واحدًا، والله أعلم. (ح-٢٨٨) فقد روى البخاري، ومسلم من طريق معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد (٢).

стр. 1918

المسألة الثالثة الحكم التكليفي لتلقي الركبان [م-٣٦٠] اختلف العلماء في حكم التلقي لمن كان عالمًا بالنهي. فقيل: يحرم، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وعبر الحنفية بالكراهة، والمراد بها كراهة التحريم عندهم (٤). قال في فتح القدير: «هذه الكراهات - يعني: النجش، والسوم على سوم غيره، وتلقي الجلب، وبيع الحاضر للباد، والبيع عند أذان الجمعة- كلها تحريمية، لا نعلم خلافًا في الإثم» (٥). وقيل: يكره، وهو قول مرجوح في مذهب الحنابلة (٦). والتحريم عند الحنفية في حالتين:

стр. 1919

الحالة الأولى: أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم، في سنة حاجة، ليبيعوه من أهل البلد بزيادة، فمنع ذلك من أجل الضرر. الحالة الثانية: أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهم لا يعلمون السعر، فمنع ذلك من أجل الغرر (١). فإذا لم يكن هناك ضرر كما في الصورة الأولى، ولم يكن هناك غرر كما في الصورة الثانية، فلا بأس بالتلقي. واشترط المالكية أن يكون المتلقي على دون ستة أميال، فإن كان أكثر من ستة أميال فلا يحرم التلقي على الصحيح من المذهب. وإن كان دون ستة أميال، وليس في البلد فاشترطوا للتحريم أن يكون المشتري للتجارة، وليس للأكل والقنية. وإن كانت داره في البلد، فمرت به، فإن كان للبضاعة سوق لم يشتر منها، لا للتجارة، ولا للقنية، حتى تهبط الأسواق، وإن لم يكن للبلد سوق، فإنه يجوز أن يشتري منها إذا دخلت أزقة البلد (٢). والأحاديث مطلقة، والحد بالمسافة بحاجة إلى توقيف.

стр. 1920

وقد سبق أن تطرقت إلى ذلك عند الكلام على الأحاديث الواردة في النهي عن التلقي. واشترط بعض المالكية، وهو قول مرجوح لدى الشافعية أن يقصد التلقي، فإن لم يقصد لم يحرم، وهو قول الليث بن سعد، والأوزاعي. قال القاضي عياض: «وقد اختلف المذهب عندنا فيمن لم يقصد التلقي، ولم يبرز إليه خارج المدينة، بل مر به على بابه بعض البداة، هل يشتري منه ما يحتاج إليه قبل وصوله إلى السوق. قيل: بالمنع لعموم الحديث. وقيل: الجواز؛ لأن هذا لم يقصد الضرر، ولا الاستبداد دون أهل السوق، فلم يمنع» (١). وقال العراقي: «واختلفوا في شرط آخر وهو أن يقصد التلقي، فلو لم يقصده، بل خرج لشغل، فاشترى منهم، ففي تحريمه خلاف عند الشافعية والمالكية، والأصح عند الشافعية تحريمه; لوجود المعنى، وسيأتي عن الليث ابن سعد اشتراط قصد التلقي» (٢). وقال العمراني الشافعي: «وإن خرج لحاجة غير التلقي، فوافى القافلة، فهل يجوز له أن يشتري منهم. فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يقصد التلقي. والثاني: لا يجوز. قال ابن الصباغ: وهو الصحيح؛ لأن المعنى الذي نهي عن التلقي لأجله موجود» (٣).

стр. 1921

وهو المشهور من مذهب الحنابلة. قال في شرح منتهى الإرادات: «ولو كان المتلقي بلا قصد نصًا؛ لأنه شرع لإزالة ضررهم بالغبن، ولا أثر للقصد فيه .. » (١). وقال ابن عبد البر في الاستذكار: «وقال الليث بن سعد: .... إن كان على بابه، أو في طريقه، فمرت به سلعة، يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها، إذا لم يقصد التلقي؛ لأنه ليس بمتلق، وإنما التلقي أن يعمد إلى ذلك» (٢). وقال في التمهيد: «لم يجعل الأوزاعي القاعد على بابه، فتمر به سلعة، لم يقصد إليها، فيشتريها متلقيًا، والمتلقي عنده: التاجر، القاصد إلى ذلك، الخارج إليه» (٣). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية - حرسها الله - في زمانه: «لو اشترى إنسان من إنسان في البرية، أو في فناء من أفنية البلد، فلا خيار له - يعني البائع - والبيع صحيح؛ لأنه قصر في الاختيار في البيع، والنهي جاء في التلقي، ولا جاء لا تشتروا من الجالبين في الطريق» (٤). قلت: المفسدة التي من أجلها منع المشتري من التلقي موجودة في هذا العقد، سواء قصد التلقي أو لم يقصده؛ وسواء قلنا: العلة هي حماية الجالب، أو قلنا: إن العلة هي نفع السوق. * * *

стр. 1922

المسألة الرابعة الحكم الوضعي لتلقي الركبان [م-٣٦١] إذا اشترى المتلقي من الركبان، فهل العقد صحيح. اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: العقد صحيح، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يفسخ البيع إن لم تفت السلعة، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول الليث بن سعد (٦).

стр. 1923

القول الثالث: العقد باطل، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). والقائلون بأن العقد صحيح اختلفوا هل للبائع الخيار: فقيل: له الخيار إن ثبت أنه باع بأقل من سعر البلد، وهذا مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: له الخيار مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، ومال إليه بعض المالكية (٥). والمشهور عن مالك وأكثر أصحابه اشتراك أهل السوق بالسلعة قال ابن عبد البر: «البيع في ذلك عقده صحيح، ولكن السلعة تؤخذ من المشتري، فتعرض على أهل سوقها من المصر، فإن أرادوها بذلك الثمن أخذوها، وكانوا أولى بها، وإن لم يريدوها لزمت المبتاع المتلقي، وهذا أصح ما روي في ذلك عن مالك، وأولاه بالصواب» (٦). وقال القرطبي: «على قول مالك لا يفسخ - يعني عقد المتلقي - ولكن يخير

стр. 1924

أهل السوق، فإن لم يكن سوق، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقي معه، أو لا. قولان. سببُ المنع عقوبته بنقيض قصده» (١). دليل الجمهور على صحة العقد مع التلقي . (ح-٢٨٩) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار (٢). وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛ قال ابن قدامة: «الخيار لا يكون إلا في عقد صحيح. ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة، يمكن استدراكها بإثبات الخيار» (٣). دليل من قال: إن العقد باطل . ثبت النهي عن تلقي الركبان من أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيحين، والنهي يقتضي الفساد، وأما زيادة: فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار، فربما لم تبلغ من قال بهذا القول، أو لم تثبت عنده هذه الزيادة (٤)، فقد تفرد بها ابن سيرين، عن أبي هريرة. ورواه جماعة عن أبي هريرة، فلم يذكروا ما ذكره ابن سيرين (٥).

стр. 1925

كما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر (١)، وحديث ابن عباس (٢)، وابن مسعود (٣). ورواه مسلم من حديث جابر (٤)، فلم يذكروا ما ذكره ابن سيرين عن أبي هريرة. كما أخرجه أحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ بدون ذكر هذه الزيادة (٥). وأخرجه أحمد وغيره من طريق مطر، عن الحسن، عن سمرة بدونها (٦). ولذا قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث أيوب» يعني: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. فالتفرد، حتى ولو كان من إمام مثل ابن سيرين قد يجعل في النفس شيئًا من جهة ثبوتها، لاحتمال وهم الواحد بخلاف الجماعة، ولذلك لم يأخذ مالك بهذه الزيادة.

стр. 1926

ولقد خرج مسلم في صحيحه، زيادة ابن سيرين (فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). ويمكن أن يقال: إن ابن سيرين إمام في الإتقان والحفظ، وكان له عناية في الرواية باللفظ، فتعتبر زيادته زيادة ثقة، فتعتبر حجة على من قال: ببطلان العقد مع التلقي، والله أعلم بالصواب. دليل من قال: السوق شركاء في السلعة . لا أعلم لهم دليلًا من جهة الآثار، ولكن قالوا ذلك: نكاية بالمتلقي، ومعاملة له بنقيض قصده، ومثل هذا يكون جيدًا لو لم يكن هناك نص من السنة، وقد قال القرطبي عن مذهب مالك، وموقفه من زيادة ابن سيرين في ثبوت الخيار للبائع إذا أتى السوق، قال: «كأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبي ﷺ ، وعلى قول مالك، فلا يفسخ، ولكن يخير أهل السوق، فإن لم يكن سوق، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقي معه، أو لا. قولان: سبب المنع عقوبته بنقيض قصده» (١). الراجح من الخلاف: النهي عن التلقي ثابت في أحاديث كثيرة، واعتبار العقد صحيحًا أيضًا متجه لما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه: (فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار) حيث أثبت للبائع الخيار، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، وإن لم تثبت زيادة ابن سيرين، فيمكن تصحيح العقد باعتبار أن النهي ليس عائدًا لذات البيع، وإنما لمعنى خارج عن البيع، وهو خوف التغرير بالبائع وخداعه، وهذا لا يستوجب إبطال العقد، وإنما يثبت الخيار لمن وقع في الغرر، فإن لم يكن هناك غرر فالقول بعدم الخيار قول قوي، والله أعلم. * * *

стр. 1927

المبحث الثاني البيوع المنهي عنها دفعًا للضرر عن المسلم الفرع الأول البيع على بيع المسلم والشراء على شرائه المسألة الأولى الأحاديث الواردة في الباب [م - ٣٦٢] وردت أحاديث في النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه من ذلك: (ح-٢٩٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: لا يبيع بعضكم على بيع بعض (١). (ح-٢٩١) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ... الحديث (٢). (ح-٢٩٢) ومنها ما رواه البخاري من طريق سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: لا يبتع المرء على بيع أخيه، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد (٣).

стр. 1928

ورواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وفيه: «وأن يستام الرجل على سوم أخيه» (١). (ح-٢٩٣) وروى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يسم المسلم على سوم أخيه (٢). (ح-٢٩٤) وروى مسلم من طريق هشام، عن محمد بن سيرين. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وفيه: ولا يسوم على سوم أخيه. (ح-٢٩٥) وروى مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن ابن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر (٣). (ح-٢٩٦) وروى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تهجروا، ولا تدابروا، ولا تحسسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا (٤). والنهي عن البيع على بيع أخيه إنما نهي عنه من أجل الضرر. جاء في قواعد الأحكام: «النهي عن البيع على بيع الأخ، مع توافر الشروط والأركان، ليس النهي من جهة المعنى عن البيع، وإنما هو نهي عن الإضرار المقترن بالبيع» (٥).

стр. 1929

وبيع الرجل على الرجل:: وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة. وشراء الرجل على شراء أخيه: وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة. وأما السوم، فصورته: أن يأخذ المشتري شيئًا ليشتريه، فيقول له: ذره لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص. أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر. [م-٣٦٣] واختلف العلماء في البيع، والسوم، هل هما شيء واحد، أو هما شيئان مختلفان: قال في الفواكه الدواني: «اختلف الناس ... فمنهم من فهم أن السوم والبيع شيء واحد، وهو الزيادة في الثمن على عطاء الغير. ومنهم من فهم أنهما شيئان، فالسوم الزيادة في الثمن، والبيع متعلق بالمثمن: الذي هو السلعة .. » (١). وفسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم «قال مالك: وتفسير قول الرسول ﷺ فيما نرى، والله أعلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه ... » (٢). ففسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم. ويؤيد أن السوم والبيع شيء واحد، أنه لم يرد اللفظان في حديث واحد، بل الحديث الواحد تارة يأتي بلفظ: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، وتارة: لا

стр. 1930

يستام المسلم على سوم أخيه، إلا ما رواه مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، وزهير ابن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه ... الحديث وزاد عمرو الناقد في روايته: ولا يسم الرجل على سوم أخيه (١). وقد انتقد البيهقي الجمع بين لفظ البيع ولفظ السوم في الحديث، فقال: «وهذا الحديث حديث واحد، واختلف الرواة في لفظه؛ لأن الذي رواه على أحد هذه الألفاظ الثلاثة من البيع، والسوم والاستيام، لم يذكر معه شيئًا من اللفظين الأخريين، إلا في رواية شاذة ذكرها مسلم بن الحجاج، عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ذكر فيها لفظ البيع والسوم جميعًا، وأكثر الرواة لم يذكروا عن ابن عيينة فيه لفظ السوم، فإما أن يكون معنى ما رواه ابن المسيب، عن أبي هريرة، ما فسره غيره من السوم والاستيام، وإما أن ترجح رواية ابن المسيب على رواية غيره، فإنه أحفظهم، وأفقههم، ومعه من أصحاب أبي هريرة، عبد الرحمن الأعرج، وأبو سعيد مولى عامر بن كريب، وعبد الرحمن بن يعقوب في بعض الروايات، عن العلاء، عنه، وبأن روايته توافق رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ (٢). فإن قلنا: اللفظ واحد، فهي رواية بالمعنى، وإن قلنا: لما اختلف اللفظ ينبغي أن يختلف المعنى، فالبيع غير السوم، قلنا: لا فرق بين النهي عن البيع على بيع أخيه، والنهي عن السوم على سوم أخيه، من جهة الضرر الحاصل،
следующие страницы →