ولقد خرج مسلم في صحيحه، زيادة ابن سيرين (فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). ويمكن أن يقال: إن ابن سيرين إمام في الإتقان والحفظ، وكان له عناية في الرواية باللفظ، فتعتبر زيادته زيادة ثقة، فتعتبر حجة على من قال: ببطلان العقد مع التلقي، والله أعلم بالصواب.
دليل من قال: السوق شركاء في السلعة .
لا أعلم لهم دليلًا من جهة الآثار، ولكن قالوا ذلك: نكاية بالمتلقي، ومعاملة له بنقيض قصده، ومثل هذا يكون جيدًا لو لم يكن هناك نص من السنة، وقد قال القرطبي عن مذهب مالك، وموقفه من زيادة ابن سيرين في ثبوت الخيار للبائع إذا أتى السوق، قال: «كأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبي ﷺ ، وعلى قول مالك، فلا يفسخ، ولكن يخير أهل السوق، فإن لم يكن سوق، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقي معه، أو لا. قولان: سبب المنع عقوبته بنقيض قصده» (١).
الراجح من الخلاف:
النهي عن التلقي ثابت في أحاديث كثيرة، واعتبار العقد صحيحًا أيضًا متجه لما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه: (فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار) حيث أثبت للبائع الخيار، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، وإن لم تثبت زيادة ابن سيرين، فيمكن تصحيح العقد باعتبار أن النهي ليس عائدًا لذات البيع، وإنما لمعنى خارج عن البيع، وهو خوف التغرير بالبائع وخداعه، وهذا لا يستوجب إبطال العقد، وإنما يثبت الخيار لمن وقع في الغرر، فإن لم يكن هناك غرر فالقول بعدم الخيار قول قوي، والله أعلم.
* * *
стр. 1927
المبحث الثاني
البيوع المنهي عنها دفعًا للضرر عن المسلم
الفرع الأول
البيع على بيع المسلم والشراء على شرائه
المسألة الأولى
الأحاديث الواردة في الباب
[م - ٣٦٢] وردت أحاديث في النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه من ذلك:
(ح-٢٩٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: لا يبيع بعضكم على بيع بعض (١).
(ح-٢٩١) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁ قال: لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ... الحديث (٢).
(ح-٢٩٢) ومنها ما رواه البخاري من طريق سعيد بن المسيب،
أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: لا يبتع المرء على بيع أخيه، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد (٣).
стр. 1928
ورواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن أبي حازم،
عن أبي هريرة، وفيه: «وأن يستام الرجل على سوم أخيه» (١).
(ح-٢٩٣) وروى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يسم المسلم على سوم أخيه (٢).
(ح-٢٩٤) وروى مسلم من طريق هشام، عن محمد بن سيرين.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وفيه: ولا يسوم على سوم أخيه.
(ح-٢٩٥) وروى مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن ابن شماسة،
أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر (٣).
(ح-٢٩٦) وروى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تهجروا، ولا تدابروا، ولا تحسسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا (٤).
والنهي عن البيع على بيع أخيه إنما نهي عنه من أجل الضرر.
جاء في قواعد الأحكام: «النهي عن البيع على بيع الأخ، مع توافر الشروط والأركان، ليس النهي من جهة المعنى عن البيع، وإنما هو نهي عن الإضرار المقترن بالبيع» (٥).
стр. 1929
وبيع الرجل على الرجل:: وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة.
وشراء الرجل على شراء أخيه: وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة.
وأما السوم، فصورته: أن يأخذ المشتري شيئًا ليشتريه، فيقول له: ذره لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص. أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر.
[م-٣٦٣] واختلف العلماء في البيع، والسوم، هل هما شيء واحد، أو هما شيئان مختلفان:
قال في الفواكه الدواني: «اختلف الناس ... فمنهم من فهم أن السوم والبيع شيء واحد، وهو الزيادة في الثمن على عطاء الغير.
ومنهم من فهم أنهما شيئان، فالسوم الزيادة في الثمن، والبيع متعلق بالمثمن: الذي هو السلعة .. » (١).
وفسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم «قال مالك: وتفسير قول الرسول ﷺ فيما نرى، والله أعلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه ... » (٢).
ففسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم.
ويؤيد أن السوم والبيع شيء واحد، أنه لم يرد اللفظان في حديث واحد، بل الحديث الواحد تارة يأتي بلفظ: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، وتارة: لا
стр. 1930
يستام المسلم على سوم أخيه، إلا ما رواه مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، وزهير ابن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه ... الحديث وزاد عمرو الناقد في روايته: ولا يسم الرجل على سوم أخيه (١).
وقد انتقد البيهقي الجمع بين لفظ البيع ولفظ السوم في الحديث، فقال:
«وهذا الحديث حديث واحد، واختلف الرواة في لفظه؛ لأن الذي رواه على أحد هذه الألفاظ الثلاثة من البيع، والسوم والاستيام، لم يذكر معه شيئًا من اللفظين الأخريين، إلا في رواية شاذة ذكرها مسلم بن الحجاج، عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ذكر فيها لفظ البيع والسوم جميعًا، وأكثر الرواة لم يذكروا عن ابن عيينة فيه لفظ السوم، فإما أن يكون معنى ما رواه ابن المسيب، عن أبي هريرة، ما فسره غيره من السوم والاستيام، وإما أن ترجح رواية ابن المسيب على رواية غيره، فإنه أحفظهم، وأفقههم، ومعه من أصحاب أبي هريرة، عبد الرحمن الأعرج، وأبو سعيد مولى عامر بن كريب، وعبد الرحمن بن يعقوب في بعض الروايات، عن العلاء، عنه، وبأن روايته توافق رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ (٢).
فإن قلنا: اللفظ واحد، فهي رواية بالمعنى، وإن قلنا: لما اختلف اللفظ ينبغي أن يختلف المعنى، فالبيع غير السوم، قلنا: لا فرق بين النهي عن البيع على بيع أخيه، والنهي عن السوم على سوم أخيه، من جهة الضرر الحاصل،
стр. 1931
والعداوة الناتجة من هذا التصرف، إلا أنه يستثنى منه بيع المزايدة، فيجوز السوم على سوم أخيه فيها بالإجماع، حكى الإجماع فيه ابن عبد البر (١).
(ث-٤٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حزام بن هشام الخزاعي، عن أبيه، قال:
شهدت عمر بن الخطاب باع إبلًا من إبل الصدقة فيمن يزيد (٢).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٣).
وعمر بن الخطاب له سنة متبعة، وقد أمرنا باتباع سنته؛ لأنه خليفة راشد، وإذا جاز بيع إبل الصدقة في المزاد جاز بيع غيرها لعدم الفرق.
(ح-٢٩٧) وروى أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأخضر بن عجلان، حدثني أبو بكر الحنفي،
عن أنس بن مالك، أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ ، فشكا إليه الحاجة، فقال النبي ﷺ : ما عندك شيء. فأتاه بحلس وقدح، فقال النبي ﷺ : من يشتري هذا. فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد على درهم، فسكت القوم، فقال: من يزيد على درهم، فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. قال: هما لك، ثم قال: إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث، ذي دم موجع، أو غرم مفضع، أو فقر مدقع (٤).
[إسناده ضعيف] (٥).
стр. 1932
(ث-٤٦) وروى البخاري في صحيحه معلقًا، قال: قال عطاء: أدركت الناس لا يرون بأسًا ببيع المغانم فيمن يزيد (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وهذا الأثر لا يدل على حصر بيع المزاد في المغانم فقط، وإنما فيه التصريح ببيع المغانم في المزاد، وهو لا ينفي بيع المزاد في غيرها، ولذلك جاء بيع المواريث في المزاد
قال ابن العربي: «لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد، والمعنى مشترك» (٣).
وقال ابن حجر: «وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة، وهي الغنائم والمواريث، ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم» (٤).
* * *
стр. 1933
المسألة الثانية
الحكم التكليفي للبيع على بيع أخيه والشراء على شرائه
[م -٣٦٤] ذهب الأئمة الأربعة إلى تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وشرائه على شرائه، وكذلك سومه على سومه (١). بشروط، منها:
الشرط الأول:
أن يكون البيع على بيع أخيه والشراء على شرائه بعد أن يتراضى المتبايعان على البيع، أما قبل أن يتراضيا البيع فلا يحرم.
قال في فتح القدير: «وشرطه: وهو أن يتراضيا بثمن، ويقع الركون به، فيجيء آخر، فيدفع للمالك أكثر، أو مثله، غير أنه رجل وجيه، فيبيعه منه لوجاهته» (٢).
وقال الطحاوي: «إن كان المساوم أو الخاطب قد ركن إليه فلا يحل لأحد أن يسوم على سومه ولا يخطب على خطبته حتى يترك .... فأما من ساوم رجلًا بشيء أو خطب إليه امرأة، هو وليها فلم يركن إليه فمباح لغيره من الناس أن يسوم بما ساوم به ويخطب بما خطب ... ثم قال: وهذا
стр. 1934
المعنى .... فيما أبحنا فيه من السوم والخطبة، وفيما منعنا فيه من السوم والخطبة، هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد» (١).
وقال ابن عبد البر: «قال مالك في تفسير قول رسول الله ﷺ : لا يبع بعضكم على بيع بعض، فيما نرى والله أعلم أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب ويتبرأ من العيوب، وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، فذلك الذي نهى عنه، والله أعلم.
قال مالك: ولا بأس بالسوم بالسلعة توقف للبيع، فيسوم بها غير واحد، قال: ولو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بالسلعة أخذت بشبه الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه والضرر، قال: ولم يزل الأمر عندنا على هذا.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): أقوال الفقهاء كلهم في هذا الباب متقاربة المعنى، وكلهم قد أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد» (٢).
وفسر صاحب الفواكه الدواني الركون للبيع: بأن مال البائع إلى البيع، ومال المشتري إلى الشراء، بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول باللفظ، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يزيد على عطاء ذلك المشتري، أو يعرض له سلعة أخرى يرغبه فيها حتى يعرض عن الأولى، وهذا التقييد من تفسير الراسخين، وبيان
стр. 1935
المتفقهين .... وإنما صرح المصنف بذلك، وإن فهم من التقييد ردًا على من كره التزايد في السلعة مطلقًا مخافة الوقوع في النهي المذكور .... » (١).
وعبر الشافعية عن هذا القيد بالتحريم عند استقرار ا لثمن، وحصول الرضا بين المتساومين.
قال ابن دقيق العيد: «وللتحريم في ذلك عند أصحاب الشافعي شرطان:
أحدهما: استقرار الثمن، فأما ما يباع فيمن يزيد، فللطالب أن يزيد على الطالب، ويدخل عليه.
والثاني: أن يحصل التراضي بين المتساومين صريحًا، فإن وجد ما يدل على الرضا من غير تصريح فوجهان، وليس السكوت بمجرده من دلائل الرضا عند الأكثرين منهم» (٢).
وقال ابن قدامة: «روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال «لا يسم الرجل على سوم أخيه» ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري وهو الذي تناوله النهي. الثاني أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم; لأن النبي ﷺ باع في من يزيد ... » (٣).
стр. 1936
الشرط الثاني:
اشترط الشافعية والحنابلة بأن لا يأذن البائع والمشتري، فإن أذنا لم يحرم.
قال في مغني المحتاج: «محل التحريم عند عدم الإذن، فلو أذن البائع في البيع على بيعه، أو المشتري في الشراء على شرائه، لم يحرم؛ لأن الحق لهما، وقد أسقطاه ... إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًا، أو وصيًا، أو وكيلًا، أو نحوه، فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضرر على المالك» (١).
وترجم البخاري في صحيحه، فقال: «باب: لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك».
(ح-٢٩٨) وروى أحمد من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع على بيع أخيه إلا بإذنه (٢).
стр. 1937
وهو في مسلم بلفظ: لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له.
стр. 1938
فقدم ذكر البيع على النكاح.
فإن كان الاستثناء يرجع للجميع (النكاح والبيع) كما هو رأي الشافعية فهذا نص على أن الإذن شرط في جواز بيع الرجل على بيع أخيه.
وإن كان الضمير يرجع إلى آخر مذكور كما هو مذهب الحنفية، وصار المحفوظ في الحديث هو لفظ مسلم، فإن البيع مقيس على النكاح لعدم الفرق، فالنهي إنما هو لحق الغير، وليس لحق الله، فإذا أذن الغير فقد تنازل عن حقه، والله أعلم (١).
الشرط الثالث:
[م - ٣٦٥] اشترط الشافعية والحنابلة بأن يكون البيع على البيع، أو الشراء على الشراء، قبل لزوم العقد، وذلك في زمن خيار المجلس، أو الشرط، أما بعد لزوم العقد فلا معنى له، فلا يحرم (٢)، إلا أن يكون في زمن خيار العيب، فيحرم، ولو بعد لزوم العقد.
قال العمراني الشافعي: «قال الشافعي: قال النبي ﷺ : لا يبع بعضكم على بيع بعض.
وجملة ذلك: أن الرجلين إذا تبايعا عينًا، وبينهما خيار مجلس أو خيار شرط، فجاء رجل إلى المشتري، فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون ثمنها الذي اشتريتها به، أو أبيعك خيرًا منها بمثل ثمنها، فهذا حرام، لا يحل؛ لما
стр. 1939
روى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» .... وهكذا إذا قال للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع، وأنا اشتريها منك بأكثر من هذا الثمن، فإن هذا محرم؛ لأن فيه معنى نهي النبي ﷺ » (١).
قال المرداوي: «ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه: وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراء الرجل على شراء أخيه: وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ البيع، ويعقد معه، وهذا بلا نزاع فيهما، ويتصور ذلك في مسألتين: الأولى: في خيار المجلس. والثانية: في خيار الشرط» (٢).
وقال في الروض المربع: «ومحل ذلك - يعني النهي عن البيع على بيع أخيه، أو الشراء على شرائه - إذا وقع في زمن الخيارين، ليفسخ المقول له العقد، ويعقد معه» (٣).
والصحيح أنه يحرم مطلقًا، حتى بعد لزوم العقد،.
وعلل ذلك بما يلي:
أولًا: أن هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب، فيكون فاسدًا. فإن بيعه على بيعه، وشراءه على شرائه متناول قبل لزوم العقد، وبعد لزومه.
ثانيًا: أن المعنى الذي حرم الشارع لأجله ذلك لا يختص في زمن الخيار، بل هو موجود وقت الركون والتراضي على البيع، وبعد لزوم العقد، وذلك لأن
стр. 1940
مثل هذا التصرف يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين البائع والمشتري، فإن المشتري قد يرى أن البائع ربما خدعه، وغبنه.
ثالثًا: أنه ربما تحايل على الفسخ بأي سبب من الأسباب، كأن يدعي عيبًا، أو ما أشبه ذلك مما يمكنه من الفسخ.
ورجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١).
وألحق الماوردي من الشافعية بالشراء على الشراء: طلب سلعة من المشتري بزيادة ربح، والبائع حاضر؛ لأدائه إلى الفسخ، أو الندم» (٢).
«واشترط ابن كج من الشافعية في البيع على البيع أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مفرطًا، فإن كان فله أن يعرفه، ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة.
قال النووي: هذا الشرط انفرد به ابن كج، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث، والمختار أنه ليس بشرط» (٣).
الشرط الرابع:
اشترط الشافعية بأن يكون العاقد عالمًا بالنهي .. والصواب أن ذلك شرط في جميع المناهي (٤).
الشرط الخامس:
[م -٣٦٦] رأى الأوزاعي أن النهي خاص بالمسلمين فيما بينهم. وأما الذمي فيجوز أن يبيع على بيعه، ويشتري على شرائه.
стр. 1941
(ح-٢٩٩) واستدل بحديث ابن عمر في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: لا يبيع بعضكم على بيع أخيه» (١).
(ح-٣٠٠) وحديث أبي هريرة فيهما: وفيه: «نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه .. » (٢).
وخالفه في ذلك سائر الفقهاء، قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه، وأنه والمسلم في ذلك سواء، إلا الأوزاعي، فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه؛ لأن الرسول ﷺ إنما خاطب المسلمين في أن لا يبيع بعضهم على بيع بعض، وخاطب المسلم أن لا يبيع على بيع أخيه المسلم، فليس الذمي كذلك، وقال سائر العلماء: لا يجوز ذلك، والحجة لهم: أنه كما دخل الذمي في النهي عن النجش، وفي ربح ما لم يضمن ونحوه، كذلك يدخل في هذا. وقد يقال: هذا طريق المسلمين، ولا يمنع ذلك أن يدخل فيه، ويسلكه أهل الذمة، وقد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي، فدل على أنهم مرادون، والله أعلم» (٣).
ولعل ابن عبد البر أخذ ذلك من الطحاوي، فإنه قال في مختصر العلماء: «قال الأوزاعي: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه، قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدًا قال بذلك غير الأوزاعي» (٤).
ومن قرأ كتب ابن عبد البر وجد نقولًا كثيرة عن الطحاوي.
стр. 1942
والحق أن الأوزاعي لم ينفرد في هذا المذهب، قال ا بن حجر: «وافقه من الشافعية ابن المنذر، وابن جويرية، والخطابي، ويؤيده قوله في أول حديث عقبة ابن عامر عند مسلم: (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يذر).
وقال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع، وقد ورد المنع مقيدًا بالمسلم، فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة.
وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم﴾ [الإسراء:٣٠] وكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء:٢٣] ونحو ذلك.
وبناه بعضهم على أن هذا المنهي عنه، هل هو من حقوق العقد واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين، فعلى الأول فالراجح ما قال الخطابي. وعلى الثاني: فالراجح ما قال غيره، وقريب من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع» (١). اهـ
وقد أجاز الحنابلة الدخول على الذمي في خطبته، قال في كشاف القناع: «ولا تحرم خطبة على خطبة كافر؛ لمفهوم قوله: على خطبة أخيه، كما لا يجب أن ينصحه نصًا، لحديث: الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله. قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. رواه مسلم؛ لأن النهي خاص
стр. 1943
بالمسلم، وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي كالمسلم، ولا حرمته كحرمته» (١).
والذي أميل إليه أن مذهب الجمهور أقوى؛ لأن الاعتداء على الذمي محرم، كالاعتداء على المسلم.
* * *
стр. 1944
المسألة الثالثة
الحكم الوضعي لعقد من باع على بيع أخيه
[م-٣٦٧] اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن البيع صحيح مع الإثم، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
ونسب ابن عبد ا لبر القول بصحة البيع إلى الجمهور (٢).
وجه كون العقد صحيحًا:
لأن النهي عنه لا يرجع إلى ذات البيع، وإنما لما يلحق هذا التصرف من الأذى، والضرر، وهو أمر خارج عن العقد.
قال الكاساني: «والنهي لمعنى في غير البيع، وهو الإيذاء، فكان نفس البيع مشروعًا، فيجوز شراؤه، ولكن يكره» (٣).
وعلل ابن عبد البر الصحة: بأن البيع على البيع إنما يكون قبل أن يتم البيع الأول، وقد كان لكل واحد منهما أن لا يتمه إن شاء، وكأن ابن عبد البر يرى أن النهي عن البيع على بيع أخيه، إنما يكون ذلك قبل لزوم البيع (٤).
стр. 1945
القول الثاني:
أن البيع مفسوخ ما لم يفت، وهو رواية ثانية عن مالك، وقد أنكر بعض أصحاب مالك هذه الرواية عنه (١).
قال ابن عبد البر: «أنكر ابن الماجشون ذلك - يعني فسخ البيع ما لم يفت- أن يكون قاله مالك في البيع، وإنما قال ذلك في نكاح الذي يخطب على خطبة أخيه ... » (٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «ولمالك قولان في النهي، هل على الكراهة، أو الحرمة. والفسخ على الثاني دون الأول. والمعتمد الحرمة .. » (٣).
وجه قول من قال: يفسخ البيع ما لم تفت السلعة:
هذا هو أصل مذهب مالك في البيع الفاسد، أن البيع الفاسد يجب فسخه، إلا أن تفوت السلعة، فإن فاتت مضى البيع، ووجب عليه القيمة.
جاء في منح الجليل: «البيع الفاسد يثبت شبهة الملك فيما يقبله فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة، وهي حوالة السوق - أي تغيره- وتلف
стр. 1946
العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع .. » (١).
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع أن نقول: اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق أن حكمها الرد - أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون-
واختلفوا إذا قبضت، وتصرف فيها بعتق، أو هبة، أو رهن، أو غير ذلك من سائر التصرفات، هل ذلك فوت يوجب القيمة، وكذلك إذا نمت، أو نقصت.
فقال الشافعي: ليس ذلك كله فوتًا، ولا شبهة ملك في البيع الفاسد، وأن الواجب الرد.
وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة، إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة، والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة، وإلى مكروهة: فأما المحرمة، فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة، وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صحت عنده، وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض؛ لخفة الكراهة عنده في ذلك، فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا، والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه، كبيع الخمر، والخنزير، فليس عندهم فيه فوت، و مالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها - أعني بيوع الربا والغرر - فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة ... » (٢).
стр. 1947
القول الثالث:
ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن البيع باطل (١)، وهو قول سفيان ابن عيينة (٢)، والظاهرية (٣).
دليل الحنابلة على بطلان العقد:
الدليل الأول:
(ح-٣٠١) ما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤).
وجه الاستدلال:
أن معنى: رد: أي مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل.
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٢) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (٥).
стр. 1948
فأفاد وجوب اجتناب المنهي عنه، وتصحيحه يدل على عدم اجتنابه، وهذا مخالف لنهيه ﷺ .
الدليل الثالث:
إذا كان الأمر يقتضي الصحة، فالنهي نقيضه، والنقيضان لا يجتمعان، فيكون النهي مقتضيًا للفساد.
وقد عقدت فصلًا مستقلًا، هل النهي يقتضي الفساد، أو لا يقتضي الفساد، أو هناك فرق بين أن يكون النهي عائدًا إلى ذات الشيء، أو يكون النهي عن الشيء لأمر خارج عنه، فأغنى عن إعادة ذلك، فارجع إليه مشكورًا.
وقيل: النهي إنما وقع على المشتري لا على البائع.
فقد نقل ابن منظور هذا القول عن أبي عبيد، قال في اللسان: «كان أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما من أهل العلم يقولون: إنما النهي في قوله: (لا يبيع على بيع أخيه) إنما هو لا يشتر على شراء أخيه، فإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع؛ لأن العرب تقول: بعت ا لشيء: بمعنى: اشتريته ..... وليس للحديث عندي وجه غير هذا؛ لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المعروف أن يعطي الرجل بسلعته شيئًا، فيجئ مشتر آخر، فيزيد عليه» (١).
ونقل ابن عبد البر هذا القول لابن حبيب من المالكية (٢).
стр. 1949
ورده ابن عبد البر من المالكية، وقال: «لا أدري وجهًا لإنكاره أن يراد بذلك البيع، والعرب إن كان يعرف من لغتها أن تقول: بعت بمعنى اشتريت، فالذي هو أعرف وأشهر عنها، أن يقول: بعت بمعنى: بعت» (١).
ولو نازع أحد في الشراء على الشراء كان له مدخل، وذلك لأن أكثر النصوص هي في نهي البيع على بيع أخيه.
ومع ذلك فقد حفظ النهي عن الشراء على شراء أخيه،
إما بالنص، وإما بالمعنى:
(ح-٣٠٣) أما النص فقد روى البخاري من طريق سعيد بن المسيب،
أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: لا يبتاع المرء على بيع أخيه، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد (٢).
(ح-٣٠٤) وروى مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن ابن شماسة،
أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر (٣).
فقوله: «لا يبتاع» جاء في اللسان: «الابتياع: الاشتراء ... وابتاع الشيء: اشتراه» (٤).
(ح-٣٠٥) بل جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «من ابتاع شاة مصراة، فهو بالخيار .. » (٥). يعني: من اشترى.
стр. 1950
(ح-٣٠٦) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» (١).
وأما من جهة المعنى، فإن البيع والشراء يطلق أحدهما على الآخر.
قال أبو عبيد: البيع من حروف الأضداد في كلام العرب، يقال: باع فلان: إذا اشترى وباع من غيره (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠] أي باعوه
وفي النهاية لابن الأثير: «قال الزبير لابنه عبد الله: والله لا أشري عملي بشيء، وللدنيا أهون علي من منحة ساحة» قال ابن الأثير: لا أشري؛ أي لا أبيع، يقال: شرى بمعنى: باع واشترى» (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
قال ابن عطية في تفسيرها: «يشري» معناه يبيع .... (٤).
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض أقوال أهل العلم، أجد أن البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، إن وقع ذلك بعد لزوم العقد، كان ذلك حرامًا، ولم يؤثر في صحة العقد، لأن العقد الثاني لم يفسد العقد الأول، وإنما التحريم من جهة ما يدخل على القلوب ويفسد المودة بين المسلمين، والشرع حريص على قطع مثل ذلك.
стр. 1951
وإن ورد العقد الثاني على العقد الأول قبل لزوم العقد كان القول ببطلان العقد الثاني متجه معاملة له بنقيض قصده، وردعًا له عن الاعتداء على حق أخيه، والله أعلم.
* * *
стр. 1952
المسألة الرابعة
البيع على بيع المسلم في بيع المزايدة
[م-٣٦٨] اختلف العلماء في بيع المزايدة على أربعة أقوال.
القول الأول:
أنه جائز، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
القول الثاني:
يكره مطلقًا، وهو مروي عن إبراهيم النخعي (٢).
القول الثالث:
يكره إلا في بيع الشركاء فيما بينهم، وهو مروي عن مكحول (٣).
القول الرابع:
تكره إلا في بيع الغنائم والمواريث، وهو اختيار الحسن، ومحمد بن
стр. 1953
سيرين (١)،
والأوزاعي، وإسحاق (٢).
قال ابن رشد: «منع قوم بيع المزايدة، وإن كان الجمهور على خلافه» (٣).
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فالأصل في البيوع الحل، ومن ذلك بيع المزايدة، فمن ادعى أنها من البيوع المنهي عنها فعليه الدليل، وليس في التعامل بها اعتداء على حق لله أو حق لآدمي، ولو كان البيع فيها منهيًا عنه لجاء النص الشرعي الصحيح والذي تقوم بمثله الحجة على الخلق بالنهي عنها، ولما لم يوجد علم أنه ليس في التعامل بها حرج إن شاء الله تعالى.
стр. 1954
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأخضر بن عجلان، حدثني أبو بكر الحنفي.
عن أنس بن مالك، أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ ، فشكا إليه الحاجة، فقال النبي ﷺ : ما عندك شيء؟ فأتاه بحلس وقدح، فقال النبي ﷺ : من يشتري هذا؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد على درهم، فسكت القوم، فقال: من يزيد على درهم، فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. قال: هما لك، ثم قال: إن المسألة لا تحل إلا لأحدى ثلاث، ذي دم موجع، أو غرم مفضع، أو فقر مدقع (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1955
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٨) ما رواه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ ، فقال: من يشتريه مني. فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه (١).
ورواه مسلم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر (٢).
стр. 1956
واعترض على هذا:
بما نقله الحافظ عن الإسماعيلي، فقال: «ليس في قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة: أن يعطي به واحد ثمنًا، ثم يعطي به غيره زيادة عليها.
وأجاب ابن بطال: بأن شاهد الترجمة منه قوله في الحديث: (من يشتريه مني) قال: فعرضه للزيادة ليستقصي به للمفلس الذي باعه عليه» (١).
الدليل الرابع:
(ث-٤٧) حدثنا وكيع، عن حزام بن هشام الخزاعي، عن أبيه، قال:
شهدت عمر بن الخطاب باع إبلًا من إبل الصدقة فيمن يزيد (٢).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٣).
وعمر بن الخطاب له سنة متبعة، وقد أمرنا باتباع سنته؛ لأنه خليفة راشد، وإذا جاز بيع إبل الصدقة في المزاد جاز بيع غيرها لعدم الفرق.
стр. 1957
دليل من قال: يكره إلا في بيع المغانم والمواريث
الدليل الأول
(ح-٣٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، قال: سمعت رجلًا سأل عبد الله بن عمر عن بيع المزايدة، فقال ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث.
[إسناده ضعيف] (١).
الدليل الثاني:
(ث-٤٨) روى البخاري في صحيحه معلقًا، قال: قال عطاء: أدركت الناس لا يرون بأسًا ببيع المغانم فيمن يزيد (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 1958
وأجيب عن هذا الدليل:
هذا الأثر لا يدل على حصر بيع المزاد في المغانم فقط، وإنما فيه التصريح ببيع المغانم في المزاد، وهو لا ينفي بيع المزاد في غيرها، ولذلك جاء بيع المواريث في المزاد، وعلى التنزل: فإن مقتضى القياس الصحيح: أنه إذا ثبت صحة بيع المغانم فيمن يزيد جاز غيرها قياسًا عليها.
قال ابن العربي: «لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد، والمعنى مشترك» (١).
وقال ابن حجر: «وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة، وهي الغنائم، والمواريث، ويلتحق بهما غيرهما للاشتراك في الحكم» (٢).
دليل من قال: يكره مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣١٠) ما رواه البزار في مسنده كما في مختصر زوائد مسند البزار (٣)، من
стр. 1959
طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن المغيرة بن زياد،
عن سفيان بن وهب، قال: سمعت النبي ﷺ ينهى عن المزايدة.
قال البزار: لا نعلم روى سفيان إلا هذا، وابن لهيعة ضعيف. اهـ وهو كما قال.
الدليل الثاني:
(ح-٣١١) ما رواه مسلم من طريق عن هشام، عن محمد بن سيرين.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه (١).
وجه الحديث:
أن في بيع المزايدة السوم على سوم أخيك، وهذا داخل في النهي.
وأجيب:
بأن المنهي عنه السوم قبل أن يرد البائع السائم الأول، فإذا طلب الدلال الزيادة في الثمن فقد رد السائم الأول، وإذا رده جازت الزيادة عليه، ولو قلنا بتحريم الزيادة بعد رد السائم الأول لوقع بذلك ضرر كبير للبائع وللسوق مما لا يمكن أن يأتي به شرع، كما أنها تجوز الخطبة بعد رد الخاطب الأول.
قال ابن عبد البر: «قال مالك في تفسير قول رسول الله ﷺ : لا يبع بعضكم على بيع بعض، فيما نرى والله أعلم أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب ويتبرأ من العيوب، وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، فذلك الذي نهى عنه، والله أعلم.
стр. 1960
قال مالك: ولا بأس بالسوم بالسلعة توقف للبيع، فيسوم بها غير واحد، قال: ولو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بالسلعة أخذت بشبه الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه والضرر، قال: ولم يزل الأمر عندنا على هذا.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): أقوال الفقهاء كلهم في هذا الباب متقاربة المعنى، وكلهم قد أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد» (١).
الراجح:
لا شك أن الخلاف في بيع المغانم ربما كان قديمًا، وأما عمل الناس اليوم فإنه لا خلاف بينهم في جواز هذه المعاملة وانتشارها بينهم من غير نكير،
بل إن عقد المزايدة في هذا العصر انتشر محليًا ودوليًا، وأصبح له نظمه وقوانينه ولوائحه حتى أصبح جزءًا من العقود الإدارية، ويستخدم في عقود عديدة، كبيع أموال القاصرين في تصفية التركات، وكبيع أموال المدينين المحجوزة، وكبيع شيء من أملاك الدولة عند الاستغناء عنها، وكذلك شراء لوازم الدوائر الحكومية، وهو لا يختص بعقد البيع، بل يجري أيضًا في عقود الإيجار وتعهدات الأعمال فإذا احتاجت الحكومة إلى مثل هذا النوع من التعاقد أعلنت عن المزايدة في الصحف ووسائل الإعلام لتحقيق المنافسة الحرة، والمساواة بين المتنافسين، ثم تقوم الإرادة بفحص العطاءات المقدمة والتأكد من مطابقتها للشروط المعلن عنها، وإبعاد العطاءات التي لم تستوف الشروط وذلك عن طريق لجنة فتح المظاريف، ثم تقوم لجنة أخرى وهي لجنة البت بإتمام الإجراءات المؤدية إلى تعيين من ترسو عليه المزايدة (المناقصة).
стр. 1961
وتضع الدولة شروطًا تحددها الأنظمة والقرارات الحكومية، منها ألا يقبل للدخول في المزايدة أو المناقصة إلا من يسلف مبلغًا معينًا يسمى تأمينًا، كيلا ينكل إذا توجهت الإحالة القطعية إليه، فإن نكل جددت المزايدة أو المناقصة على حسابه، وفرق السعر يؤخذ من مبلغ تأمينه.
* * *
стр. 1962
المسألة الخامسة
في الاتفاق على ترك المزايدة
[م-٣٦٩] إذا اتفق شخص، أو أكثر على ترك المزايدة في السوق، ويقتسمون البضاعة فيما بينهم، أو طلب السائم ترك الزيادة عليه مقابل مبلغ معلوم من المال، فهل هذا الفعل صحيح.
والجواب أن هذا له حالتان:
الأول: أن يكون الاتفاق بين بعض السائمين، وفي السوق من يزيد، فهذا لا يحرم؛ لأن باب المزايدة مفتوح.
الثاني: أن يتفق أهل السوق كلهم على ترك المزايدة، فهذا لا يجوز؛ لأن في هذا إضرارًا بأهل السلع، أكثر مما نهى عنه الشارع في تلقي الركبان، وفيه بخس الباعة بعض حقوقهم.
وإذا كان الشارع حفظ حق المشتري بتحريم النجش، وهو أحد المتعاقدين، فيجب تحريم مثل ذلك في حق البائع؛ لأن فيه إضرارًا به.
قال خليل في مختصره: «وجاز سؤال البعض ليكف عن الزيادة، لا الجميع» (١).
وسئل ابن تيمية ﵀ عن تاجرين عرضت عليهما سلعة للبيع، فرغب في شرائها كل و احد منهما، فقال أحدهما للآخر: أشتريها شركة بيني و بينك، وكانت نيته أن لا يزيد عليه في ثمنها، و ينفرد فيها، فرغب في الشركة لأجل
стр. 1963
ذلك، فاشتراها أحدهما و دفع ثمنها من مالهما على السوية، فهل يصح هذا البيع و الحالة هذه، أو يكون في ذلك دلسة على بائعها، و الحالة هذه؟.
فأجاب الحمد لله، أما إذا كان في السوق من يزايدهما، و لكن أحدهما ترك مزايدة صاحبه خاصة لأجل مشاركته له، فهذا لا يحرم؛ فان باب المزايدة مفتوح، وإنما ترك أحدهما مزايدة الآخر، بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق، على أن لا يزايدوا في سلع هم محتاجون لها، ليبيعها صاحبها بدون قيمتها، ويتقاسمونها بينهم، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقى السلع إذا باعها مساومة، فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى و الله اعلم» (١).
وقال ابن رشد: «لو قال لواحد كف عني، ولك دينار جاز، ولزمه الدينار، ولو لم يشتر، ويجوز أيضًا أن يقول: وتكون شريكي فيها» (٢).
* * *
стр. 1964
الفرع الثاني
النهي عن النجش
المسألة الأولى
تعريف النجش
من الأمور التي نهي عنها المسلم دفعًا للضرر عن أخيه النجش في البيع، وذلك لأنه نوع من الغش والخداع، وهذا ما سوف يتبين لنا من خلال الكلام عن النجش من حيث تعريفه، وحكمه التكليفي والوضعي.
تعريف النجش اصطلاحًا (١):
لدينا تعريفان للنجش اصطلاحًا:
التعريف الأول: تعريف الجمهور:
«وهو أن يستام السلعة بأزيد من ثمنها وهو لا يريد شراءها بل ليراه غيره فيقع فيه» (٢).
وهذا هو المشهور في تعريف النجش، وعبارات الفقهاء متقاربة المعنى، وإن اختلفت ألفاظهم.
قال ابن عبد البر: «وأما النجش: فلا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في أن
стр. 1965
معناه: أن يعطي الرجل الذي قد دسه البائع، وأمره في السلعة عطاء لا يريد شراءها به، فوق ثمنها، ليغتر المشتري، فيرغب فيها، أو يمدحها بما ليس فيها، فيغتر المشتري حتى يزيد فيها، أو يفعل ذلك بنفسه، ليغر الناس في سلعته، وهو لا يعرف أنه ربها. وهذا معنى النجش عند أهل العلم، وإن كان لفظي ربما خالف شيئًا من ألفاظهم، فإن كان ذلك فإنه غير مخالف لشيء من معانيهم» (١).
وقد أضاف ابن عبد البر في تعريفه صورة أخرى للنجش، وأنه لا يلزم أن يكون النجش مقصورًا على من يزيد في السلعة، بل يدخل في النجش: إطراء السلعة ومدحها بما ليس فيها لمن يريد شراءها، حتى يدفعه إلى شرائها.
وهذه الصورة قد أخذت في عصرنا أشكالًا كثيرة مغرية، وأصبحت وسائل الدعاية السمعية، والمرئية، والمقروءة كل يوم تدعو الناس بوسائل متنوعة، تدعوهم إلى الإقبال على شراء منتجاتهم، وقد تعتمد في ذلك على مشاهير الناس ليخرجوا في وسائل الإعلام والنشر، ويدعوا الناس إلى شراء هذا المنتج، وتقديمه على غيره، فإذا لم يكن الأمر حقيقة فإنه من النجش المحرم، مع ما فيه من مكر وخديعة، وغش، وتدليس.
وفي مقابل إطراء السلعة ومدحها بما ليس فيها ما ذكر ابن نجيم في البحر الرائق: «أن تنفر الناس عن الشيء إلى غيره» (٢).
التعريف الثاني:
تعريف المازري: الناجش هو الذي يزيد في سلعة ليقتدي به غيره (٣).