وتضع الدولة شروطًا تحددها الأنظمة والقرارات الحكومية، منها ألا يقبل للدخول في المزايدة أو المناقصة إلا من يسلف مبلغًا معينًا يسمى تأمينًا، كيلا ينكل إذا توجهت الإحالة القطعية إليه، فإن نكل جددت المزايدة أو المناقصة على حسابه، وفرق السعر يؤخذ من مبلغ تأمينه.
* * *
стр. 1962
المسألة الخامسة
في الاتفاق على ترك المزايدة
[م-٣٦٩] إذا اتفق شخص، أو أكثر على ترك المزايدة في السوق، ويقتسمون البضاعة فيما بينهم، أو طلب السائم ترك الزيادة عليه مقابل مبلغ معلوم من المال، فهل هذا الفعل صحيح.
والجواب أن هذا له حالتان:
الأول: أن يكون الاتفاق بين بعض السائمين، وفي السوق من يزيد، فهذا لا يحرم؛ لأن باب المزايدة مفتوح.
الثاني: أن يتفق أهل السوق كلهم على ترك المزايدة، فهذا لا يجوز؛ لأن في هذا إضرارًا بأهل السلع، أكثر مما نهى عنه الشارع في تلقي الركبان، وفيه بخس الباعة بعض حقوقهم.
وإذا كان الشارع حفظ حق المشتري بتحريم النجش، وهو أحد المتعاقدين، فيجب تحريم مثل ذلك في حق البائع؛ لأن فيه إضرارًا به.
قال خليل في مختصره: «وجاز سؤال البعض ليكف عن الزيادة، لا الجميع» (١).
وسئل ابن تيمية ﵀ عن تاجرين عرضت عليهما سلعة للبيع، فرغب في شرائها كل و احد منهما، فقال أحدهما للآخر: أشتريها شركة بيني و بينك، وكانت نيته أن لا يزيد عليه في ثمنها، و ينفرد فيها، فرغب في الشركة لأجل
стр. 1963
ذلك، فاشتراها أحدهما و دفع ثمنها من مالهما على السوية، فهل يصح هذا البيع و الحالة هذه، أو يكون في ذلك دلسة على بائعها، و الحالة هذه؟.
فأجاب الحمد لله، أما إذا كان في السوق من يزايدهما، و لكن أحدهما ترك مزايدة صاحبه خاصة لأجل مشاركته له، فهذا لا يحرم؛ فان باب المزايدة مفتوح، وإنما ترك أحدهما مزايدة الآخر، بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق، على أن لا يزايدوا في سلع هم محتاجون لها، ليبيعها صاحبها بدون قيمتها، ويتقاسمونها بينهم، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقى السلع إذا باعها مساومة، فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى و الله اعلم» (١).
وقال ابن رشد: «لو قال لواحد كف عني، ولك دينار جاز، ولزمه الدينار، ولو لم يشتر، ويجوز أيضًا أن يقول: وتكون شريكي فيها» (٢).
* * *
стр. 1964
الفرع الثاني
النهي عن النجش
المسألة الأولى
تعريف النجش
من الأمور التي نهي عنها المسلم دفعًا للضرر عن أخيه النجش في البيع، وذلك لأنه نوع من الغش والخداع، وهذا ما سوف يتبين لنا من خلال الكلام عن النجش من حيث تعريفه، وحكمه التكليفي والوضعي.
تعريف النجش اصطلاحًا (١):
لدينا تعريفان للنجش اصطلاحًا:
التعريف الأول: تعريف الجمهور:
«وهو أن يستام السلعة بأزيد من ثمنها وهو لا يريد شراءها بل ليراه غيره فيقع فيه» (٢).
وهذا هو المشهور في تعريف النجش، وعبارات الفقهاء متقاربة المعنى، وإن اختلفت ألفاظهم.
قال ابن عبد البر: «وأما النجش: فلا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في أن
стр. 1965
معناه: أن يعطي الرجل الذي قد دسه البائع، وأمره في السلعة عطاء لا يريد شراءها به، فوق ثمنها، ليغتر المشتري، فيرغب فيها، أو يمدحها بما ليس فيها، فيغتر المشتري حتى يزيد فيها، أو يفعل ذلك بنفسه، ليغر الناس في سلعته، وهو لا يعرف أنه ربها. وهذا معنى النجش عند أهل العلم، وإن كان لفظي ربما خالف شيئًا من ألفاظهم، فإن كان ذلك فإنه غير مخالف لشيء من معانيهم» (١).
وقد أضاف ابن عبد البر في تعريفه صورة أخرى للنجش، وأنه لا يلزم أن يكون النجش مقصورًا على من يزيد في السلعة، بل يدخل في النجش: إطراء السلعة ومدحها بما ليس فيها لمن يريد شراءها، حتى يدفعه إلى شرائها.
وهذه الصورة قد أخذت في عصرنا أشكالًا كثيرة مغرية، وأصبحت وسائل الدعاية السمعية، والمرئية، والمقروءة كل يوم تدعو الناس بوسائل متنوعة، تدعوهم إلى الإقبال على شراء منتجاتهم، وقد تعتمد في ذلك على مشاهير الناس ليخرجوا في وسائل الإعلام والنشر، ويدعوا الناس إلى شراء هذا المنتج، وتقديمه على غيره، فإذا لم يكن الأمر حقيقة فإنه من النجش المحرم، مع ما فيه من مكر وخديعة، وغش، وتدليس.
وفي مقابل إطراء السلعة ومدحها بما ليس فيها ما ذكر ابن نجيم في البحر الرائق: «أن تنفر الناس عن الشيء إلى غيره» (٢).
التعريف الثاني:
تعريف المازري: الناجش هو الذي يزيد في سلعة ليقتدي به غيره (٣).
стр. 1966
الفرق بين التعريفين:
لم يقيد المازري النجش بالزيادة على الثمن، بل جعل مجرد الزيادة في قيمة السلعة، وهو لا يريد شراءها من النجش، بينما الجمهور جعلوا النجش أن يستام السلعة بأزيد من ثمنها.
ولذلك قال ابن عرفة: «وكلام المازري أعم من كلام مالك، وهو حسن» (١).
وتعريف خليل قريب من تعريف المازري.
قال خليل في مختصره: «وكالنجش يزيد ليغر» (٢).
وقد شرح هذه العبارة في منح الجليل، فقال: «ظاهره سواء كانت الزيادة على ثمنها الذي تباع به عادة، أو على أقل منه، وهو ظاهر قول المازري ... وهو خلاف قول مالك رضي الله تعالى عنه في الموطأ، والنجش: أن تعطيه في سلعة أكثر من ثمنها، وليس في نفسك اشتراؤها، ليقتدي بك غيرك» (٣).
وذهب بعض المالكية بأنه لا فرق بين تعريف الإمام مالك وبين تعريف المازري.
قال في الشرح الكبير: «كلام المازري مساو لكلام الإمام، بحمل الثمن في كلام الإمام على الثمن الذي وقع في المناداة، لا القيمة، وقول المازري: يزيد: أي على ثمن المناداة» (٤).
стр. 1967
وأضاف الحنابلة صورة أخرى من صور النجش،
فقال في مطالب أولى النهى:
«ومنه: أي النجش، قول بائع: أعطيت في السلعة كذا، وهو كاذب» (١).
فتجمع لنا أربع صور من النجش:
الأولى: أن يزيد في السلعة، وهو لا يريد شراءها.
الثانية: أن يمدح السلعة، ويثني عليها حتى يدفع غيرها ليغتر بها، ويشتريها، ومنه ما تفعله وسائل الدعاية والإعلان.
الثالثة: أن يقول بائع، أو وكيله، من سمسار ونحوه، أعطيت بالسلعة كذا، وهو كاذب.
الرابعة: ما ذكره ابن نجيم في البحر الرائق: «أن تنفر الناس عن الشيء إلى غيره» (٢).
فلو كان هناك في السوق سلعتان، فنفرت الناس عن السلعة المنافسة بلا حق، ليذهبوا إلى السلعة الأخرى كان ذلك من النجش، وهذا أشد عدوانًا؛ لأنه أضر بأكثر من جهة، وكلما كثر الضرر زاد التحريم.
وبذلك يمكن أن نعرف النجش:
بأن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، أو يمدحها بما ليس فيها، أو يقول: بأني أعطيت فيها كذا، وهو كاذب، أو ينفر الناس عن السلعة إلى غيرها.
* * *
стр. 1968
المسألة الثانية
الحكم التكليفي للنجش
(ح-٣١٢) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن النجش (١).
(ح-٣١٣) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يبع حاضر لباد، ولا تناجشوا ... الحديث (٢).
[م -٣٧٠] وقد ساق ابن عبد البر الإجماع على تحريم النجش.
قال ﵀: النجش «مكر وخداع، لا يجوز عند أحد من أهل العلم، لنهي الرسول ﷺ عن النجش، وقوله: لا تناجشوا. وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالمًا» (٣).
وقال الشافعي: «من نجش فهو عاص بالنجش، إن كان عالمًا بنهي رسول الله ﷺ عنه» (٤).
وقال ابن قدامة عن النجش: حرام وخداع ... وهو خداع باطل، لا يحل (٥).
стр. 1969
وعبر الحنفية بالكراهة، والمقصود كراهة التحريم، قال في فتح القدير: «فهذه الكراهات كلها تحريمية، لا نعلم خلافًا في الإثم» (١).
قال ابن الجلاب: «ولا يجوز النجش في البيوع ... ولا ينبغي أن يقر الغش في شيء من أسواق المسلمين بوجه من الوجوه، ولا يسمح فيه لأحد» (٢).
وقد قيد الحنفية وابن العربي من المالكية بأن الممنوع في النجش أن يزيد في ثمن السلعة على قيمتها، فإن بَلَّغَها قيمتها، وهو لا يريد شراءها لم يكن ذلك ممنوعًا.
«قال ابن العربي: الذي عندي أنه إن بلغها الناجش قيمتها، ورفع الغبن عن صاحبها، فهو مأجور، ولا خيار لمبتاعها» (٣).
وهذا الذي قاله ابن العربي قريب من مذهب الحنفية:
قال الكاساني بعد أن عرف النجش، وبين أنه مكروه، قال: «وهذا إذا كان المشتري يطلب السلعة من صاحبها بمثل ثمنها فأما إذا كان يطلبها بأقل من ثمنها، فنجش رجل سلعة حتى تبلغ إلى ثمنها، فهذا ليس بمكروه وإن كان الناجش لا يريد شراءها والله أعلم» (٤).
ولم يقيد الشافعية التحريم في هذا الباب كون الناجش عالمًا بالنهي كما قيدوا ذلك في البيع على بيع أخيه.
وفي ذلك يقول النووي: «واعلم أن الشافعي أطلق القول بتعصية الناجش (٥)،
стр. 1970
وشرط في تعصية البائع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالنهي. قال الأصحاب: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم هذا الحديث، والبيع على بيع أخيه، إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف هذا الخبر. قال الرافعي: ولك أن تقول: البيع على بيع أخيه إضرار أيضًا، وتحريم الإضرار معلوم من الألفاظ العامة، والوجه تخصيص التعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص» (١).
وقول الجمهور أقرب؛ لأن أحاديث النهي عن النجش مطلقة، ولأن زيادته في السلعة، وهو لا يريد شراءها كذب، والكذب محرم ومعلوم تحريمه من الدين بالضرورة، وقد يطمع المشتري في أن يشتريها برخص ليسترزق منها، فيؤدي ذلك إلى التضييق على المشتري في رزقه من رجل لا يريد شراء تلك البضاعة، والشرع له تطلع إلى أن يزرق الله الناس بعضهم من بعض.
* * *
стр. 1971
المسألة الثالثة
الحكم الوضعي لبيع النجش
[م-٣٧١] بعد أن عرفنا الحكم التكليفي للنجش، وأنه محرم، فما هو الحكم الوضعي للعقد إذا دخله النجش، هل يصح، أو لا. اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
يصح، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
القول الثاني:
يبطل، وهو قول في مذهب الحنابلة، اختاره أبو بكر منهم (٢).
واختلف القائلون بالصحة في ثبوت الخيار للمشتري:
فقيل: لا خيار له مطلقًا، سواء كان فعل الناجش بمواطأة من البائع أم لا، وهذا ظاهر مذهب الحنفية (٣)، والصحيح من مذهب الشافعية (٤).
стр. 1972
وقيل: له الخيار إذا غبن مطلقًا، وهذا مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن حزم (٢).
وقيل: إذا لم يعلم البائع بالناجش، فلا خيار للمشتري مطلقًا، وإن علم البائع بالناجش، وسكت، فللمشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وله التمسك به.
وإن فات المبيع فالواجب القيمة، وهذا مذهب المالكية (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
دليل من قال: العقد صحيح:
قالوا: لأن النهي لا يعود إلى البيع، فالبيع قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، ولأن النهي لحق الآدمي، فلم يفسد العقد كتلقي الركبان، وقد تقدم.
стр. 1973
دليل من قال: العقد باطل:
قالوا: ثبت النهي عن النجش بالسنة الصحيحة، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه،
(ح-٣١٤) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
ومعنى: رد: أي مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل.
تعليل من قال: له الخيار مطلقًا حتى ولو كان النجش بدون علم البائع:
لأن الحق للمشتري، وهو المتضرر من زيادة الناجش، فإذا غبن عن طريق النجش كان له خيار الرد، سواء كان ذلك بمواطأة البائع، أو بدونه.
تعليل من قال: ليس له الخيار مطلقًا، ولو كان النجش بعلم البائع:
التعليل الأول:
الأحاديث الواردة في النهي عن النجش لم تثبت الخيار للمشتري، فلا نثبت له شيئًا لم تثبته النصوص.
ويناقش:
إن لم تذكر النصوص الخيار، فقد ذكر الخيار بمثله، كتلقي الركبان، والتصرية، وهذان البيعان فيهما غبن في الأول، وغش في الثاني، وبيع النجش قد اشتمل عليهما.
стр. 1974
التعليل الثاني:
أن العقد الذي دخله النجش ليس فيه أكثر من الغبن، وذلك لا يثبت الخيار كما هو في كل غبن؛ ولأن التفريط جاء من قبل المشتري، حيث اشترى ما لا يعرف قيمته (١).
ويناقش:
مسألة ثبوت الخيار للمغبون مسألة خلافية، والجمهور على أن الغبن جائز في الجملة، وقد بحثت المسألة في بحث سابق مستقل، فأغنى عن إعادته هنا.
تعليل من قال: له الخيار إلا إن كان البائع لا يعلم بالنجش .
لأن النجش إذا لم يكن من صنع البائع، ولم يعلم به، فلا خيار للمشتري لأنه لم يوجد من جهة البائع تدليس، فمعاقبة البائع بفعل غيره لا وجه له، لأن الناجش غير صاحب السلعة، فلا يفسد بفعله بيع غيره (٢).
الراجح:
ثبوت الخيار إذا ثبت أن الناجش قد زاد في ثمن السلعة عن قيمتها مطلقًا، سواء كان ذلك بتدبير من البائع أو كان بدونه، لأن دفع الضرر عن المشتري مطلوب بصرف النظر عن موقف البائع، والله أعلم.
* * *
стр. 1975
الفرع الثالث
في النهي عن بيع المضطر
المسألة الأولى
في معني بيع المضطر وبيان الأحاديث الواردة فيه
[م-٣٧٢] من الأمور التي نهي عنها المسلم في المعاملات دفعًا للضرر عن أخيه، استغلال حاجته، وهو ما يسمى ببيع المضطر.
(ح-٣١٥) فقد روى أحمد من طريق هشيم، أخبرنا أبو عامر المزني، حدثنا شيخ من بني تميم، قال:
خطبنا علي، وفيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرين، وعن بيع الغرر (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1976
الحديث الثاني:
(ح-٣١٦) ما رواه سعيد بن منصور في سننه، من طريق مطرف، عن بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم.
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا، وقال: لا يشترى من ذي ضغطة سلطان شيئًا (١).
стр. 1977
[ضعيف جدًا] (١).
ومعنى بيع المضطر:
عرفه ابن عابدين من الحنفية: بأن يضطر إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل، بغبن فاحش (٢).
ومثال شراء المضطر، قال: «أن يضطر الرجل إلى طعام، أو شراب، أو لباس، أو غيره، ولا يبيعه البائع إلا بأكثر من ثمنه» (٣).
стр. 1978
وعرفه الحنابلة: بأن يكره على دفع مال، فيبيع ملكه لذلك، قال في الإنصاف: وهو بيع المضطر» (١).
стр. 1979
المسألة الثانية
في حكم بيع المضطر
[م-٣٧٣] قال الحطاب في مواهب الجليل: «سئل السيوري ... عمن يتعدى عليه الأعراب، فيسجنونه، فيبيع هو، أو وكيله، أو من يحتسب له ريعًا، لفدائه، هل يجوز شراؤه، أم لا ..... فأجاب: بيع المضطر لفدائه جائز، ماض، باع هو، أو وكيله بأمره، وكذا أخذه معاملة، أو سلفًا، ومن فعل ذلك معه أجر على قدر نيته في الدنيا والآخرة» (١).
وقال الخطابي: «بيع المضطر يكون على وجهين:
أحدهما: أن يضطر إلى العقد عن طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد.
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مئونة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة» (٢).
وهذان الوجهان اللذان ذكرهما الخطابي، سبق لنا خلاف العلماء في حكم البيع فيهما.
سواء ما كان فيه الإكراه على البيع.
أو كان الإكراه على سبب البيع، كما لو طلب شخص ظالم من آخر مالًا، فاضطره إلى بيع ماله، ليدفع له، لئلا يناله أذى، أو يمنع من حق من حقوقه.
стр. 1980
فقيل في هذه الصورة: البيع لازم، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (٣).
وقيل: البيع غير لازم، وهو قول في مذهب المالكية.
فقوله: غير لازم، يعني أنه صحيح، وللمكره الخيار إن شاء أمضاه، وإن شاء رده (٤).
وقيل: لا يصح، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: يصح البيع، ويكره الشراء منه، وهو مذهب الحنابلة (٧).
وسبق لنا ذكر أدلة كل قول في الركن الثاني من أركان البيع، فأغنى عن إعادته هنا.
стр. 1981
الفرع الرابع
في النهي عن الغش في البيوع
المسألة الأولى
تعريف الغش
من الأمور التي نهي عنها المسلم في المعاملات دفعًا للضرر عن أخيه المسلم الغش في البيوع، لما فيه من أكل أموال الناس بغير حق، وسوف أقوم بتعريف الغش، وبيان حكمه التكليفي وحكمه الوضعي إن شاء الله تعالى.
تعريف الغش في الاصطلاح (١):
عرفه بعض الفقهاء بقولهم: «اشتمال المبيع على وصفِ نقصٍ، لو علم به المشتري لامتنع عن شرائه» (٢).
وعرفه بعض الباحثين بقوله: «إظهار أحد المتعاقدين أو غيره العقد بخلاف الواقع بوسيلة قولية، أو فعلية، وكتمان وصف غير مرغوب فيه، لو علم به أحد المتعاقدين لامتنع من التعاقد عليه» (٣).
стр. 1982
فقوله: (إظهار أحد المتعاقدين) معنى ذلك أن يبين ويظهر الغش، ويخدع به أحد المتعاقدين، وذلك يكون من البائع عن طريق التدليس، والكتمان. ويكون أيضًا من المشتري كأن يعيب السلعة، ويزري بها كي يزهد البائع بها، فيبيعها ببخس.
وقوله (أو غيره) أي غير المتعاقدين، فالغش قد يحصل من غير المتعاقدين، كما في النجش: بأن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وكما يحدث من بعض السماسرة، وأصحاب الوكالات في الدعايات الإعلانية الذين يرغبون الناس في السلع بطرق عديدة مع الكذب والتزوير.
وقوله (العقد) ليدخل في ذلك المعاوضات المالية، وغير المالية كعقد النكاح ونحوه.
وقوله (بوسيلة قولية، أو فعلية) أن الغش يكون بالقول كما يكون بالفعل، فالغش بالقول كأن يمدح السلعة بما ليس فيها، أو يدعي أنه أعطي فيها كذا وكذا كذبًا.
والغش بالفعل كما في التصرية والتدليس.
وقوله: (وكتمان وصف غير مرغوب فيه) مثل إخفاء العيوب، والنقص في السلعة.
وقوله: (لامتنع من التعاقد عليه) يعني لولا وجود الغش في العقد بأنواعه من غش قولي، أو فعلي، أو كتمان وصف غير مرغوب فيه، لما أقدم المتعاقدان على التعاقد عليه (١).
* * *
стр. 1983
المسألة الثانية
الحكم التكليفي للغش
قال الكاساني: قليل الغش مما لا يمكن التحرز عنه (١).
[م-٣٧٤] حرم الله جميع أنواع الغش والخداع في التجارة، وهو أمر مجمع عليه، حكى فيه الإجماع غير واحد من أهل العلم.
قال العدوي: «لا أعلم خلافًا في تحريم الغش، والخديعة وما ذكر معهما؛ لأن هذه أمور ممنوعة في الشرع؛ لأنها ضرب من المكر، والحيل على الناس، والتوصل إلى أخذ أموالهم بغير حق» (٢).
وقال النووي: «والأحاديث في تحريم الغش، ووجوب النصيحة كثيرة جدًا، وحكمها معلوم من الشريعة ... » (٣).
كما حكى الإجماع كل من الشوكاني (٤)، والصنعاني (٥).
ومستند هذا الإجماع آيات قرآنية، وأحاديث شريفة صحيحة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١،٢، ٣].
قال الشنقيطي ﵀: «كل من غش في سلعة، أو دلس، أو زاد في عدد، أو
стр. 1984
نقص، أو زاد في ذرع، أو نقص، فهو مطفف في الكيل، داخل تحت الوعيد بالويل» (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
فالآية نص في تحريم أخذ المال بغير حق شرعي، ومنه أكل مال الغير عن طريق الغش، فمن غش فقد أخذ جزءًا من المال بغير حقه بقدر غشه، وذلك أن الغاش يأخذ قيمة السلعة سالمة من الغش، وهو خلاف الواقع.
فقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾ [البقرة:١٨٨] أي لا يأكل بعضكم مال بعض.
﴿بِالْبَاطِلِ﴾ أي بأي وجه من وجوه التعدي مما لم يبحه الله، ولم يشرعه، ومنه الغش، والخداع، والتغرير.
وأصل الباطل: الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغش، والخداع، والتدليس، وقد يكون بطريق الغصب، والنهب، وقد يكون بطريق اللهو، كالقمار، وقد يكون بطريق الرشوة، والخيانة (٢).
قال ابن العربي: هذه الآية من قواعد المعاملات، وأساس المعاوضات، ينبنى عليها (٣).
ومن الآيات الدالة على تحريم الغش قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود:٨٥].
стр. 1985
فقوله: ولا تبخسوا الناس أشياءهم معنى ذلك: لا تنقصوا الناس حقوقهم التي يجب عليكم أن توفوها كيلًا، أو وزنًا، أو غير ذلك (١).
وقال ابن العربي: «البخس في لسان العرب: هو النقص بالتعييب والتزهيد أو المخادعة عن القيمة أو الاحتيال في التزيد في الكيل أو النقصان منه» (٢).
وأما تحريم الغش من السنة ،
(ح-٣١٧) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا (٣).
(ح-٣١٨) وروى مسلم أيضًا من طريق العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام. قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني (٤).
(ح-٣١٩) وروى البخاري من طريق هشام، عن الحسن، قال: أتينا معقل ابن يسار نعوده، فدخل علينا عبيد الله،
فقال له معقل: أحدثك حديثًا من رسول الله ﷺ فقال: ما من والٍ على رعية من المسلمين، فيموت، وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة (٥).
قال ابن بطال: «هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من
стр. 1986
استرعاه الله، أو خانهم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة .. » (١).
(ح-٣٢٠) وروى البخاري من طريق صالح أبي الخليل، عن عبد الله ابن الحارث،
عن حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدقا، وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا، وكتما محقت بركة بيعهما (٢).
ولأجل منع الغش، وقطع أسبابه حرم الإسلام على المسلمين، النجش وتلقي الركبان، وتصرية بهيمة الأنعام.
فقد سبق لنا تحريم النجش، وثبت النهي عنه في أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما، وأجمع العلماء على تحريم النجش، وإنما حرم لما فيه من الغش والخداع.
قال ابن الجلاب: «ولا يجوز النجش في البيوع ... ولا ينبغي أن يقر الغش في شيء من أسواق المسلمين بوجه من الوجوه، ولا يسمح فيه لأحد» (٣).
وقال ابن عبد البر ﵀: النجش «مكر وخداع، لا يجوز عند أحد من أهل العلم، لنهي الرسول ﷺ عن النجش، وقوله: لا تناجشوا. وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالمًا» (٤).
стр. 1987
وقد سبق بحث أحكام النجش على وجه التفصيل في بحوث سابقة من هذا الباب.
كما سبق لنا تحريم تلقي الركبان، وثبت النهي عنه في أحاديث في الصحيحين، قال النووي: «قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه».
وقد بحثنا أحكام تلقي الركبان على وجه التفصيل في بحوث سابقة من هذا الباب، فأغنى عن إعادته هنا.
كما جاء النهي عن التدليس في البيع، لأنه نوع من الغش، والأصل في النهي عنه حديث أبي هريرة في التصرية:
(ح-٣٢١) فقد روى البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج،
قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١).
والتدليس حرام بالإجماع.
قال في إحكام الأحكام: «لا خلاف أن التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه، مع علم تحريم الخديعة قطعًا» (٢).
وقال النووي: «من ملك عينًا، وعلم بها عيبًا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها وهذا الحكم متفق عليه .... لا خلاف فيه بين العلماء، قال الشافعي ﵀
стр. 1988
في آخر باب الخراج بالضمان من المختصر: وحرام التدليس، وكذلك جميع الأصحاب» (١).
وقال ابن هبيرة: «واتفقوا على أنه لا يجوز تصرية الإبل والبقر والغنم للبيع تدليسًا على المشتري» (٢).
وقال في كشاف القناع: «ويحرم التدليس لحديث من غشنا فليس منا» (٣).
وقال في حواشي الشرواني: «وينبغي أن يكون كبيرة، لقوله ﷺ : من غشنا فليس منا (٤).
ومن أجل تحريم الغش والخداع حرم الإسلام الغبن الفاحش.
قال ابن العربي: «الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدنيا؛ إذ هو من باب الخداع المحرم شرعًا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد، فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدًا؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرًا أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به» (٥).
قال ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته» (٦).
ومفهومه: أنه إن كان فاحشًا فإنه يؤثر في صحته.
стр. 1989
وسبق لنا خلاف العلماء في تقدير الغبن الفاحش، وحكم البيع الذي وقع فيه غبن فاحش، وهل يرد به البيع أم لا. فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 1990
المسألة الثالثة
الحكم الوضعي للبيع الذي وقع فيه غش
قال أبو بكر بن العربي: متى كان المنع لحق الله تعبدًا فسخ البيع إجماعًا، ومتى كان لحق الآدمي كالعيب والغش فله الخيار، ومتى كان لحق الله ولحق الآدمي فعند كافة العلماء أنه يفسخ (١).
[م-٣٧٥] تكلمنا في الفصل السابق عن الحكم التكليفي للغش، وبينا أن العلماء مجمعون على تحريمه، ونعرض في هذا الفصل الحكم الوضعي لهذا البيع.
والغش إن كان عن طريق تلقي الركبان، أو النجش، أو التصرية، أو الغبن الفاحش فقد سبق بحث الحكم الوضعي لهذه المسائل، فأغنى عن إعادته هنا.
وإن كان الغش عن طريق خلط المبيع بغيره، فإن كان المشتري يعلم قدر الغش الذي فيه، ويدخل في البيع على بينة، فهذا بيعه جائز، لأن المبيع وإن كان مغشوشًا، إلا أن البائع لم يتعرض للغش فيه، لكونه علم مقدار ذلك.
وإن كان المغشوش لا يعلم مقداره، كاللبن إذا خلط بالماء مثلًا، فهذا لا يجوز بيعه، حتى ولو علم بذلك المشتري؛ لأن المشتري لا يعلم مقدار الخلط، فيبقى المبيع مجهولًا، وهو غرر.
قال ابن تيمية: «بيع المغشوش الذي يعرف قدر غشه: إذا عرف المشتري بذلك، ولم يدلسه على غيره جائز، كالمعاملة بدراهمنا المغشوشة.
стр. 1991
وأما إذا كان قدره مجهولًا، كاللبن الذي يخلط بالماء ولا يقدر قدر الماء، فهذا منهي عنه وإن علم المشتري أنه مغشوش ... » (١).
قال ابن تيمية: «ومن باع مغشوشا لم يحرم عليه من الثمن إلا مقدار ثمن الغش فعليه أن يعطيه لصاحبه، أو يتصدق به عنه إن تعذر رده. مثل من يبيع معيبًا مغشوشًا بعشرة وقيمته لو كان سالمًا عشرة وبالعيب قيمته ثمانية فعليه إن عرف المشتري أن يدفع إليه الدرهمين إن اختار، وإلا رد إليه المبيع وإن لم يعرفه تصدق عنه بالدرهمين والله أعلم» (٢).
[م -٣٧٦] وأما إذا كان المبيع معيبًا، وكتمه البائع، ولم يطلع عليه المشتري، فقد اختلف العلماء في صحة هذا البيع،
فقيل: البيع صحيح، والعقد لازم من جهة البائع، وغير لازم من جهة المشتري. وهذا مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وقيل: البيع باطل، وهذا قول الظاهرية (٧)، واختاره بعض الحنابلة (٨).
стр. 1992
دليل من قال بصحة بيع المعيب، وللمشتري الخيار .
(ح-٣٢٢) ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج،
قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١).
قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: «وهو أصل في النهي عن الغش، والدلسة بالعيوب، وأصل أيضًا في الرد بالعيب لمن وجد فيما يشتريه من السلع، وفيه دليل على أن بيع المعيب بيع يقع صحيحًا، بدليل التخيير فيه؛ لأنه إن رضي المبتاع بالعيب جاز ذلك، ولو كان بيع المعيب فاسدًا، أو حرامًا لم يصح الرضا به، وهذا أصل مجتمع عليه» (٢).
الدليل الثاني:
الأصل في المبيع السلامة من العيب، وكون العقد مطلقًا، لم يذكر فيه وجود العيب دليل على أن مقتضى العقد سلامته من العيب، فكأن العاقدين نصا على اشترط سلامة المبيع من العيب، فلما لم يسلم المبيع من العيب كان ذلك إخلالًا بهذا الشرط، والمتضرر من ذلك هو المشتري وحده، فجعل الخيار له.
يقول الكاساني: «السلامة - يعني من العيب - شرط في العقد دلالة، فما لم يسلم المبيع لا يلزم البيع فلا يلزم حكمه والدليل على أن السلامة مشروطة في العقد دلالة: أن السلامة في البيع مطلوبة من المشتري عادة; لأن غرضه الانتفاع بالمبيع ولا يتكامل انتفاعه إلا بقيد السلامة ولأنه لم يدفع جميع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة
стр. 1993
فكانت كالمشروطة نصًا فإذا فاتت المساواة كان له الخيار كما إذا اشترى جارية على أنها بكر، أو على أنها طباخة فلم يجدها كذلك وكذا السلامة من مقتضيات العقد أيضًا; لأنه عقد معاوضة والمعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة وتحقيق المساواة في مقابلة البدل بالمبدل والسلامة بالسلامة فكان إطلاق العقد مقتضيًا للسلامة فإذا لم يسلم المبيع للمشتري يثبت له الخيار; لأن المشتري يطالبه بتسليم قدر الفائت بالعيب بحكم العقد وهو عاجز عن تسليمه فيثبت الخيار» (١).
دليل من قال: البيع باطل:
كتمان العيب منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقد قال ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
ومعنى رد: أي مردود، وإنفاذ البيع تصحيح لما نهى عنه الشارع، فلا يجوز.
ويناقش:
بأن صحة البيع ترجع إلى أمرين:
الأول: أن فوات السلامة من العيب حق للمشتري، وإثبات هذا الحق له إنما يكون بجعل الخيار له وحده دون البائع، فإذا رضي بالعيب فقد تنازل عن حق هو يملكه، فلم نحرمه من الصفقة مع رضاه بالعيب.
الثاني: أن البيع من حيث هو ليس منهيًا عنه، وإنما المنهي عنه هو كتمان العيب، والكتمان معنى متعلق بالبائع، لا بالبيع، ومن كان حكمه كذلك فإنه لا يمنع صحة البيع، كالبيع على بيع أخيه، وتلقي الجلب والشراء منهم، والنجش
стр. 1994
في البيع، وبيع المصراة، إلا أن وجود العيب يمنع من رضا المشتري، فإعطاؤه الخيار جابر للخلل الحاصل من وجود العيب.
يقول الكاساني: «السلامة لما كانت مرغوبة من المشتري ولم تحصل فقد اختل رضاه وهذا يوجب الخيار; لأن الرضا شرط صحة البيع، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩] فانعدام الرضا يمنع صحة البيع واختلاله يوجب الخيار فيه إثباتًا للحكم على قدر الدليل» (١).
وإذا أراد المشتري إمساك المبيع، فهل له أن يأخذ أرش النقص، هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، سنأتي عليها إن شاء الله تعالى بحوله وقوته عند الكلام على خيار العيب، إنما الكلام في هذا المبحث حول الحكم التكليفي والوضعي للبيع إذا تعرض المشتري للغش.
* * *
стр. 1995
الفرع الخامس
في النهي عن بيع المخدرات
المسألة الأولى
تعريف المخدرات
من الأمور التي نهي عن بيعها دفعًا للضرر، بيع المخدرات، ويلحق بها كل ما من شأنه أن يضر بدن المسلم كالدخان.
تعريف المخدرات:
المخدرات في اصطلاح الفقهاء (١):
أطلق بعض الفقهاء على اسم المخدر اسم (المفسد)
وعرف القرافي المخدر بقوله: «هو المشوش للعقل، مع عدم السرور الغالب، كالبنج» (٢).
стр. 1996
فيجتمع المسكر والمخدر بأن كلا منها يغيب العقل دون الحواس، ويفترقان: بأن المسكر يكون معه نشوة، وفرح، وزيادة في الشجاعة، وقوة في النفس، والميل إلى البطش، والانتقام من الأعداء، بخلاف المخدر، فإنه ليس معه نشوة، ولا طرب.
وعرفت الموسوعة الكويتية المخدر بأنه ما غيب العقل دون الحواس بلا نشوة، وطرب، كالحشيشة (١).
وأنواع المخدرات كثيرة، يذكر منها الأفيون (٢)، والحشيش (٣)، والهروين (٤)،
стр. 1997
والقات (١)،
والمورفين (٢)، وغيرها.
وهذه أمثلة، ولا يراد منها حصر جميع الأمور المخدرة، فإن الضابط فيها ما غيب العقل دون الحواس، بلا نشوة ولا طرب، وذلك أن المجتمعات تحدث من الأمور المخدرة بين حين وآخر أسماء لم تكن معروفة من قبل حسب فقرها وغناها.
* * *
стр. 1998
المسألة الثانية
حكم بيع المخدرات
سبق لنا في كتابي موسوعة الطهارة خلاف العلماء في طهارة المخدارت، ومنها الحشيشة، وقد رجحت أنها طاهرة مطلقًا، سواء كانت صلبة، أو سائلة.
[م-٣٧٧] وأما حكم بيعها، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يجوز بيعها على من يشتريها لغير الأكل والشرب، وهو رأي أبي حنيفة (١)، ومذهب المالكية (٢).
стр. 1999
وأجاز الشافعية بيع الأفيون (١).
واستثنى ابن نجيم من الحنفية الحشيشة، وذلك لقيام المعصية بذاتها.
وقيل: لا يجوز بيعها مطلقًا.
وهو رأي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وأبي إسحاق الشيرازي، والزركشي من الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤)،
واختيار
стр. 2000
ابن تيمية (١).
وسبب اختلافهم في بيعها راجع لاختلافهم في مسألتين:
الأولى: اختلافهم في طهارتها، فمن رأى طهارتها، وجواز أكل القليل منها مما لا يذهب العقل ولا يحدث ضررًا بالبدن، أو رأى الانتفاع بها في غير الأكل أجاز بيعها.
ومن ذهب إلى نجاستها كالحنابلة، ومنهم ابن تيمية، حرم بيعها، وحرم التداوي بها، وحرم أكل القليل منها مما لا يسكر.
المسألة الثانية: اختلافهم في المخدرات هل هي مسكرة، فيحرم القليل منها، ولو لم تذهب العقل، أو أنها غير مسكرة.
فمنهم من رأى أنها مسكرة كابن تيمية.
ومنهم من لم ير أنها مسكرة، وإن أذهبت العقل دون الحواس؛ لأن المسكر يحدث نوعًا من النشوة والطرب بخلاف المخدر فإن متناولها لا يحدث معه شيء من ذلك.
ولذلك ذكر القرافي أن هناك ثلاثة فروق بين المخدر، والمسكر، فتنفرد المسكرات عن المخدرات بثلاثة أحكام: الحد، والنجاسة، وتحريم اليسير، بخلاف المخدر، فلا حد فيه، وإنما فيه التعزير، وهو طاهر العين، ولا يحرم