فيجتمع المسكر والمخدر بأن كلا منها يغيب العقل دون الحواس، ويفترقان: بأن المسكر يكون معه نشوة، وفرح، وزيادة في الشجاعة، وقوة في النفس، والميل إلى البطش، والانتقام من الأعداء، بخلاف المخدر، فإنه ليس معه نشوة، ولا طرب.
وعرفت الموسوعة الكويتية المخدر بأنه ما غيب العقل دون الحواس بلا نشوة، وطرب، كالحشيشة (١).
وأنواع المخدرات كثيرة، يذكر منها الأفيون (٢)، والحشيش (٣)، والهروين (٤)،
стр. 1997
والقات (١)،
والمورفين (٢)، وغيرها.
وهذه أمثلة، ولا يراد منها حصر جميع الأمور المخدرة، فإن الضابط فيها ما غيب العقل دون الحواس، بلا نشوة ولا طرب، وذلك أن المجتمعات تحدث من الأمور المخدرة بين حين وآخر أسماء لم تكن معروفة من قبل حسب فقرها وغناها.
* * *
стр. 1998
المسألة الثانية
حكم بيع المخدرات
سبق لنا في كتابي موسوعة الطهارة خلاف العلماء في طهارة المخدارت، ومنها الحشيشة، وقد رجحت أنها طاهرة مطلقًا، سواء كانت صلبة، أو سائلة.
[م-٣٧٧] وأما حكم بيعها، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يجوز بيعها على من يشتريها لغير الأكل والشرب، وهو رأي أبي حنيفة (١)، ومذهب المالكية (٢).
стр. 1999
وأجاز الشافعية بيع الأفيون (١).
واستثنى ابن نجيم من الحنفية الحشيشة، وذلك لقيام المعصية بذاتها.
وقيل: لا يجوز بيعها مطلقًا.
وهو رأي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وأبي إسحاق الشيرازي، والزركشي من الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤)،
واختيار
стр. 2000
ابن تيمية (١).
وسبب اختلافهم في بيعها راجع لاختلافهم في مسألتين:
الأولى: اختلافهم في طهارتها، فمن رأى طهارتها، وجواز أكل القليل منها مما لا يذهب العقل ولا يحدث ضررًا بالبدن، أو رأى الانتفاع بها في غير الأكل أجاز بيعها.
ومن ذهب إلى نجاستها كالحنابلة، ومنهم ابن تيمية، حرم بيعها، وحرم التداوي بها، وحرم أكل القليل منها مما لا يسكر.
المسألة الثانية: اختلافهم في المخدرات هل هي مسكرة، فيحرم القليل منها، ولو لم تذهب العقل، أو أنها غير مسكرة.
فمنهم من رأى أنها مسكرة كابن تيمية.
ومنهم من لم ير أنها مسكرة، وإن أذهبت العقل دون الحواس؛ لأن المسكر يحدث نوعًا من النشوة والطرب بخلاف المخدر فإن متناولها لا يحدث معه شيء من ذلك.
ولذلك ذكر القرافي أن هناك ثلاثة فروق بين المخدر، والمسكر، فتنفرد المسكرات عن المخدرات بثلاثة أحكام: الحد، والنجاسة، وتحريم اليسير، بخلاف المخدر، فلا حد فيه، وإنما فيه التعزير، وهو طاهر العين، ولا يحرم
стр. 2001
اليسير منه.
ولعل اختلافهم كان في السابق قبل أن يكشف العلم أنها تسبب الإدمان، وأنها أخطر بكثير من المسكرات، وأنها خراب للعقول، والأبدان، والبيوت، ولو اطلع الفقهاء المتقدمون على خطورتها لجزموا بتحريمها مطلقًا، ولا يؤخذ من طهارتها جواز بيعها، فهناك أمور كثيرة محرمة، وهي طاهرة العين، والله أعلم.
* * *
стр. 2002
الفرع السادس
أن يكون العقد مشروعًا والباعث عليه غير مشروع
[م-٣٧٨] من البيوع التي منعها بعض الفقهاء دفعًا للضرر بيع العنب لمن يعصره خمرًا، ومثله بيع السلاح في زمن الفتنة، ومثله كل بيع يكون في نفسه مشروعًا، والباعث على البيع غير مشروع، فالعنب بيعه مشروع، ولكن الباعث على الشراء غير مشروع، وهو عصره ليتخذ خمرًا، وكذلك بيع السلاح مشروع، ولكن الباعث عليه وهو الظلم، والقتل غير مشروع، ومثل استئجار البيت مشروع، ولكن استئجاره، ليباع فيه الخمر، أو يتخذ محلًا للدعارة غير مشروع، فهل يحرم البيع نظرًا لأن الباعث على هذا الفعل غير مشروع، أو لا يحرم باعتبار أن البيع أصله مباح، والباعث نية في قلب العاقد، لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه.
ولتحرير الخلاف في هذه المسألة نذكر محل الاتفاق، ثم نذكر محل الخلاف:
إذا كانت صيغة العقد (الإيجاب والقبول) قد تضمنت النص الصريح على ذكر الباعث على هذا العقد، وكان الباعث غير مشروع فالبيع لا يجوز.
فإذا قال: بع عليَّ عصيرًا، لأتخذه خمرًا، أو قال: بع علي سلاحًا، لأقتل به معصومًا، أو قال: بعني بيتك، لأتخذه مكانًا لبيع الخمور، أو لأقيم عليه كنيسة، أو بع علي خشبتك، لأعمل منها صليبًا، أو بع علي هذا البيض، للعب القمار، أو غير ذلك من الأمور غير المشروعة، فالبيع، والإجارة في مثل هذه الحالة لا يصحان قولًا واحدًا؛ لأن البيع لو صح في مثل هذه الحالة، لكان ذلك
стр. 2003
مضافًا إلى الشارع من حيث إنه شرع عقدًا موجبًا للمعصية، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (١).
стр. 2004
ولأن تمكين العاقد من فعله المحرم إعانة له على ذلك الباطل، والإعانة على الحرام تجعله شريكًا له في الفعل.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
الحالة الثانية: إذا لم يذكر الباعث على العقد في صيغة العقد، ولكن علم البائع، أو غلب على ظنه من القرائن، وظروف الحال، أن المشتري يريد بالعنب عصره خمرًا، كما لو كان المشتري للعنب شخصًا يتجر بالخمور، فهل يصح البيع والحالة هذه.
هذه المسألة إن كان الأمر من قبيل الشك، والاحتمال فلا يحرم البيع.
قال ابن قدامة: «إنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فأما إذا كان الأمر محتملًا، مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخل والخمر معًا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز» (١).
وإن كان البائع علم قصد المشتري إما بقرائن خاصة، أو بأخبار صحيحة، أو غلبة ظن (٢)، ففي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء:
стр. 2005
فقيل: البيع باطل، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: البيع صحيح، وهل يحرم البيع مع الصحة، قيل: إن تحقق أنه يشتري المباح لفعل المعصية حرم على الصحيح، وإلا كره، وهذا مذهب الشافعية (٣)،
وهو قول الحسن، وعطاء، والثوري (٤).
стр. 2006
وقيل: يصح بيع العنب لمن يعصره خمرًا، ولا يصح بيع السلاح على أهل الفتنة، وهذا مذهب الحنفية (١).
دليل من قال: لا يصح البيع:
الدليل الأول:
(ح-٣٢٣) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كانت الأعمال بالنيات، فهذا إنما كانت نيته من العقد عملًا محرمًا، فحرم عليه العقد.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك، وأمك حتى تأتيك هديتك - إن كنت صادقًا- ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أستعمل
стр. 2007
الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه، يقول: اللهم هل بلغت. بصر عيني وسمع أذني. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم ينظر إلى لفظ المعطي، وإنما نظر إلى قصده ونيته، فلما كان الحال يدل على أن المعطي إنما أعطى نظرًا لولاية المعطى؛ لينتفعوا منه تخفيفًا عنهم، أو تقديمًا لهم على غيرهم، أو لغيرها من الأسباب لم يعتبر ذلك هدية، وكان هذا الحديث أصلًا في اعتبار المقاصد، ودلالات الحال في العقود (٢).
الدليل الثالث:
المقاصد والنيات معتبرة في التحليل والتحريم، مقدمة على ظواهر الألفاظ، فإذا كانت قصده من هذا العقد محرمًا حرم عليه العقد، وإن كان ظاهر العقد السلامة والصحة.
يقول ابن القيم في ذلك: «هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود، وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها، أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها، ومراعاة جانبها.
стр. 2008
وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة وأنها تؤثر في صحة العقد، وفساده، وفي حله وحرمته بل أبلغ من ذلك وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلًا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة، وحرامًا تارة، باختلاف النية، والقصد كما يصير صحيحًا تارة، وفاسدًا تارة باختلافها وهذا كالذبح فإن الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل، ويحرم إذا ذبح لغير الله وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم، فيحرم عليه ويصيده للحلال، فلا يحرم على المحرم وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله، فتحرم على المشتري، وينوي أنها له فتحل له وصورة العقد واحدة وإنما اختلفت النية والقصد وكذلك صورة القرض، وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل، صورتهما واحدة وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرًا معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ ، وعصره بنية أن يكون خلًا، أو دبسًا جائز، وصورة الفعل واحدة وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله، فهو طاعة، وقربة وكذلك عقد النذر المعلق على شرط، ينوي به التقرب، والطاعة، فيلزمه الوفاء بما نذره، وينوي به الحلف، والامتناع فيكون يمينًا مكفرة وكذلك تعليق الكفر بالشرط ينوي به اليمين والامتناع فلا يكفر بذلك، وينوي به وقوع الشرط فيكفر عند وجود الشرط [ولا يكفر إن نوى به اليمين] وصورة اللفظ واحدة وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها، وكنايتها ينوي بها الطلاق، فيكون ما نواه، وينوي به غيره فلا تطلق وكذلك قوله: (أنت عندي مثل أمي) ينوي بها الظهار، فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة، فلا تحرم عليه وكذلك من أدى عن غيره واجبا ينوي به الرجوع ملكه، وإن نوى به
стр. 2009
التبرع لم يرجع.
وهذا كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود، فهي أحكامه تعالى في العبادات، والمثوبات، والعقوبات; فقد اطردت سنته بذلك في شرعه، وقدره أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره; فإن القربات كلها مبناها على النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية، والقصد ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى ولو أمسك عن المفطرات عادةً واشتغالًا، ولم ينو القربة لم يكن صائمًا ولو دار حول البيت يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا ولو أعطى الفقير هبة، أو هدية، ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له. وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب; ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته، أو أمته لم يأثم بذلك، وقد يثاب بنيته ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية، فبانت زوجته، أو أمته أثم على ذلك بقصده، ونيته للحرام ولو أكل طعاما حرامًا يظنه حلالًا لم يأثم به ولو أكله، وهو حلال يظنه حرامًا، وقد أقدم عليه أثم بنيته ... » (١).
وجاء في القواعد لابن رجب: «تعتبر الأسباب في عقود التمليكات، كما تعتبر في الأيمان، ويتخرج على هذا مسائل متعددة .... » ذكر منها:
هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك، فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها فلها الرجوع فيها، نص عليه أحمد في رواية عبد الله ....
ومنها ما نص عليه أحمد في رواية ابن ماهان فيمن اشترى لحمًا، ثم استزاده
стр. 2010
البائع، فزاده، ثم رد اللحم بعيب، فالزيادة لصاحب اللحم؛ لأنها أخذت بسبب اللحم، فجعلها تابعة للعقد في الرد؛ لأنها مأخوذة بسببه، وإن كانت غير لاحقة به» (١).
الدليل الرابع:
إذا كان الغرض من العقد محرمًا كان العقد محرمًا من باب سد الذريعة، فتحريم الذرائع في الإسلام أمر معلوم، فما كان ذريعة إلى الحرام أخذ حكم الحرام، وإن كان في أصله مباحًا.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤].
يقول ابن كثير: «نهى الله عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص عليهم لعائن الله، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولوا: راعنا، يورون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦] (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
فلما كان سب الأصنام يؤدي إلى سب الله نهى الله عن سب الأصنام؛ سدًا لذريعة.
стр. 2011
دليل من قال بصحة البيع:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
فبيع العنب أو السلاح قد تم بأركانه وشروطه، وما كان كذلك فهو عقد صحيح.
الدليل الثاني:
استدل الشافعي بقوله: «أصل ما أذهب إليه: أن كل عقد كان صحيحًا في الظاهر لم أبطله بتهمة، ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحة الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النية لو أظهرت كانت تفسد البيع وكما أكره للرجل أن يشتري السيف على أن يقتل به، ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يراه أنه يقتل به ظلمًا; لأنه قد لا يقتل به، ولا أفسد عليه هذا البيع وكما أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه أنه يعصره خمرًا، ولا أفسد البيع إذا باعه إياه; لأنه باعه حلالًا وقد يمكن أن لا يجعله خمرًا أبدًا وفي صاحب السيف، أن لا يقتل به أحدا أبدًا» (١).
وهذا القول من الشافعي ﵀ مطرد مع أصل مذهبه من تقديم ظاهر اللفظ على النية في العقود.
قال النووي: «الاعتبار عندنا بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان» (٢).
وقد سبق في أدلة القول الأول الاستدلال بأن النية لها تأثير في الصحة والبطلان، والحل والحرمة، فأغنى عن إعادته.
стр. 2012
وجه تفريق الحنفية بين العنب والسلاح:
أن العنب لا تقوم المعصية بعينه، بل بعد تغيره، فجاز بيعه، وأما السلاح في الفتنة فتقوم المعصية بعين السلاح، فمنع من بيعه، ولذلك لو اشترى حديدًا ليصنع منه سلاحًا، لجاز بيعه، ولم يكن هناك فرق بين العنب والحديد.
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن مذهب المالكية والحنابلة أقوى من حيث الدليل، لكنه لا يدل إلا على تحريم العقد إذا كان الباعث على العقد والقصد منه محرمًا، وأما بطلان العقد فلا يصار إليه إلا بحكم قضائي، بعد أن يتعذر إلزام المشتري من استغلال ما اشتراه بوجه حلال، والكف عن استعماله بوجه حرام، ويكون منع البائع للمشتري من استغلاله استغلالًا محرمًا على وجه الحسبة، لا عن طريق بطلان العقد، لأننا لا نستطيع لمجرد الباعث، وهو نية في قلبه على بطلان العقود التي ظاهرها الصحة، ولأن إثبات أن قصده من العقد كان محرمًا لمجرد أن استعمل البائع المبيع على وجه حرام ليس كافيًا، فقد يكون الباعث حين العقد مشروعًا، فيطرأ على المشتري ما يحمله على استعماله بوجه حرام، فقد يشتري السلاح للصيد، أو للجهاد، وتكون نيته تلك بقلبه، ثم يحدث ما يجعله يستعمل سلاحه في أمر محظور، وقد يكون الباعث على العقد أمرًا مشتركًا، فأراد به استعماله في الحلال، واستعماله في الحرام، كالمشتري لآنية مثلًا أراد أن يشرب بها المباح، والخمرة، فلا يبطل بهذه النية عقد البيع، فليس للبائع سلطة على المشتري ما دام أن العقد في شروطه، وأركانه، ومنها الصيغة قد توفرت فيها شروط العقد الصحيح.
* * *
стр. 2013
الفصل الرابع
في البيوع المنهي عن بيعها لعدم جواز تملكها
المبحث الأول
في الوقف
الفرع الأول
في حكم بيع الوقف
عرف ابن قدامة الوقف بقوله (١): «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة» (٢).
[م-٣٧٩] وقد اختلف العلماء في حكم بيع الوقف.
فقيل: إذا صدر الوقف من الواقف، وكان مستكملًا لشروط الوقف، ولم يعلقه على شيء، ولم يشترط استبداله بمثله، أو أفضل، لزم، وامتنع التصرف بالعين بأي تصرف يخل بالمقصود من الوقف، من بيع، أو غيره.
وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، ومذهب
стр. 2014
المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
قال ابن نجيم: «ألا يذكر مع الوقف اشتراط بيعه، فلو وقف بشرط أن يبيعها، ويصرف ثمنها إلى حاجته، لا يصح الوقف في المختار ....... وجوزه يوسف بن خالد السمتي إلحاقا للوقف بالعتق» (٤).
وقيل: الوقف غير لازم، فهو بمنزلة العارية، فله أن يرجع فيه أي وقت شاء، ويورث عنه إذا مات، وهو قول أبي حنيفة (٥).
دليل الجمهور على عدم جواز بيعه .
الدليل الأول:
(ح-٣٢٥) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر،
أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به. قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث .... » (٦).
стр. 2015
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يباع ولا يوهب، ولا يورث)، فالحديث دليل على أن الوقف لازم، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث.
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٦) ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١).
فالوقف إذا لم يرد به الدوام لم يكن صدقة جارية. قال في المبدع: «القصد بالوقف: الصدقة الدائمة، لقوله ﵇: أو صدقة جارية» (٢).
وقال في مغني المحتاج: «والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف كما قاله الرافعي، فإن غيره من الصدقات ليست جارية بل يملك المتصدق عليه أعيانها، ومنافعها ناجزًا» (٣).
الدليل الثالث:
الإجماع الفعلي للصحابة، فقد وقف أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابر، وغيرهم (٤)، فلم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه، أو تصرف فيه.
стр. 2016
قال الإمام أحمد: «إذا كان في الوقف شيء من ذكر البيع فليس بوقف صحيح، وذلك أن أوقاف أصحاب رسول الله ﷺ إنما هي بتة بتله (١)، والشرط فيها ألا تباع، ولا توهب، فإذا دخلها البيع لم يصح» (٢).
الدليل الرابع:
القياس على وقف المسجد، فإذا أوقف أرضه مسجدًا لزم بمجرد الوقف، بدون حكم حاكم، ولا إضافة لما بعد الموت، فيقاس على المساجد سائر الموقوفات، فتلزم بمجرد الوقف، ولا يجوز الرجوع فيها.
الدليل الخامس:
إذا كان الرجوع في الصدقة بعد إخراجها لا يجوز، لأن العطية لا يجوز الرجوع فيها بعد إخراجها من ملكه، فكذلك الوقف لا يجوز الرجوع فيه بعد أن تصدق به.
دليل أبي حنيفة على أن الوقف غير لازم:
(ث-٤٩) ما رواه الطحاوي من طريق مالك، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب.
أن عمر قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ ، أو نحو هذا لرددتها (٣).
[منقطع] (٤).
стр. 2017
وجه الاستدلال:
قال الطحاوي: «لما قال عمر ﵁ هذا دل على أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء، وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك، كما كره عبد الله بن عمر أن يرجع بعد موت رسول الله ﷺ عن الصوم الذي كان فارقه على أن يفعله، وقد كان له أن لا يصوم» (١).
وأجيب:
قال ابن حجر: «لا حجة فيما ذكره من وجهين:
أحدهما: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر.
ثانيهما: أنه يحتمل ما قدمته، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،
عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه جاء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله إن حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله تعالى ورسوله، فجاء أبواه، فقالا يا رسول الله كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ ، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعدهما.
قال الدارقطني: مرسل؛ لأن عبد الله بن زيد بن عبد ربه توفي في خلافة عثمان، ولم يدركه أبو بكر بن حزم (٣).
стр. 2018
وما قيل في أثر عمر يقال في أثر عبد الله بن زيد بن عبد ربه.
من وجهيه السابقين: الانقطاع.
والوجه الثاني: قال البيهقي: الحديث وارد في الصدقة المنقطعة، وكأنه تصدق به صدقة تطوع، وجعل مصرفها إلى اختيار رسول الله ﷺ ، فتصدق بها رسول الله ﷺ على أبويه (١).
وقد يقال: إن أبويه قد قالا لرسول الله ﷺ إن فيه قوام عيشنا، والمرء منهي عن أن يتصدق بقوام عيشه، خاصة إذا كان مسئولًا عن عائلة من أب، وولد.
الدليل الثالث:
(ح-٣٢٨) ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس ﵁، قال: لما نزلت ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، يقول الله ﵎ في كتابه، ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل العمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، قال: وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها، ويستظل بها، ويشرب من مائها، فهي إلى الله وإلى رسوله ﷺ أرجو بره، وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال
стр. 2019
رسول الله ﷺ : بخ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، وكان منهم أُبَي، وحسان، قال: وباع حسان حصته منه إلى معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة. فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم ... الحديث (١).
وأجاب عنه الحافظ، فقال:
«يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة، ولم يوقفها عليهم، إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها .... ويحتمل أن يقال: شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا الشرط بعض العلماء» (٢).
وإن كان الجواب الأول أقوى، لأنه لو كان لأبي طلحة شرط لنقل إلينا، واللفظ ليس فيه ما يدل على أن أبا طلحة وقف الحديقة، كل ما فيه أنه تصدق بها، وهذا يحتمل أنه تصدق بعينها، ويحتمل أنه حبس أصلها، وتصدق بثمرتها، فكان بيع حسان لنصيبه دليلًا على أنه لم يوقف الحديقة، وعلى التسليم بأنه وقف، فإن فعل حسان ﵁ فعل صحابي، وهو حجة ما لم يخالف، وقد أُنْكِر عليه، فقيل له كما في الحديث نفسه: (أتبيع صدقة أبي طلحة. فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر، بصاع من دراهم).
الدليل الرابع:
القياس على العارية، فإن الوقف تمليك منفعة الموقوف دون عينه، فلا يلزم كالعارية.
стр. 2020
ويجاب: بأن العارية لم يحبس أصلها، فهي تبرع بالمنفعة المؤقتة دون تحبيس العين بخلاف الوقف.
الراجح من الخلاف:
القول الراجح هو قول الجمهور القائل بلزوم الوقف، جاء في الفتح «قال القرطبي: رد الوقف مخالف للإجماع، فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمن رده ما قال أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره. يقصد القرطبي ما حكاه الطحاوي، ونقله الحافظ ابن حجر عنه أنه قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون، فحدث به ابن علية، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف، حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد» (١).
* * *
стр. 2021
الفرع الثاني
في بيع رباع مكة ودورها
من المعلوم أن مكة شرفها الله فتحت عنوة. قال في التاج والإكليل: «لا خلاف أن مكة افتتحت عنوة، وأنها لم تقسم» (١).
وإذا فتح المسلمون بلادًا كان الإمام مخيرًا بين أن يقسمها بين الغانمين كما فعل رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، وإما أن يوقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجًا مستمرًا، كما فعل عمر ﵁ حين فتح أرض الشام، ومصر، والعراق، وكان الذي حمل عمر ﵁ على وقفها أن ينتفع منها أجيال المسلمين.
(ح-٣٢٩) فقد روى البخاري في صحيحه، قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
وتختلف مكة وأرض الحرم بأنها أماكن عبادة، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
[م-٣٨٠] فهل يصح بيع أراضي مكة، وإجارتها، أو لا يصح.
اختلف العلماء في ذلك على ستة أقوال:
القول الأول:
يجوز بيع أراضيها، وإجارتها، بلا كراهة، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة (٢)،
стр. 2022
قال ابن رشد: وهو أشهر الروايات، والمعتمد الذي به الفتوى، وعليه جرى العمل من أئمة الفتوى والقضاة بمكة (١)، وهو مذهب الشافعية (٢).
القول الثاني:
لا يجوز البيع، ولا الإجارة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وهذان قولان متقابلان.
القول الثالث:
يجوز بيع بناء بيوت مكة، ولا يجوز بيع أراضيها. وهذا أحد القولين عن أبي حنفية (٥).
القول الرابع:
يجوز البيع دون الإجارة، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٦).
стр. 2023
القول الخامس:
يكره بيع دور مكة، وكراؤها، وهو مروي عن مالك، قال في الموازنة: فإن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز، وإن قصد البقعة فلا خير فيه.
قال الحطاب: وظاهره أن الكراهة على بابها: أي للتنزيه (١).
القول السادس:
يكره كراؤها في أيام الموسم خاصة، وهو قول لأبي حنيفة (٢)،
وقول في مذهب المالكية (٣).
стр. 2024
فخلاصة الأقوال:
منع البيع والكراء مطلقًا.
جواز البيع والكراء مطلقًا.
كراهة البيع والكراء مطلقًا.
منع بيع الأرض دون المباني.
جواز البيع دون الإجارة.
كراهة ذلك في أيام المواسم خاصة.
دليل من قال: يجوز البيع والإجارة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨].
وقال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة:٨].
стр. 2025
وجه الاستدلال:
أن الله أضاف الديار للمهاجرين، فدل على أنها ملكهم، كما أن الأموال أموالهم.
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن الإضافة قد تكون لليد، والسكنى، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٣].
فالمنازع يصح له أن يقول: الإضافة قد تصح لأدنى ملابسة، فهي إضافة اختصاص، لا إضافة ملك؛ لأن الله جعل الناس في الحرم سواء، العاكف فيه والباد (١).
ورد هذا الاعتراض:
قال النووي: «حقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولهذا لو قال: هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد، ولو قال: أردت به السكنى واليد لم يقبل» (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٠) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان.
عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غدًا. قال النبي ﷺ : وهل ترك لنا عقيل من منزل. ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن. قيل للزهري: ومن ورث أبا طالب، قال: ورثه عقيل وطالب .... زاد في مسلم: ولم يرثه جعفر ولا علي شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين (٣).
стр. 2026
وجه الاستدلال:
قال الشنقيطي: قوله: «وهل ترك لنا عقيل من رباع صريح في إمضائه ﷺ بيع عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه تلك الرباع، ولو كان بيعها وتملكها لا يصح لما أقره النبي ﷺ ؛ لأنه لا يقر على باطل بإجماع المسلمين .. » (١).
وفيه دليل من وجه آخر فإذا كان عقيل ورث أبا طالب، فإن الإرث دليل على التملك.
الدليل الثالث:
(ح-٣٣١) ما رواه مسلم من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة من حديث طويل في قصة الفتح، وفيه:
جاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ... الحديث (٢).
وجه الاستدلال:
أنه أضاف الدار إلى أبي سفيان، فهذا دليل على صحة تملكه، وما صح في التملك صح بيعه، وإجارته.
الدليل الرابع:
(ث-٥٠) ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال: اشترى نافع بن
стр. 2027
الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر إن رضي فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة (١).
[حسن] (٢).
стр. 2028
وجه الاستدلال:
إذا جاز بيع بيوت مكة جازت إجارتها؛ لأن الإجارة بيع منافع.
الدليل الخامس:
(ث-٥١) ما رواه البيهقي من طريق أبي عمرو بن السماك، ثنا حنبل ابن إسحاق بن حنبل، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، قال:
قال هشام بن عروة: وكان عبد الله بن الزبير يعتد بمكة ما لا يعتد بها أحد من الناس، أوصت له عائشة ﵂ بحجرتها، واشترى حجرة سودة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
دليل من قال: لا يجوز البيع ولا الإجارة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
стр. 2029
وجه الاستدلال:
والمراد بالمسجد جميع الحرم كله، لكثرة إطلاقه عليه في النصوص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].
وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء:١].
وفي الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦].
وليس المراد حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنما هو حضور الحرم والقرب منه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل:٩١] قالوا: والمحرم: لا يجوز بيعه.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد ابن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان،
عن علقمة بن نضلة، قال: كانت رباع مكة في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، وعمر تسمى السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (١).
[قال ابن حجر: علقمة بن نضلة تابعي صغير، مقبول، أخطأ من عده من الصحابة] (٢).
стр. 2030
وعليه فيكون مرسلًا، والمرسل ضعيف.
الدليل الثالث:
(ح-٣٣٣) ما رواه الدارقطني من طريق القاسم بن الحكم، نا أبو حنيفة، عن عبيد الله بن يزيد، عن أبي نجيح،
عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها، وأكل ثمنها، وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئًا فإنما يأكل نارًا.
[قال الدارقطني: هذا رواه أبو حنيفة مرفوعًا، ووهم أيضًا في قوله: عبيد الله بن أبي يزيد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف] (١).
стр. 2031
الدليل الرابع:
(ح-٣٣٤) ما رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : مكة مناخ، لا تباع رباعها، ولا تؤجر بيوتها (١).
[قال الدارقطني: إسماعيل بن مهاجر ضعيف، ولم يروه غيره] (٢).
стр. 2032
الدليل الخامس:
(ث-٥٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن عطاء، قال:
كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبوابًا حين ينزل الحج في عرصات الدور (١).
[عطاء لم يدرك عمر، والأثر ثابت عن عمر] (٢).
стр. 2033
دليل من قال: يكره البيع والكراء:
أدلة هذا القول هي عين أدلة القائلين بالمنع، إلا أنهم حملوا هذه الأحاديث على كراهية التنزيه، وليس على التحريم، جمعًا بينها وبين أدلة القائلين بالجواز.
دليل من قال: يمنع بيع الأراضي دون المباني:
هذا القول لما كان يرى أن الأرض موقوفة، رأى أنه لا يصح بيعها؛ لأنها لا تملك، وأما المباني فهي ملك لمن أقامها، وبناها، فيجوز بيعها وإجارتها.
دليل من قال: يجوز البيع دون الإجارة .
أدلة هذا القول قريبة من أدلة القول السابق:
فالأرض لا يجوز بيعها، ولا إجارتها لأنها أمكنة المشاعر، لا تملك، ولا تباع، ولا تورث.
والدور والمباني هي التي تملك وتباع وتورث، ويجوز بيعها؛ لأنها عين ماله.
وأما الإجارة فهي للأرض والمباني، فلا تجوز الإجارة، لأنه إنما جاز له البناء على الأرض لكونه محتاجًا إلى ذلك، فهو أحق من غيره؛ لأنه سبق إليه، وإجارته دليل على أنه استغنى عنها، وإذا استغنى عنها وجب بذلها لمن يحتاج إليها. هذا ملخص أدلة هذا القول تقريبًا.
قال ابن القيم: «الصواب .... أن الدور تملك وتوهب، وتورث، وتباع،
стр. 2034
ويكون نقل الملك في البناء، لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها، يسكنها، ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن، وغيرها من المنافع، والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحق بها، ما دام ينتفع فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض» (١).
وقال ابن تيمية: «المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر، التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
فالساكنون بها أحق بما احتاجوا إليه؛ لأنهم سبقوا إلى المباح كمن سبق إلى مسجد، أو طريق، أو سوق، وأما الفاضل فعليهم بذله؛ لأنه إنما لهم أن يبنوا بهذا الشرط، لكن العرصة مشتركة في الأصل ... » (٢)
وتعقب ابن تيمية ﵀:
بأن الآية في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] المقصود في الآية أمكنة المشاعر، فهذه التي لا شك أنها لا تملك، كعرفات، ومنى، ومزدلفة، ومثله المسجد الحرام، وأما الأرض التي ليست مشعرًا فيجوز بيعها وإجارتها.
стр. 2035
دليل من خص الكراهة بأيام الموسم من الحاج والمعتمر:
كرهوا ذلك لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
جاء في الدر المختار: «أكره إجارة بيوت مكة، في أيام الموسم، وكان يفتي لهم أن ينزلوا في دورهم، لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، ورخص فيها في غير أيام الموسم» (١).
الراجح:
عمل الناس اليوم، ومن قديم الزمان جواز بيع دور مكة وإجارتها، والإجماع العملي قوي جدًا؛ لأن مكة لها خصائص ليست لغيرها، من ذلك أنه لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، فليست تقاس مكة على شيء من البلاد، وهي بلد الله الحرام، فلا حجة لمن قاس مكة على خيبر، أو قاسها على ما فعل عمر بالسواد من أرض الشام، ومصر، فأرض مكة أصل لا يقاس عليها غيرها، ولا تقاس هي على غيرها من البلاد، والله أعلم.
* * *