стр. 2031
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 14474
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
دبيان الدبيان
Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2032
стр. 2033
دليل من قال: يكره البيع والكراء:
أدلة هذا القول هي عين أدلة القائلين بالمنع، إلا أنهم حملوا هذه الأحاديث على كراهية التنزيه، وليس على التحريم، جمعًا بينها وبين أدلة القائلين بالجواز.
دليل من قال: يمنع بيع الأراضي دون المباني:
هذا القول لما كان يرى أن الأرض موقوفة، رأى أنه لا يصح بيعها؛ لأنها لا تملك، وأما المباني فهي ملك لمن أقامها، وبناها، فيجوز بيعها وإجارتها.
دليل من قال: يجوز البيع دون الإجارة .
أدلة هذا القول قريبة من أدلة القول السابق:
فالأرض لا يجوز بيعها، ولا إجارتها لأنها أمكنة المشاعر، لا تملك، ولا تباع، ولا تورث.
والدور والمباني هي التي تملك وتباع وتورث، ويجوز بيعها؛ لأنها عين ماله.
وأما الإجارة فهي للأرض والمباني، فلا تجوز الإجارة، لأنه إنما جاز له البناء على الأرض لكونه محتاجًا إلى ذلك، فهو أحق من غيره؛ لأنه سبق إليه، وإجارته دليل على أنه استغنى عنها، وإذا استغنى عنها وجب بذلها لمن يحتاج إليها. هذا ملخص أدلة هذا القول تقريبًا.
قال ابن القيم: «الصواب .... أن الدور تملك وتوهب، وتورث، وتباع،
стр. 2034
ويكون نقل الملك في البناء، لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها، يسكنها، ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن، وغيرها من المنافع، والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحق بها، ما دام ينتفع فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض» (١).
وقال ابن تيمية: «المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر، التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
فالساكنون بها أحق بما احتاجوا إليه؛ لأنهم سبقوا إلى المباح كمن سبق إلى مسجد، أو طريق، أو سوق، وأما الفاضل فعليهم بذله؛ لأنه إنما لهم أن يبنوا بهذا الشرط، لكن العرصة مشتركة في الأصل ... » (٢)
وتعقب ابن تيمية ﵀:
بأن الآية في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] المقصود في الآية أمكنة المشاعر، فهذه التي لا شك أنها لا تملك، كعرفات، ومنى، ومزدلفة، ومثله المسجد الحرام، وأما الأرض التي ليست مشعرًا فيجوز بيعها وإجارتها.
стр. 2035
دليل من خص الكراهة بأيام الموسم من الحاج والمعتمر:
كرهوا ذلك لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
جاء في الدر المختار: «أكره إجارة بيوت مكة، في أيام الموسم، وكان يفتي لهم أن ينزلوا في دورهم، لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، ورخص فيها في غير أيام الموسم» (١).
الراجح:
عمل الناس اليوم، ومن قديم الزمان جواز بيع دور مكة وإجارتها، والإجماع العملي قوي جدًا؛ لأن مكة لها خصائص ليست لغيرها، من ذلك أنه لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، فليست تقاس مكة على شيء من البلاد، وهي بلد الله الحرام، فلا حجة لمن قاس مكة على خيبر، أو قاسها على ما فعل عمر بالسواد من أرض الشام، ومصر، فأرض مكة أصل لا يقاس عليها غيرها، ولا تقاس هي على غيرها من البلاد، والله أعلم.
* * *
стр. 2036
الفرع الثالث
في بيع أرض الخراج
المسألة الأولى
توطئة
قال الماوردي في الأحكام السلطانية: «الأرضون كلها تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما استأنف المسلمون إحياءه، فهو أرض عشر، لا يجوز أن يوضع عليها خراج ....
والقسم الثاني: ما أسلم عليه أربابه، فهم أحق به فتكون على مذهب الشافعي ﵀ أرض عشر، ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين أن يجعلها خراجًا، أو عشرًا فإن جعلها خراجًا لم يجز أن تنقل إلى العشر وإن جعلها عشرا جاز أن تنقل إلى الخراج.
والقسم الثالث: ما ملك من المشركين عنوة وقهرًا فيكون على مذهب الشافعي ﵀ غنيمة تقسم بين الغانمين، وتكون أرض عشر، لا يجوز أن يوضع عليها خراج وجعلها مالك وقفًا على المسلمين بخراج يوضع عليها.
وقال أبو حنيفة: يكون الإمام مخيرًا بين الأمرين.
والقسم الرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم فهي الأرض المختصة بوضع الخراج عليها .... » (١).
* * *
стр. 2037
المسألة الثانية
خلاف العلماء في بيع الخراج
[م-٣٨١] اختلف العلماء في بيع أرض الخراج على أربعة أقوال:
القول الأول:
أرض الخراج تباع، وتوهب، وتورث، وتؤجر، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض الشافعية (٢)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٣).
القول الثاني:
ما فتح عنوة لا يصح بيعه، وما فتح صلحًا جاز بيعه، وهذا مذهب الإمام مالك ﵀ (٤).
القول الثالث:
لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، بل تؤجر، وهذا مذهب الشافعية (٥)،
стр. 2038
стр. 2039
الدليل الثاني:
قالوا: إذا كانت أرض الخراج تورث، وتوهب، ويوصى بها، دل ذلك على أنها ليست كالوقف الخاص، فإن الوقف الخاص لا يورث، ولا يوهب، ولا يوصى به، فلا يقاس هذا على الوقف الخاص، وإنما المقصود من الوقف: إقرارها على حالها، والاستمرار في ضرب الخراج عليها في رقبتها.
ولأنه إن كان وقفًا فهو وقف عام للمسلمين، ليس له مستحق خاص، فحكمها بيد المشتري كحكمها في يد البائع، فهو كما لو ولاه إياها بلا مقابل، والمشتري لم يملك العين، وإنما ملك منفعة العين ملكًا مؤبدًا.
وإذا جاز بيع المساكن جاز بيع الأرض، إذ لا فرق.
قال ابن تيمية: «ولا يجوز رفع أيدي المسلمين الثابتة على حقوقهم بما ذكر، إذ الأرض الخراجية كالسواد وغيره نقلت من الخراج إلى المقاسمة، كما فعل أبو جعفر المنصور بسواد العراق، وأقرت بيد أهلها، وهي تنتقل عن أهلها إلى
стр. 2040
ذريتهم، وغير ذريتهم، بالإرث، والوصية، والهبة، وكذلك البيع في أصح قولي العلماء، إذ حكمها بيد المشتري كحكمها بيد البائع، وليس هذا تبعًا للوقف الذي لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، كما غلط في ذلك من منع أرض السواد معتقدًا أنها كالوقف الذي لا يجوز بيعه، مع أنه يجوز أن يورث، ويوهب إذ لا خلاف في هذا ... » (١).
دليل من قال: لا تباع غير المساكن، بل تؤجر:
قالوا: بأن أرض الخراج وقف على المسلمين، وما كان وقفًا لم يصح بيعه، وأما المساكن فهي ملك لمن أقامها، وبناها، فيصح بيعها، ويصح تأجير الأرض؛ لأن الأجرة في مقابل المنفعة، لا في مقابل العين.
وتعقب هذا:
بأن «معنى وقفها: إقرارها على حالها، وضرب الخراج عليها مستمرًا في رقبتها، وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة ... » (٢).
الدليل الثاني:
استدلوا بالإجماع على جواز بيع المساكن.
جاء في تاريخ بغداد: «قال أبو عبيد: إنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة، التي يلزمها الخراج من ذات المزارع، والشجر، فأما المساكن، والدور بأرض السواد، فما علمنا أحدًا كره شراءها، وحيازتها، وسكنها، قد اقتسمت الكوفة خططًا في زمن عمر، وهو أذن في ذلك، ونزلها من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار،
стр. 2041
وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود، وغيرهم، ثم قدمها علي ﵇، فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعد بها، فما بلغنا أن أحدًا منهم ارتاب بها، ولا كان في نفسه منها شيء بحمد الله ونعمته، وكذلك سائر السواد، والحديث في هذا أكثر من أن يحصى» (١).
الدليل الثالث:
(ث-٥٤) روى البيهقي في السنن من طريق قيس، عن أبي إسماعيل، عن الشعبي، عن عتبة بن فرقد، قال:
اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد، على شاطئ الفرات، لقضب دواب، فذكر ذلك لعمر ﵁، قال: اشتريتها من أصحابها؟ قال: قلت: نعم. قال: رح إلي، قال: فرحت إليه، فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئًا. قالوا: لا. قال: ابتغ مالك حيث وضعته (٢).
[حسن إن ثبت سماع الشعبي من عتبة] (٣).
стр. 2042
الدليل الثالث:
(ث-٥٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد ابن عجلان، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رجلًا سأل عن شراء أرض الخراج، أو شيء هذا معناه، فقال: يخرج الصغار من عنقه، فتجعله في عنقك (١).
[إسناده حسن].
الدليل الثالث:
(ث-٥٦) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة،
عن علي أنه كان يكره أن يشتري من أرض شيئًا، ويقول: عليها خراج المسلمين (٢).
[قتادة لم يسمع من علي، ولم يسمع من صحابي غير أنس].
الدليل الرابع:
(ث-٥٧) روى ابن أبي شيبة من طريق شريك، عن الشيباني، عن عكرمة،
عن ابن عباس أنه كره شراء أرض السواد (٣).
[ضعيف] (٤).
دليل من قال: يشتري، ولا يبيع:
جاء في المغني: «وقد روي عن أحمد أنه قال: إن كان الشراء أسهل، يشتري الرجل ما يكفيه، ويغنيه عن الناس، هو رجل من المسلمين، وكره البيع في
стр. 2043
أرض السواد، وإنما رخص في الشراء، والله أعلم؛ لأن بعض الصحابة اشترى، ولم يسمع عنهم البيع؛ ولأن الشراء استخلاص للأرض، فيقوم فيها مقام من كانت في يده، والبيع أخذ عوض عن ما لا يملكه، ولا يستحقه، فلا يجوز» (١).
وإذا كان البيع لا يجوز، فإنه لا يوجد شراء إلا ويوجد بيع، وإذا كان البيع غير مشروع، فالشراء مترتب عليه، وما ترتب على غير المشروع فهو غير مشروع، إلا أن يكون النهي عن البيع محمولًا على الكراهة، أو منع الإنسان حقه، فلا يصل إليه إلى عن طريق الشراء، فالإثم على من اضطره إلى ذلك.
الراجح من أقوال أهل العلم:
إن ثبت ما يروى عن عمر ﵁، فينبغي ألا يتجاوز، فإنه هو من أوقف أرض السواد، وهو أعلم بها، وبأحكامها من غيره، وإن لم يصح ذلك، فالقول الذي يراه ابن تيمية قول فيه قوة، فإن المراد بوقفها: استمرار أخذ الخراج منها، ممن هي في يده، سواء كان انتقال هذه الأرض له بإرث، أو هبة، أو وصية، أو شراء، فما صح هبته، صح بيعه، والله أعلم.
* * *
стр. 2044
المسألة الثالثة
في بيع فضل الماء والكلأ
[م- ٣٨٢] من الأمور التي نهي عن بيعها لعدم تملكها فضل الماء، والكلأ.
(ح-٣٣٥) فقد روى ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار (١).
[إسناده صحيح] (٢).
(ح-٣٣٦) وروى أحمد حدثنا وكيع، حدثنا ثور الشامي، عن حريز ابن عثمان، عن أبي خراش.
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ والنار (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
стр. 2045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2046
وإنما جعل الشارع المسلمين شركاء في النار، ووقودها الذي هو الكلأ، والماء؛ لأنها أسباب الحياة، حياة الإنسان، وحياة الحيوان، وما كان سببًا في حياة الناس لا يجوز احتكاره، كالهواء، والله أعلم.
وقال السرخسي: «تفسير هذه الشركة في المياه التي تجري في الأودية والأنهار العظيمة ... فإن الانتفاع بها بمنزلة الانتفاع بالشمس والهواء، ويستوي في ذلك المسلمون وغيرهم، وليس لأحد أن يمنع أحدًا من ذلك، وهو بمنزلة الانتفاع بالطرق العامة من حيث التطرق فيها، ومرادهم من لفظة الشركة بين الناس بيان أصل الإباحة، والمساواة بين الناس بالانتفاع، لا أنه مملوك لهم، فالماء في هذه الأودية ليس بملك لأحد .. » (١).
стр. 2047
وقال العيني عن قوله: المسلمون شركاء في ثلاث، قال: «شركة إباحة، لا شركة ملك .. » (١).
وقبل أن نحرر الخلاف نبين المسائل محل الوفاق، في بيع الماء والكلأ، ثم ننتقل إلى مسائل الخلاف فيه.
[م -٣٨٣] في حكم بيع ماء الأنهار والعيون التي ليست بمملوكة:
قال القرطبي: «ماء الأنهار والعيون، وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة، فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي في ذلك» (٢).
وقال ابن تيمية: «قد اتفق المسلمون على أن الكلأ النابت في الأرض المباحة مشترك بين الناس، فمن سبق إليه فهو أحق به» (٣).
كما يجوز بيع البئر وحده دون الأرض، ويجوز بيع الأرض وفيها بئر، ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.
قال البخاري: وقال عثمان: قال النبي ﷺ : من يشتري بئر رومة، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، فاشتراها عثمان ﵁.
كما أن الماء إذا استخرجه الإنسان وحازه في إناء ونحوه جاز له بيعه، وإذا جمع الكلأ وحصده، فقد ملكه، وصح له بيعه.
ومثل الكلأ الحطب، فإذا جمعه صار مالكًا له، وجاز بيعه» (٤).
стр. 2048
قال القرطبي: «المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا فقد ملكه، وأن له بيعه ... » (١).
وقال المازري في المعلم: «اعلم أن من الناس من زعم أن الإجماع قد حصل على أن من أخذ من دجلة ماء في إنائه، وحازه دون الناس أن له بيعه إلا قولًا شاذًا ذكر في ذلك، لا يعتد بخلافه عنده ... » (٢).
والدليل على أن الإنسان إذا استخرج الماء من البئر، أو حازه في إناء جاز له بيعه، وكذلك الكلأ:
(ح-٣٣٧) ما رواه البخاري من حديث الزبير بن العوام،
عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلًا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (٣).
[م - ٣٨٤] حكم بيع الماء والكلأ إذا كان في أرض مملوكة.
стр. 2049
انتهينا من الماء والكلأ إذا كان في أرض مباحة قبل حيازته، وبعد حيازته،
وأما حكم بيع الماء والكلأ إذا كان في أرض مملوكة، فيقال: إن كان صاحب الأرض محتاجًا إليه فهو أحق به.
قال ابن تيمية عن الكلأ: «وأما النابت في الأرض المملوكة فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجًا إليه فهو أحق .. » (١).
وما يقال في الكلأ يقال في الماء.
وأما الفاضل عن حاجته، فهل يجبر على بذله، أو لا يجبر. وإذا أجبر هل يجبر بالقيمة أم لا. في هذه المسألة خلاف بين الفقهاء.
وسبب الخلاف:
معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتيج إليه، فإنه يجب بذله بالقيمة. من أجل ذلك اختلف العلماء في المسألة إلى أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز بيع فضل الماء مطلقًا للشفة (سقي الإنسان والحيوان) سواء كانت البئر نابعة في أرضه، أو كانت البئر مملوكة له في أرض فلاة، لا فرق في ذلك (٢).
стр. 2050
ومذهب الحنابلة مثله إلا أنهم لم يقيدوا ذلك للشفة، بل يجب بذل فضل الماء للشفة والزرع (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن كل من حفر في أرضه، أو داره بئرًا، فله بيعها، وبيع مائها كله، وله منع المارة من مائها إلا بثمن إلا على قوم لا ثمن معهم، وخافوا هلاكًا على أنفسهم، أو دوابهم، فيجب عليه أن يبذل لهم مجانًا، ولو كانوا أغنياء في بلادهم، أما إذا كان معهم مال فبالثمن باتفاق أهل المذهب.
وكذلك يجب بذل فضل الماء إذا انهارت بئر جاره، وله زرع يخاف عليه التلف، فعليه أن يبذل له فضل مائه، ما دام متشاغلًا بإصلاح بئره، واختلف أصحاب مالك، هل يكون ذلك بثمن أو بغير ثمن.
فقال بعضهم: يجبر، ويعطى الثمن.
وقال بعضهم: يجبر، ولا ثمن له، وجعلوه كالشفاه من الآدميين والمواشي.
وإن كانت البئر محفورة في أرض موات، لا مالك لها، فأهلها أحق بريهم، ثم الناس سواء في فضلها (٢).
стр. 2051
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن صاحب البئر الذي حفرها بنية الارتفاق بمائها، أو بنية التملك، أنه لا يجب عليه أن يبذل فضل مائه لزرع غيره على الصحيح عندهم، ويجب بذله للماشية على الصحيح بشروط.
الأول: أن لا يكون هناك ماء آخر مباح يستغني به.
الثاني: أن يكون بذل الماء لحاجة الإنسان، والماشية، لا لسقي الزرع.
الثالث: أن يكون هناك كلأ يرعى، ولا يمكن رعيه إلا بسقي الماء، فإذا منع الماء المملوك أدى إلى منع الكلأ غير المملوك.
الرابع: أن لا يكون مالكه محتاجًا إليه.
الخامس: أن لا يكون على صاحب الماء ضرر من سقي دواب غيره، فإن لحق أرضه، أو زرعه ضرر بورودها على مائه منعت، لكن يجوز للرعاة استقاء فضل الماء لها.
السادس: أن يكون الماء في مستقره، وهو مما يستخلف، فأما إذا أخذه في الإناء فلا يجب بذله على الصحيح (١).
القول الرابع:
قيل: لا يجب بذل فضل ماء بئره للشرب مطلقًا، اختاره بعض الشافعية (٢).
стр. 2052
وروي عن أحمد ما يدل على أن نقع البئر مملوك لصاحبه (١).
[م-٣٨٥] وأما الكلأ فقيل: لا يملك، ولو نبت في أرضه حتى يحوزه، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣).
وذهب المالكية (٤)، والشافعية إلى أن الكلأ النابت في أرضه مملوك له، وله أن يمنع غيره منه، ولو كان فاضلًا عن حاجته (٥).
دليل من قال: لا يجوز بيع فضل الماء والكلأ .
الدليل الأول:
(ح-٣٣٨) ما روه مسلم من طريق أبي الزبير،
عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء (٦).
وجه الاستدلال:
أنه خص النهي على منع فضل الماء، فدل على أن ما يحتاج إليه لا يجب عليه بذله.
ولأن ما لا يفضل عن حاجته يستضر ببذله، والضرر لا يزال بالضرر.
الدليل الثاني:
(ح-٣٣٩) روى ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن
стр. 2053
أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٠) روى أحمد حدثنا وكيع، حدثنا ثور الشامي، عن حريز بن عثمان، عن أبي خداش.
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ والنار (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
الدليل الرابع:
من النظر، وذلك أن مياه الآبار في الأعم الأغلب متصلة بالمجرى العام للمياه، فهي تأتي إليه من غير أرضه إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر يأتي إلى ملكه، فله حاجته منه، وما فضل يجب بذله.
ولأن الكلأ لا يملك بملك الأرض إلا إذا حازه، وقبل حيازته لم يملك، وذلك أن الله هو الذي أنبته، وسقاه، ولكن إن كان محتاجًا إليه فهو أحق به من غيره.
دليل من قال: له أن يمنع الناس من أخذ الماء والكلأ في أرضه، وله بيعه:
الدليل الأول:
الأصل أن مال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، وقد انعقد الإجماع على
стр. 2054
ذلك، فالكلأ النابت في أرضه، والماء النابع فيها ملك لمالك الأرض؛ لأنه نماء ملكه فأشبه ثمرة شجرته، ولبن شاته، وحملوا حديث جابر (نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء) إما على أن النهي للتنزيه، أو يحمل حديث جابر على حديث أبي هريرة: (لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به الكلأ) فيكون معنى الحديث: لا تمنعوا فضل الماء الذي يملك إذا كان يؤدي ذلك إلى منع الكلأ الذي لا يملك، وسيأتي إن شاء الله بعد قليل مزيد توضيح لهذا عند الكلام على أدلة الشروط.
دليل من قال: يجب بذل فضل الماء للإنسان والحيوان خاصة بشروط:
أما الدليل على اشتراط أن يكون الماء فاضلًا عن حاجته، فلأن الحديث لما خص النهى عن بيع فضل الماء دل على أن ما يحتاج إليه لا يجب عليه بذله، ولأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة الغير فله أن يقدم نفسه على غيره، ولأنه لو بذله مع حاجته لتضرر بذلك، فلا يدفع ضرر غيره بتضرره هو.
وأما الدليل على اشتراط أن لا يكون هناك ماء آخر في أرض مباحة يستغنى به، فلأنه إنما وجب بذل الماء للغير لدفع حاجة الغير، فلما كان صاحب المواشي يمكنه أن يقضي حاجته من الماء المباح لم يتعين على مالك الماء بذله له.
وأما الدليل على اشتراط أن يكون هناك كلأ ولا يمكن رعيه إلا بسقي الماء .
فلحديث أبي هريرة (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ).
قال النووي في معنى الحديث: «أن يكون لإنسان بئر مملوكة له بالفلاة،
стр. 2055
وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن لأصحاب المواشي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله امتنع الناس من رعي ذلك الكلأ خوفا على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعًا من رعي الكلأ ... » (١).
وقال ابن عبد البر: «وأما قوله ﷺ : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ فذلك عند مالك وأصحابه ... القوم يحفرون البئر في الصحراء أو القفار، ليسقوا منها مواشيهم، فليس لهم بعد سقي مواشيهم أن يمنعوا أحدًا ممن يرعى في ذلك الموضع معهم من سقي ماشيته بما فضل عن ري مواشيهم، ويقضى عليهم أن يبذلوا فضل ذلك للناس عامة يشتركون فيه، وإنما لهم لسبقهم إلى حفر البئر فضل التقدمة لا غير، فهذا معنى: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ: يريد أنهم لو منعوا الماء لامتنع من رعي الكلأ الذي فيه الناس شركاء .. » (٢).
وأما الدليل على التفريق بين الماشية والزرع:
وأما الدليل على التفريق بين الماشية والزرع فيجب بذل فضل الماء للمواشي دون الزرع: حرمة الروح، ولذلك لو كان له دواب وجب عليه سقيها، ولو كان له زرع لم يجب عليه أن يسقيه.
والدليل على أن الماء الذي يجب بذله كونه في مستقره، فإذا حازه في إناء ونحوه لم يجب عليه بذله.
стр. 2056
(ح-٣٤١) ما رواه البخاري من حديث الزبير بن العوام،
عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلًا، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (١).
قال ابن قدامة: «وأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله .... فإنه يملكه بذلك، وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم» (٢).
هذه أدلة من قال: إنه يملك الماء إذا كان نابعًا من بئره المملوكة له في أرضه، ومنع بذل فضل الماء إلا بشروط، كالشافعية.
واستدل الشافعية بأنه لا يجب بذل الفاضل عن حاجته من الكلأ، بأن هناك فرقًا بين فضل الكلأ وفضل الماء.
وذلك أن الماء إذا أخذت منه خلفه غيره مباشرة، وأما الكلأ فلا يستخلف إذا أخذ منه. وربما احتاج إليه لماشيته قبل أن يستخلف.
الراجح من أقوال أهل العلم:
أرى أن مذهب الحنابلة أسعد بالدليل من غيره، وذلك أن حديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء حديث صحيح، وهو مطلق، يشمل ما إذا كان بيع الفضل للشفة، أو للزرع، لا فرق في ذلك، خاصة أن النهي متوجه إلى الماء، وهو في مستقره، وقبل حيازته، وهو يتجدد، وما يستخرج من البئر يعقبه ماء جديد، فهو ماء جار تحت الأرض له ممراته الخاصة، فالمياه تحت الأرض أنهار جارية، كالأنهار الجارية فوق الأرض، وإذا كان كذلك فأرى أن بيع
стр. 2057
الماء، وهو في البئر بيع لما لم يملك بعد، وملك البئر لا يعني ملك الماء ما دام في مقره، لكن إذا كان الماء لا يكفي صاحبه فحاجته مقدمة على غيره، والله أعلم.
* * *
стр. 2058
الفصل الخامس
ما نهي عن البيع لحرمة المكان أو لحرمة الزمان
المبحث الأول
البيع في المسجد
[م-٣٨٦] المساجد سوق من أسواق الآخرة بنيت لإقامة ذكر الله، وسوق البيع والشراء هو سوق من أسواق الدنيا.
(ح-٣٤٢) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد.
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا (١).
وورد النهي عن البيع بخصوصه، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى قريبًا، ومعلوم أن المساجد لم تبن لتكون سوقًا يروج فيها التجار سلعهم،
(ح-٣٤٣) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها (٢).
فجعل المساجد في مقابل الأسواق في الحب والبغض، وإنما كانت المساجد أحب الأماكن إلى الله؛ لأنها أماكن أسست لتقوى الله وطاعته،
стр. 2059
وكانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله لما فيها من الغش والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة.
وإذا كان البيع في المسجد دخله سمسار منع بالاتفاق؛ لأنه يكون المسجد، والذي هو أحب الأماكن إلى الله في صورة السوق التي هي أبغض الأماكن إلى الله.
قال في مواهب الجليل: «وأما البيع بالسمسار فيه - يعني في المسجد- فممنوع باتفاق .. » (١).
وكذلك اشتد نهي الفقهاء إذا كان البيع في المسجد مع حضور السلعة، لأن ذلك يحول المسجد إلى سوق للبيع والشراء وتبادل البضائع، ولم تبن المساجد لهذا.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «والمراد من البيع والشراء: هو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد؛ لما فيه من اتخاذ المسجد متجرًا» (٢).
وقال الإمام مالك: «لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس» (٣).
وإذا تبين لنا هذا فما حكم الإيجاب والقبول في المسجد بدون حضور السلعة، وبدون أن يكون هناك سمسار.
стр. 2060
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
يكره لغير المعتكف، وهو مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
يكره مطلقًا، وهو مذهب عامة أهل العلم (٢).
القول الثالث:
يحرم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (٣)، واختيار اليمانيين: الشوكاني والصنعاني (٤).
القول الرابع:
يجوز البيع في المسجد، اختاره بعض التابعين (٥)، وهو قول ضعيف في مذهب الشافعية (٦)، واختيار ابن حزم (٧).
стр. 2061
دليل من قال: يكره البيع في المسجد:
الدليل الأول:
(ح-٣٤٤) ما رواه أحمد من طريق ابن عجلان، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (١).
[تفرد به عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] (٢).
قد يقال: لما نهى عن الشراء والبيع في المسجد كان المقصود بذلك الإيجاب والقبول، لأن النهي عن البيع يتضمن النهي عن الشراء، فيكون فيه إشارة إلى أن النهي يشمل ما إذا كانت السلعة حاضرة، أو غير حاضرة، وهو ما يدل عليه إطلاق النهي عن البيع والشراء فيه.
وقد قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ كلامًا نحو هذا.
قال في الشرح الممتع: «مراده بالشراء هنا القبول؛ لأنه قد يوجب البائع البيع، فيقول: بعت عليك هذا بعشرة، وبعد ذلك يقول المؤذن: الله أكبر، فيقول الثاني: قبلت، فالذي وقع بعد النداء هو الشراء، وإلا من المعلوم أنه لا
стр. 2062
بيع إلا بشراء، ولا شراء إلا ببيع، لكن قد يقع القبول بعد النداء، والإيجاب قبل النداء، فنقول: إن البيع لا يصح» (١).
والذي حمل النهي على الكراهة: أن الحديث قد تضمن النهي عن إنشاد الشعر في المسجد، وقد صح الإذن فيه (٢)، ولهذا حمل النهي على التنزيه، والإذن فيه لبيان الجواز، أو المرخص فيه الشعر المحمود كالذي في الزهد ومكارم الأخلاق، والمنهي عنه خلافه (٣).
الدليل الثاني:
(ح-٣٤٥) ما رواه الترمذي من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك (٤).
[رواه الثوري، عن يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: كان يقال: ولم يرفعه، وهو المحفوظ، ورجح الدارقطني: إرساله] (٥).
стр. 2063
الدليل الثالث:
(ح-٣٤٦) ما رواه عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم، عن عبد ربه بن عبد الله، عن مكحول.
عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وسل سيوفكم، وبيعكم، وشراءكم، وإقامة حدودكم، وخصومتكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
стр. 2064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2065
الدليل الرابع:
(ح-٣٤٧) ما رواه ابن ماجه من طريق زيد بن جبيرة الأنصاري، عن داود ابن حصين، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: خصال لا تنبغي في المسجد، لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس،
стр. 2066
ولا ينشر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه أحد، ولا يقتص فيه من حد، ولا يتخذ سوقًا (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
دليل من قال: يحرم البيع في المسجد:
(ح-٣٤٨) استدلوا بما رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد ... الحديث (٣).
[سبق تخريجه في أدلة القول الأول].
وإذا ثبت النهي عن البيع في المسجد، فإن الأصل حمل النهي على التحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.
قال الشوكاني: «وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم، وهو الحق» (٤).
قال الصنعاني تعليقًا على حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك ... (٥).
стр. 2067
قال الصنعاني تعليقًا على هذا: «فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب على من رأى ذلك فيه: أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، يقول جهرًا زجرًا للفاعل لذلك» (١).
والحديث سبق تخريجه، ولم يصح مرفوعًا، ولو صح لكان ظاهرًا في الدلالة على التحريم؛ لأن الدعاء على المسلم بكساد تجارته لا يباح إلا لمحرم، لما في ذلك من تنفير القلوب، وتوريث العداوة.
دليل من قال: يجوز البيع في المسجد:
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وتفرده بمثل ذلك لا يقبل.
الدليل الثاني:
الإيجاب والقبول كلام مباح، مثله مثل أي كلام يدور في المسجد بين رجلين، وإذا كان إنشاد الشعر في المسجد جائزًا، فالإيجاب والقبول مثله، إن لم يكن أحوج منه، ما دام أن ذلك لا يحمل على لغط ورفع أصوات في المسجد، وعرض السلع، وسماسرة تنادي من يشتري، من يزيد ..
الدليل الثالث:
لو استأجر رجل رجلًا على تعليم الصبيان في المسجد لكان ذلك مباحًا، وعقد الإجارة بيع منفعة.
стр. 2068
الدليل الرابع:
إذا كان الرسول قد يقضي بين المتخاصمين في المسجد، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، وما بنيت له فكذلك ألفاظ الإيجاب والقبول.
فقد جاء في الصحيحين في قصة المتلاعنين، حيث تلاعنا في المسجد (١)،
(ح-٣٤٩) وجاء في الصحيحين من حديث كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، فنادى يا كعبُ، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : قم فاقضه (٢).
(ح-٣٥٠) وجاء في الصحيحين من حديث عائشة، قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم (٣).
الراجح من الخلاف:
القول بالتحريم لم يقل به إلا الحنابلة، ولا أستطيع أن أجزم به، وهو لم يرد إلا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولست أنكر أن هذا السند من قبيل الحسن لذاته فيما لم يتفرد به من الأحكام، وأما إذا تفرد فإن النفس لا تقبل مثله، والقول بالكراهة غير بعيد عن الصواب، من أجل المعنى، لا من
стр. 2069
أجل النص، وأجد قول مالك ﵀ أن الإيجاب والقبول في المسجد إذا لم يكن في ذلك رفع أصوات، ولم يكن بحضور السلعة إلى المسجد، ولم يكن في ذلك ما يشغل عن صلاة واجبة، ولم يستغل جمع المسجد في البحث عن مشتر للسلعة، أنه لا بأس به، وأن ذلك من جنس الكلام المباح الذي قد يتكلم به الرجل في المسجد مع أخيه.
قال الإمام مالك: «لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس» (١).
وأبعد من ذلك من حرم من أهل عصرنا توزيع النشرات العلمية المشتملة على بعض الأذكار في المساجد، لأنه قد وضع في أسفلها اسم من قام بطبعها من الشركات، والمحلات التجارية، وأن ذلك يدخل في مسمى البيع، لأنه نوع من الدعاية لتلك المحلات فهذا بعيد كل البعد عن مقصود الشارع من كراهة البيع والشراء في المسجد، فمراد الشارع على التسليم بثبوت النهي عن البيع والشراء ألا يتحول المسجد إلى سوق تعرض فيه السلع، فيتحول من كونه سوقًا للآخرة إلى سوق من أسواق أهل الدنيا، وليس في هذه النشرات ما يصرف الناس عن رسالة المسجد، وكتابة اسم من قام بطباعتها، أو وضع علامته التجارية تابع غير مقصود.
* * *
стр. 2070
المبحث الثاني
البيع بعد نداء الجمعة الثاني
المسألة الأولى
الحكم التكليفي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني
[م-٣٨٧] أمر الله بترك البيع عند الأذان من يوم الجمعة، والسعي إلى الصلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩].
قال ابن العربي: «وهذا مجمع على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع ... » (١). وحكى الإجماع ابن رشد في بداية المجتهد (٢).
وعبر الحنفية بالكراهة، وذكر ابن نجيم بأن المقصود بها كراهة التحريم اتفاقًا (٣).
وقال الشافعية: لا يكره البيع قبل الزوال يوم الجمعة.
ويكره البيع كراهة تنزيه بعد الزوال، وقبل ظهور الإمام، أو قبل جلوسه على المنبر وقبل شروع المؤذن في الأذان.