← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

ولا ينشر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه أحد، ولا يقتص فيه من حد، ولا يتخذ سوقًا (١). [ضعيف جدًا] (٢). دليل من قال: يحرم البيع في المسجد: (ح-٣٤٨) استدلوا بما رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد ... الحديث (٣). [سبق تخريجه في أدلة القول الأول]. وإذا ثبت النهي عن البيع في المسجد، فإن الأصل حمل النهي على التحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة. قال الشوكاني: «وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم، وهو الحق» (٤). قال الصنعاني تعليقًا على حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك ... (٥).

стр. 2067

قال الصنعاني تعليقًا على هذا: «فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب على من رأى ذلك فيه: أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، يقول جهرًا زجرًا للفاعل لذلك» (١). والحديث سبق تخريجه، ولم يصح مرفوعًا، ولو صح لكان ظاهرًا في الدلالة على التحريم؛ لأن الدعاء على المسلم بكساد تجارته لا يباح إلا لمحرم، لما في ذلك من تنفير القلوب، وتوريث العداوة. دليل من قال: يجوز البيع في المسجد: الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وتفرده بمثل ذلك لا يقبل. الدليل الثاني: الإيجاب والقبول كلام مباح، مثله مثل أي كلام يدور في المسجد بين رجلين، وإذا كان إنشاد الشعر في المسجد جائزًا، فالإيجاب والقبول مثله، إن لم يكن أحوج منه، ما دام أن ذلك لا يحمل على لغط ورفع أصوات في المسجد، وعرض السلع، وسماسرة تنادي من يشتري، من يزيد .. الدليل الثالث: لو استأجر رجل رجلًا على تعليم الصبيان في المسجد لكان ذلك مباحًا، وعقد الإجارة بيع منفعة.

стр. 2068

الدليل الرابع: إذا كان الرسول قد يقضي بين المتخاصمين في المسجد، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، وما بنيت له فكذلك ألفاظ الإيجاب والقبول. فقد جاء في الصحيحين في قصة المتلاعنين، حيث تلاعنا في المسجد (١)، (ح-٣٤٩) وجاء في الصحيحين من حديث كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، فنادى يا كعبُ، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : قم فاقضه (٢). (ح-٣٥٠) وجاء في الصحيحين من حديث عائشة، قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم (٣). الراجح من الخلاف: القول بالتحريم لم يقل به إلا الحنابلة، ولا أستطيع أن أجزم به، وهو لم يرد إلا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولست أنكر أن هذا السند من قبيل الحسن لذاته فيما لم يتفرد به من الأحكام، وأما إذا تفرد فإن النفس لا تقبل مثله، والقول بالكراهة غير بعيد عن الصواب، من أجل المعنى، لا من

стр. 2069

أجل النص، وأجد قول مالك ﵀ أن الإيجاب والقبول في المسجد إذا لم يكن في ذلك رفع أصوات، ولم يكن بحضور السلعة إلى المسجد، ولم يكن في ذلك ما يشغل عن صلاة واجبة، ولم يستغل جمع المسجد في البحث عن مشتر للسلعة، أنه لا بأس به، وأن ذلك من جنس الكلام المباح الذي قد يتكلم به الرجل في المسجد مع أخيه. قال الإمام مالك: «لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس» (١). وأبعد من ذلك من حرم من أهل عصرنا توزيع النشرات العلمية المشتملة على بعض الأذكار في المساجد، لأنه قد وضع في أسفلها اسم من قام بطبعها من الشركات، والمحلات التجارية، وأن ذلك يدخل في مسمى البيع، لأنه نوع من الدعاية لتلك المحلات فهذا بعيد كل البعد عن مقصود الشارع من كراهة البيع والشراء في المسجد، فمراد الشارع على التسليم بثبوت النهي عن البيع والشراء ألا يتحول المسجد إلى سوق تعرض فيه السلع، فيتحول من كونه سوقًا للآخرة إلى سوق من أسواق أهل الدنيا، وليس في هذه النشرات ما يصرف الناس عن رسالة المسجد، وكتابة اسم من قام بطباعتها، أو وضع علامته التجارية تابع غير مقصود. * * *

стр. 2070

المبحث الثاني البيع بعد نداء الجمعة الثاني المسألة الأولى الحكم التكليفي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني [م-٣٨٧] أمر الله بترك البيع عند الأذان من يوم الجمعة، والسعي إلى الصلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. قال ابن العربي: «وهذا مجمع على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع ... » (١). وحكى الإجماع ابن رشد في بداية المجتهد (٢). وعبر الحنفية بالكراهة، وذكر ابن نجيم بأن المقصود بها كراهة التحريم اتفاقًا (٣). وقال الشافعية: لا يكره البيع قبل الزوال يوم الجمعة. ويكره البيع كراهة تنزيه بعد الزوال، وقبل ظهور الإمام، أو قبل جلوسه على المنبر وقبل شروع المؤذن في الأذان.

стр. 2071

ويحرم البيع بعد جلوس الخطيب على المنبر، وشروع المؤذن في الأذان (١). ولا أعلم دليلًا في تعليق الكراهة على الوقت، فإن الآية إنما نهت عن البيع حين سماع النداء للجمعة إلى حين الفراغ من الصلاة، فما عداه فعلى الإباحة. هذا هو الحكم التكليفي للبيع بعد سماع النداء. [م -٣٨٨] وقد اختلف العلماء في نداء الجمعة، هل المقصود به النداء الأول، أو النداء الثاني. على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحمل على الأذان الأول، وهذا القول هو الأصح في مذهب الحنفية. وقيده الزيلعي بأن يقع الأذان الأول بعد الزوال (٢). القول الثاني: يحمل على الأذان الثاني، وهو مذهب الجمهور (٣)، واختاره بعض

стр. 2072

الحنفية (١). القول الثالث: لا يجوز البيع منذ زوال الشمس من يوم الجمعة إلى مقدار تمام الخطبتين والصلاة، ومن شهد الجمعة فإلى أن تتم صلاتهم للجمعة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، وحكاه القاضي رواية عن أحمد (٣)، واختيار ابن حزم (٤). دليل الجمهور على أن المعتبر هو النداء الثاني: (ح-٣٥١) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة: أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء. قال أبو عبد الله: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة (٥). واعتبر ما أحدثه عثمان النداء الثالث، باعتبار أن الإقامة تسمى أذانًا، ويطلق عليه الأول باعتبار موضعه منها. (ث-٥٨) فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار أن عثمان أول من زاد الأذان الأول يوم الجمعة لما كثر الناس، زاده، فكان يؤذن به على الزوراء (٦).

стр. 2073

[إسناده صحيح]. (ث-٥٩) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان الأذان في يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر أذانًا واحدًا حتى يخرج الإمام، فلما كان عثمان كثر الناس، فزاد الأذان الأول، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة (١). [إسناده صحيح]. فإذا كان النداء على وقت رسول الله ﷺ إنما هو النداء الثاني، الذي يكون بين يدي الخطيب، وهو على المنبر، ولم يكن معروفًا النداء الأول كان هو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. وهو النداء الذي يجب السعي عنده إلى الصلاة، ولا يجب السعي بمجرد النداء الأول، وإنما النداء الأول لأجل أن يرجع الناس من الأسواق ليستعدوا للصلاة. تعليل الحنفية على أن المعتبر هو النداء الأول: علل الحنفية قولهم ذلك: بأن النداء الأول هو النداء الذي يحصل به الإعلام، ولأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيدًا عن الجامع (٢). دليل من قال: يحرم البيع من زوال الشمس . إن التوجه إلى الجمعة يجب بدخول الوقت، وإن لم يؤذن لها أحد، ولهذا لا

стр. 2074

يعتبر في التحريم الأذان لو كان قبل الوقت، فهذا يدل على أن المعتبر هو الوقت، وليس مجرد الأذان. وتعقبه ابن قدامة: «لا يصح هذا - يعني تعليق النهي بالوقت - لأن الله تعالى علقه على النداء، لا على الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة، وهو يحصل بما ذكرنا، دون ما ذكره، ولو كان تحريم البيع معلقًا بالوقت لما اختص بالزوال، فإن ما قبله وقت أيضًا، فأما من كان منزله بعيدًا، لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مدركًا للجمعة؛ لأن الجمعة واجبة، والسعي قبل النداء من ضرورة إدراكها، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، كاستقاء الماء من البئر للوضوء، إذا لم يقدر على غيره، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، ونحوهما» (١). الراجح من الخلاف: قول الجمهور هو القول المتعين؛ لأن حمل الآية على أمر لم يكن موجودًا وقت نزولها لا يتصور. والسعي إلى الصلاة له وقتان: وقت استحباب، ووقت وجوب، وهو وقت النداء إذا جلس الإمام على المنبر، والتحريم خاص في وقت الوجوب، وليس في وقت الاستحباب، لأن من فوت وقت الاستحباب لم ينكر عليه. * * *

стр. 2075

المسألة الثانية الحكم الوضعي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني [م-٣٨٩] عرفنا في المبحث السابق أن البيع بعد نداء الجمعة محرم، وأن العلماء مجمعون على تحريمه، والسؤال: لو أن البيع وقع، فهل نحكم على البيع بالبطلان، أو نقول: يحرم البيع مع صحة العقد. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح العقد مع التحريم، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وبعض المالكية (٣). القول الثاني: يجب فسخه، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (٤).

стр. 2076

دليل من قال: العقد صحيح: قالوا: الأدلة قد قامت على أن النهي إذا لم يتناول معنى في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك، وذلك نحو البيع عند أذان الجمعة وتلقي الجلب وبيع حاضر لباد ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به والوقوف بعرفات على جمل مغصوب، وكون الفعل فيها منهيًا عنه في هذه الصفة، لا يمنع من القول بجوازه؛ لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في غيره وكون الإنسان مرتكبًا للنهي، عاصيًا في غير المعقود عليه، لا يمنع وقوع فعله موقع الجواز والدليل على صحة ما ذكرنا: أنه لو رأى رجل يصلي رجلًا يغرق وقد كان يمكنه تخليصه أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة، ومأمور بتخليص الرجل، فإن لم يفعل، ومضى في صلاته، كانت صلاته مجزئة، ولولا أن ذلك كذلك لقلنا: لا يجوز له فعل الصلاة. وفي اتفاق المسلمين على جواز صلاة من هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، أو في نفس القربة المفعولة، أو بما هو من شروطها التي تختص بها، أنه لا يمنع صحة العقد، ووقوع القربة موقع الجواز،

стр. 2077

ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة، ولا من شروطها في شيء. ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيًا في اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع، ولا من شرطه، فلم يفسد البيع من أجله وإن كان منهيًا عنه؛ لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع؛ لأنه لو لم ينعقد البيع في ذلك الوقت واشتغل بغيره كان النهي قائمًا في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة لا البيع نفسه، وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير، لا لأجل البيع، وكذلك في استيام الرجل على سوم أخيه، أنه منهي عنه ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحًا، مع كونه منهيًا عنه لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم لا بالعقد نفسه. ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل (١). دليل من قال: العقد باطل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. وجه الاستدلال: أمر الله بترك البيع، فكأنه قال: لا تبيعوا، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. ونوقش: أنتم لا تمنعون أن هناك أشياء نهى عنها الشارع، وصححها لوجود قرينة، كالنهي عن تلقي الجلب، ومع ذلك أثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، ونهى

стр. 2078

عن التصرية، وأثبت للمشتري الخيار إذا وقع البائع في النهي، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع فيهما، فدل ذلك على أن التحريم والصحة قد يجتمعان، ولا تلازم بين النهي، والفساد، وإذا كان لا تلازم بين النهي والفساد، لم تكن صيغة النهي وحدها دالة على الفساد، وإنما تدل على التحريم، والممنوع أن يكون الشيء منهيًا عنه، ومأمورًا به في ذات الوقت، فيمتنع أن يقال: حرمت عليك الطلاق في حال الحيض، وأمرتك به، وأبحته لك، وأما إذا قال: حرمت عليك الطلاق في الحيض، فإن فعلت فقد وقع الطلاق، وأنت آثم، وحرمت عليك الصلاة في الثوب المغصوب، فإن فعلت صحت الصلاة، وأنت آثم، فشيء من هذا ليس بممتنع (١). فدل على أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه في كل حال. وتعقب ذلك: قال شيخنا ابن عثيمين: «إن قال قائل: لما لا تقولون: هو حرام، ولكنه صحيح، كما قلتم في الجلب. فالجواب: الفرق بينهما ظاهر. أولًا: لأن حديث التلقي قال فيه النبي ﷺ : (فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). فثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح. ثانيًا: أن النهي عن التلقي ليس نهيًا عن العقد لذاته، ولكنه نهي عن العقد لحق الغير، حيث إنه ربما يكون فيه خديعة للقادم، فيشتريه المتلقي بأقل، ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع، أو فسخه، وأما مسألتنا فإن النهي عن البيع

стр. 2079

بعينه، وما نهي عن البيع بعينه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح، سواء في العبادات، أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه؛ لأن الذي نهى الشارع عنه يريد منا أن نتركه، ونتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله .. » (١). وقول شيخنا عليه رحمة الله بأن النهي عن البيع لعينه، كأنه رأى أن النهي عائد إلى ذات البيع، وليس لأمر خارج، والحقيقة أن النهي وإن كان نهيًا عن البيع، لكنه معلل بأمر خارج، فليس النهي عن البيع عند نداء الجمعة، كالنهي عن بيع الغرر، والنهي عن الربا، والنهي عن القمار، فهذه البيوع هي البيوع المنهي عنها لذاتها، ولذلك لو انشغل عن السعي للصلاة بغير البيع كان منهيًا عنه أيضًا، مما يدل على أن النهي ليس لذات البيع، فالعلة من الأمر بترك البيع منصوص عليها في سياق الآية، فقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة، إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة كان الكلام غير منتظم. فقوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] مقصوده الحفظ على إقامة الجمعة، وعدم التفريط فيها، وقوله: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة:٩] جار مجرى التوكيد لذلك بالنهي عن ملابسة ما يشغل عن السعي إليها، لا أن البيع تحول إلى منهي عنه لذاته، والله أعلم. ولذلك قال الجصاص: «لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد، وإنما تعلق بمعنى في غيره، وهو الاشتغال عن الصلاة، وجب أن لا يمنع وقوعه

стр. 2080

صحته ..... وأيضًا هو مثل تلقي الجلب، وبيع الحاضر للباد، والبيع في الأرض المغصوبة ونحوها، كونه منهيًا عنه لا يمنع وقوعه» (١). ولو قال شيخنا ﵀: إن النهي عن البيع بعد نداء الجمعة لحق الله، والنهي عن تلقي الجلب لحق الآدمي لكان فرقًا صحيحًا، لكنه فرق غير مؤثر في الحكم فيما أرى، وإن كان الباجي المالكي يراه مؤثرًا، قال في المنتقى: «النهي عن البيع إذا كان لحق الله اقتضى فساده، كالبيع وقت صلاة الجمعة» (٢). أما أن يقال: بأن النهي عنه عائد لذات البيع فلم يتضح لي، والله أعلم بالصواب. الدليل الثاني: أن الشارع لم يأذن بالبيع بعد نداء الجمعة، فوجوده كعدمه. (ح-٣٥٢) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣). أن معنى: رد: أي مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بصحة العقد أقوى من حيث الدليل، ونحن نقول للناس لا تفعلوا، ونشدد عليهم في ذلك، فإن خالف أحد وفعل فلن ترتفع المفسدة بإبطال العقد، فالمفسدة: التي هي الانشغال عن سماع الخطبة

стр. 2081

قد وقعت، سواء صححنا البيع، أو أبطلناه، وكوننا نصحح العقد مع مطالبتنا للعاقدين بالتوبة، وعدم تكرار مثل ذلك أولى من إبطال العقد، خاصة أن العقد قد توفرت فيه شروط العقد الصحيح وأركانه، والله أعلم. * * *

стр. 2082

المسألة الثالثة البيع في حال السعي للجمعة [م-٣٩٠] قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. «قال الشافعي: ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل، لا السعي على الأقدام، قال الله تعالى: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ [الليل:٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة:٢٠٥]. «وقال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه السعي على الأقدام، ولا الاشتداد وإنما عنى العمل، والفعل». وقال الباجي: «السعي إذا كان بمعنى العدو، أو بمعنى المضي إلى الصلاة فإنه يتعدى إلى الغاية بـ (إلى) يقال سعى إلى غاية كذا وكذا: أي جرى إليها، ومشى إليها، وإذا كان بمعنى العمل فإنه لا يتعدى بـ (إلى)، وإنما يتعدى باللام فتقول: سعيت لكذا وكذا، وسعيت لفلان. قال الله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] وإنما تعدى السعي إلى الجمعة بـ (إلى) لأنه بمعنى المضي» (١).

стр. 2083

فإذا كان النهي عن البيع معللًا كي لا ينشغل عن السعي إلى الصلاة، فقد يوجد الانشغال عن السعي الواجب بدون وجود البيع، فيحرم غير البيع إذا أدى ذلك إلى الانشغال عن السعي إلى الصلاة، وسوف أفرد له مبحثًا خاصًا. وقد يجري البيع في حال السعي إليها فلم يشغل عقد البيع عن السعي إلى الصلاة، فإذا جرى البيع حال السعي إلى الصلاة، فهل يقال: إن البيع جائز ما دام أنه لم يشغل عن السعي إليها المأمور به في الآية، وأن البيع في هذه الحالة لا يدخل في النهي. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا يحرم البيع، وهو مذهب الحنفية (١)، الشافعية (٢)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٣).

стр. 2084

القول الثاني: يحرم البيع، قال به بعض الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢). ولم أجد نصًا عن الحنابلة في هذه المسألة (٣). دليل من قال: لا يحرم البيع حال السعي: هذا القول نظر إلى المعنى، فإن منصوص الآية الكريمة تضمن الأمر بالسعي إلى الصلاة، وترك البيع، فكأن العلة في ذلك حتى لا ينشغل عن السعي إلى الصلاة، وليست العلة راجعة لذات البيع، بل يحرم البيع وغير البيع من الأعمال التي تشغل عن السعي إلى الصلاة، كما لا يحرم الشراء لو كان متوجهًا لما فيه مصلحة الصلاة، كما لو كان محدثًا، ولم يجد ماء ليرفع به الحدث، فاشترى الماء لذلك لم يحرم عليه على الصحيح، مما يدل على أن النهي إنما هو لأجل القيام بالسعي الواجب عند سماع الأذان، وإذا كان البيع لم يخل بهذا الواجب كان على حكمه الأصلي، وهو الإباحة، والله أعلم. دليل من قال: يحرم عليه البيع: الدليل الأول: هذا القول نظر إلى ظاهر اللفظ، فالآية تقول: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. فأمر بترك البيع عند سماع النداء، وهو مطلق يشمل حال السعي وغيره.

стр. 2085

ويناقش: بأن تخصيص النص بالعلة معلوم في الشريعة، فيكون النص المطلق مقيدًا في حالة ما إذا كان ذلك شاغلًا عن السعي إلى الصلاة. الدليل الثاني: قالوا: القول بالمنع يدخل في سد الذريعة، فإنه لو فتح الباب ربما أدى ذلك إلى الانشغال عن السعي الواجب، فإذا منع الناس لم نخش عليهم الوقوع في المحذور. الدليل الثالث: وهذا استدل به بعض الحنفية وفقًا لقواعد مذهبهم: قالوا: إن النهي عن البيع ورد مطلقًا، فتخصيصه في بعض الوجوه دون بعض يكون نسخًا، فلا يجوز بالرأي (١). أي فلا بد من قبول النهي على إطلاقه. ويجاب: على التسليم بصحة هذه القاعدة، فإن النص ليس مطلقًا، لأن النص معلل بالإخلال بالسعي، فإذا انتفى انتفى (٢). الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بالجواز أقوى دليلًا، وأن الجزم بالتحريم لم يظهر لي، وإن كنت لا أحب أن يشتغل أحد في البيع والشراء حال السعي إلى الصلاة خروجًا من الخلاف، وخوفًا من أن يجر ذلك إلى الوقوع في المحذور، والله أعلم. * * *

стр. 2086

المسألة الرابعة هل يقاس على البيع سائر العقود [م-٣٩١] الآية ا لكريمة نصت على الأمر بالسعي إلى الصلاة، وترك البيع، فهل يختص النهي عن البيع وحده نظرًا لظاهر النص، أو يشمل النهي كل ما يشغل عن السعي إلى الصلاة نظرًا إلى المعنى. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: لا مفهوم للبيع والشراء، فيحرم كل ما يشغل عن السعي إليها، كالتولية، والشركة، والهبة، والأخذ بالشفعة، والصدقة، والخياطة، والحصاد، والدراس، والسفر في ذلك الوقت، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).

стр. 2087

القول الثاني: يختص النهي بالبيع، ويلحق به المساومة، والمناداة، دون النكاح وسائر العقود، وهو مذهب الحنابلة (١)، واختيار ابن حزم (٢). دليل من قال: يحرم كل ما يشغل عن السعي إلى الصلاة: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. أمرت بأمرين: السعي إلى ذكر الله، وترك البيع. فالمقصود من قوله تعالى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] هو التمكن من امتثال قوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فكأن قوله تعالى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] جار مجرى التوكيد لذلك بالنهي عن ملابسة كل ما يشغل عن السعي إليها، ولا معنى لتخصيص ذلك بالبيع؛ وإنما البيع ورد على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، فالعلة من الأمر بترك البيع كونه مانعًا من السعي إلى الجمعة، يدل لذلك أنه لو قال قائل بالنهي عن البيع قبل وجوب السعي إلى الجمعة

стр. 2088

لم يقبل منه، وكذلك لو كان المتبايعان لا يجب عليهم السعي إلى الجمعة لم يمنعوا من البيع والشراء، فإذًا المراد بالنهي عن البيع نهي عن كل ما يشغل الإنسان عن الواجب الذي قد دخل وقته من حين إعلان النداء للجمعة، وهو وجوب السعي إلى الجمعة، فالنهي كما يشمل البيع يشمل سائر العقود، بل يشمل حتى الانشغال بالكلام المباح إذا كان ذلك يعوق السعي إلى الصلاة، فكله داخل في النهي. ويقول شيخنا ابن عثيمين ﵀: «سائر العقود منهي عنها كالبيع، وإنما ذكر الله البيع بحسب الواقع؛ لأن هذا هو الذي حصل، فالصحابة ﵃ لما وردت العير من الشام خرجوا، وبدؤوا يتبايعون فيها (١)، فتقييد الحكم بالبيع إنما هو باعتبار الواقع فقط، وإلا فكل ما ألهى عن حضور الجمعة فهو كالبيع، لا فرق .. » (٢). دليل من قال: لا يحرم إلا البيع خاصة: استدل بظاهر الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فأخذ الظاهرية وفقًا لقواعد مذهبهم من الجمود على الظاهر، وعدم ملاحظة المعنى فقالوا: لا يحرم إلا البيع. وأما أهل القياس كالحنابلة فقالوا بصحة النكاح وسائر العقود، وعللوا ذلك بأن الآية نصت على البيع، وأما غيره فلا يساويه لقلة وقوعه، فلا تكون إباحته ذريعة إلى فوات الجمعة (٣).

стр. 2089

وهو تعليل مرجوح كما علمت، وليست العلة بالكثرة والقلة؛ إذ لو كانت العلة كذلك لقيل: إذا وقع البيع من آحاد الناس صح، وإذا وقع البيع من أهل السوق لم يصح، لأن أهل السوق يقع منهم البيع كثيرًا، بينما آحاد الناس لا يكثر منهم البيع والشراء، ولا يقع منهم إلا لحاجة. الراجح: القول المتعين الذي لا يصح غيره أن النهي يشمل كل ما يشغل عن السعي إلى الصلاة من قول، أو فعل، سواء كان ذلك عقدًا، أو غيره من التصرفات، والله أعلم. * * *

стр. 2090

المسألة الخامسة في بيع من لا تلزمه الجمعة [م-٣٩٢] إذا كان العاقدان ممن لا تجب عليهما الجمعة كالمرأة مع مثلها، فهل يحرم عليهما البيع بعد نداء الجمعة. اختلف العلماء على أربعة أقوال: القول الأول: لا يحرم عليهما، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يكره لهما البيع في الأسواق في تلك الساعة، فإن باع فيها لم يفسخ بيعه، وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد، والنساء، والمسافرين، وأهل السجون، والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم، وهذا مذهب المالكية (٤).

стр. 2091

القول الثالث: لا يصح، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). القول الأول: لا يصح من مريض ونحوه دون غيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). دليل من قال: لا يحرم عليهم البيع: قوله تعالى: ﴿فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]. فالأمر بترك البيع من أجل السعي إلى الصلاة، فإذا كان لا يجب عليه السعي لم يحرم عليه البيع. دليل من خص الكراهة بالسوق: أن في ذلك سدًا للذريعة، حتى لا ينتهك أحد الحضر، وحتى لا يقصد الأسواق من لا يحل له البيع والشراء، فلا تفتح أسواق المسلمين للبيع والشراء وقت الخطبة والصلاة. دليل من قال: يمنع المريض . كأنه رأى أن الرجل الصحيح مخاطب بأمرين: السعي للجمعة، وترك البيع، وإذا سقط أحدهما بعذر لم يسقط الآخر.

стр. 2092

الراجح من أقوال أهل العلم: القول بالصحة هو الأقوى، وقول الإمام مالك إنما هو من باب السياسة الشرعية، ولذلك لم يفسخ البيع إذا وقع، فإذا رأى الإمام أن يفعل مثل ذلك في أسواق المسلمين كان له ذلك، والله أعلم. [م-٣٩٣] وهذا الحكم فيما إذا كان كل من العاقدين لا تجب عليه الجمعة، وأما إذا كان أحدهما من أهل الفرض دون الآخر. فقيل: يحرم عليهما جميعًا، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). وقيل: يحرم على صاحب الفرض، ويكره للآخر، وهو مذهب الحنابلة، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٣). تعليل من قال: يحرم عليهما معًا: التعليل الأول: إذا اجتمع مبيح وحاضر غلب جانب الحضر، كما في هذه الصورة. التعليل الثاني: أن ذلك من باب الإعانة على الإثم. تعليل من قال: يكره . لم يحرم عليه؛ لأنه ليس مكلفًا بالسعي إلى الجمعة، وكره له؛ لأن في ذلك إعانة لغيره على الإثم. * * *

стр. 2093

الباب السابع الشروط في البيع (الشروط الجعلية) تمهيد المبحث الأول الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع الشروط في البيع: هي إلزام أحد المتعاقدين الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد. وتختلف الشروط في البيع عن شروط البيع من وجوه: الأول: أن شروط البيع من وضع الشارع، فيصح أن تسمى الشروط الشرعية، وأما الشروط في البيع فهي من وضع المتعاقدين، فيصح أن تسمى الشروط الجعلية. الثاني: شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع، وأما الشروط في البيع فيتوقف عليها لزوم البيع، فالبيع معها صحيح، ولكن ليس بلازم لأن من له الشرط إذا لم يوف له به فله الخيار. الثالث: أن شروط البيع لا يمكن إسقاطها، والشروط في البيع يمكن إسقاطها. الرابع: أن ما اتفق على اعتباره من شروط البيع فكلها صحيحة؛ لأنها من وضع الشارع، والشروط في البيع منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ليس بصحيح؛ لأنها من وضع العاقدين، والعاقد قد يخطئ ويصيب (١). * * *

стр. 2094

المبحث الثاني الأصل في الشروط الجواز والصحة بين يدي هذا المبحث: قبل أن أتناول هذه القاعدة: أحب أن أنبه إلى مسائل في هذه القاعدة الجليلة، منها: التنبيه الأول: الموقف من هذه القاعدة يعكس مدرستين فقهيتين: الأولى: مدرسة أهل الظاهر، وهي المدرسة التي تقف عند ظاهر النص، بمعزل عن العلة، وتجعل الأصل في جميع معاملة الناس وشروطهم الأصل فيها الحضر والمنع، بل بالغ ابن حزم ﵀ في ظاهريته حتى رأى أن ألفاظ الإيجاب والقبول يجب أن تكون بألفاظ وردت في النصوص، وأن أي لفظ في الإيجاب والقبول لم يرد عليه نص شرعي باستعماله فهو لا يفيد، ولا ينعقد به بيع، ولا غيره، وقد سبق نقل كلامه عند دراسة أركان البيع. والمدرسة الثاني: وهم بقية الفقهاء ممن يأخذ النص ولا يعزله عن بقية النصوص، مستنبطًا العلة والحكمة من أوامر الشارع ونواهيه، ويربطه بمقاصد الشريعة، ليصل إلى مراد الشارع منه. فالموقف من الشروط لا يختلف كثيرًا عن الموقف من النص الشرعي في حكم مسألة ما، هل نكتفي بظاهر النص، أو ندرس النص مع بقية النصوص الأخرى، ونتلمس الحكم والعلل التي من أجلها شرع مثل ذلك النص.

стр. 2095

التنبيه الثاني: الفقهاء المتقدمون لم يبرزوا هذه القاعدة بالبحث، وإنما اجتهد من أبرزها باستنباطها من أصول مذاهب الأئمة، ومن خلال تتبع أحكامهم على الشروط الصحيحة والفاسدة، وما استقر عليه مذهبهم عند الكلام على مسائل من الفروع الفقهية والمتضمنة لاشتراط شروط خاصة في العقود، كاشتراط الخيار أكثر من ثلاثة أيام، وكاشتراط سكنى الدار مدة معينة ... الخ هذه الفروع (١)، وأول من تناول هذه القاعدة بالبحث هو ابن حزم، ثم توسع في ذكرها، وإبرازها، والدفاع عنها، وحشد الأدلة عليها ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم ﵏، ولا يستغني أي باحث يريد أن يتناول هذه القاعدة عن الرجوع إلى كلام ابن حزم، وابن تيمية وابن القيم عليهم رحمة الله جميعًا.

стр. 2096

التنبيه الثالث: الكلام في مسألة الأصل في الشروط مرتبط ارتباطًا لازمًا في مسألة شبيهة بها: وهي ما الأصل في العقود. وأدلة تلك المسألة هي عين أدلة المسألة الأخرى. ولذلك كان ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم يجمعون بينها في سياق واحد. يقول ابن تيمية ﵀: «القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها، فيما يحل منها ويحرم، وما يصح منها، ويفسد ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدًا، والذي يمكن ضبطه فيها قولان» (١). ويقول ابن القيم: «الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع، أو نهى عنه ... » (٢). وقال ابن حزم: «وأما العقود والعهود والشروط والوعد فإن أصل الاختلاف فيها على قولين، لا يخرج الحق عن أحدهما» (٣). وسبب الجمع بين هاتين المسألتين: أن «الكلام على حرية الاشتراط يسبقه أو يقارنه بالضرورة الكلام على حرية التعاقد؛ لأنه إذا كانت العقود مقصورة على ما نص عليه الشارع فإن الشروط المتعلقة بهذه العقود ستقتصر في الغالب أيضًا على ما نص عليه الشارع، وعلى العكس إذا كانت العقود مطلقة من هذا القيد ويستطيع المكلف أن يبرم ما

стр. 2097

يحتاجه من العقود مع اجتناب ما نص على تحريمه فقد يؤدي هذا إلى القول بحرية الاشتراط، ولذلك فإن الكلام على حرية الاشتراط يرتبط بالكلام على حرية التعاقد بصفة عامة، بل إن حرية الاشتراط تابعة لحرية التعاقد» (١). وبذلك تكون أدلة المسألة على أن الأصل في العقود الجواز والصحة نحتج بها على مسألتنا هذه: وهي الأصل في الشروط الجواز والصحة، إذا عرفنا ذلك نأتي إلى ذكر خلاف العلماء في مسألة الأصل في الشروط، وما هو موقف العلماء من إحداث شروط جديدة في العقد. [م- ٣٩٤] اختلف الفقهاء، هل الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة إلا ما دل على تحريمه دليل شرعي، أو الأصل في الشروط التحريم والبطلان حتى يأتي نص يدل على خلاف ذلك. وفي المسألة قولان: القول الأول: مذهب الحنابلة: يذهب إلى أن الأصل في الشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها، ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله، وهو أوسع المذاهب على الإطلاق في تصحيح الشروط (٢)، وقريب منه مذهب الإمام مالك (٣).

стр. 2098

ونص كثير من الفقهاء على أن الأصل في العقود الصحة والجواز، والكلام في العقود كالكلام في الشروط، وممن نص على ذلك السرخسي (١)، والزيلعي (٢)، والجصاص من الحنفية (٣)، والشاطبي من المالكية (٤)، والهيتمي من الشافعية (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، والبهوتي (٨) من الحنابلة وغيرهم. ونسب ابن القيم هذا القول إلى الجمهور (٩). وقيل: الأصل في العقود والشروط البطلان والتحريم إلا ما نص الشرع على

стр. 2099

جوازه، وهذا مذهب ابن حزم رحمه الله تعالى (١). قال ابن تيمية: «وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد» (٢). وهذا الكلام من ابن تيمية كأنه ينسب هذا المذهب إلى جمهور الفقهاء وحتى لا يفهم منه أن مذهب الجمهور مطابق لقول ابن حزم، استدرك ذلك بقوله: إلا أن «هؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس، والمعاني، وآثار الصحابة، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر» (٣). دليل من قال: الأصل في العقود الصحة الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: (ح-٣٥٣) ما رواه البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج (٤).

стр. 2100

(ح-٣٥٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق. عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر (١). فذم الغدر، وكل من شرط شرطًا، ثم نقضه فقد غدر. وجه الاستدلال منها: أن النصوص السابقة دلت على الأمر بالوفاء بالعهود، والشروط، والمواثيق، والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك وعلى النهي عن الغدر، ونقض العهود والخيانة، والتشديد على من يفعل ذلك ولو كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشرع لم يجز أن يؤمر بها مطلقًا، ويذم من نقضها وغدر مطلقًا. كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع، أو أوجبه لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس، ويحمل على القدر المباح بخلاف ما كان جنسه واجبًا كالصلاة والزكاة فإنه يؤمر به مطلقًا وإن كان لذلك شروط وموانع، فينهى عن الصلاة بغير طهارة وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض ويجب السكوت والتعريض وإذا كان حسن الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به علم أن الأصل صحة العقود والشروط إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده ومقصوده: هو الوفاء به وإذا كان الشرع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة (٢).

стр. 2101

وأجيب: بأن الأمر بالوفاء بالعقود والعهود إنما هو مخصوص في عقد، أو عهد جاء الشرع بالإلزام به، بدليل أنها لا تشمل الأمر بالوفاء بالعقود والعهود التي نهى الشرع عنها. ورد هذا الجواب: بأن هذا التخصيص لا وجه له، بل يدخل فيها كل عقد وعهد نص الشارع على الوفاء به بخصوصه، كما يدخل فيها العقود والعهود التي لم ينص الشارع على الوفاء بها بخصوصها، ولم ينهنا عن الوفاء بها، لدخولها في العموم، فأين النص على إخراجها من عموم النص، فلا يخصص النصوص الشرعية ولا يقيد ما أطلقه الشارع إلا بنص منه، فكما أن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] يدخل فيه جميع الصلوات المفروضة، وقوله ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ليس مخصصًا لما أطلق من عموم الصلوات، نعم ما نهينا عنه بخصوصه كالصلاة في المقبرة مثلًا يخرج من العموم، فكذلك القول في العقود، فالعقود التي نهينا عنها بخصوصها غير داخلة لخروجها من العموم بالمخصص، والتي لم ننه عنها داخلة في عموم الأمر بالوفاء بالعقود، ولا يحتاج النص على آحادها، لأن هذا أمر يطول. الدليل الثاني: «الأمور قسمان: عبادات ومعاملات، فالعبادات الأصل فيها التحريم؛ لأن التعبد لا بد فيه من الإذن الشرعي على فعله، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم دينًا من قبل أنفسهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].

стр. 2102

وأما المعاملات فالأصل فيها الحل، حتى يأتي دليل شرعي يمنع من ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالبيع مطلق يشمل كل بيع إلا ما دل الدليل الخاص على تحريمه وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فلم يشترط إلا مجرد الرضى. فإذا كانت العقود والشروط من باب الأفعال العادية فالأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما أن الأعيان الأصل فيها عدم التحريم وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾» [الأنعام:١١٩] عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة; لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة وأيضًا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله بعينه» (١). الدليل الثالث: (ح-٣٥٥) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه. عن جده أن رسول الله ﷺ قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢).

стр. 2103

[ضعيف] (١).

стр. 2104

وأجيب بجوابين: الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به. ورد هذا الجواب: بأنه وإن كان ضعيفًا في نفسه، فإن له طرقًا يتقوى بها، وممن رأى هذا الرأي ابن تيمية (١).

стр. 2105

والصحيح أنه لا حجة فيه، وتكفي الأدلة السابقة للاحتجاج على أن العقود والشروط الأصل فيها الحل إلا ما خالف الشرع، أو خالف مقتضى العقد كما سيأتي مزيد إيضاح له في بحث الشروط في البيع. الجواب الثاني: أن شروط المسلمين في الحديث هي الشروط التي نص الشارع على جوازها، وقد نص الرسول ﷺ على أن كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط. وسوف يأتي الجواب عن هذا الحديث عند الكلام على أدلة ابن حزم رحمه الله تعالى. دليل من قال: الأصل فيها الحظر . الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. وجه الاستدلال: فإذا كان الله قد أكمل لنا ديننا، ولم يفرط في الكتاب بترك الأشياء التي يحتاج إليها المسلمون، كان ذلك دليلًا على أن الشروط التي يحتاج إليها المسلمون، وتكون مباحة في حكم الله هي الشروط التي جاءت النصوص صريحة في إباحتها، كما لو اشترط رهنًا في البيع، أو اشترط الخيار لمدة معينة، أو اشترط عدم الخديعة، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص، فإن لم يكن هذا الشرط منصوصًا على إباحته بعينه لم يكن من الشروط المباحة. ويجاب عن ذلك: أنه ليس في إباحة إنشاء عقد، والالتزام به، أو اشتراط شرط، ووجوب
следующие страницы →