← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وأجيب: بأن الأمر بالوفاء بالعقود والعهود إنما هو مخصوص في عقد، أو عهد جاء الشرع بالإلزام به، بدليل أنها لا تشمل الأمر بالوفاء بالعقود والعهود التي نهى الشرع عنها. ورد هذا الجواب: بأن هذا التخصيص لا وجه له، بل يدخل فيها كل عقد وعهد نص الشارع على الوفاء به بخصوصه، كما يدخل فيها العقود والعهود التي لم ينص الشارع على الوفاء بها بخصوصها، ولم ينهنا عن الوفاء بها، لدخولها في العموم، فأين النص على إخراجها من عموم النص، فلا يخصص النصوص الشرعية ولا يقيد ما أطلقه الشارع إلا بنص منه، فكما أن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] يدخل فيه جميع الصلوات المفروضة، وقوله ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ليس مخصصًا لما أطلق من عموم الصلوات، نعم ما نهينا عنه بخصوصه كالصلاة في المقبرة مثلًا يخرج من العموم، فكذلك القول في العقود، فالعقود التي نهينا عنها بخصوصها غير داخلة لخروجها من العموم بالمخصص، والتي لم ننه عنها داخلة في عموم الأمر بالوفاء بالعقود، ولا يحتاج النص على آحادها، لأن هذا أمر يطول. الدليل الثاني: «الأمور قسمان: عبادات ومعاملات، فالعبادات الأصل فيها التحريم؛ لأن التعبد لا بد فيه من الإذن الشرعي على فعله، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم دينًا من قبل أنفسهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].

стр. 2102

وأما المعاملات فالأصل فيها الحل، حتى يأتي دليل شرعي يمنع من ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالبيع مطلق يشمل كل بيع إلا ما دل الدليل الخاص على تحريمه وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فلم يشترط إلا مجرد الرضى. فإذا كانت العقود والشروط من باب الأفعال العادية فالأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما أن الأعيان الأصل فيها عدم التحريم وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾» [الأنعام:١١٩] عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة; لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة وأيضًا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله بعينه» (١). الدليل الثالث: (ح-٣٥٥) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه. عن جده أن رسول الله ﷺ قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢).

стр. 2103

[ضعيف] (١).

стр. 2104

وأجيب بجوابين: الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به. ورد هذا الجواب: بأنه وإن كان ضعيفًا في نفسه، فإن له طرقًا يتقوى بها، وممن رأى هذا الرأي ابن تيمية (١).

стр. 2105

والصحيح أنه لا حجة فيه، وتكفي الأدلة السابقة للاحتجاج على أن العقود والشروط الأصل فيها الحل إلا ما خالف الشرع، أو خالف مقتضى العقد كما سيأتي مزيد إيضاح له في بحث الشروط في البيع. الجواب الثاني: أن شروط المسلمين في الحديث هي الشروط التي نص الشارع على جوازها، وقد نص الرسول ﷺ على أن كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط. وسوف يأتي الجواب عن هذا الحديث عند الكلام على أدلة ابن حزم رحمه الله تعالى. دليل من قال: الأصل فيها الحظر . الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. وجه الاستدلال: فإذا كان الله قد أكمل لنا ديننا، ولم يفرط في الكتاب بترك الأشياء التي يحتاج إليها المسلمون، كان ذلك دليلًا على أن الشروط التي يحتاج إليها المسلمون، وتكون مباحة في حكم الله هي الشروط التي جاءت النصوص صريحة في إباحتها، كما لو اشترط رهنًا في البيع، أو اشترط الخيار لمدة معينة، أو اشترط عدم الخديعة، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص، فإن لم يكن هذا الشرط منصوصًا على إباحته بعينه لم يكن من الشروط المباحة. ويجاب عن ذلك: أنه ليس في إباحة إنشاء عقد، والالتزام به، أو اشتراط شرط، ووجوب

стр. 2106

الوفاء به زيادة في دين الله؛ لأن دين الله هو الذي أثبت ذلك، ودل عليه، كما أن إباحة طعام ما، لم يأت نص من الشرع على إباحته بخصوصه، لا يدل على تحليل ما حرم الله؛ لأن المحرم من الأطعمة منصوص عليه، وما عداه فهو حلال، فكذلك العقود والشروط المحدثة الأصل فيها الحل حتى يأتي نهي من الشرع يدل على تحريمها، وكمال الدين وإتمام النعمة يدخل فيه توضيح القواعد العامة التي يتخرج عليها فروع كثيرة، ومنها حل العقود والشروط التي لم ينص عليها الشارع، كما بينا ذلك في أدلة القول الأول. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:١٤]. وجه الاستدلال: أن كل عقد أو شرط لم يأت نص في إباحته فالقول بجوازه تعد لحدود الله. وأجيب: بأن تعدي حدود الله إنما يكون في تحريم ما أحله الله، أو في إباحة ما حرمه الله، أو في إسقاط ما أوجبه الله، أما إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه فليس فيه تعد لحدود الله، بل تحريم مثل ذلك المسكوت عنه هو من تعدي حدوده. الدليل الثالث: (ح-٣٥٦) من السنة ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة مرفوعًا في قصة عتق بريرة من حديث طويل، وقوله ﷺ : ما بال أقوام

стр. 2107

يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق (١). وفي رواية: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط (٢). فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٣). ويجاب عن ذلك من وجوه: الأول: أن قوله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله) المقصود بالشرط هنا: هو المشروط، كما يقال: درهم ضرب الأمير: أي مضروب الأمير، ومعناه: من اشترط شيئًا لم يبحه الله، أو من اشترط ما ينافي كتاب الله لقوله: (كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق) أي كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، وأما إذا لم يكن الشرط مما حرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: كتاب الله أحق، وشرطه أوثق. الوجه الثاني: أن المقصود بقوله: (ليس في كتاب الله) أي في حكم الله، بدليل أن الحكم بالولاء لمن أعتق ليس منصوصًا عليه في كتاب الله، وإنما هو مما جاءت به السنة،

стр. 2108

وقد دلت العمومات من الكتاب والسنة على أن الأصل في العقود، والشروط الإباحة، فيصدق على الشروط التي لم يحرمها الشرع أنها في كتاب الله. الوجه الثالث: أن قوله في الحديث: (ليس في كتاب الله) يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه، فإذا قيل: هذا في كتاب الله، فإنه يشمل ما هو فيه بالعموم والخصوص، بدليل أن الشرط الذي ثبت جوازه بالسنة، أو بالإجماع صحيح بالاتفاق، فيجب أن يكون في كتاب الله، وقد ذكرنا في أدلة القول الأول الأدلة على جواز العقود والشروط التي لم يحرمها الشرع، فتكون إباحتها في كتاب الله، سواء جاء النص على إباحتها بعمومها، أو بخصوصها، وسواء كان حكم الإباحة في كتاب الله، أو في سنة رسوله ﷺ ؛ لأن الله قد أمرنا باتباع السنة، فتكون إباحتها في كتاب الله بهذا الاعتبار (١). الدليل الرابع: هذا العاقد، أو المشترط شيئًا ليس في كتاب الله النص على إباحته لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلًا: إما أن يكون التزم فيه إباحة ما حرمه الله تعالى، أو التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى، أو التزم إسقاط ما أوجبه الله تعالى، أو أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى، وكل هذه الوجوه الأربعة تعد لحدود الله، وخروج عن الدين. وأجيب: بأن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا يحرم ما أباحه الله فإن

стр. 2109

شرطه يكون حينئذ إبطالًا لحكم الله وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه فمقصود الشروط: وجوب ما لم يكن واجبًا، ولا حرامًا، وعدم الإيجاب ليس نفيًا للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبًا أو يبيح لكل منهما أو لأحدهما ما لم يكن مباحًا أو يحرم على كل منهما أو على أحدهما ما لم يكن حرامًا وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط قال: لأنها إما أن تبيح حراما، أو تحرم حلالًا، أو توجب ساقطًا، أو تسقط واجبًا وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض، وليس كذلك بل كل ما كان حراما بدون الشرط، فالشرط لا يبيحه كالزنا، وكالوطء في ملك الغير وكثبوت الولاء لغير المعتق ونحوها، وأما ما كان مباحًا بدون الشرط، فالشرط يوجبه ولا مانع، كالزيادة في مهر المثل، والرهن، وتأخير الاستيفاء، فإذا شرطه صار واجبًا، ولا يجب بغير الشرط (١). الراجح من الخلاف: القول الذي لا يسع الناس غيره، أن العقود والشروط الأصل فيها الحل حتى يثبت دليل على التحريم، والقول بالمنع فيه تضييق بلا حجة أو برهان، والله أعلم. * * *

стр. 2110

المبحث الثالث الشرط العرفي كالشرط اللفظي يتعين تحكيم العرف في عقود المعاوضات، سواء في بيان المقصود من ألفاظهم، أو فيما تعارفوا عليه من الشروط، فإذا كان عرف الناس على أن المهر يقسم إلى قسمين: مقدم ومؤخر، كما هو الحال اليوم في بعض البلاد الإسلامية، كان المؤخر في حكم المشروط ولو لم يذكر في العقد؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب البيوع: باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع، والإجارة، والمكيال، والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة» (١). وقال الطبري: «إن الحكم بين المسلمين في معاملاتهم وأخذهم وإعطائهم على المتعارف المستعمل بينهم» (٢). وأما النصوص عن الحنفية رحمهم الله تعالى، فقد قال الكاساني: «العرف إنما يعتبر في معاملات الناس فيكون دلالة على غرضهم» (٣).

стр. 2111

وقال السرخسي: «الثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النص» (١). وقال أيضًا: «الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي» (٢). وقال أيضًا: «مطلق العقد يتقيد بدلالة العرف» (٣). وقال أيضًا: «الثابت بالعرف كالثابت بالشرط» (٤). وقال في مجمع الأنهر: «الأحكام تبتنى على العرف، فيعتبر في كل إقليم وفي كل مصر عرف أهله» (٥). وفي مجلة الأحكام العدلية: «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص» (٦). وفيها أيضًا: «المعروف بين التجار كالمشروط بينهم» (٧). وأما النصوص عن المالكية: فقال في المعيار المعرب: «العرف أحد أصول الشرع» (٨). وفيه أيضًا: «تنزيل العقود المطلقة على العوائد المتعارفة أصل من أصول الشريعة» (٩). وقال ابن العربي في أحكام القرآن: «وما جرى به العرف فهو كالشرط حسبما

стр. 2112

بيناه في أصول الفقه، من أن العرف والعادة أصل من أصول الشريعة، يقضى به في الأحكام» (١). وأما النصوص عن الشافعية ﵏: فقال الماوردي في الحاوي الكبير: «العرف المعتاد يجري في العقود مجرى الشرط» (٢). وقال العز بن عبد السلام: «الإتلاف بالإذن العرفي منزل منزلة الإتلاف بالإذن اللفظي» (٣). وقال ابن حجر الهيتمي: «العبرة في العقود إنما هو بعرف المتعاقدين» (٤). وقال النووي: «الله تعالى أحل البيع، ولم يثبت في الشرع لفظ له، فوجب الرجوع إلى العرف، فكل ما عده الناس بيعًا كان بيعا، كما في القبض، والحرز، وإحياء الموات، وغير ذلك من الألفاظ المطلقة فإنها كلها تحمل على العرف» (٥). وقال السيوطي: «كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف» (٦). وأما النصوص عن الحنابلة، قال ابن قدامة: «العرف الجاري يقوم مقام القول» (٧).

стр. 2113

وقال أيضًا: «إطلاق العقد يقتضي المتعارف، فصار كالمشروط» (١). وقال أيضًا: «الإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي» (٢). وقال ابن تيمية: «الشرط العرفي كالشرط اللفظي» (٣). وقال ابن القيم: «المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا» (٤). وقال أيضًا: «جرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع ... » ثم ذكر أمثلة كثيرة على ذلك، منها نقد البلد في المعاملات، ودخول الحمام وإن لم يعقد عقد إجارة مع صاحبه (٥). ولو كتبت النصوص التي اجتمعت لي باعتبار العرف في العقود والشروط لجاء كتيبًا لطيفًا، ويكفي منه ما أشرت إليه فيما تقدم. الدليل على اعتبار العرف في العقود . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وقال سبحانه: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء:٤]. ولم يجعل لحصول التراضي وطيب النفس لفظًا معينًا لا في الشرع، ولا في اللغة، فكان المرجع فيما لم يجعل له حد في الشرع، ولا في اللغة إلى العرف.

стр. 2114

الدليل الثاني: أن الله لم يقدر بعض الحقوق، وإنما جعل تقديرها راجعًا إلى عرف الناس، وهذا دليل على تحكيم العرف. قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]. قال ابن تيمية: «الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف، وليست مقدرة بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلد والأزمنة، وحال الزوجين وعادتهما، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] وقال النبي ﷺ : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (١). وقال: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٢) (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٦]. وكل مطلقة لها على زوجها أن يمتعها ويعطيها ما يناسبها ويناسب حاله وحالها، وهذا يرجع إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الأحوال. وقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].

стр. 2115

وليس هناك ضابط لمعرفة المتوسط إلا بالعرف والعادة. الدليل الثالث: قدمت في المسألة السابقة الأدلة على أن المقاصد والمعاني معتبرة في العقود، ومقدمة على ظاهر اللفظ، ولا شك أن العرف يحدد مقصود المتعاقدين؛ لأن عامة الناس ممن يشتغل بالتجارة قد لا يعرف الحقائق اللغوية والشرعية للألفاظ، ولكن عامتهم يعرفون الحقائق العرفية لجريانها بينهم. * * *

стр. 2116

الفصل الأول الشروط الصحيحة المعتبرة في العقود المبحث الأول اشتراط ما يقتضيه العقد تعريف هذا الشرط: قال ابن نجيم: «معنى كون الشرط يقتضيه العقد: أن يجب بالعقد من غير شرط» (١). فهو شرط لازم مستحق بموجب العقد سواء ذكر في العقد أو لم يذكر، فذكره لا ينفع العقد، وعدم ذكره لا يضره، وإنما ذكره يأتي من باب البيان والتوكيد ليس إلا. مثال الشروط التي يقتضيها العقد: قال الكاساني: «وأما الشرط الذي يقتضيه العقد ... . كما إذا اشترى بشرط أن يتملك المبيع، أو باع بشرط أن يتملك الثمن، أو باع بشرط أن يحبس المبيع، أو اشترى على أن يسلم المبيع، أو اشترى جارية على أن تخدمه، أو دابة على أن يركبها، أو ثوبا على أن يلبسه، أو حنطة في سنبلها، وشرط الحصاد على البائع، ونحو ذلك فالبيع جائز; لأن البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط، فكان ذكرها في معرض الشرط تقريرًا لمقتضى العقد، فلا توجب فساد العقد» (٢).

стр. 2117

حكم اشتراط مثل هذا الشرط: [م -٣٩٥] اتفق الأئمة الأربعة ﵏ بأن كل شرط يقتضيه العقد فهو شرط صحيح، لازم، تترتب عليه آثاره الشرعية (١)، وحكي الإجماع على صحته، وإليك بعض النصوص عنهم: «قال المازري: الشروط ثلاثة: شرط يقتضيه العقد، كالتسليم، والتصرف، فلا خلاف في جوازه، ولزومه، وإن لم يشترط» (٢). قال ابن القيم: «إنَّ شَرْط ما يقتضيه العقد أو ما هو من مصلحته، كالرهن، والتأجيل، والضمين، والنقد، جائز بلا خلاف، تعددت الشروط أو اتحدت» (٣). وقال في مطالب أولي النهى: «ويصح شرط كل ما يقتضيه العقد بلا نزاع» (٤). * * *

стр. 2118

الفصل الثاني اشتراط صفة لازمة مباحة في المعقود عليه [م-٣٩٦] من الشروط الصحيحة اشتراط صفة لازمة مباحة في المعقود عليه. مثال ذلك: كأن يشترط المشتري أن يكون الطير معلمًا، وأن تكون الأرض زراعية، أو رملية، أو أن تكون الأرض مستوية، أو أن تكون السيارة مكيفة، أو غيرها من الصفات اللازمة. فقد اتفق الأئمة على صحة اشتراط مثل هذا الشرط (١). واستدلوا على صحة مثل هذا الشرط بما يلي: الدليل الأول: الإجماع على صحة مثل هذا الشرط. قال النووي: «الضرب الثاني: أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد، لكن فيه مصلحة للعاقد .... كشرط كون العبد المبيع خياطًا، أو كاتبًا، ونحوه، فلا يبطل العقد أيضًا بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط» (٢). وقال ابن قدامة: «والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام ..... الثاني: تتعلق به

стр. 2119

مصلحة العاقدين، كالأجل، والخيار ... أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا شرط جائز، يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافًا» (١). وقال في الإنصاف: «الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن، كتأجيله ... أو صفة في المبيع نحو كون العبد كاتبًا، أو خصيًا، أو صانعًا، أو مسلمًا، أو الأمة بكرًا، أو الدابة هملاجة، والفهد صيودًا، فيصح الشرط بلا نزاع» (٢). الدليل الثاني: (ح-٣٥٧) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه. عن جده أن رسول الله ﷺ قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الثالث: أن هذا الشرط بهذه الصفة ما هو إلا التزام أمر موجود عند العقد، لا يتوقف على إنشاء أمر مستقبل، فيصح (٥). * * *

стр. 2120

الفرع الأول اشتراط الحمل في الدابة [م-٣٩٧] اختلف العلماء في بيع الحيوان بشرط الحمل على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٣). القول الثاني: يصح الشرط، وهو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة (٤)، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٥)، وهو مذهب الحنابلة (٦). القول الثالث: يصح اشتراطه في الجارية، ولا يصح في غيرها، وهو قول في مذهب الحنفية (٧)، وقول في مذهب الشافعية (٨).

стр. 2121

القول الرابع: اشتراط الحمل يصح بشرط أن يكون الحمل ظاهرًا، ويقصد به البراءة من الحمل، وهذا مذهب المالكية (١). وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة، وبيان ا لراجح في مسائل تتعلق بالحيوان الحامل، من ذلك بيع الحيوان الحامل، وبيع الحمل وحده، وحكم استثناء الحمل من الصفقة، واشتراط الحمل في الدابة، فأغنى عن إعادته هنا، فالحمد لله على توفيقه. وقد رجحت القول بصحة اشتراط الحمل مطلقًا في البهائم والجواري؛ لأن المشتري لا يشترط صفة في الحمل يمكن أن يقال: إنه يصعب الوقوف عليها، كما لو اشترط كون الحمل أنثى، أو ذكرًا، وإنما يشترط كون الدابة حاملًا، ومعرفة هذا أمر بين يعرفه أدنى من له خبرة في البيع والشراء بالدواب، وإذا لم يكن هناك حمل يكون للمشتري الخيار كما لو اشترى شيئًا موصوفًا فلم يجد الصفة التي اشترطها في المبيع. * * *

стр. 2122

الفرع الثاني اشتراط أن تكون الدابة ذات لبن [م-٣٩٨] إذا اشترط المشتري أن تكون الدابة لبونًا، أو حلوبًا، فهل يصح اشتراط مثل ذلك الشرط. اختلف العلماء في هذا على قولين: القول الأول: الشرط صحيح، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والراجح في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: لا يجوز، اختاره بعض الحنفية (٥)، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٦)، تعليل من قال: الشرط صحيح: اشتراط كونها لبونًا صفة مقصودة يمكن التحقق منها، وتأخذ حصة من

стр. 2123

الثمن، وللمشتري في ذلك غرض صحيح، وتختلف الرغبات باختلاف ذلك، فلا مانع من اشتراطه، ولو لم يصح اشتراط مثل ذلك لفاتت الحكمة التي من أجلها شرع البيع. دليل من قال: لا يصح الشرط: لم يفرق هذا القول بين اشتراط أنها تحلب كذا وكذا، وبين اشتراط كونها حلوبًا، لأن اللبن في حقيقته زيادة مال منفصل، ولا تكون لبونًا أو حلوبًا إلا به، وتلك الزيادة مجهولة، فيصير كما لو اشترى الدابة على أنها حامل (١). ويناقش: بأن هناك فرقًا كبيرًا بين اشتراط أن تحلب الدابة مقدارًا معينًا لا يمكن ضمان مثله، خاصة أن الدابة يتغير لبنها في اليوم، وذلك بحسب المكان والطعام بخلاف اشتراط كونها ذات لبن، فيصدق الشرط عرفًا على الكمية المعتادة. وأما المنع من اشتراط اللبن قياسًا على اشتراط الحمل، فلم يسلم الحكم في المقيس عليه حتى يسلم الحكم في المقيس، فالراجح أنه لا يمنع من اشتراط كون الدابة حاملًا، وعلى تقدير أن اشتراط الحمل لا يصح فإن هناك فرقًا، وذلك أن اللبن يمكن التحقق من وجوده، بخلاف الحمل. * * *

стр. 2124

الفرع الثالث في اشتراط أن يكون الحيوان معلمًا [م-٣٩٩] اختلف الفقهاء فيمن اشترى كالسباع والطيور التي تصلح للصيد، واشترط كونها معلمة، أو اشترى دابة، واشترط أن تكون هملاجة: القول الأول: الشرط صحيح، وهو مذهب الحنابلة قولًا واحدًا (١)، واختاره من الحنفية أبو يوسف (٢)، وإحدى الروايتين عن محمد (٣). القول الثاني: لا يصح اشتراط الاصطياد، وهو القول الثاني لمحمد بن الحسن (٤). وجه من قال: يجوز الاشتراط: قالوا: تعليم السباع الاصطياد مباح ليس بمحظور، فأشبه شرط الكتابة في العبد، والطبخ في الجارية. ولأنه شرط يمكن الوقوف عليه، بأن يأخذ المصيد فيمسكه على صاحبه، فلا يكون في اشتراطه خطر، ولا غرر.

стр. 2125

تعليل محمد بن الحسن بأنه لا يجوز اشتراط الصيد في الحيوان . اشتراط الاصطياد فيه غرر، إذ لا يمكن الوقوف عليه إلا بالاصطياد، والجبر عليه غير ممكن، ولأن الجبر عليه فيه تعذيب للحيوان، وتعذيب الحيوان لا يجوز. الراجح: القول بالجواز هو الراجح، لقوة تعليله، وضعف تعليل المانع من الجواز. * * *

стр. 2126

الفرع الرابع في اشتراط التصويت في الطير ونقل الرسائل [م-٤٠٠] لو اشترى قمرية على أنها تصوت، أو طيرًا على أنه يجيء من مكان بعيد، فهل يصح الشرط. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز اشتراط ذلك، وهو إحدى الروايتين عن محمد بن الحسن، واختاره أبو يعلى من الحنابلة (١). قال في البدائع: «ولو اشترى قمرية على أنها تصوت، أو طيرًا على أنه يجيء من مكان بعيد، أو كبشًا على أنه نطاح، أو ديكًا على أنه مقاتل (٢)، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة ﵀، وهو إحدى الروايتين عن محمد ﵀; لأنه شرط فيه غرر، والوقوف عليه غير ممكن ; لأنه لا يحتمل الجبر عليه، فصار كشرط الحبل؛ ولأن هذه صفات يتلهى بها عادة، والتلهي محظور، فكان هذا شرطًا محظورًا، فيوجب فساد البيع» (٣).

стр. 2127

القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى جواز اشتراط مثل ذلك (١). وقال محمد بن الحسن: إذا باع قمرية على أنها تصوت، فإذا صوتت جاز البيع (٢). دليل من قال بالجواز: التصويت في الحيوان مقصود، واشتراطه غرض صحيح، ولا يؤدي اشتراطه إلى غرر؛ إذ يمكن الوقوف عليه، فهو كاشتراط الصيد في الحيوان، والهملاجة في الدابة. وأما محمد بن الحسن فإنه اشترط لجواز البيع أن تصوت، وعلل ذلك: بأنها لما صوتت علم أنها مصوتة، فانتفى الغرر. قال الكاساني: وعلى هذه الرواية، قالوا في المحرم إذا قتل قمرية مصوتة: أنه يضمن قيمتها مصوتة (٣). الراجح: جواز الاشتراط؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، فلا يحرم منها إلا ما خالف نصًا، أو كان محرمًا في ذاته، أو خالف مقتضى العقد، وهو ما لم يتوفر هنا. * * *

стр. 2128

الفصل الثالث من الشروط الصحيحة اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه المبحث الأول بيان معني هذا الشرط قولنا: (لا يقتضيه العقد): أي أن هذا الشرط إذا أطلق العقد لا يقتضيه، فلا يستحق بمجرد العقد، فلا بد من اشتراطه في العقد حتى يقتضيه، فإذا لم يذكر في العقد لم يستحق العاقد المطالبة به أو بعبارة أخرى: العقد يقتضي الإطلاق في التصرف والتخيير، بينما الشرط يقتضي الإلزام والتقييد، ومن هذا جاء أن هذا الشرط لا يقتضيه إطلاق العقد. وقولنا: (لا ينافيه) أي لا ينافي مقتضى العقد، فمقتضى العقد أن يملك المشتري المبيع، ويملك البائع الثمن، فإذا اشترط عليه شرطًا ينافي هذه الملكية أصبح الشرط منافيًا لمقتضى العقد، كما لو اشترط عليه ألا ينتفع بالمبيع، وكذلك لو شرط المشتري أن لا خسارة عليه، فهذا الشرط ينافي مقتضى العقد، فالشرط الذي نحن بصدده: هو شرط لا يقتضيه العقد، ولكن لا ينافيه. وقد أطلق الحنفية على هذا الشرط: الشرط الذي لا يقتضيه العقد، ولكنه ملائم له (١).

стр. 2129

وسماه المالكية: شرط لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه، فهو من مصلحته، ولا معارض له من جهة الشرع (١). وعبر عنه الشافعية: بأنه الشرط الذي لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة له (٢). وعبر عنه الحنابلة: بأنه شرط من مصلحة العقد (٣). وأمثلة هذا الشرط كثيرة جدًا، منها ما يتعلق بالثمن: كشرط الكفيل، وشرط الرهن. ومنها ما يتعلق بالمثمن كشرط تجربة المبيع. وقد يتعلق بهما كشرط الخيار لمدة معلومة، وشرط التأجيل لأحدهما، وسوف أفرد إن شاء الله تعالى لكل مسألة من هذه المسائل بحثًا مستقلًا، أعرض فيه كلام الفقهاء بشيء من التفصيل، وما لم يذكر فإنه مقيس على ما ذكر، أسأل الله عونه وتوفيقه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. * * *

стр. 2130

المبحث الثاني في حكم اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه اشتراط ما لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اشتراط ما فيه مصلحة تعود على العقد، كالرهن والضمان، والتأجيل، والشهادة، ونحوها. القسم الثاني: اشتراط ما ليس فيه مصلحة للعقد، كاشتراط منفعة معلومة، أو عمل في المعقود عليه، كحمل الحطب، أو خياطة الثوب، وكاشتراط سكنى الدار مدة معلومة، أو ركوب الدابة إلى مكان معين. والقسم الأول لم يقع فيه خلاف بين الفقهاء بخلاف القسم الثاني، وهذا ما سوف نتوجه لبيانه إن شاء الله من خلال الفصلين القادمين، نسأل الله عونه وتوفيقه. * * *

стр. 2131

الفرع الأول اشتراط مالا يقتضيه العقد ولا ينافيه وفيه مصلحة للعقد [م-٤٠١] اتفق الأئمة الأربعة على أن اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه، أنه شرط صحيح، لازم، تترتب عليه آثاره الشرعية، وحكي الإجماع على صحته، إلا أن الحنفية أجازوه من باب الاستحسان، وإن كان مقتضى القياس عندهم أنه لا يجوز: قال في بدائع الصنائع: «وجملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن، أن الرهن لا يخلو: إما أن يكون معلومًا، أو مجهولًا، فإن كان معلومًا، فالبيع جائز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز; لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسدًا، إلا أنا استحسنا الجواز; لأن هذا الشرط لو كان مخالفًا مقتضى العقد صورة، فهو موافق له معنى; لأن الرهن بالثمن شرع توثيقًا للثمن، وكذا الكفالة، فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة، فكان كل واحد منهما مقررًا لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن، وأنه لا يوجب فساد العقد، فكذا هذا ... » (١). وقال أيضًا: «وكذلك البيع بشرط إعطاء الكفيل، أن الكفيل إن كان حاضرًا في المجلس، وقبل، جاز البيع استحسانًا» (٢). فجعل الجواز من قبيل الاستحسان، لا من قبيل القياس.

стр. 2132

وقال أيضًا: «ولو اشترى شيئًا على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا، فالقياس أن لا يجوز هذا البيع، وهو قول زفر ﵀، وفي الاستحسان جائز» (١). ويناقش: بأن القول بأن اشتراط مثل ذلك يخالف القياس فيه نظر كبير؛ لأن البائع أو المشتري إذا اشترط ما فيه منفعة له مقصودة، ولم يكن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، وكانت الحاجة داعية إلى اشتراط مثل ذلك، فأين القول بأنه يخالف القياس، فمن حق البائع أن يطلب رهنًا؛ لأن تسليم الثمن واجب على المشتري، فإذا كان دفع الثمن سوف يتأخر، فمن أين له أن يضمن حقه إذا لم يطلب رهنًا بذلك، فاشتراط الرهن أو الضمان يؤكد ما يجب بالعقد، وما كان كذلك كان القياس جوازه، ولذلك قال الكاساني الحنفي: «الشرط الذي لا يقتضيه العقد، لكنه ملائم للعقد، لا يوجب فساد العقد أيضًا؛ لأنه مقرر لحكم العقد من حيث المعنى، مؤكد إياه .. » (٢). وأما سائر الأئمة، فقد رأوا جوازه، ولكن ليس من باب الاستحسان (٣). الأدلة على جواز اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه: الدليل الأول: دل القرآن الكريم على جواز اشتراط الرهن، ومثله مقيس عليه:

стр. 2133

قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. جاء في شرح ميارة: «اشتراط البائع في الثمن المؤجل أو المعجل أن يعطيه فيه رهنًا أو حميلًا، فإن ذلك كله جائز بنص الكتاب العزيز، فلا يتوهم فيه أنه من الشرط المؤثر في الثمن وهذا شرط صحيح معمول به، وهو مما لا يقتضيه عقد البيع ولا ينافيه، وفيه مصلحة للبائع» (١). وقال الشيرازي: «فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة كالخيار، والأجل، والرهن، والضمين، لم يبطل العقد؛ لأن الشرع ورد بذلك .. » (٢). والدليل على أن الشرع قد ورد بمثل ذلك، ما جاء في كتاب الله من جواز اشتراط تأجيل الثمن، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. (ح-٣٥٨) وروى البخاري من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة، ورهنه درعه (٣). ودلت السنة على جواز اشتراط الخيار لأحد المتعاقدين: (ح-٣٥٩) فقد روى البخاري من طريق عبد الله بن دينار. عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة (٤).

стр. 2134

فدل الحديث على جواز أن يشترط المشتري عند العقد مثل هذا الشرط، ويكون له الخيار في فسخ العقد أو إمضائه إذا ثبت أنه قد غُبِنَ في البيع. الدليل الثاني: نقل بعض العلماء الإجماع على جواز اشتراط ما لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه. قال النووي: «الضرب الثاني: أن يشترط ما لا يقتضيه إطلاق العقد، لكن فيه مصلحة للعاقد، كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة، ونحوها ... فلا يبطل العقد بلا خلاف، بل يصح، ويثبت المشروط» (١). وقال ابن القيم: «الأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن، والكفيل، والضمين، والتأجيل، والخيار ثلاثة أيام» (٢). وحكى الحافظ في الفتح الإجماع على اشتراط ما فيه مصلحة كالرهن (٣) الدليل الثالث: الحاجة تدعو إلى اشتراط مثل ذلك، وقد علل به الشيرازي من الشافعية (٤)، ولا يترتب على اشتراطه محذور شرعي، فكان القياس جوازه. * * *

стр. 2135

المطلب الأول في اشتراط الرهن في العقد [م-٤٠٢] اشتراط الرهن في العقد من الشروط الصحيحة، والتي دل على صحتها الكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] الآية ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. قال الجصاص: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد، فالوثيقة برهان مقبوضة» (١). (ح-٣٦٠) وأما السنة فقد روى البخاري من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود. عن عائشة ﵂، قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة، ورهنه درعه (٢). وأما دليل الإجماع على جواز الرهن، فقد حكاه جمع من أهل العلم. جاء في العناية في شرح الهداية: «الأمة اجتمعت على جوازه - يعني الرهن- من غير نكير» (٣).

стр. 2136

وقال الحطاب في مواهب الجليل: «ثبت - يعني الرهن - بالكتاب، والسنة، والإجماع» (١). قال الشافعي: «لا أعلم مخالفًا في إجازته» (٢). يعني الرهن. وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة» (٣). * * *

стр. 2137

المطلب الثاني في اشتراط الكفيل في العقد [م-٤٠٣] اشتراط الكفيل ويقال له: (الضمين، والحميل، والقبيل، والزعيم) (١)، اشتراط مثل هذا في العقد يعتبر من الشروط الصحيحة التي دل على صحتها الكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]. (ح-٣٦١) وأما السنة، فمنها ما رواه البخاري من طريق أبي عبيد. عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن النبي ﷺ أتي بجنازة، ليصلي عليها، فقال: هل عليه دين. قالوا: لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين. قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (٢). وأما الإجماع فقد قال في رد المحتار: «ودليلها - يعني الكفالة - الإجماع» (٣). وجاء في درر الحكام: «مشروعية الكفالة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة» (٤).

стр. 2138

وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة» (١). وقال البهوتي: «الضمان جائز إجماعًا في الجملة» (٢). كما أن الحاجة داعية إليه، فقد لا يطمئن البائع إلى المشتري، فيحتاج إلى من يكفله بالثمن، أو لا يطمئن المشتري إلى البائع، فيحتاج إلى من يكفله في المبيع (٣). * * *

стр. 2139

المطلب الثالث اشتراط التأجيل في العقد قال الماوردي: الآجال لا تثبت في العقود إلا بشرط كالآثمان (١). اشتراط الأجل في البيع تكلمنا عنه حين الكلام على تأجيل الثمن، في مباحث أحكام الثمن، وذكرنا تعريفه، وحكمه، إلا أننا هنا نتكلم عن التأجيل بإطلاق، سواء كان للمبيع أو للثمن، لأن التأجيل تارة يكون للمبيع، وتارة يكون التأجيل بتسليم الثمن. فاشتراط الأجل في تسليم المبيع (كالسلم) لقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». فالمؤجل هنا المبيع دون الثمن. وأما اشتراط الأجل بتسليم الثمن، كما لو اشترى رجل سلعة بثمن مؤجل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. واشتراط التأجيل في العقود من الشروط الصحيحة المعتبرة، ولكن أجازها الفقهاء بشروط، سوف نعرض لها في المباحث التالية، نسأل الله عونه وتوفيقه. الشرط الأول: أن يكون العوضان مما لا يجري فيهما ربا النسيئة، فإن كان مما يجري فيهما ربا النسيئة حرم التأجيل، وذلك كما لو باع دراهم بدراهم، أو باع برًا بشعير.

стр. 2140

قال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو بالفضة مؤجلًا، وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير» (١). ومستند الإجماع أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي غيرها، منها: الدليل الأول: (ح-٣٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن مالك بن أوس، سمع عمر بن الخطاب ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء (٢). (ح-٣٦٣) ومنها: ما رواه الشيخان من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣). (ح-٣٦٤) ومنها ما رواه البخاري بإسناده، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز (٤).
следующие страницы →