стр. 2136
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 14474
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
دبيان الدبيان
Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2137
المطلب الثاني
في اشتراط الكفيل في العقد
[م-٤٠٣] اشتراط الكفيل ويقال له: (الضمين، والحميل، والقبيل، والزعيم) (١)، اشتراط مثل هذا في العقد يعتبر من الشروط الصحيحة التي دل على صحتها الكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].
(ح-٣٦١) وأما السنة، فمنها ما رواه البخاري من طريق أبي عبيد.
عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن النبي ﷺ أتي بجنازة، ليصلي عليها، فقال: هل عليه دين. قالوا: لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين. قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (٢).
وأما الإجماع فقد قال في رد المحتار: «ودليلها - يعني الكفالة - الإجماع» (٣).
وجاء في درر الحكام: «مشروعية الكفالة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة» (٤).
стр. 2138
стр. 2139
المطلب الثالث
اشتراط التأجيل في العقد
قال الماوردي: الآجال لا تثبت في العقود إلا بشرط كالآثمان (١).
اشتراط الأجل في البيع تكلمنا عنه حين الكلام على تأجيل الثمن، في مباحث أحكام الثمن، وذكرنا تعريفه، وحكمه، إلا أننا هنا نتكلم عن التأجيل بإطلاق، سواء كان للمبيع أو للثمن، لأن التأجيل تارة يكون للمبيع، وتارة يكون التأجيل بتسليم الثمن.
فاشتراط الأجل في تسليم المبيع (كالسلم) لقوله ﷺ : «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم».
فالمؤجل هنا المبيع دون الثمن.
وأما اشتراط الأجل بتسليم الثمن، كما لو اشترى رجل سلعة بثمن مؤجل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
واشتراط التأجيل في العقود من الشروط الصحيحة المعتبرة، ولكن أجازها الفقهاء بشروط، سوف نعرض لها في المباحث التالية، نسأل الله عونه وتوفيقه.
الشرط الأول:
أن يكون العوضان مما لا يجري فيهما ربا النسيئة، فإن كان مما يجري فيهما ربا النسيئة حرم التأجيل، وذلك كما لو باع دراهم بدراهم، أو باع برًا بشعير.
стр. 2140
قال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو بالفضة مؤجلًا، وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير» (١).
ومستند الإجماع أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي غيرها، منها:
الدليل الأول:
(ح-٣٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن مالك بن أوس،
سمع عمر بن الخطاب ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء (٢).
(ح-٣٦٣) ومنها: ما رواه الشيخان من طريق أبي الأشعث.
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣).
(ح-٣٦٤) ومنها ما رواه البخاري بإسناده،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز (٤).
стр. 2141
وانظر ربا النسيئة في كتاب الربا من هذا الكتاب لمعرفة الأموال التي يجري فيها ربا النسيئة.
الشرط الثاني:
يشترط في المؤجل عند الجمهور أن يكون دينًا موصوفًا في الذمة، فلا يجوز التأجيل في المعقود عليه (ثمنًا، أو مثمنًا) إذا كان معينًا.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
فالآية تدل على جواز التأجيل في الديون، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى جواز تأجيل الأعيان، ولهذا قال الكاساني في البدائع: «التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان» (١).
وقال ابن عابدين: «الأعيان لا تقبل التأجيل» (٢).
وفي درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يصح البيع بتأجيل الثمن وتقسيطه بشرط أن يكون .... دينًا لا عينًا» (٣).
وقال الرملي: «الأعيان لا تقبل التأجيل ثمنًا، ولا مثمنًا» (٤).
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر الصفقة» (٥).
стр. 2142
وجاء في المجموع: «قال أصحابنا: إنما يجوز الأجل إذا كان العوض في الذمة، فأما إذا أجل تسليم المبيع أو الثمن المعين، بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فالعقد باطل» (١).
وعلل الحنفية والشافعية المنع من التأجيل في المعين بأنه إنما شرع الأجل لتحصيل المبيع، فإذا كان معينًا فقد تم تحصيله فلا حاجة له.
قال في العناية: «الأجل في المبيع العين باطل لإفضائه إلى تحصيل الحاصل، فإنه شرع ترفيهًا في تحصيله باتساع المدة، فإذا كان المبيع أو الثمن حاصلًا كان الأجل لتحصيل الحاصل .. » (٢).
وقال السيوطي: «الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل» (٣).
وعلل السمرقندي بأن الأجل في المعين لا يفيد، فقال: «ومنها: أن يشترط الأجل في المبيع العين، أو الثمن العين؛ لأن الأجل في الأعيان لا يفيد، فلا يصح، فيكون شرطًا لا يقتضيه العقد، فيفسد البيع» (٤).
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، وإذا جاز على الصحيح: أن يبيع الدار ويستثني سكناها مدة معينة، وهذا يقتضي عدم تسليم المعين، كما تجوز الإجارة على مدة لا تلي العقد على الصحيح، وهذا يعني تأخير تسليم المعين.
وأجاز ابن القاسم كراء الدابة المعينة تقبض بعد شهر (٥).
стр. 2143
فإذا جاز كل ذلك جاز تأجيل المعين، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله تعالى في اشتراط منفعة في المبيع لمدة معلومة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
الشرط الثالث:
يشترط لتأجيل الثمن أن تكون السلعة حالة أو معينة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع الدين بالدين.
«قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع ... » (١).
وقال ابن تيمية: «ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، بالمؤخر الذي لم يقبض، وهذا كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ» (٢).
وقد تقدم تفصيل هذه المسائل في أحكام بيع الدين بالدين عند الكلام على التصرف في الدين قبل قبضه، فأغنى عن إعادته هنا.
الشرط الرابع:
ألا يكون الثمن والمثمن من جنس واحد، وهذا الشرط عند الحنفية فقط، لأن الحنفية يرون تحريم النسيئة في كل ما اتحد جنسه، وإن لم يكن مكيلًا أو موزونًا، فيذهبون إلى تحريم النسيئة في بيع الثوب بالثوب، وفي بيع الحيوان بالحيوان إذا كانا من جنس واحد (٣).
стр. 2144
ووافقهم المالكية على ذلك بشرط أن يجمع بين التفاضل والنساء، وأن تتفق الأغراض والمنافع (١).
وخالف في ذلك الشافعية والحنابلة فلم يشترطوا ذلك في الأموال التي ليست ربوية، فأجازوا فيها التفاضل والنساء.
وسوف نأتي على ذكر أدلتهم إن شاء الله تعالى في كتاب الربا، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
* * *
стр. 2145
المطلب الرابع
الأحكام المتعلقة بالأجل
المسألة الأولى
أن يكون الأجل معلوما
قال الماوردي: الآجال المجهولة يبطل بها البيع (١).
وقال السرخسي: الآجال المجهولة إذا شرطت في أصل البيع فسد بها العقد (٢).
[م-٤٠٤] اتفق الفقهاء على صحة الأجل فيما يقبل التأجيل، إذا كان الأجل معلومًا (٣).
والدليل على اشتراط معلومية الأجل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 2146
(ح-٣٦٥) ومن السنة ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال.
عن ابن عباس ﵄، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم (١).
ومن المعقول: أن الأجل له حصة من الثمن، والثمن يشترط علمه.
فأما كيفية العلم به، فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمان بعينه، لا يختلف من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى جماعة، وذلك إنما يكون إذا كان محددًا باليوم، والشهر، والسنة.
وهل يشترط أن يكون الأجل بالأهلة (الشهور العربية) أو يصح بأي أجل معلوم للطرفين، وهل يصح التوقيت بالحصاد والجذاذ والعطاء، هذا ما سوف نبينه إن شاء الله من خلال المباحث التالية، نسأل الله عونه وتوفيقه.
стр. 2147
المسألة الثانية
أثر الجهالة في الأجل على عقد البيع
[م-٤٠٥] اختلف الفقهاء في تأثير جهالة الأجل إذا كانت فاحشة على صحة العقد على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
العقد فاسد، وهو مذهب الحنفية، بناء على تفريقهم بين العقد الفاسد والباطل (١).
القول الثاني:
العقد باطل، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 2148
القول الثالث:
العقد صحيح، والشرط باطل، وهو مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال: العقد فاسد:
أن البيع لا يقال عنه باطل؛ لأن الخلل لم يتطرق إلى ركن البيع، بل هو عقد مشروع بأصله، دون وصفه، فاستحق أن يكون فاسدًا (٢).
أما حكم البيع الفاسد: فإنه ينفذ بمجرد زوال صفة الفساد، ولا ينتج أثرًا قبل القبض، وأما إذا تم القبض بإذن البائع، فإنه يفيد الملك، ويضمن بالقيمة لا بالمسمى (٣).
وقد بحثت الفرق بين العقد الفاسد والعقد الباطل في مسألة مستقلة، وقارنت بين مذهب الحنفية وبين مذهب الجمهور، في أول الكتاب، وبينت الراجح، فأغنى عن إعادته هنا.
تعليل من قال: العقد باطل:
التعليل الأول:
الجهالة بالشرط تؤدي إلى الجهالة بالثمن، وذلك أن اشتراط الأجل يؤثر بالثمن، فكل ما كان توقيت الأجل بعيدًا كل ما زادت قيمة السلعة، والعكس بالعكس، فإذا كان الأجل مجهولًا أدى ذلك إلى جهالة بالثمن.
стр. 2149
التعليل الثاني:
أن الجهالة بالشرط نوع من الغرر، ويفضي إلى التنازع، فقطع ذلك ببطلان العقد.
دليل الحنابلة على صحة العقد وبطلان الشرط:
(ح-٣٦٦) استدلوا بما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا، فدل الحديث أن الشرط في البيع إذا تطرق إليه الخلل بطل الشرط وحده، ولم يبطل العقد، ومنه مسألتنا هذه حيث تطرق الخلل إلى الشرط الذي وضعه المتعاقدان، فيبطل الشرط وحده، فوجوده كعدمه، ويصح العقد.
стр. 2150
الراجح:
لا أرى الاستدلال بحديث بريرة على بطلان الشرط وحده، وذلك أن شرط الولاء ليس شرطًا ماليًا فليس له قيمة في الشرع، لنهي النبي ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته، متفق عليه (١).
فلا أرى قياس الشروط المالية على شرط غير مالي، فاشتراط الأجل له قيمة في العقد، وطوله وقصره له قيمة أيضًا، فإذا أبطلنا الشرط فلا بد أن نبطل عوضه، وإلا كيف يستحل البائع قيمة شرط لم يلتزمه، وإذا جهلنا قيمة الشرط عاد ذلك على الثمن بالجهالة، لأن عود المجهول على المعلوم يصير المعلوم مجهولًا، ولو فرض أننا عرفنا قيمة هذا الشرط، فإن للبائع أن يقول: أنا لم أرض بالثمن الجديد، ولم يخرج المبيع من ملكي إلا بالثمن الذي اتفقنا عليه، فلا بد من اتفاق جديد على ثمن جديد، فيعود البطلان إلى العقد.
* * *
стр. 2151
المسألة الثالثة
اشتراط أن يؤدي الثمن من بيعه
[م-٤٠٦] هذا الشرط قد يؤدي إلى جهالة الأجل في البيع؛ لأن تصريف المبيع قد يتحقق، وقد لا يتحقق، وإذا تحقق فقد يتحقق بعد أجل طويل، وقد يتحقق بعد أجل قصير، فتعود هذه المسألة إلى الجهالة بالأجل، وقد تكلمنا عن حكم البيع إذا كان الأجل المشروط مجهولًا في المسألة المتقدمة.
وقد نص الحنفية على هذه المسألة بخصوصها:
جاء في البحر الرائق: «ولو اشتراه على أن يؤدي الثمن من بيعه فهو فاسد إن شرط» (١).
* * *
стр. 2152
المسألة الرابعة
في اشتراط أن يكون الأجل بالشهور العربية
[م-٤٠٧] ذهب الشافعي إلا أن الأجل لا يكون معلومًا إلا إذا حدد بالأهلة (الشهور الهجرية)، وما سواه يعتبر مجهولًا (١)، وهو اختيار الخرقي، وابن أبي موسى من الحنابلة (٢).
واختار بعض الحنفية إلى أنه لا يجوز التأجيل إلى النيروز، والمهرجان، وصوم النصارى (٣).
وذهب المالكية (٤)، وجمهور الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وبعض الحنفية (٧)،
стр. 2153
إلى أن الأجل المعلوم هو الأجل المحدد المعروف للطرفين، سواء أكان مقدرًا بالأهلة، أم بشهور الروم، أم بغيرها مما هو معلوم للطرفين.
دليل من قال: لا يعلم التحديد إلا بالأهلة (الشهور الهجرية) .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥].
وقال أيضًا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].
وقال أيضًا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣].
وجه الاستدلال:
قال الشافعي: «أعلم الله بالأهلة جمل المواقيت، وبالأهلة مواقيت الأيام من الأهلة، ولم يجعل علمًا لأهل الإسلام إلا بها، فمن أعلم بغيرها، فبغير ما أعلم الله» (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
فهذه الآية تدل على أن التوقيت بالأهلة منذ خلق الله السموات والأرض، وقوله: (عند الله) أي في حكمه وشرعه.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
стр. 2154
وجه الدلالة:
قال الشافعي: «الأجل المسمى ما لا يختلف، والعلم يحيط أن الحصاد والجذاذ يتأخران ويتقدمان بقدر عطش الأرض وريها، وبقدر برد الأرض والسنة وحرها، ولم يجعل الله فيما استأخر أجلًا إلا معلومًا، والعطاء إلى السلطان يتقدم ويتأخر، وفصح النصارى عندي يخالف حساب الإسلام وما أعلم الله به، فقد يكون عامًا في شهر، وعامًا في غيره، فلو أجزناه إليه أجزناه على أمر مجهول، فكره؛ لأنه مجهول» (١).
الدليل الثالث:
أن التأجيل بحساب النصارى «خلاف ما أمر الله به ورسوله أن نتأجل فيه، ولم يجز فيه إلا قول النصارى، على حساب يقيسون فيه أيامًا، فكنا إنما أعلمنا في ديننا بشهادة النصارى، الذي لا نجيز شهادتهم على شيء، وهذا عندنا غير حلال لأحد من المسلمين» (٢).
مناقشة هذه الأدلة:
الاستدلال بالآيات تدل على أن الأهلة مواقيت، وهذا لا خلاف فيه، ولا يوجد في الآيات ما يدل على أنه لا يوجد مواقيت إلا الأهلة، وبينهما فرق.
والقول بأن التحديد بتقويم النصارى يؤدي إلى التحديد بمجهول غير مسلم؛ فالحس شاهد على أن التقويم الميلادي منضبط كالتقويم الهجري. والمزارعون اليوم لهم تقويم وحساب يتعلق بزراعة الأرض وحرثها، وحصادها، وهي أيام منضبطة، معلومة من السنة، وليست قائمة على الأهلة.
стр. 2155
وأما رد تلك التقاويم باعتبارها ليست إسلامية، فالمجال هنا لا يتعلق بالعبادات، ولا يتعلق بالأفضل، ولا نطالب بأن يجعل التقويم الميلادي بديلًا عن التقويم الهجري، ولكن الأمر يتعلق بعقد فيه أجل، وكان الأجل قد حدد بالتقويم الميلادي، فهل يتجرأ أحد على إفساد العقد بالقول بأن التأجيل في مثل هذا مجهول أو حرام.
دليل الجمهور على جواز التحديد بكل ما هو معلوم .
الدليل الأول:
قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢].
وقوله ﷺ : من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم (١).
وجه الدلالة:
لم يرد دليل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ على وجوب التوقيت بالأهلة، بل النصوص لم تشترط إلا أن يكون الأجل مسمى، وأن يكون معلومًا للمتعاقدين، بأي وسيلة كانت، سواء كان ذلك بالأهلة، أو بالتقويم الميلادي، أو بغيرها من الآجال المعلومة.
فالأجل المعلوم: كل ما يعرفه الناس فهو معلوم، بل إن التقويم الهجري في غالب البلاد الإسلامية لا يعرفونه، فلو قال قائل: إن الأجل فيه قد يصيره مجهولًا بالنظر إلى المتعاقدين لم يكن بعيدًا.
стр. 2156
الراجح:
مذهب الجمهور أقوى من حيث الاستدلال، ولذلك أكثر الشافعية لم يعتمدوا ما ورد في الأم، وأجازوا التوقيت بالأشهر غير العربية إذا كانت منضبطة لا تتقدم، ولا تتأخر، ومعروفة لدى المتعاقدين، كما بينت ذلك من خلال عرض الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 2157
المسألة الخامسة
إذا حدد التأجيل بالشهر وأطلق فلم يعين
[م-٤٠٨] إذا جعل أحد المتعاقدين الأجل بالأشهر، ولم يبين المراد منها.
فذهب الأئمة إلى أن الأشهر في هذه الحالة تنصرف إلى الأشهر الهلالية (١)؛ لأن الشهور في عرف الشارع هي الشهور الهلالية، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦].
قال في تحفة المحتاج: «وإن اطرد عرفهم بخلافه؛ لأنه عرف الشرع» (٢).
قلت: ينبغي أن يقيد ذلك بأن لا يعارضه عرف، فإن الحقيقة العرفية في المعاملات مقدمة على الحقيقة اللغوية والشرعية؛ لأن المتبع هو ما يفهمه المتعاقدان مما تعارفا عليه، وكان معبرًا عن إرادتهما بوضوح لا لبس فيه، ولا إشكال.
* * *
стр. 2158
المسألة السادسة
في التأجيل إلى الحصاد والجذاذ
[م-٤٠٩] اختلف العلماء في الأجل إلى الحصاد والجذاذ، هل هو أجل معلوم، أو يعتبر الأجل مجهولًا.
فقيل: لا يجوز التأجيل بالحصاد والجذاذ، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
وقيل: بل يجوز، وهو مذهب المالكية (٥)، وبه قال أبو ثور، وابن أبي ليلى (٦)، وهو وراية عن الإمام (٧)، وصوبه في الإنصاف (٨).
دليل من قال: لا يجوز التأجيل إلى الحصاد والجذاذ .
الدليل الأول:
(ث-٦٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن
стр. 2159
عكرمة،
عن ابن عباس، أنه كره إلى الأندر والعصير، والعطاء أن يسلف إليه، ولكن يسمي شهرًا (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
أن هذه الآجال قد تتقدم، وقد تتأخر فهي تختلف من موسم لآخر، بحسب الأمطار واعتدال المناخ، فيؤدي التأجيل بمثل ذلك إلى الجهالة والغرر المفضيان إلى المنازعة والخصام.
الدليل الثالث:
أن الآجال المعتبرة في الشرع ما كان في الأوقات دون الأفعال، لقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
فالآية تدل على أن أعلام الآجال يكون بما لا يتقدم، ولا يتأخر من الأيام والشهور، فأما ما يتقدم ويتأخر من أفعال العباد فإنه لا يجوز التوقيت فيه لكونه مجهولًا.
دليل من قال: يجوز التأجيل إلى الحصاد والجذاذ:
الدليل الأول:
(ح-٣٦٧) ما رواه أحمد من طريق جرير - يعني ابن حازم - عن محمد - يعني ابن إسحاق- عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن حريش، قال:
стр. 2160
سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار، ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك. قال: على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشًا على إبل من إبل الصدقة، فنفدت، وبقي ناس، فقال: رسول الله ﷺ : اشتر لنا إبلًا بقلائص من إبل الصدقة إذا جاءت حتى نؤديها إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين، والثلاث من قلائص، حتى فرغت، فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة (١).
وفي لفظ أبي داود: فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (٢).
[حسن] (٣).
стр. 2161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2163
وجه الاستدلال:
إذا جاز البيع إلى إبل الصدقة، جاز التأجيل إلى العطاء والحصاد والجذاذ، فهذه آجال معروف معلومة في العادة، وعلى تقدير أن فيها تقديمًا أو تأخيرًا فإنه يسير جدًا، والغرر اليسير مغتفر في الشريعة، فليس كل غرر يبطل العقد، كما بينا ذلك عند الكلام على حكم الغرر.
الراجح:
بعد استعراض الخلاف، أجد أن القول الذي أميل إليه هو القول بجواز التأجيل إلى الحصاد، والجذاذ، ويكون وقت حلول الأجل كما قال المالكية: وقت تعاظم الحصاد والجذاذ، والتفاوت اليسير من عام لآخر يعتبر من التفاوت المغتفر لحقارته، والله أعلم.
* * *
стр. 2164
الفرع الثاني
اشتراط مالا يقتضيه العقد ولا ينافيه وليس فيه مصلحة للعقد
[م -٤١٠] بعض الفقهاء يبحث هذا الشرط تحت مسمى (اشتراط البائع أو المشتري منفعة معينة، أو القيام بعمل معلوم في المعقود عليه) ولا مشاحة في الاصطلاح، ويمثل الفقهاء لهذه المسألة فيما لو باع رجل بيته واستثنى سكناه مدة معلومة، أو باع الدابة، واشترط ركوبها إلى مكان معين. وهذا الشرط فيه نفع للبائع.
وقد يكون النفع للمشتري كما لو اشترى حطبًا واشترط على البائع حمله إلى بيته، أو اشترط تكسيره، أو اشترى ثوبًا، واشترط المشتري على البائع خياطته.
وهذه الشروط ليس فيها مصلحة ترجع للعقد كالرهن والضمان والتأجيل، وإن كان فيه مصلحة للعاقد، وهذا بديهي، لأن أي شرط يضعه أحد العاقدين فلا بد فيه من مصلحة ما ترجع إليه، وإلا لما تكلف اشتراطه، المهم أن شرط حمل الحطب لا يرجع إلى عقد شراء الحطب بمصلحة، فهما عقدان مستقلان: عقد بيع، وعقد إجارة جمعا في عقد واحد، وكان عقد الإجارة مشروطًا في عقد البيع، فهذا الشرط هو ما سميناه: شرط لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه، وليس فيه مصلحة للعقد.
وقد اختلف العلماء في صحة مثل هذا الشرط على قولين:
القول الأول:
الشرط صحيح لازم، وهذا مذهب المالكية (١)،
стр. 2165
стр. 2166
والشافعية (١)، ورواية في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: الشرط باطل، والعقد صحيح، حكاه الطحاوي (٣).
والقائلون بالصحة قالوا ذلك بشروط، منها:
الشرط الأول:
أن تكون المنفعة المستثناة مباحة، فإن كانت محرمة فلا يجوز الاستثناء، كما لو باع أمة، واشترط الاستمتاع بها، فهذا لا يجوز.
الشرط الثاني:
أن تكون المدة المستثناة مدة يسيرة، لا يتغير فيها المبيع غالبًا، وهذا الشرط نص عليه المالكية.
стр. 2167
جاء في البيان والتحصيل: «وسئل عن رجل يبيع الدار بثمن إلى أجل، على أن يسكن الدار سنة، أترى الدين بالدين يدخل هذا. فقال: أما السكنى القريب، والأشهر اليسيرة فلا بأس به، قال: وقد سمعت مالكًا وربما خفف السنة، وهو أبعد ذلك عندي.
قال محمد بن رشد: لم يخفف إلا الأشهر والسنة، وكره ما هو أبعد من ذلك ...... وإنما كره مالك أن يستثني سكنى أكثر من السنة؛ لأنه رأى أن الدار يتغير بناؤها إلى هذه المدة، فلا يدري المشتري كيف ترجع إليه الدار التي اشترى، فهذا هو الأصل في هذه المسألة، أنه يجوز للبائع أن يستثني من المدة ما يؤمن تغيير بناء الدار فيها» (١).
وأجاز أبو ثور أن يستثني سكنى الدار مدة مسماة أو دهره كله، وخدمة العبد كذلك، وركوب الدابة كذلك.
وعلل ذلك بأن الأصل له والمنافع له، فباع ما شاء، وأمسك ما شاء (٢).
الشرط الثالث:
أن تكون المنفعة المستثناة معلومة .
وعلل ذلك ابن قدامة بقوله: «لأننا نزلنا ذلك منزلة الإجارة، فلو اشترط حمل الحطب إلى منزله، والبائع لا يعرف منزله، لم يصح» (٣).
دليل من قال: لا يصح للبائع أن يستثني منفعة في المبيع مدة معلومة .
الدليل الأول:
(ح-٣٦٨) روى مسلم ﵀ في صحيحه من طريق أيوب، عن أبي الزبير،
стр. 2168
وسعيد بن ميناء.
عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، وعن الثنيا، ورخص في العرايا (١).
ويجاب:
بأن النهى عن الثنيا المطلق في رواية مسلم ينبغي أن يقيد بالثنيا المجهولة؛ لأن استثناء المجهول يصير المعلوم مجهولًا، وأما الاستثناء إذا كان معلومًا فلا حرج في استثنائه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
علل الكاساني الفساد بقوله: «زيادة منفعة مشروطة في البيع، تكون ربا؛ لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع، وهو تفسير الربا، والبيع الذي فيه الربا فاسد» (٢).
стр. 2169
ويناقش:
بأن هذا التعليل عليل، فليس في الموضوع ربا، ولا شبهة الربا، وذلك أن البيع إذا كان فيه اشتراط كان ذلك محسوبًا من قيمة السلعة، فإن قيمة السلعة التي يتأخر تسليمها عن وقت العقد ليست كقيمة السلعة التي تسلم حالًا، وهذا معروف، فإذا اشترط سكناها لمدة شهر اختلفت قيمتها فيما لو استثناها لمدة سنة، مما يجعل هذه المنفعة المستثناة لها قيمة في السلعة، وعلى فرض ألا يكون لها قيمة، فإن الاستثناء أقوى من الابتداء، فإذا جاز تأجيل الثمن مدة معلومة، جاز تأجيل تسليم السلعة مدة معلومة، والانتفاع بها مدة التأجيل.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فليست كل زيادة تكون ربا، لأن الربا: هو زيادة في أموال مخصوصة، أو نسأ في أموال مخصوصة، وليست كل زيادة تكون من باب الربا.
الدليل الثالث:
أن اشتراط منفعة الدار يلزم منه تأجيل تسليم العين، والتأجيل إنما يصح في الديون، ولا يصح في الأعيان.
قال السرخسي: «هذا شرط أجل في العين، والعين لا تقبل الأجل» (١).
ويناقش:
إذا صح أن يؤجل تسليم العين إلى أن يحضر الثمن، وصح أن ترهن العين في مقابل تأجيل الثمن، وهو تأجيل للعين، فما المانع أن يصح التأجيل في الأعيان، ثم إن هذا التعليل نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، فقد باع جابر جمله، واستثنى ظهره إلى المدينة، فدل على جواز التأجيل في الأعيان.
стр. 2170
وقال ابن القيم: «بعض أصحاب الإمام أحمد يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء على هذا الأصل الذي قد تبين فساده وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد وعن هذا الأصل قالوا: لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة ; فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج، ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير، لا ينقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل قالوا: هذا مستثنى بالعرف فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع; فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع» (١).
الدليل الرابع:
قال العيني في عمدة القارئ: «أبطل أبو حنفية البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط».
والنهي عن بيع وشرط.
(ح-٣٦٩) رواه الطبراني في المعجم، الأوسط، قال:
حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، قال: أخبرنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قدمت مكة، فوجدت فيها أبا حنيفة،
стр. 2171
وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، قلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا، قال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم علي في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني عمرو ابن شعيب، عن أبيه،
عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط.
البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة، فأعتقها.
البيع جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار،
عن جابر بن عبد الله، قال: بعت النبي ﷺ ناقة، وشرط لي حملانه إلى المدينة.
البيع جائز، والشرط جائز (١).
[ضعيف جدًا، ومتنه منكر، فالمحفوظ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في بيع] (٢).
стр. 2172
والجواب من وجهين:
الوجه الأول:
أن الحديث ضعيف جدًا، قال ابن تيمية: «هذا حديث باطل، وليس في شيء من كتب المسلمين، وإنما يروى في حكايات منقطعة» (١).
وقال أيضًا: «يروى في حكاية عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعات من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه» (٢).
الوجه الثاني:
إذا كان اشتراط صفة قائمة في المعقود عليه تجوز إجماعًا، ولا تعتبر من قبيل النهي عن بيع وشرط، لم يكن استثناء منفعة معلومة من قبيل النهي عن بيع وشرط. قال ابن تيمية: «أجمع العلماء المعروفون من غير خلاف أعلمه عن غيرهم، أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه - كاشتراط كون العبد كاتبًا، أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك - شرط صحيح» (٣).
الدليل الخامس:
«احتج بعضهم: بأن الركوب إن كان من مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأن البائع شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله، ففاسد؛ لأن
стр. 2173
المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها لأنها طرأت في ملكه.
وتعقب:
بأن المنفعة المذكورة قدرت بقدر من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها، ونظيره: من باع نخلًا قد أبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري، أما لو علماه معًا فلا مانع ... » (١).
الدليل السادس:
قالوا: إذا اشترى الحطب واشترط عليه حمله، أو اشترى الدار، واشترط عليه سكناها لمدة معلومة أدخل الثمن في حد الجهالة، فيبطل العقد، وهكذا الشأن في كل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد.
وجه ذلك:
أنه إذا قال له: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تخيطه لي، أو قال: بعتك هذا الحطب بعشرة على أن تحمله لي، فإن العشرة التي هي الثمن: تنقسم على الثوب (المبيع) وعلى أجرة خياطته، وعلى قيمة الحطب (المبيع)، وعلى أجرة حمله، فلا يدرى كم حصة المبيع من الثمن وكم حصة الإجارة، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الثمن مجهولًا، وكل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد، وكذا كل عقد جمع بيعًا وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل (٢).
стр. 2174
ويناقش:
بأن الثمن في مثل ذلك معلوم، ولم يدخله هذا الشرط في حد الجهالة، كل ما هنالك أن ثمن المبيع وثمن الإجارة جمعا بثمن واحد، ولم يفرق الثمن على الصفقة، وهذا لا يضر، ولو صحت دعوى الجهالة في مثل هذا لقيل: لا يجوز بيع سلعتين بثمن واحد؛ لأننا لا نعلم قيمة كل سلعة على انفراد، ولم يقل أحد بأنه لا يجوز بيع السلعتين فأكثر بثمن واحد، وإذا احتيج إلى معرفة قيمة المبيع من قيمة الإجارة فرق الثمن عليهما، وأهل السوق يعرفون قيمة السلعة من قيمة الإجارة.
دليل من قال: يصح البيع والشرط:
الدليل الأول:
من الكتاب، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤].
الدليل الثاني:
(ح-٣٧٠) ما رواه البخاري من طريق زكريا، قال: سمعت عامرًا يقول،
حدثني جابر ﵁، أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبي ﷺ فضربه، فدعا له، فسار سيرًا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقيه، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بوقيه، فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل، ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على إثري، قال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك (١).
стр. 2175
ورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن المغيرة، عن عامر (الشعبي) به، بنحوه، وفيه: «فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة» (١).
ورواه مسلم من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه: «فلحقني النبي ﷺ ، فقال: بعنيه، فبعته بخمس أواق. قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره إلى المدينة».
ورواه يسار، عن الشعبي به، بلفظ: «فاشترى مني بعيرًا على أن لي ظهره».
ونوقش هذا:
بأن الحديث قد روي بألفاظ مختلفة بعضها لا يدل على الاشتراط.
من ذلك لفظ شعبة، عن مغيرة، عن عامر، عن جابر: «أفقرني رسول الله ﷺ ظهره إلى المدينة» (٢).
ورواه أبو عوانة عن مغيرة به، بلفظ: «بعنيه، ولك ظهره حتى تقدم» رواه النسائي (٣).
ورواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن عطاء.
عن جابر، أن النبي ﷺ قال له: قد أخذت جملك بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة (٤).