← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، قلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا، قال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم علي في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة، فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله، قال: بعت النبي ﷺ ناقة، وشرط لي حملانه إلى المدينة. البيع جائز، والشرط جائز (١). [ضعيف جدًا، ومتنه منكر، فالمحفوظ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في بيع] (٢).

стр. 2172

والجواب من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف جدًا، قال ابن تيمية: «هذا حديث باطل، وليس في شيء من كتب المسلمين، وإنما يروى في حكايات منقطعة» (١). وقال أيضًا: «يروى في حكاية عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعات من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه» (٢). الوجه الثاني: إذا كان اشتراط صفة قائمة في المعقود عليه تجوز إجماعًا، ولا تعتبر من قبيل النهي عن بيع وشرط، لم يكن استثناء منفعة معلومة من قبيل النهي عن بيع وشرط. قال ابن تيمية: «أجمع العلماء المعروفون من غير خلاف أعلمه عن غيرهم، أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه - كاشتراط كون العبد كاتبًا، أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب، أو قدر الأرض، ونحو ذلك - شرط صحيح» (٣). الدليل الخامس: «احتج بعضهم: بأن الركوب إن كان من مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأن البائع شرط لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله، ففاسد؛ لأن

стр. 2173

المشتري لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها لأنها طرأت في ملكه. وتعقب: بأن المنفعة المذكورة قدرت بقدر من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها، ونظيره: من باع نخلًا قد أبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول للبائع والمشتري، أما لو علماه معًا فلا مانع ... » (١). الدليل السادس: قالوا: إذا اشترى الحطب واشترط عليه حمله، أو اشترى الدار، واشترط عليه سكناها لمدة معلومة أدخل الثمن في حد الجهالة، فيبطل العقد، وهكذا الشأن في كل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد. وجه ذلك: أنه إذا قال له: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تخيطه لي، أو قال: بعتك هذا الحطب بعشرة على أن تحمله لي، فإن العشرة التي هي الثمن: تنقسم على الثوب (المبيع) وعلى أجرة خياطته، وعلى قيمة الحطب (المبيع)، وعلى أجرة حمله، فلا يدرى كم حصة المبيع من الثمن وكم حصة الإجارة، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الثمن مجهولًا، وكل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد، وكذا كل عقد جمع بيعًا وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل (٢).

стр. 2174

ويناقش: بأن الثمن في مثل ذلك معلوم، ولم يدخله هذا الشرط في حد الجهالة، كل ما هنالك أن ثمن المبيع وثمن الإجارة جمعا بثمن واحد، ولم يفرق الثمن على الصفقة، وهذا لا يضر، ولو صحت دعوى الجهالة في مثل هذا لقيل: لا يجوز بيع سلعتين بثمن واحد؛ لأننا لا نعلم قيمة كل سلعة على انفراد، ولم يقل أحد بأنه لا يجوز بيع السلعتين فأكثر بثمن واحد، وإذا احتيج إلى معرفة قيمة المبيع من قيمة الإجارة فرق الثمن عليهما، وأهل السوق يعرفون قيمة السلعة من قيمة الإجارة. دليل من قال: يصح البيع والشرط: الدليل الأول: من الكتاب، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤]. الدليل الثاني: (ح-٣٧٠) ما رواه البخاري من طريق زكريا، قال: سمعت عامرًا يقول، حدثني جابر ﵁، أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبي ﷺ فضربه، فدعا له، فسار سيرًا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقيه، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بوقيه، فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل، ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على إثري، قال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك (١).

стр. 2175

ورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن المغيرة، عن عامر (الشعبي) به، بنحوه، وفيه: «فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة» (١). ورواه مسلم من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه: «فلحقني النبي ﷺ ، فقال: بعنيه، فبعته بخمس أواق. قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره إلى المدينة». ورواه يسار، عن الشعبي به، بلفظ: «فاشترى مني بعيرًا على أن لي ظهره». ونوقش هذا: بأن الحديث قد روي بألفاظ مختلفة بعضها لا يدل على الاشتراط. من ذلك لفظ شعبة، عن مغيرة، عن عامر، عن جابر: «أفقرني رسول الله ﷺ ظهره إلى المدينة» (٢). ورواه أبو عوانة عن مغيرة به، بلفظ: «بعنيه، ولك ظهره حتى تقدم» رواه النسائي (٣). ورواه مسلم من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن عطاء. عن جابر، أن النبي ﷺ قال له: قد أخذت جملك بأربعة دنانير، ولك ظهره إلى المدينة (٤).

стр. 2176

وكل هذه الطرق ليس فيها دلالة على الاشتراط. قال ابن عبد البر: «اضطراب ألفاظ الناقلين لخبر جابر في ذلك كثير» (١). وأجاب الطحاوي عن حديث جابر من وجهين: الأول: أن الاستثناء حدث بعد تمام البيع، فلم يكن الاستثناء مشروطًا في عقدته. الثاني: أن النبي ﷺ أراد أن يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع. قال الطحاوي: «وجه هذا الحديث أن البيع إنما كان على ما كانت عليه المساومة من النبي ﷺ ثم كان الاستثناء للركوب من بعد فكان ذلك الاستثناء مفصولًا من البيع لأنه إنما كان بعده فليس في ذلك حجة تدلنا كيف حكم البيع لو كان ذلك الاستثناء مشروطًا في عقدته هل هو كذلك أم لا. وأما الحجة الأخرى فإن جابرًا ﵁ قال: لما قدمت المدينة، أتيت النبي ﷺ بالبعير فقلت: هذا بعيرك يا رسول الله. قال: لعلك ترى أني إنما ماكستك لأذهب ببعيرك يا بلال أعطه أوقية وخذ بعيرك فهما لك. فدل ذلك أن ذلك القول الأول لم يكن على التبايع. فلو ثبت أن الاشتراط للركوب كان في أصله بعد ثبوت هذه العلة لم يكن في هذا الحديث حجة؛ لأن المشترط فيه ذلك الشرط لم يكن بيعًا؛ ولأن النبي ﷺ لم يكن ملك البعير على جابر فكان اشتراط جابر للركوب اشتراطًا فيما هو له مالك. فليس في هذا دليل على حكم ذلك الشرط لو وقع في بيع يوجب الملك للمشتري، كيف كان حكمه.» (٢).

стр. 2177

ويجاب عن ذلك: أما الجواب عن دعوى الاضطراب: فيقال: لو انفرد راوٍ بذكر الاستثناء على طريقة الاشتراط لقلت: إن هذا الطريق شاذ، ولكن كونه ورد من أكثر من طريق وبعضها في الصحيحين، أو في أحدهما، وكلها تدل على أن الاستثناء ورد على طريق الاشتراط، فالطرق الأخرى، والتي لا تدل على الشرطية لا بد أنها رويت بالمعنى، ولا بد من المصير إلى ذلك؛ لأن القصة واحدة، وجاءت بألفاظ مختلفة، ولا تحتمل التعدد، وقوله: (ولك ظهره إلى المدينة) لا ينافي الاشتراط، فقد ورد اللفظان معًا في بعض الطرق، فقد رواه مسلم، بلفظ: «فبعته بخمس أواق. قال: قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال: ولك ظهره إلى المدينة». وقد قال الحافظ ابن حجر: «والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح، فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره؛ لأن قوله: ولك ظهره، وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه، لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك ... » (١). وقال أيضًا: «وما جنح إليه المصنف (البخاري) من ترجيح رواية الاشتراط هو الجاري على طريقة المحققين من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن إذا وقع فيه الاختلاف إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب الذي يرد به الخبر، وهو مفقود هنا مع إمكان الترجيح. قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون

стр. 2178

بعض، توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها بأن تكون رواتها أكثر عددًا، أو أتقن حفظًا، فيتعين العمل بالراجح؛ إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح ... » (١). وأما الجواب بأن الرسول لم يرد حقيقة البيع: فنقول: نعم، وهذه كانت نية مبيتة للرسول ﷺ ، ولم يبدها لجابر إلا عند وصوله إلى المدينة، وجابر قد اعتقد أن الرسول ﷺ يريد حقيقة الشراء، وعامله بهذه النية، فكانت صورة البيع صورة مشروعة، تمت فيها أركان البيع وشروطه، وكانت المساومة بين الرسول ﷺ وجابر محفوظة في هذا الحديث، ولو كانت الصورة باطلة لبين النبي ﷺ أن الطريقة التي تم فيها البيع كانت صورة باطلة، ليحيط علم جابر ببطلان مثل هذا الشرط في شريعة الله، وليبلغ الأمة حتى لا تعتد بمثل هذا الشرط، فلما لم يبين الرسول ﷺ لجابر أن الشرط باطل، ولما لم يعلل الرسول ﷺ رد الجمل بسبب أن الشرط باطل، علم أن الشرط صحيح، وإنما رده رسول الله ﷺ بسبب آخر، وهو إرادة النفع لجابر ﵁. الدليل الثالث: إذا كان استثناء جزء معلوم من المبيع كما لو باع بستانه إلا شجرة واحدة معلومة يجوز بالاتفاق، فكذلك استثناء منفعة معلومة مدة معلومة من هذا الباب، فالفرق أن هذا استثناء عين، وتلك استثناء منفعة، وهذا الفارق غير مؤثر في الحكم. قال النووي: «لو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة

стр. 2179

إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء .. » (١). (ح-٣٧١) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن نافع. عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من باع نخلًا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (٢). فإذا كان يصح للمشتري أن يستثني ما كان من حق البائع، جاز للبائع أن يستثني ما كان من حق المشتري، كما لو استثنى سكنى الدار، أو ركوب الدابة. أو بطريقة أخرى أن يقال: المنفعة المستثناة بالشرط لمدة معلومة صحيحة، قياسًا على المنفعة المستثناة بالشرع. الدليل الرابع: (ث-٦١) ما رواه أحمد من طريق سعيد بن جمهان، عن سفينة أبي عبد الرحمن، قال: أعتقتني أم سلمة، واشترطت علي أن أخدم النبي ﷺ ما عاش (٣). [إسناده أرجو أن يكون حسنًا] (٤).

стр. 2180

وجه الاستدلال: إذا صح استثناء خدمة العبد في العتق، صح استثناؤها في البيع. إلا أن هذا الدليل فيه إشكال عندي، وذلك أن استثناء نفع المبيع مدة الحياة مدة مجهولة وذلك أن أمد الحياة لا يعلمه إلا الله، فقد يطول وقد يقصر. إلا أن يقال: إن العقد عقد تبرع مشروط، ويجوز في التبرعات ما لا يجوز في المعاوضات. الدليل الخامس: ما الفرق بين أن يشري الدار، ويستثني سكناها مدة معلومة، أو الدابة ويستثني ركوبها إلى مكان معين، أو الماشية ويشترط سقيها وعلفها مدة معينة، وبين أن يشتري الثمرة قد بدا صلاحها، فيبقيها إلى الجذاذ، والتمكين من سقيها بمائها. فإذا صح أن يشتري الثمرة بشرط بقائها في ملك البائع إلى أوان جدادها، صح أن يشتري الدار، ويستثني سكناها مدة معينة (١).

стр. 2181

الدليل السادس: الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم ولا يبطل منها إلا ما دل على تحريمه وإبطاله نص، أو قياس صحيح. دليل من قال: العقد صحيح والشرط باطل: (ح-٣٧٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إن كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا. ويناقش: بأن الشرط الذي أبطله كان منافيًا لمقتضى العقد، ولذلك قال الرسول ﷺ : إنما الولاء لمن أعتق، بينما هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد.

стр. 2182

الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن مذهب المالكية والحنابلة أقوى دليلًا، وهو يتفق مع القول: بأن الأصل في الشروط الصحة إلا ما خالف نصًا شرعيًا، أو كان منافيًا لمقتضى العقد. * * *

стр. 2183

المبحث الرابع تعدد الشروط الصحيحة في المبيع [م-٤١١] إذا تعددت الشروط الصحيحة في العقد، فهل تؤثر في صحة العقد. وللجواب على ذلك، لا بد من الرجوع إلى التقسيم السابق. فإن كانت تلك الشروط مما يقتضيه العقد، فلا حرج في تعددها، كما لو اشترط أحد المتعاقدين الانتفاع من المبيع، وتسليمه، والتصرف بعد تسلمه، فكل هذه الشروط هي مستحقة ولو لم تذكر، فذكرها توكيدًا وبيانًا لمقتضى العقد. وإن كانت الشروط صفات لازمة للمعقود عليه، كالصناعة والكتابة الخ فهذه الشروط لا يؤثر تعددها في العقد. وكذلك إذا كانت الشروط لا يقتضيها إطلاق العقد، ولكن تعتبر من مصلحة العقد،، كاشتراط الرهن والتأجيل، والضمان والشهادة، ونحوها فهذا لا يضر تعددها. قال ابن القيم: «إنَّ شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته كالرهن، والتأجيل، والضمين، ونقد كذا جائز بلا خلاف تعددت الشروط أو اتحدت» (١). وقال ابن قدامة: «إن شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط يسلم إليه المبيع، أو الثمن، فهذا لا يؤثر في العقد، وإن كثر» (٢).

стр. 2184

وإن كانت الشروط مما لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه، ولا يعتبر من مصلحة العقد، مثل حمل الحطب، وتكسيره، أو طحن الطعام، وحمله، فقد اختلف العلماء في صحة هذا الشرط على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح وجود شرط واحد منها في البيع، فضلًا عن وجود شرطين، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢). قال ابن القيم: «وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة فلم يفرقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد، لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط ... » (٣). القول الثاني: إن شرط شرطًا واحدًا، صح كما لو اشترى الحطب، واشترط تكسيره فقط، فإن أضاف إليه شرطًا آخر كما لو اشترط حمله وتكسيره بطل البيع، سواء أكان الشرطان صحيحين أم فاسدين، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).

стр. 2185

القول الثالث: يصح تعدد الشروط مهما كثرت، ما دامت الشروط صحيحة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية وابن القيم (١). دليل من قال: لا يصح بيع وشرط: ذكرنا أدلتهم في المسألة التي قبل هذه، ومن أهمها: الدليل الأول: قالوا: إذا اشترى الحطب واشترط عليه حمله، أو اشترى الدار، واشترط عليه سكناها لمدة معلومة أدخل الثمن في حد الجهالة، فيبطل العقد، وهكذا الشأن في كل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد. وجه ذلك: أنه إذا قال له: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تخيطه لي، أو قال: بعتك هذا الحطب بعشرة على أن تحمله لي، فإن العشرة التي هي الثمن: تنقسم على الثوب (المبيع) وعلى أجرة خياطته، وعلى قيمة الحطب (المبيع)، وعلى أجرة حمله، فلا يدرى كم حصة المبيع من الثمن وكم حصة الإجارة، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الثمن مجهولًا، وكل شرط يدخل الثمن في حد الجهالة فإنه يبطل العقد، وكذا كل عقد جمع بيعًا وإجارة فسبيله في الفساد هذا السبيل (٢).

стр. 2186

ويناقش: بأن الثمن في مثل ذلك معلوم، ولم يدخله هذا الشرط في حد الجهالة، كل ما هنالك أن ثمن المبيع وثمن الإجارة جمعا بثمن واحد، ولم يفرق الثمن على الصفقة، وهذا لا يضر، ولو صحت دعوى الجهالة في مثل هذا لقيل: لا يجوز بيع سلعتين بثمن واحد، لأننا لا نعلم قيمة كل سلعة على انفراد، ولم يقل أحد بأنه لا يجوز بيع السلعتين فأكثر بثمن واحد، وإذا احتيج إلى معرفة قيمة المبيع من قيمة الإجارة فرق الثمن عليهما، وأهل السوق يعرفون قيمة السلعة من قيمة الإجارة. الدليل الثاني: (ح-٣٧٣) ما رواه الطبراني في المعجم، الأوسط، قال: حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، قال: أخبرنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي حنيفة، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه. عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط ... وفي الحديث قصة (١). وقد سبق الكلام على الحديث، والجواب عنه من عدة وجوه، ونعيدها هنا باختصار: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف جدًا. الوجه الثاني: أن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على صحة الاشتراط، من ذلك:

стр. 2187

(ح-٣٧٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اتباع نخلًا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١). فهذا الشرط ليس من مصلحة العقد، ولكن لا ينافي مقتضى العقد، فصح الاستثناء، فغيره مقيس عليه. الوجه الثالث: أنه مخالف لما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بسند أصح من هذا السند، وفيه: أنه نهى عن شرطين في بيع. مما يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد. وقد أجاب عنه النووي، وسوف ننقل كلامه عند الكلام على تفسير حديث: النهي عن شرطين في بيع. الوجه الرابع: أنه لا فرق بين أن يشترط الرهن، أو الكفيل، أو الأجل، أو الخيار أو غيرها من الشروط الجائزة المجمع على جوازها، وبين أن يشترط حمل الحطب، أو تكسيره، أو خياطة الثوب، أو تقصيره، فالجامع بين الصورتين أن في كل منها بيعًا وشرطًا. وانظر بقية أدلة الشافعية والحنفية في المسألة التي قبل هذه، فقد استكملت ذكرها هناك، فأغنى عن إعادتها هنا. دليل من قال: يصح شرط واحد، ولا يصح شرطان . (ح-٣٧٥) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن

стр. 2188

عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١). [إسناده حسن] (٢). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث أنه نهى عن شرطين في بيع، والنهي يقتضي التحريم، قال ابن قدامة: «دل بمفهومه على جواز الشرط الواحد. قال أحمد: إنما نهى عن شرطين في بيع، أما الشرط الواحد فلا بأس به» (٣). «قال القاضي في المجرد: ظاهر كلام الإمام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته، أخذًا بظاهر الحديث، وعملًا بعمومه» (٤).

стр. 2189

ويناقش: قد اختلف العلماء في تفسير النهي عن شرطين في بيع إلى أقوال: الأول: أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواء أكانا صحيحين أم فاسدين. وبهذا قال إسحاق. حكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، فيمن اشترى ثوبًا، واشترط على البائع خياطته، وقصارته، أو طعامًا: واشترط طحنه وحمله، إن اشترط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين فالبيع باطل (١). مناقشة هذا التفسير: القول بأنه يجوز أن يشتري الحطب بشرط حمله، أو بشرط تكسيره، فإن اشترط حمله وتكسيره فسد البيع فبعيد؛ لأن اشتراط منفعة في المبيع إن كان فاسدًا فسد الشرط، والشرطان، لا فرق بين كونه شرطًا واحدًا، وبين كونه شرطين فأكثر، وإن كان الشرط صحيحًا فأي فرق بين منفعة أو منفعتين، أو منافع. لاسيما والمصححون لهذا الشرط يقولون: هو عقد جمع بيعًا وإجارة، وهما معلومان، لم يتضمنا غررًا، فكانا صحيحين، وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين، وصحتها على منفعة. وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله، ونقله، أو حمله وتكسيره (٢). فإذا كانت هذه الشروط لا تؤثر في صحة العقد، وهي منفردة، فيلزم ألا تؤثر فيه، وهي مجتمعة.

стр. 2190

التفسير الثاني للحديث: المقصود من النهي عن شرطين في بيع: عن التردد بين النقد والنسيئة في صيغة واحدة. مثاله: أن يبيعه سلعة بألف إلى سنة، أو بألف وخمسمائة إلى سنتين، ولم يبينا العقد على أحدهما. ومثله لو كان التردد بين الحلول والتأجيل. وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والبغوي والخطابي من الشافعية (٣). مناقشة هذا التفسير: الحديث يتكلم عن الشروط في البيع، (نهى عن شرطين في بيع) وتفسيركم هذا يجعل الحديث بعيدًا عن الكلام على الشروط في البيع؛ لأن الشرط إنما يقال لأمر عارض محتمل الوقوع في المستقبل، والأمر هنا بحسب تفسيركم ليس عارضًا، وإنما هو أمر يتعلق بصيغة العقد، وما احتوت عليه في إفادتها ودلالتها، وتعبيرها عن الرضا بعقد معين، أو عدم إفادتها ذلك، فهو أمر يتصل بالبحث في صيغة العقد، وليس في الشروط المقترنة به، ولهذا لا أرى رابطًا بين تفسيركم، وبين لفظ الحديث.

стр. 2191

التفسير الثالث للحديث: أن المراد الجمع بين شرطين فاسدين. قال ابن قدامة: «روى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين: أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه يطؤها، ففسره بشرطين فاسدين» (١). مناقشة التفسير: قال ابن القيم: «وأما التفسير الثاني: وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف، وأضعف؛ لأن الشرط الواحد الفاسد منهي عنه، فلا فائدة بالتقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادة في اللفظ، وإيهامًا لجواز الواحد، وهذا ممتنع على الشارع مثله؛ لأنه زيادة مخلة بالمعنى» (٢). ولو صح التفسير بالشرطين الفاسدين لكان الجواب على اعتراض ابن القيم أن يقال: الفرق بين الشرط الفاسد، وبين الشرطين الفاسدين أنه إذا اشترط فيه شرطان فاسدان فسد العقد والشرط، وإذا اشترط فيه شرط فاسد واحد فسد الشرط وحده دون العقد، وإذا اشترط فيه شرطان صحيحان، صح العقد والشرط. هذا هو وجه الفرق بين شرط فاسد واحد، وبين شرطين فاسدين لو صح حمل الحديث في النهي (عن شرطين في بيع) على الشرطين الفاسدين، والله أعلم. التفسير الرابع: حمل ابن القيم الشرطين في بيع على بيع العينة، وسيأتي الكلام على بيع العينة في باب الربا إن شاء الله تعالى.

стр. 2192

قال ابن القيم: «إذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض، فنقول نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة ..... وقد فسرت البيعتان .... بأن يقول: خذ هذه بعشرة نقد، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها، وهو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فهو أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، وأن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيرًا، كالضرب يطلق على المضروب، فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع، كصفقتين في صفقة، وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمرو عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع، رواه أحمد، ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع، فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في بيعة، وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه (١). الراجح: بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن أضعف الأقوال: القول بأنه متى اشتمل البيع على شرط واحد بطل البيع، والاحتجاج بحديث: نهى عن بيع وشرط، وهو حديث لا يصح، وقد أنكره الأئمة. ويأتي بعده بالضعف القول بأن العقد متى اشتمل على شرطين فأكثر فسد

стр. 2193

البيع، حتى ولو كان الشرطان صحيحين، فإن إبطال العقد بسبب شرطين صحيحين لا معنى له مع القول بصحة شرط واحد. وحمله على بيع العينة هو من حمل المسألة على المثال وليس المقصود الحصر، فيدخل فيه بيع الذهب القديم بشرط أن يشتري منه ذهبًا جديدًا، وشراء التمر الرديء بشرط أن يشتري منه تمرًا جيدًا، وهكذا، والله أعلم. * * *

стр. 2194

المبحث الخامس إذا لم يف أحد العاقدين بالشرط الصحيح الفرع الأول إذا لم يف وعاد ذلك بالنقص على المعقود عليه [م-٤١٢] إذا اتفق البائع والمشتري على اشتراط صفة في المعقود عليه، ولم يف أحد العاقدين بالشرط، وعاد ذلك بالنقص على المعقود عليه، فما حكم العقد. اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يثبت لمن فاته الخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمسكه بالثمن، وهذا مذهب الجمهور (١). القول الثاني: يخير بين الفسخ، وبين الإمساك مع أرش فقد الصفة. وهو الصحيح من

стр. 2195

مذهب الحنابلة (١). القول الثالث: ليس له أرش فقد الصفة إلا أن يتعذر الرد، وهذا قول للشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). دليل من قال: يخير بين الإمساك والرد دون أرش: فوات الوصف يجعل للمشتري حق الرد، وأما وجوب الأرش فيعني تغيير الثمن، وهو عقد معاوضة جديد، فيحتاج إلى رضا من الطرفين؛ لأن من شروط صحة البيع رضا المتعاقدين، وهو لم يرض أن يبيعه بثمن ناقص عن الثمن المتفق عليه، فإما أن يؤخذ بالثمن الذي تراضيا عليه، وإما أن يرد المشتري المبيع لفوات الصفة المشروطة. تعليل من قال: يخير بين الإمساك مع أخذ الأرش، وبين الرد: المتبايعان تراضيا على أن العوض في مقابلة المبيع، فكل جزء منه يقابله جزء من الثمن، ومع فوات الوصف المشروط فات جزء من المبيع، فله الرجوع ببدله، وهو الأرش. تعليل من قال: ليس له أخذ الأرش إلا إذا تعذر الرد . إذا أمكن الرد فليس له أخذ الأرش، لأن أخذ الأرش عقد معاوضة لابد فيه من رضا الطرفين، ولكن إذا تعذر الرد، فليس من حق البائع أن يأخذ قيمة الصفة

стр. 2196

المشروطة، وهو قد قصر بالالتزام بها، فإذا فاتت هذه الصفة على المشتري ولم يكن بوسعه أن يرد السلعة لتلفها مثلًا كان من حقه أن يسترد قيمة هذه الصفة الفائتة من قيمة المبيع، وهو أخذ الأرش. الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه القول بحق الرد إذا أمكن، وأما أخذ الأرش مع إمكان الرد فإنه لا يجوز إلا برضا البائع، لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه، لأنه عقد معاوضة، لا بد فيه من رضاه، فإن تعذر الرد كان للمشتري أن يأخذ قيمة ما فاته من السلعة. وقد رجح شيخنا ابن عثيمين ﵀ هذا القول إلا أن يكون فقد الصفة بسبب تدليس من البائع، وتغرير منه، فيعامل بالأشد. يقول شيخنا ﵀: «والصحيح في هذه المسألة أن يقال: إن تبين أن البائع مدلس، وأنه غر المشتري، فللمشتري أرش فقد الصفة، وإن لم يكن مدلسًا، فللمشتري الخيار بين الإمساك بلا أرش والرد؛ لأن البائع أيضًا قد يكون مغترًا، ويقول: لم أرض ببيعه إلا بهذا الثمن، ولا أرضى أن ينزل من الثمن شيء» (١).

стр. 2197

الفرع الثاني إذ لم يف وعاد ذلك بالنفع على المعقود عليه [م-٤١٣] إذا اشترط العاقد صفات في المعقود عليه، فبانت أعلى منها، كما لو اشترط أن تكون الأمة ثيبًا، فبانت بكرًا، أو اشترط في العبد أن يكون أميًا، فبان كاتبًا، أو اشترط أن يكون جاهلًا، فبان عالمًا، أو صانعًا، أو اشترط أن يكون مريضًا فبان صحيحًا. وبعض الفقهاء يبحث هذا الشرط تحت مسمى (إذا شرط ما لا غرض فيه، ولا مالية). قال في فتح العلي المالك: «إذا اشترط المشتري ما لا غرض فيه، ولا مالية، كما لو شرط أنه أمي، فيجده كاتبًا، أو أنه جاهل، فيجده عالمًا، ولا غرض له في ذلك ... » (١). فهل يحق للمشترط الفسخ، مع أنه وجد صفات أعلى من الصفات التي اشترطها، اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح العقد، ويبطل الشرط.

стр. 2198

وهو مذهب الحنفية (١)،والراجح في مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣). وصرح الشافعية بأنه لا عبرة لغرض المشترط إذا كان العرف يعتبر فقد الشرط أعلى من وجوده. القول الثاني: يلغى الشرط إلا أن يكون له غرض صحيح، كما لو اشترطها نصرانية ليزوجها

стр. 2199

لعبد نصراني، أو اشترطها ثيبًا لعجزه عن البكارة، أو يكون عليه يمين ألا يشتري الأبكار، أو لا يطأهن. وهذا مذهب المالكية (١). القول الثالث: له الفسخ وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة، رجحه ابن قدامة (٣)، وساقه المرداوي وغيره، احتمالًا، وقواه في الإنصاف (٤). تعليل من قال: لا خيار له إذا بان أعلى، أو شرط ما لا منفعة له فيه: التعليل الأول: أن فوات هذا الشرط زاد المشتري خيرًا.

стр. 2200

التعليل الثاني: أن فوات مثل هذا الشرط لا يؤثر في قيمة السلعة، وإذا لم يؤثر لم يكن له الخيار إذا فاته. التعليل الثالث: أنه على التسليم بأن له غرضًا في اشتراط مثل ذلك، فلا أثر لذلك أيضًا من جهة الرد، لأن المدار على ما هو الأجود عرفًا، والعرف يقتضي أن فوات الشرط قد زاد المبيع ولم ينقصه. تعليل من قال: له الرد إذا كان له غرض صحيح: إذا ادعى أن له غرضًا صحيحًا طلبت منه البينة إلا إذا ادعى أن عليه يمينًا ألا يتزوج بكرًا فيصدق لخفاء مثل ذلك، وإذا ثبت أن له غرضًا صحيحًا فله الفسخ؛ لأن من حق العاقد أن يشترط ما له فيه غرض مقصود، فقد يشترط كون الأمة ثيبًا لعجزه عن البكارة، أو ليبيعها لعاجز عن البكارة، وقد يشترط الكفر ليزوجها لعبد نصراني، أو لعجزه عن مراقبتها للقيام بتكاليف العبادات، وقد يشترط كون العبد خصيًا لكونه يدخل على النساء .. إلى غير ذلك من الأغراض الصحيحة المقصودة، فإذا التزم البائع بهذا الشرط، كان مطالبًا بالالتزام به، والوفاء به، ولأن الكذب عليه نوع من التدليس والتغرير لا يمكن منه البائع. دليل من قال: له الرد مطلقًا إذا فات شرطه . الأصل أن العاقد لا يضع شرطًا إلا وله فيه غرض صحيح، وليس من حقنا أن نطالب العاقد بأن يكشف لنا عن غرضه من شرطه، فإن كان الشرط الذي وضعه العاقد محرمًا في نفسه، أو يخالف نصًا شرعيًا، أو يخالف مقتضى العقد، لم يمكن من ذلك ابتداء، فإن وقع لجهل أو نسيان بطل العقد والشرط، أو بطل

стр. 2201

الشرط وحده، وإذا كان الشرط في نفسه مباحًا، ولم يخالف نصًا شرعيًا، ولم يخالف مقتضى العقد فإن له كامل الحق في اشتراطه، وإرادته مطلقة في ذلك، فإذا اتضح أن العقد على خلاف ما تعاقدا عليه فله الفسخ، لفوات الشرط الذي من أجله أقدم على العقد، ولأن الرضا شرط في صحة العقد، وهو مفقود في هذا العقد، ولأن الأصل في الشروط الصحة والجواز. الراجح من الخلاف: بعد استعراض أقوال أهل العلم أجد أن القول بأن له الفسخ مطلقًا هو أقوى الأقوال، وهو يتمشى مع القول بأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ثم إننا إذا تأملنا المذاهب وجدنا بينها اختلافًا في فروع هذه المسائل. فنجد أن الخصي صفة كمال عند الشافعية مع أنها في حقيقتها نقص في الذكورية، فإذا اشترط أن يكون فحلًا فبان خصيًا لم يكن له الخيار عندهم. والإسلام صفة كمال عند الحنابلة، فإذا اشترط أن يكون كافرًا فبان مسلمًا لم يكن له الخيار، بينما الشافعية عكس مذهب الحنابلة، فلو اشترط كونه مسلمًا فبان كافرًا لم يكن له الخيار لأن الكافر يشتريه المسلم والكافر، والمسلم لا يشتريه إلا المسلم، فيكون على هذا زاده صفة أعلى من الصفة التي طلبها. لهذا ولغيره أرى أن القول بأن الشرط المباح إذا اشترطه العاقد، وتعاقدا على هذا الشرط، وتراضيا عليه، أنه يجب الوفاء به ما دام أنه لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، ولا يخالف مقتضى العقد، والإخلال به إخلال بما التزماه، وغش وكذب لا يحل لمن التزم الشرط أن ينكث به، والله أعلم. * * *

стр. 2202

الفصل الرابع في الشروط الفاسدة المبحث الأول في الشروط التي تخالف نصًا شرعيا [م-٤١٤] اتفق العلماء على أن من اشترط في عقد من العقود شرطًا يخالف حكم الله ورسوله ﷺ فهو شرط باطل، ولو كان مائة شرط. قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق». والمقصود: في كتاب الله: أي في حكمه وشرعه. قال ابن تيمية: «هذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصًا عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف، أو العتق، أو الهبة، أو البيع، أو النكاح، أو الإجارة، أو النذر، أو غير ذلك، شروطًا تخالف ما كتب الله على عباده، بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر الله به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود» (١). قال الكاساني: «والشرط إن كان حرامًا كبيع جارية على أنها مغنية على سبيل

стр. 2203

الرغبة فيها، فالبيع فاسد؛ لأن التغنية صفة محظورة، لكونها لهوًا، فشرطها في البيع يوجب فساده» (١). وقال القرطبي: «الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله، أي دين الله، فإن ظهر فيها ما يخالف رد» (٢). وقال في شرح ميارة: «وإن كان الشرط حرامًا بطل به البيع مطلقًا، أي أثر جهلًا في الثمن أو لا» (٣). وقال خليل في مختصره: «وفسد منهي عنه إلا لدليل» (٤). وقال الشافعي في الأم: «أبطل رسول الله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله جل ثناؤه، إذا كان في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ خلافه» (٥). وقال في كشاف القناع: «وإن شرط رهنًا فاسدًا، كخمر ونحوه كخنزير، لم يصح الشرط» (٦). (ح-٣٧٦) وأما ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: الصلح جائز بين المسلمين

стр. 2204

إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١). [الحديث ضعيف] (٢). ويغني عنه ما سبق مما ذكره ابن تيمية من الإجماع، وحديث عائشة المتفق على صحته في قصة عتق بريرة. وإذا كان اشتراط مثل ذلك حرامًا، فهل يبطل البيع والشرط، أو يبطل الشرط وحده، هذا ما سوف نعرض له إن شاء الله في الفصل التالي، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 2205

فرع حكم البيع مع وجود شرط محرم الشرط المحرم: إما أن يكون محرمًا لكونه يخالف مقتضى العقد، كما لو باعه بشرط أن لا خسارة عليه، أو باعه بشرط: إن نفق المبيع وإلا رده، أو باعه بشرط ألا يبيعه، أو لا يهبه. وإما أن يكون محرمًا للنهي عنه، كما لو باعه بشرط أن يقرضه، أو باعه وشرط عليه عقدًا آخر، على القول بأنه هذا هو المقصود من حديث: (نهى عن بيعتين في بيعة). وسوف نتعرض لكل شرط في مبحث خاص إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2206

المبحث الثاني حكم البيع مع وجود شرط يخالف مقتضى العقد لا يتفق الفقهاء على مصطلح الشروط، فلا يستطيع الباحث أن يبحث حكم شرط ما من خلال مسماه العام مثل: (الشروط التي تخالف مقتضى العقد) لأنك قد تجد شرطًا يعتبره الحنفية من الشروط المخالفة لمقتضى العقد، بينما هذا الشرط عند الحنابلة يندرج تحت مسمى الشروط الصحيحة، ولذلك تحتاج إلى دراسة كل شرط على حدة، وتعرض فيه أقوال الفقهاء، وحجة كل قول. خذ على سبيل المثال كلام الكاساني حول اشتراط الرهن والكفيل في العقد مع أن اشتراط الرهن والكفيل من الشروط المجمع على جوازها بمقتضى النصوص الشرعية. يقول في البدائع: «جملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن: أن الرهن لا يخلو: إما أن يكون معلومًا، أو مجهولًا، فإن كان معلومًا فالبيع جائز استحسانًا، والقياس ألا يجوز; لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد ; فكان مفسدًا إلا أنا استحسنا الجواز ... » (١). فنظرة الحنفية إلى اشتراط الكفيل والرهن أنه شرط يخالف مقتضى العقد، ولكنه جوز ليس من باب القياس، ولكنه من باب الاستحسان. فإذا كان هذا التوصيف من الحنفية في شرط مجمع على جوازه، فما بالك لو كان هذا الشرط من الشروط المختلف فيها.

стр. 2207

ولهذا نحتاج إلى دراسة كل شرط، وبحثه تحت مسماه الخاص، وليس في إدراجه تحت المسمى العام، والذي قد يختلف مصطلح كل مذهب عن بقية المذاهب، حتى نكون أكثر صوابًا ودقة، أسأل الله عونه وتوفيقه. * * *

стр. 2208

الفرع الأول إذا باعه بشرط ألا يبيع ولا يهب [م-٤١٥] إذا تضمن البيع شرطًا يخالف مقتضى العقد، كما لو باعه بشرط ألا يبيعه، ولا يهبه، فقد اختلف العلماء في حكم البيع على أربعة أقوال: القول الأول: البيع فاسد، إن كان في هذا الشرط منف عة، وإن كان لا منفعة فيه لأحد فالبيع صحيح ويلغى الشرط، وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: يبطل البيع والشرط، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢)، ومذهب

стр. 2209

الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢)، إلا أن المالكية قالوا: إن ترك البائع الشرط صح البيع، وكذا إن شرط ألا يبيعه على نفر قليل (٣). القول الثالث: البيع صحيح والشرط باطل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وحكاه أبو ثور عن الشافعي، واستغربه النووي (٥)، وبه قال ابن أبي ليلى (٦).

стр. 2210

القول الرابع: البيع صحيح والشرط صحيح، وهذا رأي ابن سيرين (١). دليل من قال: إن كان في الشرط منفعة فسد، وإلا صح وبطل الشرط . وجه كون البيع فاسدًا في الشروط النافعة لتضمنها الربا، وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض. وأما وجه كون البيع صحيحًا في الشروط التي لا نفع فيها فلأن هذا الشرط لما لم يوجد فيه منفعة لأحد، ولم يقابله عوض، لم يوجب فسادًا، ولكن لما كان الشرط فاسدًا في نفسه فسد الشرط وحده. ويناقش: كان مقتضى القياس أن يقال: إذا كان في الشرط منفعة كان العقد سائغًا، والشرط كذلك، وإذا كان الشرط لا منفعة فيه، صح البيع وبطل الشرط، هذا هو مقتضى القياس. وقولهم: إن الشرط النافع: يتضمن معنى الربا، لكونه زيادة في العقد لا يقابلها عوض، لا يسلم من وجهين: الأول: أن زيادة مثل ذلك ليس من الربا، وليس كل زيادة تكون من الربا المحرم، فالربا إنما هو زيادة مخصوصة في مال مخصوص، ولذلك قال ﷺ كما في حديث عبادة في مسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (٢)، فأذن في الزيادة، وأطلق الحرية للعاقدين، وسيأتي إن شاء ا لله تعالى في كتاب الربا بيان الزيادة المحرمة من الزيادة المشروعة.
следующие страницы →