← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الخامس تقسيم المال إلى أصول وثمار الأصول: جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد به عند الفقهاء: الأرض، والدور، والبساتين. والثمار: جمع ثمر، كجبال وجبل، وواحد الثمر: ثمرة (١). وكثير من الفقهاء في باب المعاملات يفرد بابًا باسم (بيع الأصول والثمار) ويذكر ما يتبع الأصول في البيع وما لا يتبعها، كما يتكلمون أحيانًا متى يجوز بيع الثمرة دون الأصل، ومتى يجوز بيعها مع أصلها، ومتى يجوز بيع الأصل دون الثمرة (٢). وقد تكلمنا والحمد لله على فضله عن هذا المبحث عند الكلام على شمول المبيع، وما يدخل فيه، فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 247

الباب الثاني في حكم البيع وبيان أركانه الفصل الأول في حكم البيع بعد أن عرفنا البيع، وأنه مبادلة مال بمال، وأخذنا تصورًا شاملًا عن تعريف المال، وأقسامه، والأثر الفقهي لهذه الأقسام نأتي في هذا الفصل في بيان حكمه؛ لأن الحكم على الشيء يجب أن يكون بعد معرفته، وتصوره. [م - ٣١] وقد اتفق الفقهاء على جواز البيع في الجملة، «قال ابن عبد السلام: كما أن حقيقته معلومة لكل الناس، فحكمه من الإباحة معلوم من الدين بالضرورة، فالاستدلال المذكور على ذلك في الكتب والمجالس إنما هو على طريق التبرك بذكر الآيات والأحاديث مع تمرين الطلبة على الاستدلال» (١). وقد دل على جوازه الكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ [البقرة:١٩٨].

стр. 248

وأما السنة فأحاديث كثيرة، من بيعه ﷺ ، وشرائه، وإذنه في البيع، ووقوعه بحضرته. (ح - ١٤) ومن هذه الأحاديث: ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفيه: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١). (ح - ١٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه، إلى حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٢). وقال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة» (٣). وأما المعقول فقال ابن قدامة: «والحكمة تقتضيه - يعني تقتضي جوازه- لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته» (٤). ومع أن قولنا: إن البيع جائز في الجملة، فقد يعرض للبيع الأحكام الخمسة: فقد يكون محرمًا، كما في البيوع المنهي عنها، كبيع الميتة، والدم، والخنزير، والخمر. وقد يكون واجبًا، كما لو كان البيع على من اضطر إلى شراء طعام أو شراب

стр. 249

لإنقاذ مهجة، وبعضهم اعتبر الواجب هنا التمليك، وليس البيع نفسه (١)، ومثل له بعضهم ببيع القاضي مال المفلس بشروطه (٢). وقد يكون مندوبًا، كما في بيع الطعام زمن الغلاء، ومثله بيع الكتب النافعة مع النية الصالحة. وقد يكون مكروهًا، كما في البيوع المكروهة، وذلك نحو تلقي الجلب، وبعضهم يمثل في البيع والشراء ممن أكثر ماله حرام، وقد اختلط بالحلال. * * *

стр. 250

الفصل الثاني في أركان البيع تعريف الركن في الاصطلاح (١): عرفه ابن نجيم: بأن الركن، هو جزء الماهية (٢). وعرفه بعض المالكية: ما تحقق به الماهية، ولو لم يكن جزءًا منها حقيقة (٣). وعرفه بعض الشافعية: بأن أركان الشيء: أجزاؤه في الوجود، التي لا يحصل إلا بحصولها، داخلةً في حقيقته، محققةً لهويته (٤). وفي الموسوعة الكويتية: الركن ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا منه، أم لازمًا له (٥). أركان البيع عند الفقهاء: [م - ٣٢] اختلف الفقهاء في تحديد أركان البيع:

стр. 251

فقيل: أركان البيع هي الصيغة فقط (الإيجاب والقبول)، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: أركان البيع: الصيغة (الإيجاب والقبول). والعاقدان (البائع والمشتري). والمحل (المعقود عليه من مبيع وثمن)، وهذا مذهب الجمهور (٢). وسبب الاختلاف: أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة البيع، وإن كان يتوقف عليها وجوده. بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود البيع يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته. ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل

стр. 252

ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركنًا، وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركنًا» (١). ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات ومعاملات، ويبقى الاختلاف في تحديد الأركان ليس له تأثير قوي في البيع إلا في بعض الصور القليلة وذلك بحسب مصطلح الحنفية في التفريق بين البيع الفاسد والباطل، فالباطل: هو الذي لحق الخلل فيه ركن البيع، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله، دون وصفه، وقد سبق الكلام عليه عند الكلام على أقسام العقد، ولله الحمد. وقد سمى بعض الباحثين أركان البيع: مقومات العقد، وهذا يدخل فيه الصيغة والعاقدان ومحل العقد باتفاق، وبهذا نخرج من خلاف الحنفية مع الجمهور. وبعض الحنفية يرى أن ركن البيع عبارة عن مبادلة مال بمال، وإنْ أُطْلق على الإيجاب والقبول أو على التعاطي الذي يقوم مقامهما فذلك إنما هو من قبيل إطلاق اسم المدلول على الدال (٢). * * *

стр. 253

الباب الثالث في دراسة صيغة التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول) عرفنا فيما سبق أن أركان البيع الصيغة (الإيجاب والقبول)، وهذا متفق عليه بين الأئمة. وزاد الجمهور العاقدين (البائع والمشتري)، والمعقود عليه (المبيع والثمن). وسوف أتناول أركان البيع بالدراسة التفصيلية، فخصصت الباب الثالث، في أحكم الإيجاب والقبول (الصيغة). والباب الرابع، في أحكام العاقدين (البائع والمشتري). والباب الخامس في أحكام المعقود عليه (المبيع والثمن). حتى إذا وفقنا الله ، وخلصنا من هذه الأبواب الثلاثة يكون القارئ قد أحاط علمًا بأحكام أركان البيع، من إيجاب وقبول، وعاقد، ومعقود عليه. أسال المولى وحده، عونه وتوفيقه. كما أن دراسة أركان البيع ستتضمن إن شاء الله تعالى دراسة شروط البيع إلا أن هذه الشروط ستكون مفرقة على أركان البيع: فشروط البيع الخاصة بالصيغة سنعرضها عند الكلام على شروط الإيجاب والقبول. وشروط البيع الخاصة بالعاقدين سنعرضها عند الكلام على أحكام العاقدين. وشروط البيع الخاصة بالمعقود عليه من ثمن ومثمن سنعرضها عند التعرض لأحكام المعقود عليه. والله ولي التوفيق. * * *

стр. 254

تمهيد في تعريف الإيجاب والقبول عقد البيع لا يتم إلا إذا وجدت إرادتان: إرادة باطنة: تعرف عند الفقهاء بالقصد (النية). وإرادة ظاهرة: تعرف عندهم بالصيغة (الإيجاب والقبول). والأولى: هي الأصل، والثانية دالة عليها. فالنية وحدها لا تكفي. يقول الإمام الشافعي ﵀: «النية لا تصنع شيئًا، وليس معها كلام» (١). ويقول ابن عابدين: «البيع لا ينعقد بالنية» (٢). فلا تعتبر النية وحدها شروعًا في البيع، أو النكاح، أو الإجارة أو الهبة، أو الوقف، أو الوصية، أو غيرهما من أصناف المعاملات؛ لأننا لا نعلم القصد المنوي، فلا بد من دلالة قولية أو فعلية على قصد الإنسان ونيته، ولا يغني أحدهما عن الآخر (٣).

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 256

وهذه الدلالة الظاهرة هو ما يسمى عند الفقهاء بالإيجاب والقبول، وقد اختلف الحنفية مع الجمهور في تحديد تعريف الإيجاب (١)، والقبول (٢).

стр. 257

فقيل: الإيجاب: ما يذكر أولًا من كلام أحد المتعاقدين، ولا فرق بين أن يقع الكلام من البائع أو يقع من المشتري. والقبول: ما يذكر ثانيًا من الآخر، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: الإيجاب: هو اللفظ الصادر من قبل البائع، كقول البائع: بعتك، أو ملكتك أو نحوهما. والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري، كقوله: اشتريت، أو قبلت، أو تملكت، وهذا مذهب الجمهور (٢). وهذا الكلام خلاف اصطلاحي ليس له أثر فقهي اللهم إلا فيمن يخالف في تقدم القبول على الإيجاب في بعض الحالات، فمن جعل الكلام الأول هو الإيجاب مطلقًا سواء صدر من البائع أو المشتري لا تأتي مسألة تقدم القبول على الإيجاب في تفريعاته، ومن جعل القبول هو لفظ المشتري خاصة، تكلم في مسألة تقدم القبول على الإيجاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيان حكمه مفصلًا في مباحث مستقلة. * * *

стр. 258

الفصل الأول في أقسام الإيجاب والقبول المبحث الأول في انقسام ولإيجاب والقبول وإلى صريح وكناية تنقسم ألفاظ الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية (١): ويدور الصريح على معنيين لدى الفقهاء: المعنى الأول: الصريح بمعنى: الخالص، ومنه قوله في الحديث: (هذا صريح الإيمان) أي خالصه (٢). فيكون معنى اللفظ الصريح في البيع: هو اللفظ الذي يستعمل في البيع خاصة دون غيره، كقوله: بعت، وقول المشتري: اشتريت.

стр. 259

وهذا يوافق مذهب الشافعية. يقول السيوطي: «الصريح: اللفظ الموضوع لمعنى لا يفهم منه غيره عند الإطلاق، ويقابله الكناية» (١). ولذلك لا يعتبرون اللفظ صريحًا إذا لم يرد في الشرع استعماله، وإن شاع استعماله في العرف. يقول الزركشي: «وأما ما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكن شاع في العرف كقوله لزوجته: أنت علي حرام، فإنه لم يرد شرعًا الطلاق به، وشاع في العرف إرادته، فوجهان، والأصح التحاقه بالكناية» (٢). المعنى الثاني: الصريح بمعنى البين الواضح، ومنه قوله: صرح فلان بالقول: إذا بينه وقصد الإخبار عنه. فيكون معنى اللفظ الصريح في البيع: ما يفهم منه لفظ البيع مما يستعمل فيه كثيرًا وإن استعمل في غيره، مثل جعلته لك، وخذه، وتسلمه (٣)، وهو لك، والله يربحك فيه؛ لأن هذه الألفاظ وإن استعملت في البيع وغيره إلا أنه قد كثر استعمالها في البيع وعرفت به، فصارت بينة واضحة في بابها، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبين وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله (٤).

стр. 260

وهذا هو مذهب الجمهور في تعريف الصريح من الكناية: يقول الكاساني الحنفي: «الصريح اسم لما هو ظاهر المراد، مكشوف المعنى عند السامع، من قولهم صرح فلان بالأمر: أي كشفه وأوضحه، وسمي البناء المشرف صرحًا لظهوره على سائر الأبنية» (١). وعرف الكاساني كناية الطلاق: بأنه كل لفظ يستعمل فيه وفي غيره (٢). وذكر القرافي المالكي في تعريف الصريح بأنه: كل لفظ يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد. والكناية: هي اللفظ المستعمل في غير موضعه لغة (٣). وقال ابن قدامة: «الصريح في الشيء ما كان نصًا فيه، لا يحتمل غيره إلا احتمالًا بعيدًا» (٤).

стр. 261

وهذا التعريف نفس تعريف القرافي. هذا هو التعريف الاصطلاحي للصريح والكناية، وبيان الخلاف بين الجمهور والشافعية. وكما قسم الفقهاء التعبير إلى صريح وكناية، قسم فقهاء القانون التعبير عن الإرادة إلى صريح، وضمني، أو مباشر وغير مباشر (١).

стр. 262

الفرع الأول اللفظ الصريح أهو عرفي أو شرعي [م - ٣٣] نتيجة لاختلاف الجمهور مع الشافعية في تعريف الصريح، اختلفوا فيما تثبت به الصراحة. فالجمهور يرون أن الصريح يثبت بغلبة الاستعمال في العرف. جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «الصريح ما كان ظاهر المراد لغلبة الاستعمال» (١).

стр. 263

وفي حاشية ابن عابدين: «الصريح ما غلب في العرف استعماله» (١). ويقول القرافي: «إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجره عليه، وأفته به، دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى نية، وقد يصير الكناية صريحًا مستغنيا عن النية» (٢). ويقول في موضع آخر: «ثم الكناية تنقسم إلى ما غلب استعماله في العرف في الطلاق، فيلحق بالصريح في استغنائه عن النية ... لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي» (٣). ويقول ابن القيم ﵀: «فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم، والمخاطب، والزمان، والمكان، فكم من لفظ صريح عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان، فلا يلزم من كونه صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كل متكلم، وهذا ظاهر» (٤). بينما الشافعية يرون أن مأخذ الصريح ورود الشرع، ولذلك مر علينا قول الزركشي: «وأما ما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكن شاع في العرف كقوله لزوجته: أنت علي حرام، فإنه لم يرد شرعًا الطلاق به، وشاع في العرف إرادته، فوجهان، والأصح التحاقه بالكناية» (٥).

стр. 264

والصحيح رأي الجمهور، وأن مرد الصريح والكناية إلى العرف خاصة في باب المعاملات؛ لأن المعتبر في ذلك مقاصد الناس، وما يختارون في الدلالة عليها من الألفاظ، ولم نتعبد بلفظ شرعي لا يجوز تجاوزه. * * *

стр. 265

الفرع الثاني الفرق بين الصريح والكناية جاء في موسوعة القواعد والضوابط الفقهية: الصريح إذا صادف محله لم تؤثر النية فيه (١). وقال الزركشي: الصريح لا يحتاج إلى نية (٢). [م - ٣٤] والصريح يقع عند الجمهور مطلقًا، نوى أو لم ينو. يقول ابن ملك الحنفي: «الصريح يستغني عن النية، كقولك بعت، واشتريت، فإن المقصود حاصل بهما، نوى أو لم ينو، كالطلاق والعتاق» (٣). ويقول السيوطي: «الصريح لا يحتاج إلى نية، والكناية لا تلزم إلا بنية» (٤). والكناية إن اقترنت بها دلالة حالية، وقع بدون نية، لأنها والحالة كذلك بمنزلة الصريح، وإن لم يكن هناك دلالة حالية لا يقع لفظ الكناية إلا مقترنًا بالنية (٥).

стр. 266

وسبب افتقار الكناية إلى النية أن الكناية تحتمل أكثر من معنى، فافتقرت إلى النية لتعيين المراد. يقول القرافي: «والنية إنما يحتاج إليها لتمييز المراد من غير المراد في اللفظ المتردد، أما ما هو صريح بوضع لغوي أو عرفي فينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية، وما لم يغلب استعماله من الكنايات فهو مجاز على أصله، والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه؛ لأنها الأصل، ولم ينسخها عرف» (١). [م - ٣٥] وهل يكتفى في التعبير الصريح بمجرد صدور اللفظ، أو لابد من قصد المعنى؟ في ذلك خلاف: قال في شرح التلويح على التوضيح: «الصريح لا يحتاج إلى النية، يعني: أن الحكم الشرعي يتعلق بنفس الكلام، أراده، أو لم يرده، حتى لو أراد أن يقول: سبحان الله، فجرى على لسانه أنت طالق، أو أنت حر، يقع الطلاق أو العتاق، نعم لو أراد في أنت طالق رفع حقيقة القيد يصدق ديانة لا قضاء» (٢). وقيل: لابد من قصد اللفظ، واستشكل هذا، بأننا إذا اعتبرنا القصد (النية) لم يكن هناك فرق بين الصريح والكناية. قال الزركشي: «وقد استشكل هذا بقولهم: يشترط قصد حروف الطلاق

стр. 267

لمعنى الطلاق وعلى هذا فلا فرق بين الصريح والكناية وقد تكلموا في وجه الجمع بكلام كثير وأقرب ما يقال فيه: أن معنى قولهم: (الصريح لا يحتاج إلى نية) أي: نية الإيقاع; لأن اللفظ موضوع له، فاستغنى عن النية. أما قصد اللفظ فيشترط لتخرج مسألة سبق اللسان ومن ها هنا يفترق الصريح والكناية فالصريح يشترط فيه أمر واحد: وهو قصد اللفظ. والكناية يشترط فيها أمران: قصد اللفظ ونية الإيقاع. وينبغي أن يقال: أن يقصد حروف الطلاق للمعنى الموضوع له ليخرج أنت طالق من وثاق» (١). * * *

стр. 268

الفرع الثالث تقسيم الإشارة إلى صريح وكناية [م - ٣٦] انفرد الشافعية في تقسيم الإشارة إلى صريح وكناية: يقول الغزالي ﵀: «أما الإشارة فهي معتبرة من الأخرس، وتنقسم إلى صريح وكناية. فالصريح: ما يتفق الكافَّة على فهمه. والكناية: ما يفطن له بعض الناس» (١). فإشارة الأخرس كالبيان، تلزمه أحكامها، ويجوز نكاحه بها، وطلاقه، وعتاقه، وبيعه، وشراؤه، إلى غير ذلك من الأحكام، والدليل على ذلك أن الإشارة كانت بيانًا في الشرع من القادر، فما ظنك بالعاجز، ألا ترى أنه ﵊ كان أفصح العرب، ومع هذا أنبأ بالإشارة، بقوله: (الشهر هكذا). الحديث (٢). وقوله تعالى عن مريم ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. حيث فهم بنو إسرائيل كلام مريم من إشارتها، وأنكروا عليها كيف تطلب منهم أن يكلموا صبيًا في المهد، مثله لا يتكلم عادة. * * *

стр. 269

الفرع الرابع في قول البائع هو لك بكذا [م -٣٧] قوله: (هو لك بكذا) هل يعتبر من الصريح أو من الكناية؟ اعتبر الشافعية: قول البائع: هو لك بكذا من الكناية (١). بينما صرح ابن تيمية ﵀ بأن مذهب مالك وأحمد بأن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة، ويقوم مقام إظهار النية (٢). فقوله: (هو لك بكذا) فكونه يربط الملك بذكر العوض دليل على أنه أراد البيع، ولم يرد الهبة أو أي عقد آخر، وهذا بمنزلة الصريح، كما أن من دلالة الحال كون الناس في سوق تعرض فيه البضائع للبيع، فيقول صاحب البضاعة: هو لك بكذا، فمثل هذا يجعل هذا اللفظ من قبيل اللفظ الصريح، وليس من قبيل الكنايات. * * *

стр. 270

الفرع الخامس عرض البضائع مع بيان أثمانها إيجاب بمنزلة الصريح [م - ٣٨] لا يشترط في الإيجاب أن يكون موجهًا إلى شخص معين بالذات، بل يصح الإيجاب ولو كان موجهًا لشخص غير معين، كالإيجاب الموجه للجمهور؛ وذلك لأن الموجب لا يعنيه شخص من يوجه إليه الإيجاب، ولا يهمه إلا أن يبيع سلعته لأي شخص يتقدم لشرائها بالثمن الذي حدده لها. ومن صوره: عرض البضائع مع بيان أثمانها إيجاب بمنزلة الصريح، وإن لم يكن موجهًا لشخص بذاته. وقوف عربات الركوب ونحوها في الأماكن المعدة لذلك يلحق بالصريح (١). ومنه ما يعرض في بعض الأسواق من نشرات شهرية تحمل أسعارًا مخفضة لبضائع محددة، ويكون الإيجاب فيها محددًا تارة بالمدة، فيقال: العرض سار من تاريخ كذا، إلى تاريخ كذا، وتارة يقال: العرض سار إلى نفاذ الكمية، فهذا إيجاب صريح مكتوب. فإن كان العرض مطلقًا غير محدد بالزمن فليس على التاجر أن يكون مقيدًا بالثمن المكتوب في الإعلان، أو في النشرة إذا مضى بين صدور هذه الكتابة

стр. 271

ووصول قبول العميل وقت يمكن أن تتغير فيه الأسعار، أو كانت هناك ظروف خاصة اقتضت تغير الأسعار تغيرًا فجائيًا سريعًا (١). ومنه الإيجاب بطريق الإعلانات والنشر المتعامل بها إذا قامت دلائل تفيد قطعًا أن المراد به الإيجاب، وأما عند الشك فلا تعتبر إيجابًا، وإنما تعتبر دعوة إلى التفاوض (٢). * * *

стр. 272

الفرع السادس صلاحية الكنايات لإنشاء العقود المالية وغيرها [م - ٣٩] إذا عرفنا الفرق بين الصريح والكناية، فلا إشكال بأن الألفاظ الصريحة ينعقد بها البيع، ولكن السؤال المتبادر، ما مدى صلاحية ألفاظ الكناية لإنشاء العقود المالية، فهل يتوقف انعقادها على الألفاظ الصريحة فقط، أو يمكن أن تنعقد بالكناية أيضًا؟ في هذا خلاف بين الفقهاء، فقيل: تصلح الكنايات لإنشاء الطلاق والخلع ونحوهما، وهذا مذهب الجمهور. والعقود المالية من بيع ونحوه مقيس عليهما (١)، وذلك لأن الفقهاء جعلوا أحكام الصريح والكناية في باب الطلاق أصلًا (٢)، ولا يعني هذا اختصاصه بالحكم، بل غيره من التصرفات مقيس عليه. يقول ابن ملك الحنفي: «الصريح يستغني عن النية، كقولك بعت،

стр. 273

واشتريت، فإن المقصود حاصل بهما، نوى أو لم ينو، كالطلاق والعتاق» (١). ويقول الرملي الشافعي في باب البيع: «لا بد من قصد اللفظ لمعناه، كما في نظيره الطلاق» (٢). ويقول الباجي المالكي: «ليس للإيجاب والقبول لفظ معين وكل لفظ أو إشارة فهم منه الإيجاب والقبول لزم به البيع وسائر العقود إلا أن في الألفاظ ما هو صريح لا يحتمل التأويل مثل أن يقول البائع بعتك هذا الثوب بدينار فيقول المبتاع قد قبلت أو يقول المبتاع قد ابتعت منك هذا الثوب بدينار فيقول البائع قد بعته منك فهذا يلزم به العقد المتبايعين وأما الألفاظ المحتملة فلا يلزم البيع بها بمجردها حتى يقترن بها عرف أو عادة أو ما يدل على البيع .. » (٣). وفي إعانة الطالبين: «صرح بالصيغة بقوله: بإيجاب وقبول ... ثم هي على قسمين: صريح وكناية. والأول: مما دل على التمليك أو التملك دلالة ظاهرة، مما اشتهر، وكرر على ألسنة حملة الشرع، كبعتك، وملكتك ... والثاني: ما احتمل البيع وغيره، كجعلته لك، وخذه، وتسلمه ... » (٤). كما صرح الفقهاء بأن ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية (٥).

стр. 274

وقسم الفقهاء ألفاظ العتق إلى صريح وكناية مما يدل على أن التقسيم ليس خاصًا في باب الطلاق (١). وعللوا ذلك بأن العتق إزالة ملك، فانقسم إلى صريح وكناية، ومقتضى التعليل إلحاق البيع به بالحكم بجامع أن كلًا منهما إزالة ملك (٢). كما أن الوقف إزالة لملك الواقف، وقد قسموا ألفاظه أيضًا إلى صريح وكناية (٣). وذكر ابن مفلح في الفروع بأن جميع العقود والشروط، إطلاق الاسم فيها يتناول المنجز والمعلق، والصريح والكناية، ونسب ذلك لابن تيمية (٤). وذهب ابن حزم ﵀ إلى أن لفظ الكناية لا يقع به بيع ولا طلاق (٥). يقول ابن حزم: ولا يجوز البيع إلا بلفظ البيع، أو بلفظ الشراء، أو بلفظ يعبر به عن سائر اللغات عن البيع ... " (٦).

стр. 275

دليل الجمهور على أن الكنايات معمول بها في العقود: (ح-١٦) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، قال: سألت الزهري أي أزواج النبي ﷺ استعاذت منه، قال: أخبرني عروة. عن عائشة ﵂ أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ، ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك (١). (ح-١٧) وروى البخاري من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، وفي الحديث: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: لفظ: (الحقي بأهلك) استعملها الرسول ﷺ في الطلاق، واستعملها كعب في الاعتزال، وليس في الطلاق، وهذا دليل على أن اللفظ ليس صريحًا، وإنما هو من قبيل الكناية، فإن نوى به الطلاق وقع، وإن نوى به شيئًا آخر لم يقع، والله أعلم. الدليل الثاني: (ث-٢) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن جبير.

стр. 276

قال ابن عباس في حديث طويل، وفيه: جاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل، فسأل امرأته عنه .... وفي الحديث، فقال إسماعيل: هل جاءكم من أحد، قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها .... الحديث (١). وجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق. الدليل الثالث: عقود المعاوضات مبنية على الرضا، فإذا تحقق حصل المقصود، والكناية إذا صاحبتها النية دلت على المراد، حيث تقوم النية بتعيين أحد الاحتمالين أو الاحتمالات الواردة. دليل ابن حزم على عدم اعتبار ألفاظ الكناية في العقود . استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة ٣١]. وقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ [النجم ٢٣]. فأخذ من الآيتين أن الأسماء توقيفية، لاسيما أحكام الشريعة التي لا يجوز فيها الإحداث، ولا تعلم إلا بالنصوص، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. فصرح باسم البيع، فمتى أخذ مال بغير الاسم الذي أباح الله تعالى به أخذه كان باطلًا بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].

стр. 277

ولا خلاف بين المسلمين من أن رجلًا لو قال لرجل أقرضني هذا الدينار، وأقضيك دينارًا إلى شهر، أو لم يحد وقتًا فإنه حسن وأجر وبر. وعندنا إن قضاه دينارين، أو نصف دينار فقط، ورضي كلاهما فحسن. ولو قال: بعني هذا الدينار بدينار إلى شهر، أولم يسم أجلًا، فإنه ربا وإثم وحرام، وكبيرة من الكبائر، والعمل واحد، وإنما فرق بينهما الاسم فقط (١). وهذا القول من ابن حزم لاشك أنه من أضعف الأقوال، وهو يتسق مع جمود الظاهرية، لكنه مخالف للنصوص، ولعمل الناس من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وقياس البيع على القرض قياس مع الفارق، والذي فرق بينهما المعنى، وليس ظاهر الأسماء، فعقد البيع يقصد به المعاوضة والربح، وعقد القرض يقصد به الإرفاق والإحسان، ولذلك اغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع، وقوله: إن البيع مثل الربا والذي فرق بينهما هو الاسم فقط مخالف للمنصوص والمعقول، فالله يقول على لسان أهل الجاهلية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فأي فرق بين هذا القول وبين قول ابن حزم عفى الله عنه، فقال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولو كان الربا والبيع في المعنى واحدًا، لكان حكمهما واحدًا أيضًا، فإن الله لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين إلا لحكمة بالغة، فلما فرق بين البيع وبين الربا علم أن هناك فرقًا بينهما ولابد، ولذلك اعتبر الشرع الربا من الظلم البين، ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. إذا خلصنا أن ألفاظ البيع منها ما هو صريح وكناية، فاعلم أن صيغ الصريح والكناية التي وردت في كلام الفقهاء، هي الماضي والمضارع والأمر، والاستفهام، ولفظة (نعم) والجملة الإسمية، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 278

المبحث الثاني في انقسام الصيغة إلى قولية وفعلية يقول الباجي: «كل لفظ أو إشارة فهم منه الإيجاب والقبول لزم به البيع وسائر العقود ... » (١). [م - ٤٠] ذهب الجمهور إلى أن الإيجاب والقبول يطلق على الصيغة القولية فقط، مثل: بعني هذا بعشرة، فتقول: قبلت، وأن المعاطاة ونحوها من إشارة أوكتابة لا يطلق عليها إيجابًا ولا قبولًا (٢). وقيل: إن الإيجاب والقبول اسم لكل تعاقد بين طرفين، فإن إثباته يسمى

стр. 279

إيجابًا، والتزامه يسمى قبولًا. وهو مذهب المالكية (١)، واختيار ابن تيمية (٢). وهو الصواب الموافق للغة، وأما قصر الجمهور الإيجاب والقبول على الصيغة القولية فهو تخصيص عرفي من لدن هؤلاء الفقهاء، وليس تخصيصًا شرعيًا، يقول الكاساني في بدائع الصنائع: «أما القول، فهو المسمى بالإيجاب والقبول في عرف الفقهاء .. » (٣). وجاء في النكت على المحرر: «قال الشيخ تقي الدين (ابن تيمية): عبارة أصحابنا وغيرهم تقتضي أن المعاطاة ونحوها ليست من الإيجاب والقبول، وهذا تخصيص عرفي، فالصواب الاصطلاح الموافق للغة وكلام المتقدمين: أن لفظ الإيجاب والقبول يشتمل على صور العقد قولية أو فعلية» (٤).

стр. 280

لأن الإيجاب والقبول حقيقته هو كناية عن إرادة المتعاقدين، والتعبير عن هذه الإرادة يأخذ صورًا مختلفة، فقد يكون باللفظ، أو بالكتابة، أو بالإشارة المعبرة عن الإرادة، أو بتبني موقفًا لا تدع ظروف الحال شكًا في دلالته على المقصود، كما هو الشأن في سيارات الأجرة التي تقف في مكان مخصوص تنتظر الركاب. يقول الباجي: «كل لفظ أو إشارة فهم منه الإيجاب والقبول لزم به البيع وسائر العقود ... » (١). فجعل اللفظ والإشارة معبرة عن الإيجاب والقبول الذي هو إرادة المتعاقدين، ولم يجعل اللفظ نفسه هو الإيجاب والقبول حتى يقال باختصاص الإيجاب والقبول بالصيغة القولية. ويقول الحطاب في مواهب الجليل: «ما يدل على الرضا من البائع، ويسمى الإيجاب، وما يدل على الرضا من المشتري، ويسمى القبول، سواء كان الدال قولًا ..... أو كان فعلًا كالمعاطاة» (٢). وما دام إطلاق الإيجاب والقبول على الصيغة اللفظية اصطلاحًا عرفيًا، وليس تخصيصًا شرعيًا، فالمسألة سهلة المأخذ، فالاصطلاح بين أهل الاختصاص لا مشاحة فيه، وإنما اقتضى الأمر التنبيه عليه. * * *

стр. 281

المبحث الثالث في بيان الصيغ القولية الفرع الأول الإيجاب والقبول بصيغة الماضي المسألة الأولى في صيغة الماضي المجرد من الاستفهام [م - ٤١] صيغة الماضي المجردة من الاستفهام ينعقد بها العقد باتفاق الفقهاء، حكاه غير واحد من الفقهاء كالدسوقي، والصاوي، والخطيب، وابن قدامة، وغيرهم، لاسيما إذا لم يتقدم القبول على الإيجاب، كقول البائع (بعت) وقول المشتري (اشتريت). قال الدسوقي: «الماضي ينعقد به البيع اتفاقًا، ولا عبرة بقول من أتى به، أنه لم يرد البيع أو الشراء، ولو حلف» (١). وقال الصاوي: «الماضي لما كان دالًا على الرضا من غير احتمال، انعقد البيع به من غير نزاع» (٢). وقال في مغني المحتاج: «ولو قال: اشتريت هذا منك بكذا، فقال: بعتك، انعقد إجماعًا» (٣).

стр. 282

واعتبروا صيغة الماضي من اللفظ الصريح: فقد صرح الحنفية إلى أن صيغة الماضي لا تحتاج إلى نية (١). وهذا شأن الألفاظ الصريحة. وقال الحطاب المالكي: «في الألفاظ ما هو صريح، مثل بعتك بكذا، فيقول: قبلت» (٢). وسبب الاعتداد بالماضي مطلقًا دلالة صيغته على الحال، فالفعل الماضي يدل على تحقق الوقوع، وذلك أنسب في الدلالة على إنشاء العقد حيث يدل على أن صاحبه قد تخطى مرحلة التفكير والتردد، والمفاوضة والمساومة إلى مرحلة الجزم والقطع والبت والحسم. فإن قيل: إن الماضي بعت واشتريت صيغ للإخبار عن الماضي، فهو خبر، وليس إنشاء وإحداثًا. قيل: وإن كانت صيغة الماضي صيغة إخبارية إلا أن المراد به الإنشاء قطعًا، لأن الرجل إذا قال: بعتك بكذا لو كان يقصد الإخبار لكان كاذبًا حيث لم يقع بيع ولا شراء، فالإنشاء هو المتبادر إلى الذهن، والنكتة في هذا أن الماضي إذا سيق للإنشاء يكون من باب التوكيد على تحقق الفعل، وكون الفعل في إيجاده وتحقق وقوعه واقع كالماضي، وهو مستعمل في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف:٩٩]. وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] فعبر عن النفخ بالصور بصيغة الماضي للتوكيد على أن ذلك واقع لا محالة.

стр. 283

ولذلك لا تجد في نفسك أن رجلًا لو قال لامرأته: (أنت طالق) أنه يحسن تصديقه أو تكذيبه، باعتبار الصيغة خبرية، وإنما يدرك بالضرورة أن الجملة إنشائية. فالعرف يقتضي أن يكون الماضي تعبيرًا صريحًا عن الإنشاء وإحداث العقد. يقول الكاساني: «هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعًا لكنها جعلت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على الوضع» (١). * * *

стр. 284

المسألة الثانية في صيغة الماضي المقرون بالاستفهام [م - ٤٢] إذا جاء الماضي مقرونًا بالاستفهام، كأن يقول المشتري: هل تبيعني هذا بعشرة؟ فقال البائع: بعتك. فهل يقع البيع؟ صرح الحنفية والحنابلة بأن البيع لا يقع، وحكوا في ذلك الاتفاق. قال الكاساني: «ولا ينعقد - يعني البيع - بصيغة الاستفهام بالاتفاق، بأن يقول المشتري للبائع: .... أبعته مني بكذا؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد ما لم يقل المشتري: اشتريت» قال الكاساني: «لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعًا لكنها جعلت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على الوضع» (١). ويقول ابن قدامة في الكافي: «وإن أتى بلفظ الاستفهام، فقال: أبعتني ثوبك، فقال: بعتك، لم يصح متقدمًا ولا متأخرًا - يعني تقدم القبول أو تأخر- لأنه ليس بقبول ولا استدعاء» (٢). وذكر في المغني بأنه لا يعلم خلافًا في هذا (٣). وزاد في الإنصاف: حتى يقول بعد ذلك: ابتعت، أو قبلت، أو اشتريت (٤).

стр. 285

فإن كانت المسألة إجماعًا كما حكوا فالقول مسلم للإجماع، ولعلهم أجمعوا على ذلك، لأن العرف في زمنهم كان لا يقبل مثل ذلك إيجابًا، وليس مرد الاتفاق إلى الصيغة، وإن كان الإجماع لا يصح فالقول بالمنع مطلقًا حتى لو كان هناك عرف متبع قول ضعيف (١)، وسيأتي في آخر البحث بعد أن نحرر مذاهب أهل العلم في ألفاظ الإيجاب والقبول بأن القول الراجح أن البيع ليس له لفظ خاص، وأن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية، بل ومقدم على الحقيقة الشرعية لو وجدت في مثل هذه الأبواب؛ لأن المتبع هو ما يفهمه المتعاقدان مما تعارفا عليه، وكان معبرًا عن إرادتهما بوضوح لا لبس فيه ولا إشكال، بأي لفظ كان من ماض أو مضارع أو أمر، أو جملة اسميه أو معاطاة، أو غير ذلك، وسواء تقدمه استفهام أو لم يتقدمه، إذا كشف ذلك بوضوح عن إرادة المتعاقدين، فقد تم البيع، والله أعلم. ولذلك قد تجد صيغة الماضي صالحة لإنشاء بعض العقود، وغير صالحة لإنشاء عقود أخرى، والصيغة هي الصيغة، ومرد ذلك إلى العرف.
следующие страницы →