المبحث الثاني
حكم البيع مع وجود شرط يخالف مقتضى العقد
لا يتفق الفقهاء على مصطلح الشروط، فلا يستطيع الباحث أن يبحث حكم شرط ما من خلال مسماه العام مثل: (الشروط التي تخالف مقتضى العقد) لأنك قد تجد شرطًا يعتبره الحنفية من الشروط المخالفة لمقتضى العقد، بينما هذا الشرط عند الحنابلة يندرج تحت مسمى الشروط الصحيحة، ولذلك تحتاج إلى دراسة كل شرط على حدة، وتعرض فيه أقوال الفقهاء، وحجة كل قول.
خذ على سبيل المثال كلام الكاساني حول اشتراط الرهن والكفيل في العقد مع أن اشتراط الرهن والكفيل من الشروط المجمع على جوازها بمقتضى النصوص الشرعية.
يقول في البدائع: «جملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن: أن الرهن لا يخلو: إما أن يكون معلومًا، أو مجهولًا، فإن كان معلومًا فالبيع جائز استحسانًا، والقياس ألا يجوز; لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد ; فكان مفسدًا إلا أنا استحسنا الجواز ... » (١).
فنظرة الحنفية إلى اشتراط الكفيل والرهن أنه شرط يخالف مقتضى العقد، ولكنه جوز ليس من باب القياس، ولكنه من باب الاستحسان.
فإذا كان هذا التوصيف من الحنفية في شرط مجمع على جوازه، فما بالك لو كان هذا الشرط من الشروط المختلف فيها.
стр. 2207
ولهذا نحتاج إلى دراسة كل شرط، وبحثه تحت مسماه الخاص، وليس في إدراجه تحت المسمى العام، والذي قد يختلف مصطلح كل مذهب عن بقية المذاهب، حتى نكون أكثر صوابًا ودقة، أسأل الله عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2208
الفرع الأول
إذا باعه بشرط ألا يبيع ولا يهب
[م-٤١٥] إذا تضمن البيع شرطًا يخالف مقتضى العقد، كما لو باعه بشرط ألا يبيعه، ولا يهبه، فقد اختلف العلماء في حكم البيع على أربعة أقوال:
القول الأول:
البيع فاسد، إن كان في هذا الشرط منف عة، وإن كان لا منفعة فيه لأحد فالبيع صحيح ويلغى الشرط، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
يبطل البيع والشرط، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢)،
ومذهب
стр. 2209
الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢)، إلا أن المالكية قالوا: إن ترك البائع الشرط صح البيع، وكذا إن شرط ألا يبيعه على نفر قليل (٣).
القول الثالث:
البيع صحيح والشرط باطل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وحكاه أبو ثور عن الشافعي، واستغربه النووي (٥)، وبه قال ابن أبي ليلى (٦).
стр. 2210
القول الرابع:
البيع صحيح والشرط صحيح، وهذا رأي ابن سيرين (١).
دليل من قال: إن كان في الشرط منفعة فسد، وإلا صح وبطل الشرط .
وجه كون البيع فاسدًا في الشروط النافعة لتضمنها الربا، وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض.
وأما وجه كون البيع صحيحًا في الشروط التي لا نفع فيها فلأن هذا الشرط لما لم يوجد فيه منفعة لأحد، ولم يقابله عوض، لم يوجب فسادًا، ولكن لما كان الشرط فاسدًا في نفسه فسد الشرط وحده.
ويناقش:
كان مقتضى القياس أن يقال: إذا كان في الشرط منفعة كان العقد سائغًا، والشرط كذلك، وإذا كان الشرط لا منفعة فيه، صح البيع وبطل الشرط، هذا هو مقتضى القياس.
وقولهم: إن الشرط النافع: يتضمن معنى الربا، لكونه زيادة في العقد لا يقابلها عوض، لا يسلم من وجهين:
الأول: أن زيادة مثل ذلك ليس من الربا، وليس كل زيادة تكون من الربا المحرم، فالربا إنما هو زيادة مخصوصة في مال مخصوص، ولذلك قال ﷺ كما في حديث عبادة في مسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (٢)، فأذن في الزيادة، وأطلق الحرية للعاقدين، وسيأتي إن شاء ا لله تعالى في كتاب الربا بيان الزيادة المحرمة من الزيادة المشروعة.
стр. 2211
الثاني: من قال: إن الشرط لا يقابله عوض، فإنه ما من التزام يلتزمه العاقد إلا وله ما يقابله، فإذا شرط البائع على المشتري ألا يبيعه، فلا بد أن يقابل تقييد اليد من التصرف أن يعرضه بقيمة أقل مما لو خلا العقد من هذا القيد، وهذا أمر محسوس.
دليل من قال: يبطل البيع والشرط:
الدليل الأول:
أما بطلان الشرط، فلأنه شرط مخالف لأمر الله ورسوله ﷺ ، وما كان مخالفًا لأمر الله ورسوله كان حقه أن يكون باطلًا.
(ح-٣٧٧) ولما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
ومعنى رد: أي مردود عليه
وأما بطلان البيع ببطلان الشرط:
فلأن البيع من شرطه الرضا، وهما لم يتراضيا على البيع خاليًا من الشرط، فلا يمكن إنفاذ البيع بالشرط لكون الشرط محرمًا، ولا يمكن تصحيح البيع مع بطلان الشرط، لفقد شرط الرضا بالبيع خاليًا من الشرط، فلا بد من القول ببطلان البيع، وإذا تراضيا أن يتم البيع خاليًا من الشرط المحرم فليتعاقدا عليه من جديد، ليتحقق الرضا، والذي هو شرط من شروط صحة البيع.
стр. 2212
الدليل الثاني:
(ث-٦٢) روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن عبيد الله، عن القاسم.
عن عائشة ﵂ أنها كرهت أن تباع الجارية بشرط ألا تباع (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(ث-٦٣) ما رواه سعيد بن منصور، قال: نا هشيم، أنا يونس بن عبيد، عن نافع.
عن ابن عمر أنه كان يكره أن يشتري الرجل الأمة على ألا تباع، ولا توهب (٣).
[إسناده صحيح].
دليل من قال: يصح البيع، ويبطل الشرط .
الدليل الأول:
(ح-٣٧٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام
стр. 2213
رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا، فدل على أن الشرط إذا كان مخالفًا للشرع صح البيع، وبطل الشرط.
والحنابلة أخذوا بهذا الحديث في باب المعاوضات وفي غيره، فقالوا: ببطلان الشرط وحده دون العقد، وقاسوا على اشتراط الولاء جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد، وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع.
مناقشة الحديث:
أشكل على المخالفين، كيف يصدر الإذن من النبي ﷺ باشتراط شرط باطل في العقد، ويأمر به، وهو يعلم بطلانه، ولهذا وقفوا من الحديث أحد موقفين:
الموقف الأول:
الحكم بشذوذ لفظة (اشترطي لهم الولاء).
جاء في الفتح: «واستشكل صدور الإذن منه ﷺ في البيع على شرط فاسد، واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في المعالم بسنده إلى يحيى بن أكثم، أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في الأم
стр. 2214
الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط، لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل، وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن» (١).
وفي تلخيص الحبير: «قال الرافعي: قالوا: إن هشام بن عروة تفرد بقوله: (اشترطي لهم الولاء) ولم يتابعه سائر الرواة، والله أعلم، وقد قيل: إن عبد الرحمن ابن نمر تابع هشامًا على هذا، فرواه عن الزهري، عن عروة نحوه» (٢).
والحق أن هشامًا لم ينفرد بهذه اللفظة، بل رواها غيره، إلا أنه ما من راو رواها إلا وقد اختلف عليه في ذكرها، وأرى أن الأكثر على رواية (اشتريها، فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق) وهذا ليس فيه الإذن باشتراط الولاء لهم مع العلم بأن الوفاء به متعذر لحرمته (٣).
الموقف الثاني: موقف التأويل، على خلاف بينهم في تأويلها، قال النووي: «وقال جماهير العلماء هذه اللفظة صحيحة، واختلفوا في تأويلها» (١). ومن هذه التأويل:
التأويل الأول:
قال الشافعي في معنى (واشترطي لهم الولاء): «معناه: اشترطي عليهم الولاء، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] بمعنى: عليهم» (٢).
وكقوله : ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] أي فعليها كما هو في الآية الأخرى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] (٣).
ويجاب:
لو كان الأمر كما قيل في هذا التأويل لما أنكر النبي ﷺ عليهم الاشتراط، ولما خطب في القوم قائلًا: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله.
стр. 2222
التأويل الثاني:
قال آخرون: الأمر في قوله اشترطي للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي أولا تشترطي، فذلك لا يفيدهم، ويقوي هذا التأويل، قوله في رواية أيمن .... اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا (١).
التأويل الثالث:
قيل: كان النبي ﷺ قد أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه، أطلق الأمر مريدًا به التهديد على مآل الحال، كقوله ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] وكقول موسى ﴿أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنه يقول: اشترطي لهم فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، ويؤيده قوله حين خطبهم: ما بال رجال يشترطون شروطًا ... الخ فوبخهم بهذا القول، مشيرًا إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يتقدم بيان ذلك، لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه كان يكون باقيًا على البراءة الأصلية» (٢).
قلت: لعل البيان من المصطفى ﷺ كان لكثير من الصحابة، ولم يبلغ موالي بريرة، ولو بلغهم كان الظن فيهم وفي غيرهم من الصحابة ﵃ حسن الامتثال، وفي بلاغ واحد من الأمة بلاغ للأمة كلها.
стр. 2223
التأويل الرابع:
قال النووي: «والأصح في تأويل الحديث، ما قال أصحابنا في كتب الفقه: إن هذا الشرط خاص في قصة عائشة، واحتمل هذا الإذن، وإبطاله في هذه القصة الخاصة، وهي قضية عين لا عموم لها، قالوا والحكمة في إذنه ثم إبطاله: أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، وزجرهم عن مثله، كما أذن لهم ﷺ في الإحرام بالحج في حجة الوداع، ثم أمرهم بفسخه، وجعله عمرة بعد أن أحرموا بالحج، وإنما فعل ذلك ليكون أبلغ في زجرهم، وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة، والله أعلم» (١).
وتعقبه ابن دقيق العيد: بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل.
التأويل الخامس:
منهم من قال: إن الشرط لم يكن في نفس العقد.
«قال ابن الجوزي: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله: (اشترطي) مجرد وعد، ولا يجب الوفاء به.
قال ابن حجر: وتعقب باستبعاد أنه ﷺ يأمر شخصًا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد» (٢).
وقيل غير ذلك من التأويلات، والله أعلم.
стр. 2224
دليل من قال: يصح البيع ويصح الشرط:
الدليل الأول:
(ث-٦٤) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
أن ابن مسعود اشترى من زوجته زينب جارية، فاشترطت عليه: إن باعها، فهي أحق بالثمن، فسأل ابن مسعود عمر، فكره أن يطأها (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
هذا البيع تضمن شرطين:
الأول: ألا يبيعها لغيره، وهذا نوع من الحجر على تصرفه فيما يملك، وهو يخالف مقتضى العقد.
الثاني: أن يبيعها إياه بالثمن الذي باعها عليه، وهذا أيضًا يخالف مقتضى العقد فإن مقتضاه أن يبيعه بالسعر الذي يراه مناسبًا.
وأما الدليل على صحة البيع مع هذا الشرط كون عمر ﵁ لم يكره له إلا
стр. 2225
الوطء، ولو كان البيع باطلًا لكره له الوطء وغيره، لعدم الملك، فيكون قد اتفق عمر ﵁ مع ابن مسعود على صحة مثل هذا الشرط.
وأما الدليل على صحة الاشتراط كون عمر ﵁ لم يبين فساد هذا الشرط، ولو كان الشرط فاسدًا عنده لبينه عمر ﵁ مع ما عرف عنه من جهره بالحق، وصدعه به.
الدليل الثاني:
قد يشترط البائع ألا يبيعه ولا يهبه، وله في ذلك غرض صحيح، وليس مجرد التحجير على المشتري، فقد يشترط البائع ذلك لمصلحة تعود على العاقد، أو على المعقود عليه، ولا حرج في ذلك:
فالمصلحة التي تعود على العاقد، كما لو علمت حاجة المشتري إلى بيت يسكنه، ولكنه لا يحسن التصرف، فما يقع في يده شيء إلا ويزهد فيه، ويبيعه رغم حاجته إليه، فأردت أن أبيعه، وأشترط عليه ألا يبيعه، وكان الغرض من ذلك نفع المشتري حتى لا يخرجه من ملكه. فهذا الشرط لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، واشتراط البائع له فيه غرض صحيح.
وأما مثال المصلحة التي تعود على المعقود عليه: كما لو كان للبائع عبد صالح، واحتاج إلى بيعه، وخاف إن باعه أن تداوله الأيدي، فيقع في يد من لا يقدره، ولا يحسن عليه بل قد يظلمه، فاشترط على المشتري ألا يخرجه من ملكه، فالمصلحة هنا تعود على المعقود عليه، وليس اشتراط مثل ذلك لمجرد التحجير على المشتري.
الراجح:
من خلال استعراض أدلة الأقوال رأينا كيف أن حديث هشام (اشترطي لهم
стр. 2226
الولاء) فيه من الاختلاف ما وقفت عليه، والأكثر على عدم ذكر زيادة (واشترطي لهم الولاء) وعلى فرض أن تكون هذه الزيادة محفوظة فإنه يقال فقط في القضية التي سيق فيها الحديث: كما باع رجل عبده بشرط أن يكون له ولاؤه. أما الذي هو محل تأمل كبير عندي:
هل قياس جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد على اشتراط الولاء قياس صحيح، فإن كان الولاء حقًا ماليًا، له قيمة في العقد صح قياس جميع الشروط التي تخالف مقتضاه، وإن كان الولاء ليس من الحقوق المالية بنص الحديث لم يصح القياس.
(ح-٣٧٩) فقد روى الشيخان من حديث ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته) (١).
(ح-٣٨٠) وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعًا: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (٢).
فلا يقاس على الولاء غيره من الشروط المالية ولو كانت تخالف مقتضى العقد، وذلك أن كل شرط مالي، ولو كان مخالفًا للعقد قد قابله جزء من الثمن، فإذا بطل الشرط فهل يحق للمشتري أن يأخذ ما يقابله من الثمن بلا عوض، فمثلًا: إذا اشترط المشتري أن لا خسارة عليه، فشرطه هذا شرط يخالف مقتضى العقد، وإذا قبل البائع هذا الشرط فإن المشتري سوف يشتري المبيع بقيمة أكثر مما لو اشتراها بدون هذا الشرط، وهذا معلوم، فيكون البائع قد قبض قيمة هذا الشرط الباطل، فإذا بطل الشرط، ولزم البيع بنفس الثمن، فقد أخذ
стр. 2227
البائع قيمة هذا الشرط الباطل بلا مقابل، فهل يحق له أن يأخذ قيمة هذا الشرط إذا صححنا العقد، أو نقول: يلزم البيع، وما زاد من الثمن مقابل هذا الشرط يرد إلى المشتري؛ لأن عوض الحرام حرام.
وإذا قلنا: بخصم قيمة الشرط، فإن البائع له أن يقول: أنا لم أرض بإخراج المبيع من ملكي بهذا الثمن بعد الخصم، ومن شروط صحة البيع: رضا البائع بالثمن، ورضا المشتري بالمبيع، وهو ما لم يتحقق هنا، فإذا تراضيا على الثمن الجديد فليتعاقدا عليه بعد إبطال العقد بالصورة الأولى، وبهذا نكون قد توجهنا إلى الأخذ بقول الجمهور، وهو إبطال البيع وإبطال الشرط.
هذا الكلام يقال: من حيث الجملة حول ما يسمى بالشرط المخالف لمقتضى العقد، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل شرط يخالف مقتضى العقد أن يكون باطلًا خاصة إذا كان للعاقد غرض صحيح مشروع من اشتراط ألا يبيعه، ولا يهبه، فإذا كان له غرض مشروع فإن القول الذي أميل إليه هو صحة التزام مثل هذا الشرط، لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، فلو أراد البائع أن يبيع سلعته على أحد من الناس، وقصد محاباته بهذا البيع وانتفاعه من هذا المبيع، وخشي أنه إن باعه عليه أن يخرجه من ملكه ببيع أو هبة، وهو لم يرد من البيع إلا انتفاع المشتري من المبيع ولولا ذلك لما باعه فإن هذا الشرط لا يوجد ما يمنعه، والغرض منه غرض مشروع وصحيح، والله أعلم.
* * *
стр. 2228
الفرع الثاني
إذا باعه بشرط أن لا خسارة عليه أو متى نفق المبيع وإلا رده
[م-٤١٦] إذا باعه بشرط ألا خسارة عليه.
فهذا الشرط يخالف مقتضى العقد، لأن مقتضى العقد أن يكون له الغنم كما يكون عليه الغرم.
وأكثر من توجه لهذا الشرط بالبحث الشافعية والحنابلة.
فإذا اشترط المشتري على البائع بأنه لا خسارة عليه، أو شرط عليه: إن نفق المبيع وإلا رده عليه، فما حكم التزام مثل هذا الشرط، وما حكم ا لعقد إذا اقترن به.
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
البيع صحيح، والشرط باطل، وهذا مذهب الحنفية (١)،
والحنابلة (٢).
стр. 2229
القول الثاني:
البيع فاسد، يجب فسخه فإن فات بعد القبض وجبت القيمة، وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
البيع باطل، وهذا مذهب الشافعية (٢)، ورواية في مذهب الحنابلة، اختارها القاضي وأصحابه (٣).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة التي قبلها، إذا باعه بشرط ألا يبيع، ولا يهب، وما قيل في تلك يقال في هذه المسألة، ولم أقف على أحد صحح الشرط من المتقدمين، وإنما هم متفقون على بطلان الشرط، مختلفون في تصحيح البيع، والذي أميل إليه في هذه المسألة هو بطلان البيع والشرط:
أما بطلان الشرط، فلأن الشرط يخالف مقتضى البيع، فإن مقتضاه أن يكون له غنمه، وعليه غرمه.
стр. 2230
وأما بطلان العقد فالظاهر أن التزام ألا خسارة عليه له ما يقابله من الثمن، فإذا سقط الشرط سقط عوضه، وإذا تغير الثمن لا بد من رضا الطرفين، لأن إرادة المتعاقدين لم تلتق بالثمن الجديد، ولم يكن هناك إيجاب وقبول، والإيجاب والقبول بالشرط قد تطرق لهما الفساد، فيحتاجان إلى التزام جديد، والله أعلم.
وقد انتشرت في عصرنا مسألة البيع بالتصريف، فيأتي المنتج والمورد إلى البقال والصيدلي وغيرهما فيضع عنده بضاعته، من خبز وحليب ودواء وغيرها ويبيعها عليه، فما باعه المشتري من البضاعة في وقت صلاحيتها فهي على المشتري، وما بقي منها فهي رد على البائع، وبعض البضائع قد تمتد مدة صلاحيتها الفترة الطويلة كالدواء مثلًا فلا يدري المنتج كمية ما باعه منها، ولا يدري المشتري مقدار ما اشتراه منها، فهل مثل هذا البيع يمكن تصحيحه مع الابتلاء فيه.
والجواب على هذا نقول:
بيع التصريف يقع على طريقتين:
الأولى: أن يكون صاحب المحل وكيلًا للمنتج، بأن يقول صاحب البضاعة لصاحب المحل: خذ هذا بعه لي، ولك على كل سلعة تبيعها كذا وكذا، فهذا جائز قولًا واحدًا؛ لأن هذا العمل من قبيل الوكالة بأجرة.
وإذا كان صاحب المحل وكيلًا انطبقت عليه أحكام الوكالة، فتكون يده يد أمانة، فلا ضمان عليه إلا بتعد أو تفريط.
الثاني: أن يقوم صاحب البضاعة سلعًا معلومة، ويقول البائع: ما بعته منها فهو على بيعه، وما لم يتصرف فرده إلي بقسطه من الثمن.
وهذا العقد من عقود البيع، ويكون المشتري ضامنًا لكامل السلعة لو تلفت حتى لو كان التلف بلا تعد ولا تفريط؛ لأنه ماله تلف تحت يده، فضمانه عليه.
стр. 2231
وهذا الصورة هو الذي وقع فيها إشكال في جوازها، وسوف أقيد كل ما وقفت عليه من الأقوال والنصوص القديمة والمعاصرة زيادة على ما تقدم لعلها تعين القارئ على فهم حكم هذه المسألة.
فإذا بحثنا في كتب التراث عن حكم هذه المسألة.
وجدنا أن الإمام أحمد قد تعرض لها فيما فهمته، والله أعلم، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ما نصه:
«سمعت أحمد سئل عن الرجل يبيع البز، فيطلب منه صنفًا من المتاع ليس عنده، فيشتريه من السوق، ثم يبيعه، فإن جاز منه جاز، ويستفضل في ذلك فضلًا لنفسه، وإن رده عليه رده. فقال: لا، ولكنه إن قال: ما استفضلت على كذا وكذا فهو لي، فإنه جائز» (١). اهـ
فهذا النص من الإمام أحمد كأنه يجيز مسألة البيع بالتصريف إذا كان ذلك عن شرط، ولا يجيزها بدون شرط.
وهذا القول غير معروف في مذهب الحنابلة، ولم أقف على أحد من فقهاء الحنابلة نص عليه في كتبهم المعتمدة، بل إن الحنابلة نصوا على أنه إن اشترط أنه متى نفق المبيع وإلا رده أن هذا الشرط باطل على خلاف في صحة البيع، ولم يحكوا خلافًا في بطلان الشرط.
وقد سجلت أربعة أقوال في المسألة للعلماء المعاصرين وتكلم عليها شيخنا محمد بن عثيمين، وكان له أكثر من رأي مما يعبر عن تردده في حكم هذه المسألة نظرًا لانتشارها، وعمل الناس بها.
стр. 2232
القول الأول:
يرى شيخنا أن العقد صحيح والشرط باطل، وعلل ذلك في الشرح الممتع بأنه يخالف مقتضى العقد، إذ إن مقتضى العقد أن المبيع للمشتري سواء نفق المبيع أو لا. وهذا القول من شيخنا يتفق مع ما هو معروف من مذهب الحنابلة.
وقال شيخنا أيضًا: «البيع بالتصريف عقد محرم لحصول الجهالة والغرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر» (١).
وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
قالت اللجنة: «إذا شرط المشتري أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده عليه، أو شرط البائع ذلك فقال: اشتر هذه البضاعة مني، وإذا خسرت فأنا أدفع مقابل الخسارة، فإن الشرط يبطل وحده، ويصح البيع؛ لقول الرسول ﷺ ..... كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. متفق عليه. ولأن مقتضى العقد انتقال المبيع للبائع بعد دفع الثمن، والتصرف المطلق فيه، وأن له ربحه وعليه خسارته وحده، ولدفع الضرر المتوقع إذا تهاون المشتري في ترويج السلعة فباعها بخسارة ورجع على البائع، ولأن قول البائع: إن خسرت البضاعة فأنا أدفع الخسارة فيه تغرير من ناحية إيهام المشتري بأن السلعة رائجة، وأنها تساوي هذا المبلغ» (٢).
القول الثاني:
أن العقد والشرط صحيحان. ذكره شيخنا في الشرح الممتع، ورجحه، ولم
стр. 2233
ينسبه لأحد من أهل العلم، وعلل الجواز بأنه ليس على أحد الطرفين ضرر، وليس فيه ظلم، وصاحب السلعة مستعد لقبول ما تبقى (١).
القول الثالث:
ذكر شيخنا قولًا ثالثًا بأنه إن كان رد المشتري للسلعة بدون شرط وعقد مسبق بينه وبين البائع فلا بأس، لأنه إذا رده بدون شرط، ورضي البائع فهو إقالة من البائع للمشتري، والإقالة جائزة (٢).
ويشكل على هذا التخريج:
أن التعامل اليوم أصبح عرفًا بين الناس، والمعروف عرفاَ كالمشروط شرطًا.
وهذا التخريج عكس ما نقلته عن الإمام أحمد حيث أجاز ذلك بالشرط، ومنعه من دون شرط.
القول الرابع:
أن العقد والشرط باطلان. وهذا قول في مذهب الحنابلة.
جاء في الشرح الكبير لابن قدامة:
«شرط ما ينافي مقتضى البيع نحو أن يشترط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده ..... فهذا الشرط باطل في نفسه لقول النبي ﷺ في حديث بريرة حين شرط أهلها الولاء: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) نص على بطلان هذا الشرط، وقسنا عليه سائر الشروط؛ لأنها في معناه.
стр. 2234
وهل يبطل بها البيع. على روايتين: قال القاضي: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح، وهو ظاهر كلام الخرقي، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، والحكم وابن أبي ليلى، وأبو ثور.
والثانية: البيع فاسد، وهو قول أبي حنفية، والشافعي؛ لأنه شرط فاسد، فأفسد البيع كما لو اشترط فيه عقدًا آخر، ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولًا، ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري كذلك إذا كان الشرط له، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي، ولأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع وشرط، ووجه الأولى: ما روت عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي .... وذكر حديث عائشة في قصة عتق بريرة ... فأبطل - يعني النبي ﷺ الشرط ولم يبطل العقد» (١).
وجاء في بحوث هيئة كبار العلماء في البلاد السعودية:
«من الشروط الفاسدة: شرط ينافي مقتضى العقد، كأن يشترط في المبيع ألا خسارة عليه، أو ألا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، فهذه الشروط باطلة، وهل تبطل العقود المشتملة عليها. قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد» (٢).
واشتراط ألا خسارة عليه كاشتراط متى نفق المبيع وإلا رده، فإن المحصلة واحدة، لأن المبيع متى كان نافقًا فالمشتري رابح، ومتى كان المبيع غير نافق فإن المشتري سيخسر، فالشرطان بمعنى واحد، وهما شرطان مخالفان لمقتضى العقد وبينهما فرق يسير سوف أشير إليه عند التعرض للترجيح.
стр. 2235
الراجح من أقوال أهل العلم:
باستثناء النص عن الإمام أحمد الذي حكاه أبو داود لم أجد أحدًا من أهل العلم نص على جوازها، ويكاد يتفق الفقهاء على المنع من اشتراط عدم الخسارة، وإن كان هناك فرق يسير بين المسألتين:
فالمسألتان كلتاهما تعنيان أن المشتري لا خسارة عليه.
إلا أن العقد في اشتراط عدم الخسارة قد اشتمل على ضمان من البائع للمشتري بأن يضمن له ما نقص من رأس ماله، وهذا لا يوجد في اشتراط نفاق المبيع.
واشتراط نفاق المبيع وإلا رد السلعة لا يوجد ضمان لرأس المال، وإنما اشتمل العقد على محذورين:
الأول: اشتمال العقد على استثناء مجهول، فالعقد يحتمل رد جزء من المبيع غير معلوم المقدار، والاستثناء يجب أن يكون معلومًا؛ لأن استثناء المجهول من المعلوم يصير المعلوم مجهولًا كما هو معلوم.
المحذور الثاني: التعليق في البيع على أمر مجهول، وذلك أن نفاذ البيع على جميع السلعة معلق على أمر غير معلوم أثناء التعاقد، وهو نفاق السلعة لدى الناس، والتعليق في البيع على أمر مجهول لا يجوز.
ويجتمع العقدان أعني عقد اشتراط عدم الخسارة، واشتراط نفاق المبيع في أن مثل هذه الشروط تخالف مقتضى العقد، إذ إن مقتضى العقد: أن الربح للمشتري، والخسارة عليه.
ووجود ثلاثة أقوال في المسألة لشيخنا يرحمه الله يدل على أنه كان مترددًا فيها نظرًا لانتشارها، وعمل الناس بها، والذي يظهر لي أن هذا الشرط باطل،
стр. 2236
والعقد صحيح، وإنما قلت: إن العقد صحيح لأني أرى أن البائع لا يزيد في قيمة السلعة مقابل هذا الشرط، ولو حدث أن زاد البائع في قيمة السلعة في مقابل هذا الشرط فإن العقد يجب أن يكون باطلًا أيضًا، والله أعلم.
* * *
стр. 2237
المبحث الثالث
اشتراط أحد المتعاقدين مع البيع عقدًا آخر
الفرع الأول
إذا باعه أو صارفه أو أجره بشرط أن يقرضه
(ح-٣٨١) روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
فقوله: (نهى عن سلف وبيع) المقصود بالنهي الجمع بين البيع والقرض بصفقة واحدة، وفي معنى البيع: الصرف؛ لأنه بيع دراهم بدراهم، والإجارة: لأنه من قبيل بيع المنافع.
[م-٤١٧] وقد أجمع الفقهاء على حرمة اجتماع القرض مع البيع في صفقة واحدة إذا كان ذلك عن اشتراط، كما لو باعه بشرط أن يقرضه.
إلا أن المالكية قالوا: إن تنازل عن الشرط صح البيع.
стр. 2238
واستثنى الحنفية مسألتين:
الأولى: لو قال: بعتك هذه الدار بألف على أن يقرضني فلان الأجنبي عشرة دراهم، فقبل المشتري ذلك البيع صح؛ لأن الإقراض لا يلزم الأجنبي (١).
الثانية: لو دفع رجل إلى آخر ألف درهم، على أن يكون نصفها الآخر قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته، فإنه يجوز ذلك، وذلك يعني جواز الجمع بين الشركة والقرض (٢).
قال ابن رشد: «اتفق الفقهاء على أنه - يعني الجمع بين بيع وسلف- من البيوع الفاسدة، واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض، فمنعه أبو حنفية، والشافعي، وسائر العلماء.
وأجازه مالك وأصحابه إلا محمد بن عبد الحكم.
وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور.
стр. 2239
وحجة الجمهور:
أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، مع أن الثمن يكون في المبيع مجهولًا لاقتران السلف به.
وقد روي عن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي أنه سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي، فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، وبين رجل باع غلامًا بمائة دينار، وزق خمر، فلما عقد البيع، قال: أنا أدع الزق، قال: وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع.
فأجاب إسماعيل عن هذا بجواب لا تقوم به حجة، وهو أن قال له: الفرق بينهما: أن مشترط السلف مخير في تركه أو عدم تركه، وليس كذلك مسألة زق الخمر. قال ابن رشد: وهذا الجواب هو نفس الشيء الذي طولب فيه بالفرق، وذلك أن يقال له: لما كان هنا مخيرًا، ولم يكن هنالك مخيرًا في أن يترك الزق، ويصح البيع، والأشبه أن يقال: إن التحريم هاهنا لم يكن لشيء محرم بعينه، وهو السلف؛ لأن السلف مباح، وإنما وقع التحريم من أجل الاقتران، أعني اقتران البيع به، وكذلك البيع في نفسه جائزًا، وإنما امتنع من قبل اقتران الشرط به، وهنالك إنما امتنع البيع من أجل اقتران شيء محرم لعينه به، لا أنه شيء محرم من قبل الشرط.
ونكتة المسألة: هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا يرتفع، كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرم العين به. وهذا ينبني على أصل آخر هو: هل هذا الفساد حكمي أو معقول، فإن قلنا:
стр. 2240
حكمي، لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا: معقول، ارتفع بارتفاع الشرط» اهـ كلام ابن رشد (١).
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من باع بيعًا على شرط سلف يسلفه، أو يستسلفه، فبيعه فاسد مردود، إلا أن مالكًا في المشهور من مذهبه يقول في البيع والسلف: إنه إذا طاع الذي اشترط السلف بترك سلفه، فلم يقبضه، جاز البيع. هذا قوله في موطئه ... » (٢).
وقال القرطبي: «واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف» (٣).
وقال ابن قدامة: «لو باعه بشرط أن يسلفه، أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه، فهو محرم، والبيع باطل .... ولا أعلم فيه خلافًا، إلا أن مالكًا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع» (٤).
وقال القاضي ابن العربي: «وأما بيع وسلف، فإنما نهى عنه لتضاد الهدفين، فإن البيع مبني على المشاحة والمغابنة، والسلف مبني على المعروف والمكارمة، وكل عقدين يتضادان وصفًا، لا يجوز أن يجتمعا شرعًا، فاتخذوا هذا أصلًا» (٥).
стр. 2241
وقال ابن القيم: «وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربا في السلف بأخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع» (١).
«لأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» (٢).
«ولا خلاف بين الفقهاء في أن الحكم بحرمة ذلك وفساده منسحب على الجمع بين القرض والسلم، وبين القرض والصرف، وبين القرض والإجارة؛ لأنها كلها بيوع، وأما الجمع بين ما سوى ذلك من العقود فهو محل نظر الفقهاء، وقد اختلفت اجتهاداتهم فيه، وتباينت تفصيلاتهم وآراؤهم في كثير من صوره، وضوابطه ... » (٣).
وسوف نعرض اشتراك بعض العقود مع البيع، ومدى تأثير مثل ذلك على صحة البيع.
* * *
стр. 2242
الفرع الثاني
إذا اجتمع مع عقد البيع عقد آخر غير القرض
[م-٤١٨] بحثنا في الفرع السابق حكم البيع إذا اجتمع مع القرض بصفقة واحدة، كما لو باعه بشرط أن يقرضه، وخلصنا إلى أن العلماء متفقون على تحريم البيع بشرط القرض، ونبحث في هذا الفصل حكم البيع إذا اجتمع مع عقد آخر غير القرض بصفقة واحدة، كما لو باعه بشرط أن يبيعه سلعة أخرى، أو بشرط الهبة، أو بشرط النكاح، أو بشرط المصارفة، أو بشرط الجعالة، وكان ذلك في صفقة واحدة.
القول الأول: مذهب الحنفية:
يمنع الحنفية جمع صفقتين في صفقة واحدة، ولذلك منعوا الجمع بين بيع وإجارة (١)، أو بيع وإعارة (٢).
قال في الهداية: «وكذلك لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا، أو دارًا على أن يسكنها، أو على أن يقرضها المشتري درهمًا، أو على أن يهدي له هدية؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، ولأنه ﵇ نهى عن بيع وسلف، ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة» (٣).
стр. 2243
ومنعوا الجمع بين البيع وبين القسمة التي في معنى البيع، كما منعوا كل قسمة على شرط هبة أو صدقة.
جاء في المبسوط: «إذا اقتسما دارًا على أن يستوفي أحدهما من الآخر دارًا له بألف درهم، فالقسمة على هذا الشرط باطلة ; لأن فيها معنى البيع، واشتراط هذا في البيع مبطل له؛ لنهي النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة وكذلك كل قسمة على شرط هبة، أو صدقة، فهي فاسدة كالبيع وكذلك كل شراء على شرط قسمته فهو باطل; لأن اشتراط القسمة في الشراء كاشتراط الشراء في القسمة» (١).
ويستثنى من ذلك الجمع بين القرض والشركة:
فقد نص الحنفية بأنه: لو دفع رجل إلى آخر ألف درهم، على أن يكون نصفها الآخر قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته، فإنه يجوز ذلك، وذلك يعني جواز الجمع بين الشركة والقرض (٢).
كما أجاز الحنفية جواز الجمع بين عقدي الكفالة والوكالة باعتبار أنهم قد أجازوا شركة المفاوضة، وهي تتضمن الوكالة والكفالة.
فما اشتراه أحد الشريكين فهو جائز عليه وعلى صاحبه، يؤخذ به كله؛ لأن المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، فبحكم الوكالة يجعل شراء أحدهما كشرائهما، وبحكم الكفالة يجعل كل واحد منهما مطالبًا بما يجب على صاحبه بسبب التجارة (٣).
стр. 2244
هذا ما وقفت عليه من مذهب الحنفية في حكم الجمع بين العقود المختلفة.
القول الثاني: مذهب المالكية:
منع المالكية أن يجتمع البيع مع واحد من العقود التالية وهي:
الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض (المضاربة)، والقرض، فكذلك لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد (١).
وهي مجموعة في قولك: (جص مشنق) فالجيم: للجعالة، والصاد: للصرف، والميم: للمساقاة، والشين: للشركة، والنون: للنكاح، والقاف: للقراض.
ونظمها بعضهم، فقال:
عقود منعنها مع البيع ستة ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساق شركة نكاح قراض منع هذا محقق (٢).
وكذلك لا يجمع الجزاف مع الكيل، ويجوز الجمع بين البيع والإجارة كأن يشتري زرعًا، ويشترط على البائع حصاده (٣).
وجه منع هذه العقود بخصوصها مع عقد البيع عند المالكية:
منع المالكية اجتماع هذه العقود مع عقد البيع لتنافي أحكام هذه العقود مع عقد البيع، ومن المعلوم أن تنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات (٤)
стр. 2245
وقال ابن العربي: «كل عقدين يتضادان وصفًا ويتناقضان حكمًا، فإنه لا يجوز اجتماعهما، أصله البيع والسلف، فركبه على جميع مسائل الفقه، ومنه البيع والنكاح ... ومن هذا الباب الجمع بين العقد الواجب والجائز، ومثله بيع وجعالة .... وأمثال ذلك لا تحصى» (١).
هذا من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل:
وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الصرف:
أن «الصرف مبني على غاية التضييق، حتى شرط فيه التماثل الحقيقي في الجنس، والتقابض الذي لا تردد فيه، ولا تأخير، ولا بقاء علقة، وليس البيع كذلك» (٢).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام النكاح:
أن «النكاح مبني على المكارمة والمسامحة، وعدم المشاحة، ولذلك سمي الصداق نحلة، وهي العطية لا في مقابلة عوض، وأجيز فيه نكاح التفويض بخلاف البيع» (٣).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الجعالة:
فإن «الجعل مبني على الجهالة بالعمل، وعلى أن العامل بالخيار، والبيع يأبى ذلك» (٤).