وقال ابن القيم: «وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربا في السلف بأخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع» (١).
«لأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» (٢).
«ولا خلاف بين الفقهاء في أن الحكم بحرمة ذلك وفساده منسحب على الجمع بين القرض والسلم، وبين القرض والصرف، وبين القرض والإجارة؛ لأنها كلها بيوع، وأما الجمع بين ما سوى ذلك من العقود فهو محل نظر الفقهاء، وقد اختلفت اجتهاداتهم فيه، وتباينت تفصيلاتهم وآراؤهم في كثير من صوره، وضوابطه ... » (٣).
وسوف نعرض اشتراك بعض العقود مع البيع، ومدى تأثير مثل ذلك على صحة البيع.
* * *
стр. 2242
الفرع الثاني
إذا اجتمع مع عقد البيع عقد آخر غير القرض
[م-٤١٨] بحثنا في الفرع السابق حكم البيع إذا اجتمع مع القرض بصفقة واحدة، كما لو باعه بشرط أن يقرضه، وخلصنا إلى أن العلماء متفقون على تحريم البيع بشرط القرض، ونبحث في هذا الفصل حكم البيع إذا اجتمع مع عقد آخر غير القرض بصفقة واحدة، كما لو باعه بشرط أن يبيعه سلعة أخرى، أو بشرط الهبة، أو بشرط النكاح، أو بشرط المصارفة، أو بشرط الجعالة، وكان ذلك في صفقة واحدة.
القول الأول: مذهب الحنفية:
يمنع الحنفية جمع صفقتين في صفقة واحدة، ولذلك منعوا الجمع بين بيع وإجارة (١)، أو بيع وإعارة (٢).
قال في الهداية: «وكذلك لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا، أو دارًا على أن يسكنها، أو على أن يقرضها المشتري درهمًا، أو على أن يهدي له هدية؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، ولأنه ﵇ نهى عن بيع وسلف، ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة» (٣).
стр. 2243
ومنعوا الجمع بين البيع وبين القسمة التي في معنى البيع، كما منعوا كل قسمة على شرط هبة أو صدقة.
جاء في المبسوط: «إذا اقتسما دارًا على أن يستوفي أحدهما من الآخر دارًا له بألف درهم، فالقسمة على هذا الشرط باطلة ; لأن فيها معنى البيع، واشتراط هذا في البيع مبطل له؛ لنهي النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة وكذلك كل قسمة على شرط هبة، أو صدقة، فهي فاسدة كالبيع وكذلك كل شراء على شرط قسمته فهو باطل; لأن اشتراط القسمة في الشراء كاشتراط الشراء في القسمة» (١).
ويستثنى من ذلك الجمع بين القرض والشركة:
فقد نص الحنفية بأنه: لو دفع رجل إلى آخر ألف درهم، على أن يكون نصفها الآخر قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته، فإنه يجوز ذلك، وذلك يعني جواز الجمع بين الشركة والقرض (٢).
كما أجاز الحنفية جواز الجمع بين عقدي الكفالة والوكالة باعتبار أنهم قد أجازوا شركة المفاوضة، وهي تتضمن الوكالة والكفالة.
فما اشتراه أحد الشريكين فهو جائز عليه وعلى صاحبه، يؤخذ به كله؛ لأن المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، فبحكم الوكالة يجعل شراء أحدهما كشرائهما، وبحكم الكفالة يجعل كل واحد منهما مطالبًا بما يجب على صاحبه بسبب التجارة (٣).
стр. 2244
هذا ما وقفت عليه من مذهب الحنفية في حكم الجمع بين العقود المختلفة.
القول الثاني: مذهب المالكية:
منع المالكية أن يجتمع البيع مع واحد من العقود التالية وهي:
الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض (المضاربة)، والقرض، فكذلك لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد (١).
وهي مجموعة في قولك: (جص مشنق) فالجيم: للجعالة، والصاد: للصرف، والميم: للمساقاة، والشين: للشركة، والنون: للنكاح، والقاف: للقراض.
ونظمها بعضهم، فقال:
عقود منعنها مع البيع ستة ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساق شركة نكاح قراض منع هذا محقق (٢).
وكذلك لا يجمع الجزاف مع الكيل، ويجوز الجمع بين البيع والإجارة كأن يشتري زرعًا، ويشترط على البائع حصاده (٣).
وجه منع هذه العقود بخصوصها مع عقد البيع عند المالكية:
منع المالكية اجتماع هذه العقود مع عقد البيع لتنافي أحكام هذه العقود مع عقد البيع، ومن المعلوم أن تنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات (٤)
стр. 2245
وقال ابن العربي: «كل عقدين يتضادان وصفًا ويتناقضان حكمًا، فإنه لا يجوز اجتماعهما، أصله البيع والسلف، فركبه على جميع مسائل الفقه، ومنه البيع والنكاح ... ومن هذا الباب الجمع بين العقد الواجب والجائز، ومثله بيع وجعالة .... وأمثال ذلك لا تحصى» (١).
هذا من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل:
وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الصرف:
أن «الصرف مبني على غاية التضييق، حتى شرط فيه التماثل الحقيقي في الجنس، والتقابض الذي لا تردد فيه، ولا تأخير، ولا بقاء علقة، وليس البيع كذلك» (٢).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام النكاح:
أن «النكاح مبني على المكارمة والمسامحة، وعدم المشاحة، ولذلك سمي الصداق نحلة، وهي العطية لا في مقابلة عوض، وأجيز فيه نكاح التفويض بخلاف البيع» (٣).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الجعالة:
فإن «الجعل مبني على الجهالة بالعمل، وعلى أن العامل بالخيار، والبيع يأبى ذلك» (٤).
стр. 2246
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام القراض والمساقاة:
فإن «القراض والمساقاة مبنيان على التوسعة، إذ هما مستثنيان من أصل ممنوع، وهو الإجارة المجهولة، فصارا كالرخصة، بخلاف البيع فإنه مبني على رفع الجهالة في الثمن والمثمن والأجل، وغير ذلك، فأحكامه تنافي أحكامهما» (١).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الشركة:
فـ «الشركة فيها صرف أحد النقدين بالآخر من غير قبض، فهو صرف غير ناجز، وفي الشركة مخالف للأصول، والبيع يوافق الأصول، فهما متضادان، وما لا تضاد فيه يجوز جمعه مع البيع، فهذا وجه الفرق» (٢).
ويقول الشاطبي: «الشركة مبناها على المعروف والتعاون على إقامة المعاش للجانبين بالنسبة إلى كل واحد من الشريكين، والبيع يضاد ذلك» (٣).
وجاء في تهذيب الفروق: «وأما نحو الإجارة والهبة مما يماثل البيع في الأحكام والشروط ولا يضاده، فإنه يجوز اجتماعه مع البيع، كما يجوز اجتماع أحدهما مع الآخر في عقد واحد لعدم التنافي» (٤).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
قال النووي: إذا جمع في العقد مبيعين مختلفي الحكم، كثوبين شرط الخيار في أحدهما دون الآخر أو بين بيع وإجارة أو بيع وسلم أو إجارة وسلم أو صرف وغيره فقولان مشهوران:
стр. 2247
أصحهما: صحة العقد فيهما ويقسط العوض عليهما بالقيمة
والثاني: يبطل فيهما.
وصورة البيع والإجارة: بعتك عبدي وأجرتك داري سنة بألف.
وصورة البيع والسلم: بعتك ثوبي ومائة صاع حنطة سلمًا بدينار.
وصورة الإجارة والسلم: أجرتك داري سنة وبعتك مائة صاع سلمًا بمائة درهم.
ولو باع حنطة وثوبا بشعير، ففي صحة البيع القولان؛ لأن التقابض في الحنطة وما يقابلها من الشعير واجب ولا يجب في الباقي فهو كبيع وصرف ...... وإذا جمع بيعًا ونكاحًا فقال: زوجتك جاريتي هذه وبعتك عبدي هذا بمائة وهو ممن تحل له الأمة أو قال: زوجتك بنتي وبعتك عبدها وهي في حجره أو رشيدة وكلته في بيعه صح النكاح بلا خلاف - يعني في المذهب- وفي البيع والصداق القولان السابقان في البيع والإجارة (أصحهما) الصحة فإن صححناهما، وزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل وإلا وجب في النكاح مهر المثل» (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
الحنابلة فرقوا بين الجمع بين عقدين بعوض واحد، فيصح البيع، وبين أن يبيعه ويشترط عليه عقدًا آخر، فيبطل البيع
فإن جمع بين البيع وبين غيره من بيع أو صرف، أو إجارة، أو خلع، أو نكاح بعوض واحد صح البيع وما جمع إليه (٢).
стр. 2248
وإن باعه واشترط أحدهما على الآخر عقدًا آخر كسلم، أو بيع، أو إجارة، أو صرف، أو شركة بطل العقد (١).
مثال البيع واشتراط السلم: بعتك بيتي بمائة ألف على أن تسلمني خمسين صاعًا من البر بألف ريال.
ومثال البيع واشتراط الإجارة: أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تؤجرني بيتك بكذا.
ومثال البيع واشتراط الصرف: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تصرف لي هذه الدنانير بكذا دراهم.
ومثال البيع واشتراط الشركة: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تشاركني بكذا.
وكذلك كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن يقول: بعتك داري بكذا، على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي ... فهذا وأمثاله لا يجوز عند الحنابلة:
(ح-٣٨٢) واستدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد بن عمرو، ثنا أبو سلمة.
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وسيأتينا إن شاء الله تعالى خلاف العلماء في تفسير حديث النهي عن بيعتين
стр. 2249
في بيعة والراجح في ذلك في حكم بيع العينة من عقد الربا، فانظره هناك مشكورًا.
الراجح: في العقود المشتركة:
منع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما الوقوع في محذور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده.
من ذلك: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا بيع العينة المنهي عنه (١).
ومنه لو باع عليه ذهبًا، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهبًا آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل.
ومنه لو باعه الجمع بالدراهم، ثم ابتاع بالدراهم جنيبًا، وكان ذلك عن مواطأة.
وكذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعًا، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان اللذان لا يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يبيعه داره، لأنه لا محذور هنا في جمع العقدين في عقد واحد، والله أعلم.
* * *
стр. 2250
المبحث الرابع
من الشروط المفسدة أن يوقع الشرط في غرر محرم
[م-٤١٩] إذا تضمن الشرط غررًا كثيرًا فسد البيع (١).
كما لو اشترى بقرة على أنها تحلب كذا وكذا رطلًا (٢).
قال النووي: «ولو شرط كونها تدر كل يوم قدرًا معلومًا من اللبن بطل البيع بلا خلاف؛ لأن ذلك لا يمكن معرفته، ولا ضبطه، فلم يصح، كما لو شرط في العبد أن يكتب كل يوم عشر ورقات» (٣).
أو باع سلعة، واشترط عليه أن ينفق عليه مدة حياته (٤).
أو اشترط عليه حمل المبيع إلى منزله، والبائع لا يعرف منزل المشتري لم يصح، لوجود الغرر (٥).
стр. 2251
وأجاز الحنابلة شرط البائع نفع المبيع مع جهالة المدة.
قال ابن تيمية: «إذا شرط البائع نفع المبيع لغيره مدة معلومة فمقتضى كلام أصحابنا جوازه، فإنهم احتجوا بحديث أم سلمة أنها أعتقت سفينة، وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ ما عاش، واستثناء خدمة عبده في العتق كاستثنائها في البيع» (١).
وقد يقال: إن إعتاق سفينة من قبيل التبرع المشروط، فخرج عن باب المعاوضة، أما اشتراط مثل ذلك في المعاوضة فلا أشك في بطلانه؛ لأن أمد الحياة مجهول
والدليل على فساد البيع بالشرط المتضمن غررا.
(ح-٣٨٣) ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، ﵁، أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
ولما فيه من المخاطرة التي يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
* * *
стр. 2252
المبحث الخامس
الشروط التي تعلق العقد
تعريف التعليق اصطلاحًا (١):
ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (٢).
مثاله: أن يعلق أحد المتعاقدين الصفقة على رضا أبيه، أو موافقة زيد من الناس، أو على قدومه.
الفرق بين التعليق والشرط:
قال في المنثور: «والفرق بين التعليق والشرط: أن التعليق ما دخل على أصل الفعل بأداته، كإن، وإذا.
والشرط: ما جزم فيه بالأصل، وشرط فيه أمر آخر» (٣).
فإذا قلت: بعتك إن رضي فلان، فهذا تعليق.
وقولك: بعتك على أن تحمل المبيع إلى البيت، فهذا شرط.
стр. 2253
الفرع الأول
شروط التعليق
[م-٤٢٠] يشترط لصحة التعليق أمور:
الأول: أن يكون المعلق عليه أمرًا معدومًا عند صدور صيغة التعليق، لكنه على خطر الوجود بحيث يكون مترددًا بين أن يكون وألا يكون، فالتعليق على المحقق يعتبر تنجيزًا مثل: إن كانت السماء فوقنا والتعليق على المستحيل يعتبر لغوًا مثل: إن دخل الجمل في سم الخياط (١).
الثاني: أن يكون المعلق عليه أمرًا يرجى الوقوف على وجوده فتعليق التصرف على أمر لا يتسنى العلم به لا يصح فلو علق الطلاق مثلا على مشيئة الله تعالى بأن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله فإن الطلاق لا يقع اتفاقا; لأنه علقه على شيء لا يرجى الوقوف على وجوده.
ويناقش:
إن صحت حكاية الاتفاق، وإلا معرفة مشيئة الله ليست مستحيلة، فإنه لا يقع شيء إلا ونعلم أن الله أراده.
قال القرافي في الفروق: «مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ، فلذلك كل عدم ممكن يعلم وقوعه نعلم أن الله تعالى أراده، وكل وجود ممكن يعلم وقوعه نعلم أن الله تعالى أراده، فتكون مشيئة الله تعالى معلومة قطعًا، وأما مشيئة غيره فلا تعلم غايته أن يخبرنا، وخبره إنما يفيد الظن، فظهر بطلان ما يروى عن مالك وجماعة من العلماء من أنه علق الطلاق على مشيئة من لم تعلم مشيئته، بخلاف
стр. 2254
التعليق على مشيئة البشر ويجعل ذلك سبب عدم لزوم الطلاق، والأمر بالعكس» (١).
الثالث: كونه متصلًا بحيث لا يوجد فاصل بين الشرط والجزاء أي بين المعلق والمعلق عليه فلو قال لزوجته: أنت طالق ثم قال بعد فترة من الزمن: إن خرجت من الدار دون إذن مني لم يكن تعليقا للطلاق ويكون الطلاق منجزًا بالجملة الأولى.
الرابع: أن يكون المعلق عليه أمرا مستقبلا بخلاف الماضي فإنه لا مدخل له في التعليق فالإقرار مثلا لا يصح تعليقه بالشرط؛ لأنه إخبار عن ماض والشرط إنما يتعلق بالأمور المستقبلة (٢).
* * *
стр. 2255
الفرع الثاني
أثر التعليق على التصرفات
[م-٤٢١] اختلف الفقهاء في العقد المعلق على شرط هل التعليق يمنع السبب عن السببية، أو يمنع الحكم عن الثبوت.
فكون التعليق يمنع الحكم من الثبوت هذا لا نزاع فيه بين العلماء، واختلفوا في كون التعليق هل يمنع السبب عن السببية.
فقيل: التعليق يمنع السبب عن السببية، فلا ينعقد سببًا للحكم في الحال، وإنما يتأخر ذلك إلى زمن وجود الشرط، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وقيل: إن التعليق على شرط ينعقد سببًا للحكم في الحال، وإنما يؤخر التعليق ثبوت الحكم إلى زمن وجود الشرط. وإلى هذا ذهب الشافعية (٣)،
стр. 2256
والحنابلة (١).
ومما يتفرع عليه: تعليق الطلاق بالزواج، والعتاق بالملك، فإنه يصح عند الحنفية والمالكية، ويقع عند وجود الزواج، وثبوت الملك، لعدم سببيته في الحال، وإنما يصير سببًا عند وجود الشرط، وهو الملك، فيصادف محلًا مملوكًا، ولا يصح عند الشافعية والحنابلة؛ لأن التعليق عندهم ينعقد سببًا للحكم في الحال، والمحل هنا غير مملوك، فيلغى، لعدم وجود المحل، ولا يقع شيء عند وجود الشرط، ومنه: تقديم الكفارة على الحنث، باعتبار أن اليمين هو سبب الكفارة، والحنث هو شرط الوجوب (٢).
ومنه تقديم الطهارة، فإن سبب وجوبها الحدث، وشرط الوجوب فعل العبادة المشترط لها الطهارة، فيجوز تقديمها على العبادة ولو بالزمن الطويل بعد الحدث (٣).
* * *
стр. 2257
الفرع الثالث
خلاف العلماء في تعليق البيع على شرط
[م-٤٢٢] ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه لا يجوز تعليق البيع على شرط، مثل: بعتك إن قدم فلان، أو إن كان فلان حاضرًا، أو بعتك إن نجح ابني (١).
واستثنى الحنفية والمالكية إذا علق البيع على رضا شخص أو مشورته؛ وعللوا ذلك بأن اشترط الخيار إلى أجنبي جائز (٢).
стр. 2258
«ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك، فيشترطه لغيره ليعرفه إياه» (١).
واستثنى الشافعية ثلاث صور:
الأولى: بعتك إن شئت.
والثانية: إن كان ملكي فقد بعتكه. لأن هذا تصريح بمقتضى العقد فذكره من باب التوكيد، ولأن هذا الشرط أثبته الله في أصل البيع فيكون اشتراطه كتحصيل الحاصل.
ومثل هذا لو قال: إن كنت جائز التصرف فقد بعتك، وإن أعطيتني ثمن هذا المبيع فقد بعتكه.
والثالثة: البيع الضمني: كأعتق عبدك عني على مائة إذا جاء رأس الشهر (٢).
واستثنى الحنابلة صورتين:
الأولى: ما إذا علق الإيجاب والقبول على مشيئة الله، كقوله: بعتك إن شاء الله، أو قبلت إن شاء الله، وذكر ابن قدامة بأنه لا يعلم خلافًا في وقوعه.
والثانية: بيع العربون وإجارته (٣).
(ث-٦٥) لما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال: اشترى نافع
стр. 2259
ابن الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على إن رضي عمر فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة (١).
[حسن] (٢).
وقيل: يجوز تعليق البيع على شرط مطلقًا، وبه قال أحمد، وقدماء أصحابه، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٣).
دليل من قال: لا يجوز تعليق البيع بالشروط:
الدليل الأول:
عقود التمليك تقتضي انتقال الملكية في الحال، بمعنى: أن يترتب على العقد أثره في الحال، والتعليق يمنع ذلك.
ويناقش:
قولكم: إن عقود التمليك تقتضي انتقال الملكية في الحال، إن أردتم أن هذا مقتضى عقود التمليك المطلقة التي لم تقيد بشيء، فهذا مسلم، وإن أردتم أن هذا مقتضى العقد على كل حال فلا قائل بذلك، فإن شرط الخيار وهو مجمع على جوازه كما سيأتي بيانه في باب الخيار هو في الحقيقة تعليق للعقد؛ لأن
стр. 2260
المشترط إن اختار إتمام العقد انعقد، وإن اختار الرد انفسخ العقد، وما الفرق بين هذا وبين التعليق على شرط.
الدليل الثاني:
التعليق غرر وقمار .
وجه ذلك: أن العقد المعلق يحتمل الوجود ويحتمل العدم، لأن التعليق يتوقف على أمر مستقبلي، مما يعني أن التمليك في العقد المعلق فيه مخاطرة، فقد ينشأ العقد، وقد لا ينشأ، وهذا معنى وجود القمار والغرر في العقد المعلق.
ويناقش:
العقد المعلق ليس فيه غرر ولا قمار، فالبيع نفسه خال من شرط التعليق، لا غرر فيه، ولا قمار بلا نزاع، والتعليق نقل العقد من كونه لازمًا إلى كونه جائزًا، فإن وجد شرط لزومه لزم، وإن لم يوجد لم يلزم، وعلى كلا التقديرين لا يكون أحد المتعاقدين قد أكل مال الآخر بالباطل، ولا قمر أحدهما الآخر، وإنما التغرير والقمار لو أنه إذا عقد العقد استحق البائع الثمن على كلا التقديرين، سواء استحق المشتري المبيع أو لم يستحقه، فهذا هو الغرر والميسر الذي حرمه الله ورسوله، وهذا هو الذي يتحقق فيه أكل أموال الناس بالباطل.
الدليل الثالث:
انتقال الملك يعتمد على الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق؛ لأن الشأن في جنس المُعَلَّق عليه أن يعترضه عدم الحصول (١).
ويناقش:
القول بأن الرضا لا يكون إلا مع الجزم دعوى بلا دليل، فالعاقدان في العقد
стр. 2261
المعلق قد تم برضا الطرفين، ولم يكره أحد منهما على العقد، ولو صحت هذه الدعوى لقيل إن الرضا لا يتحقق في العقود التي لا تقع إلا معلقة كالوصية، ولا قائل به.
وأما قولكم: إن العقد المعلق يعترضه عدم الحصول، فهذا لا حرج فيه، لأنه إذا لم يحصل لم يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل، فإن مال كل واحد من العاقدين لم يخرج عن ملكه.
دليل من قال: يجوز تعليق البيع بالشروط:
الدليل الأول
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
وجه الاستدلال:
أن الآية الكريمة تدل على وجوب الوفاء بكل عقد وشرط لا يخالف الشرع؛ لإن إطلاق الاسم يتناول المنجز والمعلق، والصريح والكناية ... ومن ادعى تقييدها بالمنجز دون المعلق فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
(ث-٦٦) روى البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم.
قال البخاري: عامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.
[منقطع، وقد جاء من طريق آخر مرسلًا، قال الحافظ: فيتقوى أحدهما بالآخر] (١).
стр. 2262
الدليل الثالث:
القياس على الاشتراط في الحج.
(ح-٣٨٤) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج. قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود (١).
قال ابن القيم: شرع الله لعباده في كل موضع يحتاج إليه العبد حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير، وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: حجي واشترطي على ربك، وقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك.
الدليل الرابع:
(ث-٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان، عن الزهري، عن
стр. 2263
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
أن ابن مسعود اشترى من زوجته زينب جارية، فاشترطت عليه: إن باعها، فهي أحق بالثمن، فسأل ابن مسعود عمر، فكره أن يطأها (١).
وفي رواية: لا تقربها ولأحد فيها شرط (٢).
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
نص أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط عملًا بهذه القصة، فإن زوجة ابن مسعود علقت بيع الجارية على زوجها بأن لا يبيعها لغيرها، وإذا باعها فإنما يبيعها بالثمن.
واعترض:
بأن في قول عمر: لا تقربها، وفيها لأحد شرط، دليل على بطلان الشرط.
وأجيب:
بأن قول عمر ﵁ حين قال: لا تقربها وفيها لأحد شرط دليل على جواز البيع والمنع من الوطء، فصار نهي عمر ﵁ عن قربانها إعمالًا للشرط، وليس إبطالًا للشرط؛ لأن الشرط يحد من الملكية، ولا يحل الوطء إلا إذا كان ملكه عليها تامًا، قال ابن تيمية في الاختيارات: «يحرم الوطء لنقص الملك»، ولأن الرجل إذا وطئها قد تحمل، فيمتنع عودها إليها.
стр. 2264
الدليل الخامس:
الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يبطل منها إلا ما دل الدليل على بطلانه، أو كان في التزام الشرط يؤدي إلى الوقوع في محذور شرعي من غرر، أو ظلم، أو أكل لأموال الناس بالباطل، وتعليق العقود لم يقم دليل في النهي عنه، ولم يكن في التزامه ما يؤدي إلى الوقوع في محذور شرعي، بل إن فيه مصلحة راجحة، فمثله لا يمكن أن ينهى الشارع عنه؛ لأن الشريعة جاءت في اعتبار مصالح العباد، والنهي عما يضر بها.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة كلا الفريقين أجد أن القول بالجواز هو القول الصواب، وهو الذي يتمشى مع القاعدة التي رجحناها في الشروط والعقود: أن الأصل في الشروط والعقود الصحة والجواز.
بل إن المانعين للتعليق قد استثنوا صورًا من تعليق البيع بالشرط، فما الفرق بين ما استثني وبين ما لم يستثن، فكان يلزمكم إما منع جميع صور التعاليق، أو القول بالجواز مطلقًا، وهو الحق.
* * *
стр. 2265
الفرع الرابع
تعليق فسخ البيع على شرط
مثاله: لو قال البائع: بعتك هذه السلعة على أن تنقدني الثمن إلى ثلاثة أيام، أو مدة معينة، وإلا فلا بيع بيننا.
فهنا التعليق للفسخ، بخلاف ما لو قال: بعتك إن رضي أبي، فإنه تعليق للعقد، وليس للفسخ.
[م-٤٢٣] اختلف العلماء في حكم البيع إذا علق الفسخ فيه على شرط.
فقيل: يصح البيع والشرط، فإذا مضت المدة ولم ينقده الثمن، انفسخ العقد، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يصح البيع، ويبطل الشرط، وهذا مذهب المالكية (٤).
стр. 2266
وقيل: يفسد البيع والشرط، وبه قال زفر من الحنفية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢).
دليل من قال: يصح البيع ويصح الشرط:
الدليل الأول:
(ث-٦٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، أخبرني سليمان مولى البرصاء، قال:
بعت من ابن عمر سلعة، أو بيعًا، فقال: إن جاءت نفقتنا إلى ثلاث، فالسلعة لنا، وإن لم تأت نفقتنا إلى ثلاث، فلا بيع بيننا وبينك، فسنستقبل فيها بيعًا مستقبلًا (٣).
[إسناده فيه لين] (٤).
الدليل الثاني:
الأصل في الشروط الصحة والجواز إلا شرطًا يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا، وهذا الشرط لا يخالف مقتضى العقد فيبطل، ولا يخالف نصًا شرعيًا فيحرم،
стр. 2267
والحاجة داعية إليه؛ لأن اشتراطه من مصلحة العقد، كطلب الرهن، والكفيل، فإذا لم يأته برهن أو كفيل انفسخ العقد.
الدليل الثالث:
قال السرخسي: «هذا الشرط من حيث المقصود كشرط الخيار؛ لأنه إنما يشترط الخيار ليتروى النظر فيه، ويكون مخيرًا في الأيام الثلاثة بين فسخ العقد وتمامه، وبهذا الشرط لا يحصل إلا هذا المقصود، والشرع إنما جوز شرط الخيار لهذا المقصود ... » (١).
الدليل الرابع:
علل ابن قدامة الصحة بقوله: «لأنه علق رفع العقد بأمر يحدث في مدة الخيار، فجاز كما لو شرط الخيار؛ ولأنه نوع بيع، فجاز أن ينفسخ بتأخير القبض كالصرف، ولأن هذا بمعنى شرط الخيار؛ لأنه كما يحتاج إلى التروي في البيع، هل يوافقه أو لا. يحتاج إلى التروي في الثمن، هل يصير منقودًا أو لا. فهما سيان في المعنى، متغايران في الصورة، إلا أنه في الخيار يحتاج إلى فسخ، وهاهنا ينفسخ إذا لم ينقد؛ لأنه جعله كذلك» (٢).
تعليل من قال: يصح البيع ويبطل الشرط:
علل ابن جزي بأنه من باب اشتراط ما لا يجوز، إلا أنه خفيف.
قال في القوانين: «وإن شرط ما لا يجوز، إلا أنه خفيف جاز البيع، وبطل الشرط» (٣).
стр. 2268
وعلل المالكية في المدونة لوجود الغرر والمخاطرة، جاء في المدونة: «لم كرهه مالك. قال: لموضع الغرر والمخاطرة في ذلك، كأنه زاده في الثمن على أنه إن نقده إلى ذلك الأجل فهي له، وإلا فلا شيء له، وهذا من الغرر والمخاطرة» (١).
وذكر الدسوقي بأن البيع قد انعقد قبل حلول الأجل، أي فلا يبطل البيع ببطلان الشرط (٢).
ويناقش:
لا نسلم أن هذا الشرط من الشروط التي لا تجوز، كما أن هذا الشرط لا يتضمن غررًا ولا مخاطرة، وذلك لأنه قد دخل على بينة من أمره، وقد قلتم بصحة خيار الشرط، وهذا في معناه.
دليل من قال: يبطل البيع والشرط:
الدليل الأول:
قال النووي: «أنه في معنى تعليق البيع، فلم يصح» (٣).
ويناقش:
سبق لنا أن بينا أن تعليق البيع جائز على الصحيح، فإذا سلمنا أنه بمعنى تعليق البيع لم يمنع ذلك من القول بالصحة، مع أنه قد يقال: إن الأقرب أن يقال: إنه بمعنى خيار الشرط، وهو سائغ بالاتفاق.
стр. 2269
الدليل الثاني:
جاء في المبسوط: «لو شرط إقالة مطلقة فسد به العقد، فإذا شرط إقالة معلقة أولى أن يفسد به (١).
وفي تبيين الحقائق: «البيع بشرط الإقالة الصحيحة باطل، فشرط الإقالة الفاسدة أولى» (٢).
وجاء في بدائع الصنائع: «هذا بيع علقت إقالته بشرط عدم نقد الثمن إلى ثلاثة أيام، وتعليق الإقالة بالشرط فاسد، فكان هذا بيعًا دخله شرط فاسد، فيكون فاسدًا كسائر الأنواع التي دخلتها شروط فاسدة» (٣).
ويناقش:
لا نسلم أنه لو شرط إقالة مطلقة أو إقالة صحيحة فسد بها العقد، فإنه لو اشترى بشرط الخيار له لمدة ثلاثة أيام، فإنه قد شرط حق الإقالة المطلقة تلك المدة، وهو سائغ بالاتفاق، والقول بأن اشتراط الإقالة لعدم نقد الثمن شرط فاسد، احتجاج بموضع النزاع، فلا يصح.
القول الراجح:
القول الصحيح أن هذا الشرط جائز وصحيح، وفيه مصلحة للعقد؛ لأن تسليم الثمن من مصلحة العقد، فاشتراط ما يحمل المشتري على التسليم شرط صحيح يعود على العقد بالمصلحة كاشتراط الرهن ونحوه، ومن المعلوم أن المشتري لو عجز عن تسليم الثمن كان من حق البائع أن يفسخ العقد بلا شرط،
стр. 2270
فاشتراط الفسخ لعدم تسليم الثمن الحال الواجب التسليم يدخل من باب التوكيد لما هو واجب بمقتضى العقد.
* * *
стр. 2271
المبحث السادس
اشتراط البراءة من العيوب
الفرع الأول
تعريف البيع على البراءة
تعريف البيع على البراءة:
قال ابن عبد السلام: معنى البراءة: التزام المشتري للبائع ألا يطالب بشيء من سبب عيوب المبيع التي لم يعلم بها، كانت قديمة، أو مشكوكًا فيها (١).
قال ابن عابدين: «ومنه ما تعورف في زماننا فيما إذا باع دارًا مثلًا، فيقول: بعتك هذه الدار على أنها كوم تراب، وفي بيع الدابة يقول: مكسرة محطمة، وفي نحو الثوب يقول: حراق على الزناد، ويريدون بذلك أنه مشتمل على جميع العيوب» (٢).
ويقال مثله في عصرنا: أبيعك السيارة على أنها كومة حديد.
الغرض من هذا الشرط:
غرض البائع من ذلك أن يجعل العقد لازمًا، بحيث لا يحق للمشتري الخيار في رد السلعة إذا ثبت فيها عيب.
стр. 2272
الفرع الثاني
في أقسام البراءة
[م-٤٢٤] تنقسم البراءة من العيب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تكون البراءة مقيدة بالعيب الموجود عند العقد.
فهنا لا خلاف في أن البراءة على هذه الصورة ونحوها لا تتناول إلا ما كان قائمًا وقت العقد، دون ما يحدث بعده إلى حين التسليم، ولا فرق بين صدور البراءة على وجه العموم: كما لو قال: بريء من كل عيب به، أو الخصوص، بأن قال: برئ من عيب كذا به.
جاء في الجوهرة النيرة: «وإن قال البائع: على أني بريء من كل عيب به لم يدخل الحادث بعد البيع وقبل القبض إجماعًا» (١).
وقال ابن نجيم: «وأجمعوا أنه لو أبرأه من كل عيب به، لا يدخل الحادث» (٢).
[م-٤٢٥] القسم الثاني: أن ينص على البراءة عن العيب القائم والحادث بعد العقد، وقبل القبض.
فقيل: البيع بهذا الشرط فاسد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، ومذهب الشافعية (٤).
стр. 2273
قال في بدائع الصنائع: «وإن أضافها - يعني البراءة من العيب - إلى عيب حادث بأن قال: على أني بريء من كل عيب يحدث بعد البيع فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا; لأن الإبراء لا يحتمل الإضافة; لأنه، وإن كان إسقاطًا ففيه معنى التمليك; ولهذا لا يحتمل الارتداد بالرد ولا يحتمل الإضافة إلى زمان في المستقبل نصًا كما لا يحتمل التعليق بالشرط فكان هذا بيعًا أدخل فيه شرطًا فاسدًا فيوجب فساد البيع» (١).
وقيل: يصح الشرط، ذكره السرخسي في المبسوط، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (٢).
قال السرخسي: ﵀ في بيان وجه الصحة: «ذلك صحيح عندنا، باعتبار أنه يقيم السبب وهو العقد مقام نفس العقد الموجب للرد في صحة الإسقاط، ولئن سلمنا، فنقول: هنا ظاهر لفظه يتناول العيوب الموجودة، ثم يدخل فيه ما يحدث قبل القبض تبعًا؛ لأن ذلك يرجع إلى تقرير مقصودهما، وقد يدخل في التصرف تبعًا ما لا يجوز أن يكون مقصودًا بذلك التصرف، كالشرب في بيع الأرض، والمنقولات في وقف القربة» (٣).
وقال في مغني المحتاج: «يصح بطريق التبع، فإن انفرد الحادث فهو أولى بالبطلان» (٤).
[م-٤٢٦] القسم الثالث: أن يشترط البراءة بصورة الإطلاق، من غير بيان،
стр. 2274
أهو براءة من العيب الموجود، أم منه، ومن الحادث، كما لو قال: على أني برئ من كل عيب، أو بريء من عيب كذا، ويطلق.
فقيل يدخل تحت الإبراء العيب القائم عند العقد، والحادث بعده وقبل القبض، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف (١).
وجه ذلك:
أن لفظ الإبراء يتناول الحادث نصًا ودلالة، أما النص: فإن لفظ البراءة عام للعيوب كلها، فتخصيصه أو تقييده بالموجود عند العقد لا يجوز إلا بدليل.
وأما الدلالة: فإن غرض البائع من هذا الشرط هو جعل العقد لازمًا، وانسداد طريق الرد، وفي هذا لا فرق بين العيب الموجود والحادث قبل القبض.
وقيل: لا يدخل فيه الحادث بعد العقد، بل يقتصر فيه على العيوب الموجودة عند العقد، وبه قال محمد بن الحسن، وزفر، وهو مذهب مالك (٢).
وجه كون العيب الحادث لا يدخل:
أن الإبراء عن العيب يقتضي وجود العيب؛ لأن الإبراء عن المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكن موجودًا عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء، فلو دخل إنما يدخل بالإضافة إلى حالة الحدوث، والإبراء لا يحتمل الإضافة؛ لأن فيه معنى التمليك، وإذا كان المذهب لا يدخل العيب الحادث مع التنصيص عليه، فكونه لا يدخل بلا تنصيص كما إذا أطلق، من باب أولى (٣).
стр. 2275
ولأن ذلك مجهول، لا يدرى أيحدث أم لا، وإذا حدث فما مقداره (١).
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 2276
الفرع الثالث
في البراءة من العيب المعلوم
[م-٤٢٧] إذا كان العيب معلومًا للبائع، فهل يبرأ منه إذا اشترط البراءة.
فقيل: يبرأ البائع مطلقًا إذا باعه بشرط البراءة، سواء كان البائع عالمًا به، أم غير عالم، وهذا مذهب الحنفية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢).
وقيل: لا يبرأ البائع إذا كان عالمًا بالعيب، وهذا مذهب المالكية (٣)، وأحد قولي الشافعي (٤)، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن تيمية (٥).
وقيل: لا يبرأ مطلقًا، سواء كان عالمًا أو غير عالم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 2277
دليل من قال: لا يبرأ مع العلم بالعيب:
(ث-٦٩) ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سالم،
أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء لم يسمه. وقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له، لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد، فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
أن البائع إذا كان مطلعًا على العيب، ولم يوقف عليه المشتري كان في ذلك نوع من التدليس من جانب البائع يعطي المشتري حق الخيار في الرد.
فالإبراء من العيوب إذا كان يسقط خيار العيب عند بعض الفقهاء، فإنه لا يسقط خيار التدليس، فلا يؤثر في عيب يعلمه، ثم يخفيه، وهناك فرق كبير بين أن يكون البائع جاهلًا بالعيب، ويطلب البراءة، وبين أن يكون عالمًا به، ويطلب البراءة؛ لأن المسألة الأولى كان شرط البراءة للاحتياط، وليس للاحتيال، وأما البائع في المسألة الثانية فقد كان عالمًا بالعيب، فكتمه، ثم اشترط هذا الشرط تهربًا من أثره، واحتيالًا فيعاقب بنقيض قصده؛ لأنه أقدم على العقد بسوء نية (٣).
стр. 2278
دليل من قال: يبرأ البائع وإن علم بالعيب:
المبيع بشرط البراءة من العيب، ولو علم البائع بالعيب ليس في ذلك جهالة، ولا غرر؛ لأن المبيع معلوم للمشتري، مشار إليه بعينه ومكانه، قد أحاط نظره بالسلعة، ولم يدلس عليه فيها، والبائع قادر على تسليمه بتلك الصفة التي عليها المبيع، ولم يدع سلامته من العيوب، بل طلب البراءة من كل عيب فيها، وأعطاه المشتري هذا الحق، فأسقط حقًا له يملكه، وهذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد، بل يقرر مقتضى العقد، وهو أن مقتضى العقد اللزوم، وبهذا الشرط جعل البيع لازمًا وأسقط المشتري حقه في الرد بخياره العيب، فلا حرج في ذلك إن شاء الله (١).
الراجح:
القول الراجح أن البائع إذا كان عالمًا بالعيب لا ينفعه اشتراطه البراءة، وذلك أنه كان يمكنه أن يوقف المشتري على العيب، وتكون إرادة المشتري جازمة، ولا يدخل باحتمال أن تكون السلعة سليمة من العيب، وكون ابن عمر نكل عن اليمين لا يدل على أنه كان عالمًا بالعيب، فربما امتنع من باب الورع، ولذلك عوضه الله خيرًا.
* * *
стр. 2279
الفرع الرابع
في البراءة من العيب المجهول
[م-٤٢٨] إذا كان العيب أو العيوب مجهولة للبائع، وطلب البراءة منها، فقد اختلف العلماء، هل يبرأ البائع أم لا.
فقيل: يبرأ من جميع العيوب، في كل السلع، لا فرق في ذلك بين الحيوان وبين غيره. ولا فرق بين بيع الحاكم والوارث، وبين بيع غيره، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو أحد الأقوال عن مالك (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، وابن القيم (٤).
وقيل: لا يبرأ إلا في الرقيق خاصة، بشرط أن تطول إقامة الرقيق عنده بحيث يطمئن فيه لسلامته من العيوب التي تؤثر في رغبة الناس في المبيع، ويستثنى من ذلك بيع الحاكم (القاضي) لخلاص الديون، أو على المفلس لقضائها، وكذلك بيع الوارث لخلاص الديون، وأما البيع من أجل الاقتسام فقولان، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٥).
стр. 2280
وقيل: يبرأ في عيب باطن في الحيوان، عاقلًا كان أو غير عاقل، وهذا أظهر الأقوال عن الشافعي (١)، وهو قول مالك في الموطأ (٢).
وقيل: لا يبرأ مطلقًا إلا أن يطلع عليه المشتري، ويسميه له، ويوقفه عليه، وهو قول لمالك (٣)، وقول للشافعي (٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وبه قال ابن حزم (٦)، وجماعة (٧).
فإذا الأقوال أربعة:
يبرأ مطلقًا، وهو مذهب الحنفية.
لا يبرأ مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.