الفرع الثالث
في البراءة من العيب المعلوم
[م-٤٢٧] إذا كان العيب معلومًا للبائع، فهل يبرأ منه إذا اشترط البراءة.
فقيل: يبرأ البائع مطلقًا إذا باعه بشرط البراءة، سواء كان البائع عالمًا به، أم غير عالم، وهذا مذهب الحنفية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢).
وقيل: لا يبرأ البائع إذا كان عالمًا بالعيب، وهذا مذهب المالكية (٣)، وأحد قولي الشافعي (٤)، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن تيمية (٥).
وقيل: لا يبرأ مطلقًا، سواء كان عالمًا أو غير عالم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 2277
دليل من قال: لا يبرأ مع العلم بالعيب:
(ث-٦٩) ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سالم،
أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء لم يسمه. وقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له، لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد، فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثاني:
أن البائع إذا كان مطلعًا على العيب، ولم يوقف عليه المشتري كان في ذلك نوع من التدليس من جانب البائع يعطي المشتري حق الخيار في الرد.
فالإبراء من العيوب إذا كان يسقط خيار العيب عند بعض الفقهاء، فإنه لا يسقط خيار التدليس، فلا يؤثر في عيب يعلمه، ثم يخفيه، وهناك فرق كبير بين أن يكون البائع جاهلًا بالعيب، ويطلب البراءة، وبين أن يكون عالمًا به، ويطلب البراءة؛ لأن المسألة الأولى كان شرط البراءة للاحتياط، وليس للاحتيال، وأما البائع في المسألة الثانية فقد كان عالمًا بالعيب، فكتمه، ثم اشترط هذا الشرط تهربًا من أثره، واحتيالًا فيعاقب بنقيض قصده؛ لأنه أقدم على العقد بسوء نية (٣).
стр. 2278
دليل من قال: يبرأ البائع وإن علم بالعيب:
المبيع بشرط البراءة من العيب، ولو علم البائع بالعيب ليس في ذلك جهالة، ولا غرر؛ لأن المبيع معلوم للمشتري، مشار إليه بعينه ومكانه، قد أحاط نظره بالسلعة، ولم يدلس عليه فيها، والبائع قادر على تسليمه بتلك الصفة التي عليها المبيع، ولم يدع سلامته من العيوب، بل طلب البراءة من كل عيب فيها، وأعطاه المشتري هذا الحق، فأسقط حقًا له يملكه، وهذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد، بل يقرر مقتضى العقد، وهو أن مقتضى العقد اللزوم، وبهذا الشرط جعل البيع لازمًا وأسقط المشتري حقه في الرد بخياره العيب، فلا حرج في ذلك إن شاء الله (١).
الراجح:
القول الراجح أن البائع إذا كان عالمًا بالعيب لا ينفعه اشتراطه البراءة، وذلك أنه كان يمكنه أن يوقف المشتري على العيب، وتكون إرادة المشتري جازمة، ولا يدخل باحتمال أن تكون السلعة سليمة من العيب، وكون ابن عمر نكل عن اليمين لا يدل على أنه كان عالمًا بالعيب، فربما امتنع من باب الورع، ولذلك عوضه الله خيرًا.
* * *
стр. 2279
الفرع الرابع
في البراءة من العيب المجهول
[م-٤٢٨] إذا كان العيب أو العيوب مجهولة للبائع، وطلب البراءة منها، فقد اختلف العلماء، هل يبرأ البائع أم لا.
فقيل: يبرأ من جميع العيوب، في كل السلع، لا فرق في ذلك بين الحيوان وبين غيره. ولا فرق بين بيع الحاكم والوارث، وبين بيع غيره، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو أحد الأقوال عن مالك (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، وابن القيم (٤).
وقيل: لا يبرأ إلا في الرقيق خاصة، بشرط أن تطول إقامة الرقيق عنده بحيث يطمئن فيه لسلامته من العيوب التي تؤثر في رغبة الناس في المبيع، ويستثنى من ذلك بيع الحاكم (القاضي) لخلاص الديون، أو على المفلس لقضائها، وكذلك بيع الوارث لخلاص الديون، وأما البيع من أجل الاقتسام فقولان، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٥).
стр. 2280
وقيل: يبرأ في عيب باطن في الحيوان، عاقلًا كان أو غير عاقل، وهذا أظهر الأقوال عن الشافعي (١)، وهو قول مالك في الموطأ (٢).
وقيل: لا يبرأ مطلقًا إلا أن يطلع عليه المشتري، ويسميه له، ويوقفه عليه، وهو قول لمالك (٣)، وقول للشافعي (٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وبه قال ابن حزم (٦)، وجماعة (٧).
فإذا الأقوال أربعة:
يبرأ مطلقًا، وهو مذهب الحنفية.
لا يبرأ مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
стр. 2281
يبرأ في الحيوان والرقيق، وهو المشهور عند الشافعية.
يبرأ في الرقيق خاصة، وهو المشهور من مذهب المالكية.
دليل من قال: يبرأ مطلقًا من جميع العيوب، في جميع السلع.
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قال في المعونة (١): وجه القول بأن شرط البراءة جائز قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
الدليل الثاني:
(ث-٧٠) «أن ابن عمر ﵄ باع بشرط البراءة كما في موطأ مالك وغيره (٢).
وسنده صحيح (٣).
ولم ينكر عليه عثمان، وإنما رأى البراءة مع العلم بالعيب لا ينفع، ولم يخالفه أحد» (٤).
الدليل الثالث:
قام الدليل على صحة الإبراء عن الحقوق المجهولة، وهذا منها.
وسوف أفرد لمسألة (الإبراء عن الحقوق المجهولة) بحثًا خاصًا بعد هذه الفراغ من هذه المسألة، فأكتفي به عن ذكرها هنا.
стр. 2282
الدليل الرابع:
البراءة من العيب شرط شرطه البائع، ورضي به المشتري، وهو لا يخالف نصًا شرعيًا، ولا يخالف مقتضى العقد، ولا يلزم منه الوقوع في محذور شرعي، كل ما هنالك أن المشتري كان له حق خيار الرد بالعيب، فتنازل عن حقه، فكأنه اختار لزوم البيع مع تحقق العيب.
ويناقش:
بأن العيب لما كان مجهول الجنس والقدر، وكان ذلك مؤثرًا في قيمة السلعة، وكان شرط صحة البيع العلم بالمبيع، ومع وجود عيب لم يعلم جنسه، ولا قدره لم يتحقق شرط العلم بالمبيع، ولعل المشتري لو كان يعلم أن فيه مثل هذا العيب لم يرض به، وإنما رضيه لأنه غلب على ظنه سلامة المبيع من العيوب اعتمادًا على ظاهر الرؤية، ولذلك الرجل الذي اشترى من ابن عمر الغلام، وبه عيب قد رضي هذا الشرط، وعندما اطلع على العيب، وتحقق من وجوده طالب بإرجاع السلعة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
خيار الرد بالعيب إنما يثبت لكون العقد يقتضي مطلق السلامة، فإذا صرح بالبراءة فقد ارتفع الإطلاق، ولم تكن صيغة العقد تقتضي السلامة من العيب.
دليل من قال: لا يبرأ مطلقًا في جميع السلع .
الدليل الأول:
حق الخيار بالعيب إنما يثبت بعد العقد، فلا يسقط بالإسقاط قبله، كالشفعة إذا أسقطها الشفيع قبل البيع لا تسقط.
стр. 2283
ونوقش:
لا نسلم القياس على حق الشفعة، فإن الشفعة إذا أسقطها الشفيع قبل البيع سقطت.
(ح-٣٨٥) لما رواه مسلم من طريق أبي الزبير،
عن جابر ﵁، قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم: ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: (لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه) فهو قد طلب من شريكه الإذن بالبيع قبل البيع، وقبل قيام حق الشفعة.
الدليل الثاني:
العيوب تتفاوت بعضها أكثر من بعض، فكيف يبرأ بما لم يعلم المشتري قدره، فهذا نوع من الغرر.
فإن قيل: البائع كذلك يجهله، ولم يقف عليه.
قيل: إن علم البائع العيب، فكتمه، فهو غش وخداع، وإن لم يعلم البائع العيب، وطلب البراءة منه فهو غرر.
وجه الغرر في ذلك:
أن المشتري بذل ثمنه في مقابل سلعة لم يعقد البيع على سلامتها من
стр. 2284
العيوب، ولا رجوع له بما يُنْقص العيب منها، فلم يعلم قدر ما يشتري به، ولا ما يُسَلَّم، والله أعلم.
وأجيب:
لا نسلم أن البيع بشرط البراءة من العيب أنه من قبيل الغرر، لأن السلعة قائمة، ووسائل معرفتها متوفرة.
الدليل الثالث:
قالوا: في الإبراء معنى التمليك، وتمليك المجهول لا يصح (١).
ويناقش:
حقيقة الإبراء إسقاط، وليس تمليكًا، والإسقاط في المجهول صحيح على الراجح.
ويجاب:
بأن الإبراء من مجهول إن كان على سبيل التبرع جاز على الصحيح، وأما في عقود المعاوضات فالجهالة فيها مؤثرة، والشرط جزء من المعاملة، لأن كل التزام يلتزمه الإنسان فإن له جزءًا من الثمن، كما هو هنا فلا يصح، لأن المعاوضات أضيق من باب التبرعات.
دليل من قال: يبرأ في الرقيق خاصة دون سائر الحيوان والعروض .
قال الباجي: «الرقيق يكتم عيوبه، ولا يظهرها سترًا على نفسه، ورغبة في بقائه في محله، فكان ذلك مقويًا لما يدعيه البائع من استواء علمه به وعلم
стр. 2285
المبتاع، ومن أصلنا أن الرد بالعيب مبني على علم البائع بالعيب وتدليسه وما استوى فيه علم البائع والمبتاع فلا سبيل إلى الرد به علمًا أو جهلًا» (١).
دليل من قال: يبرأ من الحيوان، عاقلًا كان أو غير عاقل .
الدليل الأول:
الدليل إنما ورد في بيع الحيوان بشرط البراءة، وذلك في قضاء عثمان،
(ث-٧١) فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه، من طريق سالم.
أن ابن عمر باع غلامًا له بثمانمائة قال: فوجد به المشتري عيبًا، فخاصمه إلى عثمان فسأله عثمان فقال: بعته بالبراءة فقال: تحلف بالله، لقد بعته وما به من عيب تعلمه فقال: بعته بالبراءة وأبى أن يحلف فرده عثمان عليه، فباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
ولم نعد الحكم إلى غير الحيوان، لأن في الحيوان معنى يفارق ما سواه، فإن ما كانت فيه الحياة يتغذى بالصحة والسقم، وطبائعه تتحول، وقلما يبرأ من عيب يظهر، أو يخفى، فدعت الحاجة إلى البراءة من العيب الباطن فيه؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته، وتوقيف المشتري عليه، وهذا المعنى لا يوجد في العيب الظاهر، ولا في العيب الباطن في غير الحيوان، فلم تصح البراءة منه مع الجهالة.
стр. 2286
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن أضعف الأقوال: القول بأن البائع ينفعه شرط البراءة إذا كان المبيع حيوانًا، سواء خص ذلك بالرقيق كما هو المشهور من مذهب المالكية، أو خص ذلك بالحيوان مطلقًا، عاقلًا كان أو غير عاقل كما هو المنصوص عن الشافعي في الأم، لأن شرط البراءة إذا نفع البائع في الحيوان، فغير الحيوان مقيس عليه.
ويبقى النظر في القولين المتقابلين: القول بأنه يبرأ مطلقًا كما هو مذهب الحنفية، أو القول بأنه لا يبرأ مطلقًا كما هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي كلا القولين قوة، ولا أرى الاحتجاج بأثر عثمان ﵁، فإن أثر عثمان يكون حجة لو لم يخالفه صحابي آخر، وقد عارضه ابن عمر، فهو قد اشترط البراءة، ورأى أن ذلك ينفعه، وكون رأي عثمان ﵁ قد لزم ابن عمر ﵄ فلأنه كان قد رضيه حاكمًا، وحكمه ملزم للمتخاصمين، ولكن رأي ابن عمر يبقى قولًا محفوظًا لصحابي ورع فقيه، ويبقى النظر في الحجج الأخرى خارج هذا الأثر، فالحنفية يرون أنه من باب الإسقاط، فالمشتري يملك حق خيار الرد بالعيب، فإذا أسقط حقه سقط، والإبراء من الحق المجهول جائز، والحنابلة يرون أن بعض العيوب قد تلحق ضررًا كبيرًا في المشتري، فلو دار في خلده أن يكون به مثل هذا الجنس من العيوب، أو مثل هذا القدر ما قبل البيع، واكتشاف هذا العيب بهذا الحجم يدل على أن العلم بالمبيع لم يكن متحققًا، وهو شرط في صحة البيع، فإذا لزمته الصفقة مع قيام هذا العيب المؤثر في ثمن السلعة والذي لم يعلم به العاقدان يعرض المشتري للغبن الفاحش، والغرر الكثير، ومثل هذا يؤثر في البيع.
стр. 2287
هذان التعليلان متقابلان، وأرى أن كلًا من التعليلين له وجه، وإن كنت أميل إلى اعتبار قول الحنابلة لأن القول بعدم لزوم البيع لن يدخل البائع في غبن، لأن حقه في المبيع سيعود إليه غير منقوص في الوقت الذي نكون قد جنبنا المشتري من الوقوع في الغبن والضرر، وهذا الميل لا يعني أن قول الحنفية وتعليلهم ضعيف، ولو تخير الحاكم بين القولين بأنه إذا كان الغبن فاحشًا والضرر بينًا، والعيب غير متوقع كان له الأخذ بقول الحنابلة، وإن كان العيب متوقعًا، والغبن ليس كبيرًا جدًا كان له أن يأخذ بقول الحنفية، وهذا التخير ليس مبنيًا على التشهي، وإنما لقوة كل دليل، لعل مثل ذلك لا يبعد عن الصواب، ولما كانت هذه المسألة لها تعلق كبير في الإبراء من المجهول، وهل يصح أو لا. رأيت أن أبحث هذه المسألة بشكل مستقل في المبحث التالي إن شاء الله تعالى، أعاننا الله على ذلك بمنه وكرمه.
* * *
стр. 2288
الفرع الخامس
الإبراء من المجهول
[م-٤٢٩] اختلف الفقهاء في صحة الإبراء من المجهول،
فقيل: الإبراء من المجهول صحيح، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والقول القديم للشافعي (٣).
وقيل: يصح إن تعذر علمه، وإلا فلا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وذهب الشافعية إلى أنه لا يصح الإبراء من المجهول مطلقًا، وإذا وقع الإبراء ضمن معاوضة كالخلع اشترط علم الطرفين بالمبرأ عنه، أما في غير المعاوضة فيكفي علم المبرئ وحده (٥).
стр. 2289
وسبب الخلاف في هذه المسألة: اختلافهم هل الإبراء إسقاط محض كالإعتاق، أو تمليك للمديون ما في ذمته، فإذا ملكه سقط.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ورد النهي عن الغرر، وعن بيع المجهول، فمن العلماء من عممه في جميع التصرفات، فمنع من الجهالة في الهبة، والصدقة، والإبراء، والخلع، والصلح كالشافعية.
ومنهم من فصل فمنع من الغرر والجهالة في باب المعاوضات الصرفة، والتي يقصد فيها تنمية المال، ولم يمنع من الغرر والجهالة في باب ما هو إحسان صرف، لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة، والهبة، والإبراء كالحنفية، والمالكية.
دليل من قال: يصح الإبراء من المجهول:
الدليل الأول:
(ح-٣٨٦) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ﷺ يختصمان في مواريث بينهما قد درست، ليس لهما بينة فقال رسول الله ﷺ : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة قالت: فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : أما إذ فعلتما فاذهبا واقتسما، وتوخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه (١).
стр. 2290
[إسناده حسن] (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : «وتوخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» فيه دليل على جواز الإبراء من المجهول، لأن التوخي لا يكون من المعلوم.
الدليل الثاني:
الإبراء إسقاط، والجهالة فيه لا تؤدي إلى المنازعة، وإنما كانت الجهالة مبطلة في التمليكات؛ لأنها تفوت التسليم الواجب بالعقد، وهذا لا يتصور في الإسقاط، فلا تكون الجهالة مبطلة له.
دليل من قال: الإبراء من المجهول صحيح إن تعذر علمه .
الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة، ولا سبيل إلى العلم فيها، فلو وقفت صحة البراءة على العلم لكان سدًا لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم، وتبرئة ذمته، فلم يجز ذلك، وأما إن كان من عليه الحق يعلمه، ويكتمه المستحق خوفًا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه، فينبغي ألا تصح البراءة فيه؛ لأن فيه تغريرًا بالمشتري، وقد أمكن التحرز منه (٢).
стр. 2291
دليل من منع الإبراء من المجهول مطلقًا:
هذا القول رأى أن حقيقة الإبراء: تمليك المديون ما في ذمته، والتمليك لا بد فيه من الرضا وانتفاء الغرر، ولا يعقل وجود الرضا مع قيام الجهالة، فمن أبرأ مما لا يعلم جنسه أو قدره لم يبرأ بذلك لوجود الغرر، والغرر مانع من الصحة، ولأنه لا يتصور قيام الرضا مع وجود الجهالة (١).
الراجح:
أرى أن مذهب الحنابلة وسط بين القولين، فلا يصح الإبراء من مجهول يمكن الوقوف على جنسه وقدره، ويصح فيما يتعذر علمه حتى لا يقفل باب العفو، ولأن القول بعدم الصلح على المجهول يفضي إلى ضياع المال، والله أعلم.
* * *
стр. 2292
الفرع السادس
الحكم الوضعي للعقد إذا اقترن به شرط البراءة
[م-٤٣٠] من ذهب إلى صحة اشتراط البراءة من العيوب كالحنفية ليس بحاجة إلى بحث هذه المسألة، وكذا المالكية في حال كان المبيع رقيقًا، وكذا الشافعية فيما إذا كان المبيع حيوانًا، فإن الشرط إذا كان صحيحًا، كان البيع صحيحًا كذلك، ولكن نحتاج إلى معرفة من يرى بطلان هذا الشرط، كالحنابلة مثلًا، وكذلك المالكية والشافعية فيما لو كانت البراءة من العيوب في العروض، وليست في الحيوان، هل يبطل عندهم العقد، أو يبطل الشرط وحده. في هذا خلاف بينهم،
فقيل: يصح العقد، ويبطل الشرط.
وهذا مذهب المالكية (١)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يبطل العقد، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٤).
стр. 2293
دليل من قال بصحة العقد مع بطلان الشرط:
الدليل الأول:
(ث-٧٢) ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، من طريق سالم،
أن ابن عمر باع غلامًا له بثمانمائة قال: فوجد به المشتري عيبًا، فخاصمه إلى عثمان فسأله عثمان فقال: بعته بالبراءة فقال: تحلف بالله، لقد بعته وما به من عيب تعلمه فقال: بعته بالبراءة وأبى أن يحلف فرده عثمان عليه، فباعه بعد ذلك بألف وخمسمائة (١).
[إسناده صحيح]
وجهه: حيث صحح عثمان ﵁ البيع، وأبطل الشرط.
الدليل الثاني:
أن هذا الشرط فيه شبه من التدليس، حيث طلب البائع البراءة منه، ولم يوقف عليه المشتري، والتدليس لا يمنع صحة البيع، وللمدلس عليه الخيار في الرد.
وجه من قال: يبطل العقد:
قال الشيرازي: «هذا الشرط يقتضي جزءًا من الثمن، تركه البائع لأجل الشرط، فإذا سقط وجب أن يرد الجزء الذي تركه بسبب الشرط، وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى المعلوم صار الجميع مجهولًا، فيصير الثمن مجهولًا، ففسد العقد» (٢).
بل لو قدر معرفة حصة هذا الشرط من الثمن، فإن البائع لم يرض بالبيع إلا
стр. 2294
بالثمن الذي جرى عليه التعاقد، وأما الثمن مخصومًا منه حصة الشرط فلم يقع عليه الرضا، فكيف يلزم البائع بإخراجه عن ملكه بأقل مما تعاقدا عليه.
الراجح:
إن رجحنا مذهب الحنفية، وهو صحة اشتراط البراءة من العيب، فالتفريع هذا يكون بناء على القول المرجوح، فلا أرى حاجة إلى الخوض في الراجح حينئذ، وإن رجحنا مذهب الحنابلة، وهو القول ببطلان الشرط، فالذي أميل إليه أن الشرط إذا بطل، فإن كان له حصة من الثمن، فإن إبطاله لا بد أن يفضي إلى إبطال العقد، لأن البائع لا يستحق أن يأخذ قيمة شرط قد التزمه، ثم تبين بطلانه، فإذا أعفي من الشرط، سقط ما يقابله من الثمن، وإذا سقط جزء من الثمن احتاج الأمر إلى تعاقد جديد بثمن يقع فيه الرضا بين الطرفين.
وإن لم يكن الشرط له حصة من الثمن فالبيع صحيح، ويبطل الشرط وحده، كما في بيع العبد بشرط الولاء، فإن الولاء ليس له حصة من الثمن، لكون الولاء لا يصح بيعه، ولا هبته، فلا مانع من إبطال الشرط هنا، وإمضاء البيع، والله أعلم.
* * *
стр. 2295
المبحث السابع
بيع العربون
الفرع الأول
في تعريف بيع العربون
تعريف العربون اصطلاحًا (١).
عرف مالك بيع العربون بقوله: «وذلك - أي بيع العربون- فيما نرى، والله أعلم، أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه، أو تكارى منه: أعطيك دينارًا أو درهمًا، أو أكثر من ذلك، أو أقل على أني إن أخذت السلعة، أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة، أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة، أو كراء الدابة، فما أعطيتك لك باطل بغير شيء» (٢).
وعرفه صاحب غريب ألفاظ التنبيه بقوله: «وهو أن يشتري سلعة، ويعطي
стр. 2296
البائع درهمًا أو دراهم مثلًا، ويقول: إن يتم البيع فهو من الثمن، وإن تركته فهو لك مجانًا» (١).
فتبين لنا من خلال ما سبق أن بيع العربون: هو أن يشتري الرجل السلعة، ويدفع للبائع مبلغًا من المال على أنه إن أخذ السلعة كان ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها، فالمبلغ للبائع.
توصيف بيع العربون:
[م-٤٣١] اختلف العلماء في توصيف بيع العربون على أقوال:
القول الأول:
حقيقة بيع العربون: بأنه خيار شرط، يقابله مال في حال الرد، ويثبت فيه الخيار للمشتري وحده دون البائع، فإذا أمضى البيع كان العربون جزءًا من الثمن، وإن رد البيع خسر المشتري العربون.
ولهذا أوردت هذا البحث في باب الشروط.
القول الثاني:
ذهب بعض العلماء إلى أن العربون هبة إذا لم تتم الصفقة.
جاء في تعريف مالك المتقدم: «وإن تركت ابتياع السلعة، أو كراء الدابة، فما أعطيتك لك باطل بغير شيء» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «أن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن، إن رضي السلعة، وإلا فهبة» (٣).
стр. 2297
وجاء في روضة الطالبين: «إن أخذ السلعة فهي - أي الدراهم - من الثمن، وإلا فهي للمدفوع مجانًا» (١).
القول الثالث:
قد يقال: إن العربون عوض عن انتظار البائع.
ورد هذا: بأن الإنظار للبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم القدر كالإجارة (٢).
والصحيح أنه يجب أن يكون معلوم القدر حتى لا يكون الأجل فيه مجهولًا، فيفسد البيع.
القول الرابع:
بيع العربون بيع مشتمل على شرط جزائي، بأنه في حال نكل المشتري عن إتمام الصفقة فإنه يترتب عليه خسارته لجزء مقدم من الثمن، يسمى العربون.
فكل من الشرط الجزائي وبيع العربون يتضمن التزام أحد طرفي العقد عند التعاقد أن يدفع مبلغًا معينًا من المال فالشرط الجزائي تقدير للتعويض في حالة الإخلال بالشرط، والعربون تقدير للتعويض في حالة العدول عن العقد، فإذا شرطا هذا في العقد، وصدر عن رضا واختيار لزمهما.
فالشرط الجزائي على هذا فيه شبه من العربون، خاصة في القوانين التي تجيز الشرط الجزائي بدون أي حق للقاضي في تعديل مبلغه بالزيادة أو النقصان، أو الإلغاء، لكي يتناسب المبلغ مع مقدار الضرر الفعلي (٣).
стр. 2298
ويختلف العربون عن الشرط الجزائي بأمرين:
الأول: أن الشرط الجزائي يراه البعض أنه يدفع في مقابل التعويض عن الضرر الذي ينشأ عن الإخلال بالشرط، ومن ثم جاز للقاضي تخفيض هذا التقدير إذا كان مبالغًا فيه إلى درجة كبيرة، بل جاز له ألا يحكم به أصلًا إذا لم يحلق الدائن أي ضرر.
وأما الالتزام في دفع قيمة العربون فإنه قد جعل في مقابل حق العدول عن العقد، ولو لم يترتب على العدول أي ضرر.
وهذا الفرق إنما يراه من يرى أن الشرط الجزائي إنما هو في مقابل التعويض عن الضرر، وليس في مقابل الإخلال بالشرط، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، وأنا أميل إلى أن الشرط الجزائي في مقابل الإخلال بالشرط. فلا يظهر فرق بين الشرط الجزائي وبين العربون من هذه الحيثية. وسوف نتعرض بالدراسة للشرط الجزائي إن شاء الله تعالى في مباحث الشروط الجعلية في آخر الباب.
الثاني: أن الشرط الجزائي ليس بديلًا عن العقد الأصلي، بل يؤديه، ويلتزم بتنفيذ العقد الأصلي إذا كان ذلك ممكنًا.
بينما العربون هو بدل عن الالتزام في العقد الأصلي، وتبرأ ذمته عن العقد الأصلي إذا أخذ منه العربون (١).
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى الشرط الجزائي بعد هذا المبحث، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 2299
القول الخامس:
العربون جزاء حبس السلعة عن عرضها للبيع، وقد يحرم البائع فرصًا في بيعها، وربما كانت هذه الفرص أكثر غبطة ومصلحة لمالكها، فالعربون عوض عن هذا الحرمان. وهذا التخريج فيه قوة.
القول السادس:
ذهب الشيخ عبد الله بن منيع وفقه الله إلى توصيف العربون وتخريجه بطريقة مختلفة:
فقال: «قد يخرج بيع العربون على أنه بيع ناجز بين البائع والمشتري بثمن معين، يدفع المشتري جزءًا من الثمن هو العربون، والباقي يدفعه في حال اختياره نفاذ البيع، ويعطيه البائع وعدًا بشراء ما باعه إياه في حال رغبته عن المبيع، وبثمن أقل من ثمن ما اشتراه بقدر العربون» (١).
وقد ظن الشيخ بأنه بهذا التوصيف قد استطاع الخروج من الإيرادات التي قد يوردها الجمهور، وأعتقد أنه بهذا قد زاد العقد تعقيدًا، وإن كان قد سلم من بعضها، فالجمهور حتى على هذا التوصيف لا يجيزونه، حتى الحنابلة لو خرج على هذا النحو لم يجيزوه، وذلك أنهم يمنعون بيعتين في بيعة.
فضلًا عن الحنفية والشافعية الذين يمنعون من بيع وشرط.
فهو عقد يقول فيه المشتري: أشتري منك هذا المبيع دينًا بشرط أن تشتري مني السلعة إذا رغبت عن السلعة في مدة معينة بقيمة أقل من القيمة التي اشتريتها بها، وهذا النقص يحدده قدر العربون، ثم نتقاص ما وجب في ذمة كل واحد منا.
стр. 2300
فهو قد اشتمل على شرطين:
الشرط الأول:
أشتري منك بشرط أن تشتري السلعة مني، وهذا ليس حتمًا، ولكنه متعلق برغبة المشتري فقط خلال مدة معينة، إن شاء باعها على صاحبها، وصاحبها ملزم بشرائها، وإن شاء باعها على غيره.
الشرط الثاني:
أن يكون ثمن الشراء في العقد الثاني أقل من قيمة العقد الأول بقدر يحدده قدر العربون.
وهل يدخله الاختلاف في بيع الشيء قبل قبضه، باعتبار أن المشتري قد باعه على بائعه قبل أن يقبضه المشتري.
قد ينازع في هذا باعتبار أن المشتري الجديد والذي كان بائعًا في العقد الأول كون المبيع في يده بمنزلة قبضه له.
ولا أعتقد أن العاقدين قد تصورا هذا التكييف، وهما يعقدان بيع العربون.
والذي أميل إليه أن بيع العربون ليس هبة كما يختار ذلك الشافعية، فإن الهبة ما يعطى للآخر بلا مقابل، وهذا العربون قد كان في مقابل اختيار العدول عن الصفقة، فحقيقة بيع العربون: بيع اشترط فيه الخيار للمشتري، وهذا الخيار (كون العقد جائزًا مدة معينة في حق المشتري) قد يكون له ثمن، وقد يتسامح فيه البائع فيكون بلا ثمن، ففي حال عدول المشتري عن الصفقة يكون الخيار له ثمن، وهو قيمة العربون، وفي حال إتمام الصفقة يكون العربون جزءًا من الثمن، ويكون جعل العقد غير لازم مدة معينة بلا مقابل تسامحًا من البائع لقاء اختيار المشتري إتمام الصفقة.
стр. 2301
وحين نقول: إن الثمن في مقابل كون العقد جائزًا أحسن من قولنا: إن الثمن في مقابل الانتظار؛ حتى لا ندخل في خلاف: هل الانتظار ليس له قيمة مطلقًا، أو له قيمة في البيع، وليس له قيمة في القرض، والله أعلم.
* * *
стр. 2302
الفرع الثاني
غرض العاقد من بيع العربون
[م-٤٣٢] اختلف العلماء في الغرض من بيع العربون إلى قولين:
القول الأول:
يذهب بعض الباحثين إلى أنه لا يوجد حاجة عامة أو خاصة للتعامل بالعربون تجعل التعامل به جائزًا، ولو كانت هناك حاجة فإنها غير متعينة، وغير معتبرة.
غير متعينة: لأن في البيع مع خيار الشرط بشروطه الشرعية غنى عنه.
وغير معتبرة؛ لأن الشارع نهى عنه كما في حديث عمرو بن شعيب. وممن ذهب هذا المذهب فضيلة الشيخ الدكتور الفقيه: الصديق محمد الضرير (١).
ويناقش:
بأن البائع قد لا يقبل خيار الشرط، خاصة إذا كانت السلعة مطلوبة ومرغوبة، ولكن إذا علم البائع بأنه في حال نكل المشتري فإنه سوف يأخذ مقابل ذلك مبلغًا من المال فإنه لا يمانع من البيع، وربما كان ما يجنيه البائع من العربون أكثر مما يجنيه من الربح في بيع السلعة.
وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في النهي عن بيع العربون، فقد ضعفه الإمام أحمد، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، في حكم بيع العربون، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 2303
القول الثاني:
ذهب كثير من الباحثين إلى أن العربون فيه مصلحة لكل من البائع والمشتري:
أما البائع: فإن في العربون جبرًا للضرر الواقع على البائع نتيجة نكول المشتري عن العقد.
وأما المشتري فإن بيع العربون يعطيه الحق في النكول إذا بدا له أن الشراء ليس في صالحه.
ويفصل الدكتور رفيق يونس المصري هذه المصالح، فيقول:
«١ - قد يرغب أحد المستهلكين في شراء السلعة، ولا يملك ثمنها كاملًا، فيدفع جزءًا من الثمن للبائع، ويقول له: لا تبع هذه السلعة لغيري، فإن عدت إلى يوم كذا فما دفعته يكون جزءًا من الثمن، وإلا فلك.
٢ - قد يجد أحد المشترين سلعة لدى أحد الباعة، ويتردد في شرائها، خشية عدم ملاءمتها جودة أو ثمنًا، أو غير ذلك، فإن لم يشترها فربما عاد فلم يجدها، وإن اشتراها على البت فربما لم تعجبه بعد ذلك، أو لم تعجب من اشتراها له كزوجه، أو ولده، أو موكله.
من أجل الخروج من التردد يلجأ إلى شرائها بشرط الخيار لنفسه، فإن وافق البائع على الخيار فبها ونعمت، ولكن البائع قد لا يوافق على هذا الخيار بالمجان للمشتري، ولاسيما أن ضررًا قد يصيبه من جراء عدول المشتري عن الشراء، مثل تفويت فرصة بيعها لآخر.
وقد تكون السلعة غير جاهزة، بل سلعة يطلب المشتري تصنيعها، أو خياطتها، أو غير ذلك، وقد لا يسهل على البائع تصريفها إذا عدل عنها مشتريها كأن تكون سلعة خاصة من حيث أوصافها: قياسها، لونها ... الخ.
стр. 2304
ففي مثل هذه الحالات يكون العربون بمثابة تعويض مقطوع للبائع عن العطل والضرر، يتفق عليه المتبايعان، ويقدرانه منذ العقد، ولا يؤخرانه لحين وقوع الضرر الفعلي، فالعربون هو ثمن الخيار، أو ثمن أو جزاء حق النكول.
٣ - والسلعة إما أن تبقى عند البائع محجوزة لحين عودة المشتري وعزمه على الأخذ أو الترك، أو أن يأخذها المشتري معه لكي يتفحصها أو يختبرها بنفسه أو بالاستعانة بغيره، أو لكي يعرضها على زوجه أو ولده أو موكله، فيتحقق له بذلك التروي أو المشورة أو التجريب (الاختبار، القياس).
وهذا كله بافتراض أن المشتري إذا أخذ السلعة ثم ردها لم تتغير عنده نتيجة استعمال أو استهلاك، أو تلف، فمثل هذا إذا وقع فهو دليل على أن المشتري قد عزم على إمضاء الشراء، ولم يعد له خيار فيه» (١).
* * *
стр. 2305
الفرع الثالث
شروط بيع العربون عند من يجيزه
[م-٤٣٣] يشترط لبيع العربون شرطان عند من يقول به:
الشرط الأول:
أن يكون البيع مما لا يجب فيه التقابض، فإن كان المعقود عليه مما يجب فيه التقابض قبل التفرق فإن بيع العربون لا يجوز أن يدخل فيه؛ لأن بيع العربون يتضمن خيار الشرط، وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك أو تمامه لحين مضي مدته، فبيع العربون يقتضي تأخير الثمن حتى اختيار المشتري ما يراه من إمضاء البيع أو رده، وذلك يخل بالقبض المشروط، وعليه فلا يجوز بيع العربون في عقود الصرف، وفي عقود بيع الطعام بالطعام، وفي عقد السلم، وفي كل عقد يكون القبض شرطًا في صحته.
(ح-٣٨٧) لما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث،
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
فأما ما لا يشترط فيه القبض من أنواع البيوع فيدخل فيه العربون، وذلك مثل تقديم العربون في بيع أسهم الشركات التي تمارس أعمالًا مشروعة، ومثل تقديم العربون في بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك البائع للسلعة، وعند إبرام العقد، وأما في مرحلته الأولى: وهي مرحلة المواعدة فإنه لا يجوز دفع العربون على القول الصحيح الذي اخترته، وذلك أن الإلزام بالوعد لا يجوز.
стр. 2306
وحكم الإجارة حكم البيع، يجوز تقديم العربون فيه؛ لأن الإجارة تعتبر بيعًا للمنافع مدة معلومة.
الشرط الثاني:
أن يكون الخيار للمشتري في مدة معلومة على الصحيح، اختاره بعض الحنابلة (١).
لأن الخيار إذا كان مجهول المدة لا يصح، كما لو اشترط أن له رد البيع متى شاء من غير ذكر أجل معين.
وقيل: إن بيع العربون صحيح سواء وقت أو لم يوقت؛ وهو الصحيح من مذهب الحنابلة؛ لأنهم رأوا أن جوازه على خلاف القياس، ولأن النصوص الواردة في جوازه مطلقة من غير تقييده بمدة معلومة. والصحيح الأول.
وقد اعتقد الصديق الضرير أن القول بأن تقييد الرد في بيع العربون بمدة محددة ليس قولًا في الفقه الإسلامي.
يقول وفقه الله: «الرأي الذي يتحدث عن بيع العربون: المدة فيه محددة، لا يتحدث عن بيع العربون في الفقه الإسلامي، هذا رأي من عنده» (٢).
وهذا القول غير دقيق:
أولًا: قد اختار جماعة من الحنابلة القول بتحديد المدة، وهم يحسبون على الفقه الإسلامي.
قال في الإنصاف: «وهو - يعني العربون - أن يشتري شيئًا، ويعطي البائع
стр. 2307
درهمًا، ويقول: إن أخذته، وإلا فالدرهم لك. الصحيح من المذهب: أن هذه صفة بيع العربون، ذكره الأصحاب، سواء وقت، أو لم يوقت، جزم به في المغني، والشرح، والمستوعب، وغيرهم، وقدمه في الفروع.
وقيل: العربون أن يقول: إن أخذت المبيع، وجئت بالباقي وقت كذا، وإلا فهو لك، جزم به في الرعايتين، والحاويين، والفائق» (١).
وقال في مطالب أولي النهى: «ويتجه صحة هذا الاشتراط في بيع العربون وإجارته إن قيد المتعاقدان ذلك بزمن معين، كـ إلى شهر من الآن، وفات ذلك الزمن. وإلا يقيداه بزمن فلا يصح اشتراطه من أصله؛ لأن البائع أو المؤجر لا يدري إلى متى ينتظر، فالإطلاق لا يناسب، لما يلزم عليه من طول الأمد بلا نهاية، فيترتب عليه من الضرر ما فيه كفاية .... » (٢).
وعليه فهناك جماعة من فقهاء الحنابلة يرون وجوب تحديد المدة في الخيار للمشتري في بيع العربون.
ثانيًا: أن القول بتحديد المدة ثابت عن ابن سيرين ﵁، وهو ممن يرى جواز بيع العربون.
(ث-٧٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن هشام.
عن ابن سيرين، أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل العربون الملاح أو غيره، فيقول: إن جئت به إلى كذا وكذا، وإلا فهو لك (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
стр. 2308
ثالثًا: لو سلمنا أنه لا يوجد فقهاء مطلقًا لا عند الحنابلة ولا عند غيرهم يقولون بتحديد المدة، فإن المشهور من مذهب الحنابلة أن بيع العربون صحيح، ولو كان مؤقتًا.
فالمرداوي وهو يقدم الصحيح من مذهب الحنابلة يرى أن صفة بيع العربون صحيحة، سواء وقت، أو لم يوقت.
فإذا أخذ الفقيه في بيع العربون في حال كون الخيار مؤقتًا فهو صحيح بموجب النص عن المذهب، لأنهم يقولون بصحته إذا وقت، وبصحته إذا لم يوقت، وبالتالي لا يكون الاختيار في حال التوقيت خروجًا عن المذهب، ولم يكن انتحالًا لقول جديد؛ لأن القول بعمومه يشمل المؤقت وغير المؤقت، نعم يعتبر بدعًا من القول لو كان الحنابلة يشترطون عدم التوقيت، أما إذا كان القول يشمل الحالتين، وأخذ فقيه بأحدهما لم يخرج عن الفقه الإسلامي.
رابعًا: على القول بأن الأجل في بيع العربون غير محدد من جهة النصوص الواردة في بيع العربون، فإن ترك التعرض له لا يعني عدم اعتبار الأجل فيه، فإن كل شيء يجب أن يكون محددًا، وإذا لم يذكر الأجل في العقد كان مرجع ذلك إلى عرف الناس.
وسيأتي مزيد بحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند بحث حكم العربون.
* * *
стр. 2309
الفرع الرابع
خلاف العلماء في بيع العربون
[م-٤٣٤] اختلف العلماء في بيع العربون على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يجوز، وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأبو الخطاب من الحنابلة (٤)، ونسب ابن رشد هذا القول للجمهور (٥). وذكر ابن عبد البر والقرطبي: بأنه قول جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين (٦).
القول الثاني:
البيع صحيح، سواء وقت أو لم يوقت، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٧).
стр. 2310
وبه قال عمر وابن عمر ﵄، وسعيد بن المسيب (١)، ومجاهد (٢).
القول الثالث:
البيع صحيح بشرط أن يكون زمن الخيار محددًا.
اختاره ابن سيرين (٣)، ورجحه بعض الحنابلة (٤)، وبه أخذ مجمع الفقه الإسلامي (٥).
دليل من قال: لا يجوز بيع العربون:
الدليل الأول:
(ح-٣٨٨) ما رواه مالك، عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن جده، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العربان (٦).
[ضعيف] (٧).
الدليل الثاني:
اشتمال بيع العربون على الغرر المنهي عنه.
وجه كون بيع العربون مشتملًا على الغرر المحرم .
يقسم المالكية الغرر إلى ثلاثة أشياء:
(١) غرر في العقد. (٢) وغرر في الأجل. (٣) وغرر في أحد العوضين.
وغرر العقد عندهم: هو كل عقد لا يدرى هل يتم أو لا يتم.
من ذلك بيع العربون فقد اشتمل على نوعين من الغرر: غرر العقد، وغرر الأجل.
أما غرر العقد فإنه لا يدري كل من البائع والمشتري هل يتم البيع، أو لا يتم.
يقول ابن رشد الجد: «الغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء: أحدها: العقد. والثاني: أحد العوضين. والثالث: الأجل فيهما، أو في أحدهما، فأما الغرر في العقد، فهو مثل نهي