← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2315

الدليل الثاني: اشتمال بيع العربون على الغرر المنهي عنه. وجه كون بيع العربون مشتملًا على الغرر المحرم . يقسم المالكية الغرر إلى ثلاثة أشياء: (١) غرر في العقد. (٢) وغرر في الأجل. (٣) وغرر في أحد العوضين. وغرر العقد عندهم: هو كل عقد لا يدرى هل يتم أو لا يتم. من ذلك بيع العربون فقد اشتمل على نوعين من الغرر: غرر العقد، وغرر الأجل. أما غرر العقد فإنه لا يدري كل من البائع والمشتري هل يتم البيع، أو لا يتم. يقول ابن رشد الجد: «الغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء: أحدها: العقد. والثاني: أحد العوضين. والثالث: الأجل فيهما، أو في أحدهما، فأما الغرر في العقد، فهو مثل نهي

стр. 2316

النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة (١)، وعن بيع العربان» (٢). وأما غرر الأجل، فإن بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول؛ لأن المشتري اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة، ومعها درهمًا. يقول ابن قدامة: «اختار أبو الخطاب أنه لا يصح، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي ..... لأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهمًا وهذا هو القياس .... » (٣). مناقشة هذا الدليل: أما دعوى الغرر في الأجل فقد تمت مناقشته في شروط بيع العربون، ونلخص الجواب عنه فيما يأتي: الجواب الأول: ذكرنا أن مذهب الحنابلة فيه قولان: أحدهما: وجوب تحديد الأجل في بيع العربون، والأخر: أن بيع الأجل صحيح سواء وقت أو لم يوقت،

стр. 2317

وذكرنا أن الراجح أن الأجل في بيع العربون يجب أن يكون محددًا، وتعرضت بالرد على من قال: تحديد المدة في بيع العربون لا يعد قولًا في الفقه الإسلامي، وإنما هو قول قاله من قاله مِنْ عنده، وقد اختار القول بالتحديد مجمع الفقه الإسلامي، فليراجع القارئ مناقشة هذا الجواب في ما تقدم عند الكلام على شروط بيع العربون، فقد أغنى ذلك عن إعادته هنا. الجواب الثاني: على القول بأن الأجل في بيع العربون غير محدد من جهة النصوص الواردة في بيع العربون، فإن ترك التعرض له لا يعني عدم اعتبار الأجل فيه، فإن كل شيء يجب أن يكون محددًا، وإذا لم يذكر الأجل في العقد كان مرجع ذلك إلى عرف الناس. الجواب الثالث: على القول بأن الأجل ليس واردًا مطلقًا، لا نصًا، ولا عرفًا، فإن هذا غير كاف لرد النصوص الواردة في بيع العربون، وقد أجاز الفقهاء بعض الشروط المطلقة، والتي لم تحدد بمدة معينة، من ذلك: خيار العيب، وخيار الرؤية، وخيار الفسخ، وخيار المجلس عند القائلين به، فقد يطول المجلس، وقد يقصر وكل هذه الخيارات ليست محددة بمدة، وإن كنت أرجح القول بوجوب تحديد المدة في بيع العربون. هذا الجواب فيما يتعلق بدعوى الغرر في الأجل. وأما دعوى وجود الغرر في العقد، لكون كل من البائع والمشتري لا يدري هل يتم البيع أو لا يتم. فهذا لا يعد من الغرر في شيء، كل ما هنالك أن العقد أصبح جائزًا، وليس

стр. 2318

لازمًا مدة معينة، ولو عد ذلك من الغرر لاعتبر خيار الشرط باطلًا، وقد أجمع العلماء على اعتباره في الجملة، وهو مجهول العاقبة، لا يدري كل من البائع والمشتري هل يتم البيع أو لا يتم. فإن اعتبر بيع العربون من الغرر في العقد، اعتبر خيار الشرط كذلك، ولا فرق بينهما من جهة لزوم العقد وجوازه. الدليل الثالث: علل كثير من الفقهاء بأن بيع العربون من أكل أموال الناس بالباطل، ويقصدون بذلك أنه في حال اختار المشتري رد المبيع فإن البائع يأخذ العربون بغير عوض، وهذا لا يجوز. قال القرطبي: «ومن أكل المال بالباطل بيع العربان ... » (١). وعلل ابن عبد البر عدم الجواز بقوله: «لأنه من بيع القمار، والغرر، والمخاطرة، وأكل المال بغير عوض، ولا هبة، وذلك باطل .. » (٢). وقال ابن قدامة: «واختار أبو الخطاب أنه لا يصح .... لأنه شرط للبائع شيئًا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي» (٣). الدليل الرابع: اشتمال هذا البيع على شرط فاسد: قال في مغني المحتاج: «ولا يصح بيع العربون .... لأن فيه شرطين فاسدين:

стр. 2319

أحدهما: شرط الهبة. والثاني: شرط الرد على تقدير ألا يرضى» (١). وقال الخطابي: «اختلف الناس في جواز هذا البيع، فأبطله مالك والشافعي للحديث، ولما فيه من الشرط الفاسد .... » (٢). ويناقش: أما الجواب عن دعوى أن العربون يأخذه البائع هبة في حال نكول المشتري عن الشراء فقد سبق في تكييف بيع العربون: وأن الصحيح في بيع العربون أنه ليس هبة ولم يدفع للبائع مجانًا، وإنما هو في مقابل أمرين: الأول: أنه في مقابل حبس السلعة عن عرضها للبيع، وقد يحرم البائع فرصًا في بيعها، وربما كانت هذه الفرص أكثر غبطة ومصلحة لمالكها، فالعربون في مقابل التعويض عن هذا الحرمان. الثاني: أن العربون أيضًا في مقابل اختيار العدول عن الصفقة، فحقيقة بيع العربون: بيع اشترط فيه الخيار للمشتري، وهذا الخيار (كون العقد جائزًا مدة معينة في حق المشتري) قد يكون له ثمن، وقد يتسامح فيه البائع فيكون بلا ثمن، ففي حال عدول المشتري عن الصفقة يكون الخيار له ثمن، وهو قيمة العربون، وفي حال إتمام الصفقة يكون العربون جزءًا من الثمن، ويكون جعل العقد غير لازم مدة معينة بلا مقابل تسامحًا من البائع لقاء اختيار المشتري إتمام الصفقة. وقد استفاد المشتري من هذا الشرط من نواحي كثيرة، إما في تقليب النظر في الصفقة، والنظر في الأحظ من القبول أو الرفض، وقد لا يكون مع المشتري ما

стр. 2320

يكفي قيمة للسلعة، فيعطيه البائع مهلة يستطيع أن يدبر الثمن إلى غير ذلك من المنافع، فهذه أمور إذا دفع المشتري العربون مقابل تحصيلها لم يكن بذله للعربون هبة من غير مقابل. وأما الجواب عن اشتراط الرد إذا لم يرض الصفقة، فما هو الخلل في هذا الشرط حتى يقال عنه: إنه شرط فاسد، فهذا الشرط لم يخالف نصًا شرعيًا، ولم يخالف مقتضى العقد، وفيه مصلحة للعاقد، والأصل في الشروط الصحة، ولو منع مثل هذا لمنع خيار الشرط، والعلماء على قبوله، فإن الغرض من خيار الشرط أن يرد المبيع إذا لم يرض الصفقة، فأي فرق بينهما. الدليل الخامس: تقديم الحظر على الإباحة عند التعارض؛ لأنه ناقل عن البراءة الأصلية. قال الشوكاني: «ولأنه - يعني حديث عمرو بن شعيب) يتضمن الحظر، وهو أرجح من الإباحة، كما تقرر في الأصول» (١). ويناقش: قاعدة تقديم الحظر على الإباحة عندما يتساوى الدليلان، وهنا الدليلان غير متساويين، بل هناك مرجح للقول بجواز بيع العربون، إما من جهة الأثر كما هو فعل عمر ﵁، أو من جهة القياس، لأن المسلمين على شروطهم، كما أن قاعدة تقديم الحظر على الإباحة إنما هو في الأمور التي يكون الأصل فيها الحظر كالعبادات والفروج، أما في المعاملات فيعمل فيها في الأصل، والأصل في المعاملات الإباحة، كما أن الأصل في الشروط الجواز والصحة، والله أعلم.

стр. 2321

دليل من قال: يصح بيع العربون وقت أو لم يوقت: الدليل الأول: (ث-٧٤) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال: اشترى نافع بن الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أنه إن رضي عمر فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: هذه الواقعة قد سمع بها الصحابة، واطلعوا عليها، ولم ينكروها، ونقلوها لنا، وهي دالة على استحقاق البائع مبلغ العربون في حال اختار عدم إتمام الصفقة. ونوقش هذا الاستدلال: هذا الأثر يحتمل بيع العربون، ويحتمل وجهًا آخر، ذكره ابن قدامة، بأن المشتري إذا دفع دراهم للبائع، وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم اشترها منك فهذه الدراهم لك، ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدئ، وحسب الدراهم من الثمن صح العقد؛ لأن البيع قد خلا عن الشرط المفسد، قال ابن قدامة: «ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه، فيحمل عليه، جمعًا بين فعله، وبين الخبر، وموافقة القياس، والأئمة القائلين بفساد العربون» (٣).

стр. 2322

ورد هذا: بأن هذا التخريج لا يدل عليه الأثر فإن الأثر يقول: اشترى نافع ابن الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أنه إن رضي عمر ... ، فالشراء سابق على رأي عمر، ومعلق لزومه على رضا أمير المؤمنين، فإن اختار الفسخ كان للبائع مقدارًا من الدراهم، وهو العربون. الدليل الثاني: الأصل في الشروط الصحة والجواز إلا شرطًا خالف نصًا شرعيًا، أو خالف مقتضى العقد، وشرط العربون ليس منها، وقد التزم المشتري هذا الشرط طائعًا غير مكره فيلزمه. (ث-٧٥) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: اختصم إلى شريح في رجل اكترى من رجل ظهره، فقال: إن لم أخرج يوم كذا وكذا، فلك زيادة كذا وكذا، فلم يخرج يومئذ، وحبسه، فقال شريح: من شرط على نفسه شرطًا طائعًا غير مكره، أجزناه عليه (١). [إسناده صحيح]. الدليل الثالث: (ح-٤٨٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن زيد بن أسلم، أن النبي ﷺ أحل العربان في البيع (٢).

стр. 2323

[ضعيف لعلة الإرسال] (١). الدليل الرابع: القياس على ما قاله سعيد بن المسيب، وابن سيرين، من أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها، ويرد معها شيئًا، فقد قال الإمام أحمد: هذا في معناه (٢). ونوقش هذا: بأن هذه الصورة ليست من بيع العربون؛ لأن هذه الصورة هي بيع مستأنف، ولا مانع من أن يشتري شخص سلعة بمائة نقدًا، ثم يرغب في ترك السلعة، فيبيعها لمن اشتراها منه بتسعين نقدًا، وبعضهم يسميها إقالة بعوض، والحق أنها بيع مستأنف. جاء في الموطأ: «قال مالك في الرجل يبتاع العبد أو الوليدة بمائة دينار إلى أجل، ثم يندم البائع، فيسأل المبتاع أن يقيله بعشرة دنانير، يدفعها إليه نقدًا، أو إلى أجل، ويمحو عنه المائة دينار التي له، قال مالك: لا بأس بذلك ... » (٣).

стр. 2324

دليل من قال: يجوز بيع العربون بشرط أن يكون الأجل فيه مؤقتًا . ذكروا بأن بيع العربون إذا خلا من خيار محدد بوقت معين كان بمنزلة الخيار المجهول، وعدم التوقيت في الخيار يبطل البيع فإنه متى اشترط أن له رد البيع من غير ذكر مدة لم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهمًا (١). ولأن البائع يكون معلقًا، فلا يدري هل اختار المشتري السلعة أو اختار الرد، فيتضرر من التعليق هذا، وربما فوت عليه فرصًا كثيرة، فإذا وقت أصبح البائع على بينة، وإذا مضت تلك المدة صار له أن يتصرف في السلعة. وقد ناقشت هذه المسألة فيما سبق ضمن أدلة القول الأول، وأميل إلى اشتراط أن يكون الأجل في الخيار محددًا بوقت معين. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة أجد أن الحديث الوارد في النهي عن بيع العربون لا يثبت عن النبي ﷺ . وأجد أن القول بجواز العربون يتمشى مع أصل عظيم: وهو أن الأصل في الشروط الجواز والصحة حتى يقوم دليل على المنع، ولم يقم دليل على منع بيع العربون. وقد تعارف كثير من البلدان على بيع العربون حتى تلك البلاد التي لا تدين بمذهب الحنابلة، والعرف معتبر إذا لم يعارضه نص، وقد قدم الحنفية العمل الجاري وما كان متعارفًا عليه على القياس، فأجازوا شروطًا كان مقتضى القياس عندهم منعها احترامًا لعمل الناس.

стр. 2325

والحاجة إلى بيع العربون في هذا الزمن أكثر منها في أي وقت مضى، وذلك لاختلاف الأسعار، فقد تهبط السلعة فيرد المشتري السلعة، ويتضرر البائع، ولأن الثقة اليوم بين الباعة شبه مفقودة، فإذا جرى التعامل بشرط العربون لم يكن هناك ضرر على أحد، وقد دخل المشتري على بينة من أمره بأنه إذا اختار الرد كان عليه بذل العربون. وقد اختار مجمع الفقه الإسلامي جواز بيع العربون بشرط توقيت مدة الانتظار. وهذا نص القرار عن المجمع: «إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي، دار السلام، من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (بيع العربون) وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي: ١ - المراد ببيع العربون، بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغًا من المال إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع. ويجري مجرى البيع: الإجارة؛ لأنها بيع المنافع، ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد (السلم) أو قبض البدلين (مبادلة الأموال الربوية والصرف) ولا يجري في المرابحة للآمر بالشراء في مرحلة المواعدة، ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة. ٢ - يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود، ويحتسب

стр. 2326

العربون جزءًا من الثمن إذا تم الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء (١). * * *

стр. 2327

الفرع الخامس بعض المعاملات التي تشبه بيع العربون وليست منه [م-٤٣٥] هناك تشابه بين بعض الصور وبين بيع العربون وإن كانت لا تحسب من بيع العربون، وقد يجيز تلك الصور أولئك الفقهاء الذين منعوا من بيع العربون. الصورة الأولى: إذا اتفق المتعاقدان على أنه إن تم البيع أو الإجارة كان جزءًا من الثمن، وإن لم يتم العقد استرد المدفوع، فهذا ليس من العربون المختلف فيه بين العلماء، بل هو جائز إجماعًا، كل ما هنالك أن الثمن عين بعضه. جاء في التاج والإكليل: «قال مالك: وأما من اشترى شيئًا، وأعطى عربانًا، على أنه إن رضيه أخذه، وإن سخطه رده، وأخذ عربانه، فلا بأس به» (١). يقول الباجي في المنتقى: «وأما العربان الذي لم ينه عنه، فهو أن يبتاع منه ثوبًا أو غيره بالخيار، فيدفع إليه بعض الثمن مختومًا عليه إن كان مما لا يعرف بعينه على أنه إن رضي البيع كان من الثمن، وإن كره رجع إليه ذلك؛ لأنه ليس فيه خطر يمنع صحته، وإنما فيه تعيين للثمن أو بعضه» (٢). الصورة الثانية: أن يشتري الرجل السلعة، ثم يطلب من البائع إقالته من البيع مقابل جزء من المال، فهذا جائز على الصحيح، وهو بيع مستأنف، وليس من باب الإقالة.

стр. 2328

جاء في الموطأ: «قال مالك في الرجل يبتاع العبد أو الوليدة بمائة دينار إلى أجل، ثم يندم البائع، فيسأل المبتاع أن يقيله بعشرة دنانير، يدفعها إليه نقدًا، أو إلى أجل، ويمحو عنه المائة دينار التي له، قال مالك: لا بأس بذلك ... » (١). (ث-٧٦) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد. عن ابن عمر، في رجل اشترى بعيرًا، فأراد أن يرده، ويرد معه درهمًا، فقال: لا بأس به (٢). [ضعيف جدًا] (٣). (ث-٧٧) وروى ابن أبي شيبة، أخبرنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم. عن الحسن وابن سيرين، في الرجل يشتري السلعة، ثم يستغليها، قال: لا بأس أن يردها، ويرد معها شيئًا (٤). [إسناده حسن]. وذكر ابن قدامة هذا الأثر في المغني، ونقل عن أحمد أنه قال تعقيبًا: «هذا في معناه»: أي في معنى بيع العربون (٥).

стр. 2329

والفرق بين هذه الصورة وبين بيع العربون: أن العربون يتفق عليه منذ العقد الأول، وأما هذه الصورة فيتم الاتفاق عليها عند العقد الثاني. الصورة الثالثة: أن يدفع إليه قبل البيع درهمًا، ويقول له: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم اشترها منك فهذا الدرهم لك، ثم يشتريها منه بعد ذلك بعقد جديد، ويحسب الدرهم من الثمن، فهذا البيع صحيح، وليس من بيع العربون. ذكرها ابن قدامة في المغني، وعلل الصحة بقوله: «لأن البيع خلا عن الشرط الفاسد» (١). يعني والله أعلم أن شرط ترك العربون لم يقترن بالعقد ليفسد البيع عند من لا يجيزه، وإنما كان هناك اتفاقان: الاتفاق الأول: ترك العربون له إذا ترك البيع، وهذا الاتفاق منفصل عن عقد البيع. والاتفاق الثاني: عقد البيع خاليًا من هذا الشرط، والله أعلم. هذا ما تيسر جمعه حول بيع العربون والله أعلم. * * *

стр. 2330

المبحث الثامن في الشرط الجزائي الفرع الأول في تعريف الشرط الجزائي تعريف الشرط الجزائي في الاصطلاح (١): عبارة الشرط الجزائي غير معروفة في كتب الفقه القديمة بهذا المصطلح، ولكنها معروفة في القوانين الغربية، كالقانون الفرنسي، والإنجليزي وغيرهما من القوانين الغربية، وقد أخذت قوانين البلاد العربية هذا التعبير عن القوانين الغربية، وأدخلت عليه بعض التعديلات، وأول قانون عربي أخذ به هو القانون

стр. 2331

المصري، أخذه عن القانون الفرنسي وعبر عنه الدكتور السنهوري بالعبارة التالية: التعويض الاتفاقي، أو الشرط الجزائي، وتبعت أكثر قوانين البلاد العربية القانون المصري (١). لذا سيكون التعريف للشرط الجزائي منقولًا من كتب القوانين. فقيل في تعريفه: «اتفاق المتعاقدين في ذات العقد أو في اتفاق لاحق، قبل الإخلال بالالتزام على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن عند عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه، أو تأخيره عنه فيه» (٢). وإذا كان الفقهاء المتقدمون لم يتوجهوا لبحث هذا الشرط بهذه الصيغة لعدم قيام الحاجة إليه في ذلك الوقت، فإنه في هذا الزمن أصبحت الحاجة إليه ملحة جدًا؛ لأن تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضر بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما كان عليه في الزمن الماضي. فلو أن بائع بضاعة ما تأخر في تسليمها حتى هبط سعرها لتضرر المشتري بخسارة فادحة (٣). * * *

стр. 2332

الفرع الثاني شروط استحقاق الشرط الجزائي [ن-٤٠] يشترط لاستحقاق مقدار الشرط ا لجزائي شروط منها: الشرط الأول: لا بد من الإخلال بالشرط المتفق عليه، وهو ما يعبر عنه بوجود الخطأ، لأن الشرط الجزائي لا يستحق على المدين إذا لم يكن هناك إخلال بالشرط المتفق عليه. الشرط الثاني: ألا يوجد هناك عذر معتبر شرعًا من عدم الالتزام بالوفاء في الوقت المحدد. ولهذا جاء في قرار المجمع الفقهي: «لا يعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته ... » (١). وجاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء الرسميين في السعودية: «إن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول» (٢). الشرط الثالث: هل يشترط أن يكون المبلغ في الشرط الجزائي مساويًا للضرر الواقع من التأخير.

стр. 2333

وللجواب على ذلك لا بد من السؤال: هل الشرط الجزائي عقوبة مالية مقابل الإخلال بالشرط، أو أنه تعويض عن الضرر الحاصل من التأخير. فإذا قلنا: إن الشرط الجزائي عقوبة مالية مقابل الإخلال بالشرط المتفق عليه لم ندخل في بحث: هل المبلغ في الشرط الجزائي مساو للضرر الحاصل من التأخير، أو أكثر منه، أو أقل. أما إذا قلنا: إنه تعويض عن الضرر الحاصل من التأخير، فإنه يلزم على ذلك لوازم كثيرة، منها: أنه لا يستحق شيئًا من الشرط الجزائي إذا ثبت أن التأخير لم يترتب عليه أي ضرر. ومنها: الرجوع إلى المحاكم الشرعية في تقدير الضرر، ومقابلة ذلك بالمبلغ المتفق عليه. ومنها: زيادة المبلغ إذا كان المبلغ في الشرط الجزائي المتفق عليه أقل من الضرر الواقع، أو النقص منه إذا كان الشرط الجزائي أكثر من الضرر الواقع. [ن-٤١] وقد اختلف العلماء في الشرط الجزائي هل هو عقوبة أو تعويض عن الضرر إلى قولين: القول الأول: يرى أن الشرط الجزائي تعويض عن الضرر الحاصل، وبالتالي: لا يستحق شيئًا من شرط له إذا ثبت أن التأخير لم يترتب عليه أي ضرر، ولم يتسبب في فوات أي منفعة مالية. وهذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، وظاهر قرار هيئة كبار العلماء.

стр. 2334

ويرى فضيلة الشيخ الدكتور الصديق الضرير أن جميع القوانين الغربية والعربية على هذا القول (١).

стр. 2335

ففي قرار المجمع ما نصه: «لا يعمل بالشرط الجزائي إذا ثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد» (١). وجاء في قرار هيئة كبار العلماء: «إذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة، أو لحق من ضرر، ويرجع في تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر» (٢).

стр. 2336

القول الثاني: ذهب بعض العلماء إلى أن الشرط الجزائي هو عقوبة مالية نظير الإخلال بالشرط، (غرامة تأخير) وليس تعويضًا عن الضرر. وممن ذهب إلى هذا فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع، ورفيق المصري (١)، والقاضي محمود شمام رئيس محكمة التعقيب الشرفي في تونس (٢). يقول الشيخ عبد الله بن منيع وفقه الله: «في الواقع أتساءل الآن: هل الشرط

стр. 2337

الجزائي تعويض عن ضرر، أو عقوبة مالية. الذي يظهر لي أن الشرط الجزائي عقوبة مالية في مقابلة الإخلال بالعمل سواء أكان ذلك يتعلق بالعمل نفسه، أو يتعلق بزمان أدائه ... » (١). وهذا القول هو الذي يتمشى مع غرض العاقد من الشرط الجزائي، وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: إذا كان التعويض بمقدار الضرر، لم يكن هناك فائدة من التنصيص على مقدار الشرط الجزائي؛ لأن التنصيص عليه سيكون تحصيل حاصل؛ فإن كان الضرر أقل من الشرط الجزائي، أو كان أكثر منه كان الرجوع إلى مقدار الضرر، وإذا لم يكن هناك ضرر من التأخير فللمقاول أو المورد أو الصانع أن يتأخر كما يشاء، ويكون وجود الشرط الجزائي كعدمه. ولأننا إذا اعتبرنا أن الشرط الجزائي تعويض عن الضرر، لم يكن العاقدان بحاجة إلى اشتراط مثل ذلك أصلًا في صلب العقد؛ لأن الضرر مدفوع ولو لم يشترط؛ لحديث: لا ضرر، ولا ضرار. الوجه الثاني: ما المانع من اعتبار الشرط الجزائي غرامة مالية يتفق عليها العاقدان عند عدم الالتزام بالمدة المتفق عليها لتنفيذ العقد، فسواء كان هناك ضرر، أو لم يكن هناك ضرر، أليس من حق العاقد أن يشترط تسليم المبيع خلال مدة معينة يمكن للمقاول أو المورد أو الصانع أن ينجز العمل فيها، ألم يكن بوسع من شرط عليه مثل ذلك أن لا يقبل هذا الشرط، ويدع العقد لمن يستطيع أن يلتزمه، فإذا التزم

стр. 2338

بتسليم المبيع خلال هذه المدة، وأخل بهذا الشرط من غير عذر فإخلاله بما التزمه يستحق أن يوقع عليه غرامة مالية، وهذه الغرامة قد تمت برضا الطرفين، كالعربون تمامًا فإنه يلتزمه المشتري ولو لم يكن هناك ضرر على البائع، ولا نشترط لقبول العربون وقوع ضرر على البائع. الوجه الثالث: ولأن الأجل له قيمة في الشرع خاصة في البيوع، وإن لم يكن له قيمة في القروض، فإذا أجله تسليم المبيع هل يكون هذا والحال قيمتهما واحدة، فإذا كانت قيمة الحال أقل من قيمة المؤجل، فلماذا لا يتحمل العقوبة في مقابل التأجيل. الوجه الرابع: العاقد عندما اشترط الشرط الجزائي أراد بذلك أن يتجنب اللجوء إلى القضاء من أجل تقدير التعويض المترتب على الأضرار الناشئة عن التأخير، وأراد أن يوفر الجهد والمال في تجنب الإجراءات القضائية الطويلة والباهظة التكاليف، وأراد أيضًا أن يتجنب عبء إثبات الضرر الذي يصيبه عند إخلال المدين بالتزامه، وإذا كان الأمر بمقدار الضرر دخل العاقدان في نزاع ثبوت هذه الأضرار، وفي تقديرها. وقد ورد في البحث المعد للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ما يلي: «يمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبه بيع العربون في أن كلًا منهما شرط يوجب على من أخل بالشرط عقوبة مالية يجري تعيينها قبل حصول ذلك». وهذا نص على أن الشرط الجزائي عقوبة مالية على من أخل بالشرط، والله أعلم.

стр. 2339

وهذا القول هو الذي أميل إليه؛ بشرطين: الشرط الأول: ألا يكون المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه، فلا يجوز أن يكون الشرط الجزائي يأتي على ربح المقاول كله، فضلًا أن يحمله خسائر، فهذه العقوبة المالية إنما تقلل من ربحه فقط، بحيث لا يتجاوز به ثلث الربح، أو عشرة بالمائة من مقدار العقد، لأن الشرط الجزائي يجب أن يكون قائمًا على العدل، بحيث لا يأتي على نصيب المقاول كله فيكون عمله بلا مقابل، فهذا من الظلم الذي لا تقره الشريعة، بل يجب أن يكون متوازنًا، فإذا كان المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه حمل ذلك على أن مراد العاقد هو التهديد وحمل المقاول على التنفيذ، ويسقط الشرط الجزائي إلا أن يكون هناك ضرر فيقدر بقدره؛ لأن الضرر مدفوع. الشرط الثاني: ألا يكون الشرط الجزائي قد نص على أن استحقاقه في مقابل التعويض عن الأضرار، فإن هذا ظاهر بأن العاقدين قد اجتهدا في تقدير الضرر وقت العقد عندما قدرا الشرط الجزائي، وقد يكون الضرر أكثر، أو أقل، ولكن لو كان الشرط الجزائي لم ينص على أنه تعويض في مقابل الأضرار، وإنما كان النص على أنه في مقابل التأخير، فالذي أراه أنه يجب الالتزام بالشرط الجزائي بغض النظر عن قيمة الضرر الواقع من التأخير، لاعتبارات كثيرة منها ما تقدم، ومنها: - أنه شرط معلق على التأخير، وليس معلقًا على الضرر، فإذا علق الشرط على التأخير استحق بحصول التأخير، ولو لم يكن هناك ضرر.

стр. 2340

- ومنها: أن هذا القول هو الذي يتفق مع حق العاقدين في اشتراط الشروط، فلا ينبغي تقييد حريتهما والحد منها إلا فيما يخالف نصًا شرعيًا كما لو كان يلزم من الشرط الوقوع في الربا أو في الغرر، أو لزم منه مخالفة مقتضى العقد، وهذا ليس منها، كل ما هنالك أنه قد يلحق المقاول من جراء الشرط بعض الغبن؛ وهذا ليس كافيًا في تعليق العقد بالضرر؛ لأن جماهير الفقهاء على جواز الغبن لمن دخل على بصيرة. قال القرطبي: «الجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك، جائز له أن يبيع ماله الكثير، بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة، واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك ... » (١). - ومنها: أن المبلغ المتفق عليه كشرط جزائي إما أن يكون في مقابل التأخير، ولو لم يكن هناك ضرر؛ وإما أن يكون في مقابل دفع الضرر: فإن كان في مقابل التأخير فيجوز أن يأخذ الشرط الجزائي ولو ولم يكن هناك ضرر: لأن الأجل له قيمة في العقد، فالسلعة قيمتها مؤجلة تختلف عن السلعة قيمتها حالة، وهذا أمر معلوم فإن قيمة العقد إذا اشترط على المقاول ونحوه أن يكون إنجازه خلال عام تختلف قيمته عندما يكون العقد مدة إنجازه خلال عامين أو ثلاثة، ولو لم يكن في مقابل التأخير وقوع ضرر، أو فوات منفعة. وإن كان الشرط الجزائي في مقابل الضرر.

стр. 2341

فإما أن يكون الشرط الجزائي أكثر من الضرر، أو مساويًا له، أو أقل منه. ففي حال كان المبلغ المتفق عليه مساويًا للضرر الواقع فلا إشكال. وأما في حال كان المبلغ المتفق عليه أقل من الضرر الواقع فإنه يدخل في جواز أن يتنازل الإنسان عن بعض حقه ابتداء، فيجوز إذا كان ذلك بشرط من باب أولى. وإما إذا كان المبلغ المتفق عليه أكثر من الضرر الواقع، ولم يكن المبلغ فاحشًا بحيث يذهب بالربح كله - بحيث لا يجعل الشرط الجزائي عمل المقاول والمورد والصانع مجانًا بدون مقابل - وكان ذلك باتفاق مسبق بين العاقدين، فما الحرج في دفعه، فإن العربون يدفع، ولو لم يكن هناك ضرر أصلًا، أو كان هناك ضرر ولكن ليس بقدر العربون، ويكون هذا من باب الغرامية المالية بسبب التأخير. وهذا ما يجري عليه العمل في العقود، فإنك تجد أن العقود تنص على أن التأخير في الشهر الأول تختلف غرامته عن الشهر الثاني، فيجعلون الجزاء تصاعديًا، فالشهر الأول أو اليوم الأول: غرامته مثلًا ١% من قيمة العقد، واليوم الثاني أو الشهر الثاني غرامته بقدر ١.٥%، وفي اليوم الثالث: ٢%، وهكذا مما يدل على أن الشرط هنا غرامة، وليس تعويضًا عن أضرار، والله أعلم. وهذا القول يتفق مع ما جاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودية، فقد جاء فيها ما يلي: «إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملًا في المواعيد المحددة، ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعيًا لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة

стр. 2342

التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى تنبيه للمقاول، ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي: ١% عن الأسبوع الأول. ١.٥ % عن الأسبوع الثاني. ٢% عن الأسبوع الثالث. ٢.٥ % عما زاد عن ثلاثة أسابيع. ٣% عن أي مدة تزيد عن أربعة أسابيع (١). * * *

стр. 2343

الفرع الثالث إذا كان الشرط الجزائي تعويضًا عن الضرر فما نوع الضرر الذي يستحق عليه التعويض الأضرار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الضرر الناتج عن تلف المال، أو نقص قيمته بفعل ضار الثاني: الضرر الناتج عن فوات المنافع والمكاسب المؤكدة. الثالث: الضرر الأدبي والمعنوي كالضرر الذي يلحق الإنسان بسبب الاعتداء على حريته، أو في عرضه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو اعتباره المالي. [م -٤٣٦] أما الضرر الذي يكون بتلف المال فلا خلاف بين الفقهاء في وجوب التعويض عنه. [ن-٤٢] وأما التعويض عما فات الإنسان من مكاسب مؤكدة، فاختلف العلماء المعاصرون في ذلك على قولين: القول الأول: أن ذلك يوجب التعويض، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقرار هيئة كبار العلماء. يقول نص قرار المجمع الفقهي: «الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لحق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي» (١).

стр. 2344

كما نص قرار هيئة كبار العلماء الرسميين في المملكة العربية السعودية على جواز التعويض عما فات من منفعة أو لحقه من ضرر (١). القول الثاني: خالف الشيخ علي الخفيف ﵀ فلم ير التعويض عما فات الإنسان من المكاسب، وقصر التعويض في مقابلة إتلاف المال خاصة. يقول الشيخ علي الخفيف ﵀: «إن عدم قيام الملتزم بالتزامه يستلزم شرعًا إلزامه وإجباره عليه، فإن امتنع كان امتناعه معصية يستحق عليها التعزيز إلى أن يمتثل، أما إلزامه بمال على وجه التعويض عما أحدثه بامتناعه من ضرر، لا يتمثل في فقد مال، فلا تبيحه القواعد الفقهية والأصول الشرعية التي تقضي: بأن أخذ المال لا يكون إلا تبرعًا، أو في مقابلة مال أخذ أو أتلف، وإلا كان أكلًا له بالباطل، وعلى ذلك يكون أخذه تعويضًا عن ضرر، ولم يترتب عليه تلف لمال غير جائز شرعًا؛ لأن أساس التعويض في نظر الفقهاء هو مقابلة المال بالمال، فإذا قوبل المال بغير مال كان أكلًا للمال بالباطل» (٢). ويقول أيضًا: «إن وجوب التضمين بالمال إنما يكون في ضرر مالي أصاب المضرور، وذلك بتلف بعض ماله، أو نقص قيمته بفعل ضار، أما الضرر الذي لا يتمثل في فقد مال كان قائمًا، فلا يرى الفقهاء فيه تعويضًا» (٣).

стр. 2345

ولعل الشيخ أخذ بهذا المذهب بناء على رأي الحنفية الذي يذهب إلى أن المنافع لا تعد من الأموال، وقد حررت مذهبهم في المجلد الأول من الموسوعة، وذكرت أدلتهم والجواب عنها، ورجحت في ذلك مذهب الجمهور الذي يذهب إلى اعتبار المنافع من الأموال، وهو المتعين. [م-٤٣٧] وأما التعويض عن الضرر الأدبي، فإن الفقهاء المتقدمين لم يتكلموا عليه بالاسم، ولا يرى الفقهاء المعاصرون التعويض عنه بالمال، وإنما يكتفى بالتعزير للمعتدي بما يردعه من الاعتداء على الآخرين. يقول الشيخ الزرقاء ﵀: «الحكم بالتعويض المالي عن الضرر الأدبي حكم مستحدث، ليس له نظائر في الفقه الإسلامي ... والأسلوب الذي اتبعته الشريعة في معالجة الإضرار الأدبي إنما هو التعزير الزاجر، وليس التعويض المالي، إذ لا تعد الشريعة شرف الإنسان وسمعته مالًا متقومًا يعوض بمال آخر إذا اعتدي عليه ... وخلاصة القول إننا لا نرى مبررًا استصلاحيًا لمعالجة الإضرار الأدبي بالتعويض المالي ما دامت الشريعة قد فتحت مجالًا واسعًا لقمعه بالزواجر التعزيرية» (١). وأما القوانين العربية فقد أخذت بمبدأ التعويض عن جميع الأضرار الثلاثة: الضرر المالي، والأدبي، وما فاته من كسب. فقد نصت المادة (٢٦٧) مدني من القانون الأردني على وجوب التعويض عن الضرر الأدبي، تقول المادة: «يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك، فكل تعد على الغير في حريته، أو في عرضه، أو في شرفه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسئولًا عن الضمان» (٢).

стр. 2346

وهذا النص موافق لقانون المعاملات المدنية السودانية لسنة ١٩٨٤ (١). كما نص القانون المدني المصري على التعويض عن الأضرار الأدبية، وما فات الدائن من كسب (٢). الراجح: أرى أن ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية هو الراجح ما دام أنه لم يوجد قول في الفقه الإسلامي يمكن لنا أن نعتمده في التعويض عن الأضرار الأدبية، فإن وجد قول فقهي باعتباره فإن القول باعتباره متجه، والله أعلم. * * *

стр. 2347

الفرع الرابع حكم العقد إذا تضمن شرطًا جزائيًا الشرط الجزائي بهذا المصطلح حديث النشأة، وإن وجد كلام لبعض الفقهاء المتقدمين في بعض صوره، كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى، وإذا كان الشأن كذلك فسوف يكون بحثنا فيه من خلال كلام العلماء المعاصرين، كالمجامع الفقهية، ومراكز البحوث الفقهية، والنظر إلى قواعد ومذاهب الأئمة في الشروط، وهل مثل هذا الشرط يتمشى مع قواعد تلك المذاهب في الشروط الجعلية، والقياس عليها أو لا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرط الجزائي متعدد الصور، منها ما يكون ممنوعًا باتفاق، ومنها ما يكون جائزًا عند كثير من العلماء المعاصرين، لذا سوف نبحث هذه الصور المتعددة صورة صورة. * * *

стр. 2348

المسألة الأولى الشرط الجزائي في مقابل التأخير عن تنفيذ الأعمال [ن-٤٣] محل الالتزام بين المتعاقدين تارة يكون عملًا من الأعمال، وتارة يكون دينًا من الديون بسبب بيع أو قرض. وقد يكون العقد الواحد ذا وجهين كعقد الاستصناع، فهو من جهة المستصنع يكون التزامه دينًا (مبلغًا من النقود) ومن جهة الصانع يكون التزامه عملًا، والكلام في هذا المبحث في حكم الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال. مثاله: أن يلتزم المقاول أو المورد أو الصانع في عقود المقاولة أو التوريد أو الاستصناع أن يدفع مبلغًا معينًا عن كل يوم، أو عن كل أسبوع، أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول أو المورد أو الصانع عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه. مثال آخر: أن يشترط المؤجر للأرض الزراعية أن تسلم الأرض إليه خالية من الزراعة عند انتهاء مدة الإجارة، فإذا أخل المستأجر بهذا الشرط فإنه يلتزم بدفع مبلغ معين لصاحب الأرض. فما حكم اشتراط مثل هذا الشرط إذا تضمنه العقد. نستطيع أن نقول: إن هذا الشرط يرجع إلى مسألة متقدمة، وهو هل الأصل في الشروط المنع والبطلان، أو الأصل الصحة والجواز.

стр. 2349

ففي المسألة قولان: الأول: يرى أن الأصل في الشروط المنع والبطلان، حتى يقوم دليل على جوازه وصحته، ومثل هذا المذهب لا يجيز مثل هذا الشرط جزمًا، ومن هؤلاء ابن حزم ﵀ (١). ويستدل بأدلة كثيرة سبق ذكرها والجواب عنها فيما تقدم، من أهمها: (ح-٣٩٠) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في قصة شراء بريرة، وفي الحديث: «قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق .. » (٢). قال ابن حزم: «فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٣). وقيل: الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يقوم دليل شرعي على المنع والبطلان، وهذا يذهب إليه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٤)، ومثل هؤلاء يمكن لهم أن يذهبوا إلى جواز الشرط الجزائي. وإذا أردنا أن نعرف حكم الشرط الجزائي بالنظر إلى قواعد كل مذهب وموقفه من الشروط الجعلية.

стр. 2350

فيمكن القول بأن مذهب الحنفية والشافعية لا يقولون بصحة الشرط الجزائي؛ لأن الأصل في مذهبهم النهي عن بيع وشرط، ويروون حديثًا ضعيفًا بهذا اللفظ، وقد سبق تخريجه. فالشافعية لا يستثنون من هذا إلا الشروط التي يقتضيها العقد، مثل التسليم، والانتفاع، والشروط التي فيها مصلحة للعقد كالرهن والتأجيل والكفيل، والخيار، ويلحق به إذا باعه بشرط العتق. وما سوى ذلك من الشروط فهي باطلة عندهم. ويدخل في ذلك الشرط الجزائي، إذا اعتبرنا أن الشرط الجزائي لا يقتضيه العقد، وليس بمنزلة الرهن والضمان، والأجل. يقول الغزالي: «الثامن (نهى عن بيع وشرط) فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع، والمفهوم من تعليله أنه إذا انضم شرط إلى البيع بقيت معه علقة بعد العقد، يتصور بسببها منازعة، ويفوت بفواتها مقصود العاقد، وينعكس على أصل العقد، فيحسم الباب، ولم يكن محذور هذا النهي منفصلًا عن العقد، فيدل على فساده أو فساد الشرط لا محالة ... ثم ذكر ما يستثنى من حديث النهي عن بيع وشرط» (١). ويقول الشيرازي: «إذا شرط في المبيع شرطًا نظرت: فإن كان شرطًا يقتضيه البيع، كالتسليم، والرد بالعيب، وما أشبههما لم يبطل العقد؛ لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد، فلم يبطله. فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة: كالخيار، والأجل، والرهن، والضمين، لم يبطل العقد؛ لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في
следующие страницы →