وهذا النص موافق لقانون المعاملات المدنية السودانية لسنة ١٩٨٤ (١).
كما نص القانون المدني المصري على التعويض عن الأضرار الأدبية، وما فات الدائن من كسب (٢).
الراجح:
أرى أن ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية هو الراجح ما دام أنه لم يوجد قول في الفقه الإسلامي يمكن لنا أن نعتمده في التعويض عن الأضرار الأدبية، فإن وجد قول فقهي باعتباره فإن القول باعتباره متجه، والله أعلم.
* * *
стр. 2347
الفرع الرابع
حكم العقد إذا تضمن شرطًا جزائيًا
الشرط الجزائي بهذا المصطلح حديث النشأة، وإن وجد كلام لبعض الفقهاء المتقدمين في بعض صوره، كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى، وإذا كان الشأن كذلك فسوف يكون بحثنا فيه من خلال كلام العلماء المعاصرين، كالمجامع الفقهية، ومراكز البحوث الفقهية، والنظر إلى قواعد ومذاهب الأئمة في الشروط، وهل مثل هذا الشرط يتمشى مع قواعد تلك المذاهب في الشروط الجعلية، والقياس عليها أو لا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرط الجزائي متعدد الصور، منها ما يكون ممنوعًا باتفاق، ومنها ما يكون جائزًا عند كثير من العلماء المعاصرين، لذا سوف نبحث هذه الصور المتعددة صورة صورة.
* * *
стр. 2348
المسألة الأولى
الشرط الجزائي في مقابل التأخير عن تنفيذ الأعمال
[ن-٤٣] محل الالتزام بين المتعاقدين تارة يكون عملًا من الأعمال، وتارة يكون دينًا من الديون بسبب بيع أو قرض.
وقد يكون العقد الواحد ذا وجهين كعقد الاستصناع، فهو من جهة المستصنع يكون التزامه دينًا (مبلغًا من النقود) ومن جهة الصانع يكون التزامه عملًا، والكلام في هذا المبحث في حكم الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال.
مثاله: أن يلتزم المقاول أو المورد أو الصانع في عقود المقاولة أو التوريد أو الاستصناع أن يدفع مبلغًا معينًا عن كل يوم، أو عن كل أسبوع، أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول أو المورد أو الصانع عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه.
مثال آخر: أن يشترط المؤجر للأرض الزراعية أن تسلم الأرض إليه خالية من الزراعة عند انتهاء مدة الإجارة، فإذا أخل المستأجر بهذا الشرط فإنه يلتزم بدفع مبلغ معين لصاحب الأرض.
فما حكم اشتراط مثل هذا الشرط إذا تضمنه العقد.
نستطيع أن نقول: إن هذا الشرط يرجع إلى مسألة متقدمة، وهو هل الأصل في الشروط المنع والبطلان، أو الأصل الصحة والجواز.
стр. 2349
ففي المسألة قولان:
الأول: يرى أن الأصل في الشروط المنع والبطلان، حتى يقوم دليل على جوازه وصحته، ومثل هذا المذهب لا يجيز مثل هذا الشرط جزمًا، ومن هؤلاء ابن حزم ﵀ (١).
ويستدل بأدلة كثيرة سبق ذكرها والجواب عنها فيما تقدم، من أهمها:
(ح-٣٩٠) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في قصة شراء بريرة، وفي الحديث:
«قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق .. » (٢).
قال ابن حزم: «فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٣).
وقيل: الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يقوم دليل شرعي على المنع والبطلان، وهذا يذهب إليه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٤)، ومثل هؤلاء يمكن لهم أن يذهبوا إلى جواز الشرط الجزائي.
وإذا أردنا أن نعرف حكم الشرط الجزائي بالنظر إلى قواعد كل مذهب وموقفه من الشروط الجعلية.
стр. 2350
فيمكن القول بأن مذهب الحنفية والشافعية لا يقولون بصحة الشرط الجزائي؛ لأن الأصل في مذهبهم النهي عن بيع وشرط، ويروون حديثًا ضعيفًا بهذا اللفظ، وقد سبق تخريجه.
فالشافعية لا يستثنون من هذا إلا الشروط التي يقتضيها العقد، مثل التسليم، والانتفاع، والشروط التي فيها مصلحة للعقد كالرهن والتأجيل والكفيل، والخيار، ويلحق به إذا باعه بشرط العتق.
وما سوى ذلك من الشروط فهي باطلة عندهم. ويدخل في ذلك الشرط الجزائي، إذا اعتبرنا أن الشرط الجزائي لا يقتضيه العقد، وليس بمنزلة الرهن والضمان، والأجل.
يقول الغزالي: «الثامن (نهى عن بيع وشرط) فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع، والمفهوم من تعليله أنه إذا انضم شرط إلى البيع بقيت معه علقة بعد العقد، يتصور بسببها منازعة، ويفوت بفواتها مقصود العاقد، وينعكس على أصل العقد، فيحسم الباب، ولم يكن محذور هذا النهي منفصلًا عن العقد، فيدل على فساده أو فساد الشرط لا محالة ... ثم ذكر ما يستثنى من حديث النهي عن بيع وشرط» (١).
ويقول الشيرازي: «إذا شرط في المبيع شرطًا نظرت:
فإن كان شرطًا يقتضيه البيع، كالتسليم، والرد بالعيب، وما أشبههما لم يبطل العقد؛ لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد، فلم يبطله.
فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة: كالخيار، والأجل، والرهن، والضمين، لم يبطل العقد؛ لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في
стр. 2351
مواضعه إن شاء الله، ولأن الحاجة تدعو إليه، فلم يفسد العقد، فإن شرط عتق العبد المبيع، لم يفسد العقد؛ لأن عائشة ﵂ اشترت بريرة لتعتقها ...... فإن شرط ما سوى ذلك من الشروط التي تنافي مقتضى البيع، بأن باع عبدًا بشرط ألا يبيعه، أو لا يعتقه، أو باع دارًا بشرط أن يسكنها مدة، أو ثوبًا بشرط أن يخيطه له، أو نعلة بشرط أن يحذوها له، بطل البيع، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع وشرط ... » (١).
ولا يختلف مذهب الحنفية عن مذهب الشافعية في بطلان الشرط في البيع؛ لأنهم يذهبون مع الشافعية إلى اعتماد ما يروى عن النبي ﷺ من النهي عن بيع وشرط، إلا أن الحنفية يختلفون عن الشافعية في تقديم الشرط الذي جرى به العرف، وكان عليه عمل الناس، ويقدمونه على القياس، فإذا جرى العرف على اعتبار الشرط الجزائي في العقود، وجرى التعامل به بين الناس أمكن للمذهب الحنفي أن يتسع لقبول القول بالشرط الجزائي استحسانًا وإن كان على خلاف القياس عندهم. وهذه مرونة في المذهب يختلف فيها عن المذهب الشافعي.
فقد ذكر الكاساني أن الشرط الذي لا يقتضيه العقد، وليس بملائم له، ولكن للناس فيه تعامل، وفيه عرف ظاهر أن هذا الشرط فاسد بالقياس عندهم، ولكنهم يقولون بجوازه استحسانًا؛ لأن العرف يقضي على القياس، ويسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع (٢).
ولو أن مذهب الحنفية جعلوا عمل الصحابة يسقط القياس لكان هذا جيدًا، أما عمل الناس من غير الصحابة فليس بحجة، وقد يتعامل الناس بما يخالف نصًا شرعيًا، أيكون ذلك حجة على أحد.
стр. 2352
وأما مذهب المالكية فإن الباحث لا يستطيع أن يخرج بقاعدة من تعاملهم مع الشروط يمكنه أن يتلمس صحة هذا الشرط أو بطلانه عندهم، وهذا ما عبر عنه ابن رشد الحفيد، حيث يقول في بداية المجتهد: «وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط تبطل هي والبيع معًا. وشروط تجوز هي والبيع معًا. وشروط تبطل هي، ويثبت البيع. وقد يظن أن عنده قسمًا رابعًا: وهو أن من الشروط ما إن يمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بَيِّنة في مذهبه بين هذه الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع: وهما الربا والغرر، وإلى قلته، وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصًا في الملك، فما كان دخول هذه الأشياء كثيرًا من قبل الشرط أبطله، وأبطل الشرط، وما كان قليلًا أجازه، وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطًا أبطل الشرط، وأجاز البيع ... » (١).
ويفهم من كلام ابن رشد أن يسير الربا يجوز كما يجوز يسير الغرر، والحق أن يسير الربا محرم، ويسير الغرر جائز بالإجماع.
وأما مذهب الحنابلة فهم أوسع المذاهب في الشروط، ويمكن تخريج صحة الشرط الجزائي على قواعد المذهب، والله أعلم.
стр. 2353
هذا ما ظهر لي من خلال تقسيم الشروط في كل مذهب ما يصح منها، وما لا يصح.
وقد خالفني في هذا بعض الفضلاء، فرأى أن الشرط الجزائي مشروع وصحيح عند سائر أئمة المذاهب، يقول الشيخ الدكتور ناجي شفيق عجم، من جامعة الملك عبد العزيز:
«الشرط الجزائي شرط جائز، ومشروع حتى إنه صحيح عند المذاهب؛ لأنه شرط مقترن بالعقد جرى به العرف، وفيه مصلحة للعقد، وهو شرط ملائم للعقد، ولذلك فهو صحيح عند الحنفية لجريان العرف به، وصحيح عند الشافعية؛ لأن فيه مصلحة للعقد، وصحيح عند المالكية لأن فيه مصلحة للعقد، ولأنه شرط ملائم لم يرد بإلغائه وتحريمه أو جوازه نص خاص، فهو ملائم مرسل، وهو جائز وصحيح من باب أولى عند ا لحنابلة الذين لا يحرمون إلا الشروط التي ورد بتحريمها نص، أو التي تنافي مقتضى العقد» (١).
وإذا عرفت حكم الشرط الجزائي بالنظر إلى قواعد كل مذهب وموقفه من الشروط الجعلية، نأتي إلى خلاف المعاصرين في حكم الشرط الجزائي، فقد اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول:
ذهب إلى جواز اشتراط مثل هذا الشرط أعضاء هيئة كبار العلماء بالسعودية (٢)،
стр. 2354
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١).
وقد استدلوا بأدلة عامة وخاصة:
أما الأدلة العامة التي يستدل بها فهي كل دليل يمكن أن يستدل به على أن الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يأتي دليل يدل على المنع والبطلان، وهذه كثيرة منها:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج:٣٢].
стр. 2355
الدليل الثاني:
ما ذكره العلماء من أن الأمور قسمان: عبادات ومعاملات، فالعبادات الأصل فيها التحريم؛ لأن التعبد لا بد فيه من الإذن الشرعي على فعله، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم دينًا من قبل أنفسهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
وأما المعاملات فالأصل فيها الحل، حتى يأتي دليل شرعي يمنع من ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فالبيع مطلق يشمل كل بيع إلا ما دل الدليل الخاص على تحريمه
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فلم يشترط إلا مجرد الرضا.
فإذا كانت العقود والشروط من باب الأفعال العادية فالأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما أن الأعيان الأصل فيها عدم التحريم وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة; لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة وأيضًا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت تحريمه بعينه (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٩١) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه.
عن جده أن رسول الله ﷺ قال الصلح جائز بين المسلمين إلا
стр. 2356
صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١).
[ضعيف] (٢).
وأجيب بجوابين:
الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به.
ورد هذا الجواب:
بأنه وإن كان ضعيفًا في نفسه، فإن له طرقًا يتقوى بها، وممن رأى هذا الرأي ابن تيمية (٣).
والصحيح أنه لا حجة فيه، وتكفي الأدلة السابقة للاحتجاج على أن العقود والشروط الأصل فيها الحل إلا ما خالف الشرع أو خالف مقتضى العقد كما سبق لنا عند الكلام على الشروط الصحيحة.
وهناك أدلة أخرى ذكرناها في مبحث خاص، وهو هل الأصل في الشروط الصحة والجواز في أول مباحث كتاب الشروط، فأغنى عن إعادتها هنا.
وأما الأدلة الخاصة على صحة اشتراط الشرط الجزائي، فكثيرة منها:
الدليل الأول:
(ث-٧٨) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين،
стр. 2357
قال: اختصم إلى شريح في رجل اكترى من رجل ظهره، فقال: إن لم أخرج يوم كذا وكذا، فلك زيادة كذا وكذا، فلم يخرج يومئذ، وحبسه، فقال شريح: من شرط على نفسه شرطًا طائعًا غير مكره، أجزناه عليه (١).
[إسناده صحيح].
قال الشيخ الزرقاء ﵀: «وهذا النوع من الاشتراط المروي عن القاضي شريح في ضمان التعويض عن التعطل والانتظار ما يسمى في الفقه الأجنبي الحديث: الشرط الجزائي» (٢).
وعندي أن هذا من بيع العربون، وليس من الشرط الجزائي، وسيأتي الفرق بين بيع العربون، وبين الشرط الجزائي في الدليل الثاني ، وعلى تقدير أنه من الشرط الجزائي فهذا يساق على أن الشرط الجزائي وجد من يقول به من السلف، ولا يساق على أنه دليل على صحته، فليس كل قول مأثور، عن رجل غير معصوم، يكون قوله حجة، ويساق قوله للاحتجاج كما تساق الأدلة عن الرسول ﷺ ، أو عن صحابته رضوان الله عليهم، ولكن إن سيق للاستئناس به، فلا بأس.
الدليل الثاني:
الشرط الجزائي فيه شبه ببيع العربون، والذي أجازه الحنابلة، ورجحت جوازه في المبحث السابق.
فحقيقة بيع العربون: أن يدفع المشتري مبلغًا من المال للبائع على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع.
стр. 2358
فكل من الشرط الجزائي وبيع العربون يتضمن التزام أحد طرفي العقد عند التعاقد أن يدفع مبلغًا معينًا من المال فالشرط الجزائي في مقابل الإخلال بالشرط، والعربون في مقابل استعمال خيار العدول عن العقد، فإذا شرطا هذا في العقد، وصدر عن رضا واختيار لزمهما.
وهناك فرق بين بيع العربون، وبين الشرط الجزائي، من ذلك:
١ - العربون هو في مقابل عدول المشتري عن العقد، أما الشرط الجزائي فهو في مقابل الإخلال بالتزام المقاول أو الصانع.
٢ - الالتزام بدفع العربون عند عدول المشتري قائم ولو لم يترتب على العدول ضرر؛ لأنه مقابل العدول، أما الشرط الجزائي ففيه خلاف:
فقيل: لا يستحق إلا إذا وقع ضرر على الدائن، لأنه تقدير للتعويض عن الضرر.
وقيل: الشرط الجزائي عقوبة مالية للإخلال بالالتزام (١).
٣ - العربون لا يجوز تعديله من القاضي، والشرط الجزائي، إن قيل: إنه تعويض عن الضرر جاز تخفيضه وزيادته، وإن قيل: إنه عقوبة مالية لم يتدخل القاضي بذلك.
٤ - في بيع العربون المشتري مخير بين تنفيذ العقد وترك العربون، أما
стр. 2359
في العقد الذي فيه شرط جزائي فلا خيار للمدين، وعليه أن ينفذ التزامه الأصلي ما دام ممكنا .... » (١).
الدليل الثالث:
يعتبر الشرط الجزائي من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد، ومن مصلحة العاقد، وما كان كذلك كان اشتراطه جائزًا، والعمل به صحيحًا.
أما وجه كون الشرط من مصلحة العقد فلأنه حافز لإكمال العقد في وقته المحدد، وهذا يخدم العقد (٢).
وأما وجه كون الشرط من مصلحة العاقد، فلأنه من خلاله يتوصل العاقد إلى مصالح منها:
(أ) ضمان تنفيذ العقد في المدة المتفق عليها، وهذا ينفع كلًا من العاقدين.
(ب) تحمل الأضرار الناتجة من التهاون في تنفيذ العقد في المدة المتفق عليها.
(جـ) تجنب المتعاقدين اللجوء إلى القضاء من أجل تقدير التعويض المترتب على الأضرار الناشئة عن التأخير، وتوفير الجهد والمال في الإجراءات القضائية الطويلة والباهظة التكاليف.
(د) إعفاء الدائن من عبء إثبات الضرر الذي يصيبه عند إخلال المدين بالتزامه (٣).
стр. 2360
واشتراط ما يحقق هذه المصالح لا يمكن أن يكون منهيًا عنه.
الدليل الرابع:
الشرط الجزائي «في مقابلة الإخلال بالالتزام، حيث إن الإخلال به مظنة الضرر، وتفويت المنافع، وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى، والتلاعب بحقوق عباد الله، وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]» (١).
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين أجد أن الأخذ بالشرط الجزائي قول تؤيده الأدلة، والقواعد الفقهية، وهو وإن كان مستحدثًا في كثير من صوره، إلا أن بعض صوره قد تعرض لها الفقهاء المتقدمون.
يقول الكاساني: «لو جعل المال نجومًا، بكفيل، أو بغير كفيل، وشرط أنه إن لم يوفه كل نجم عند محله، فالمال حال عليه، فهو جائز على ما شرط؛ لأنه جعل الإخلال بنجم شرطًا لحلول كل المال عليه، وأنه صحيح» (٢).
وقال ابن القيم: «إن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله، فالحيلة أن يشترط عليه أنه إذا حل نجم، ولم يؤد قسطه فجميع المال عليه حال، فإن نجمه على هذا الشرط جاز، وتمكن من مطالبته به حالًا ومنجمًا ... » (٣).
стр. 2361
فهذه صورة من صور الشرط الجزائي، تكلم عليها سلفنا، فهي شاهد على أن الشرط الجزائي ليس عقدًا مستحدثًا من كل وجه، وهذا الشرط يمثل عقوبة غرامية، وليست تعويضًا اتفاقيًا، وسوف نأتي إن شاء الله على الصورة التي ذكرها الكاساني وابن القيم في المباحث التالية، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2362
المسألة الثانية
الشرط الجزائي في مقابل الديون
المطلب الأول
الاتفاق على دفع غرامة مالية عند تأخر المدين عن الأداء
[ن-٤٤] تكلمنا في المبحث السابق في حكم الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال.
ونريد أن نبحث في هذا الفصل عن حكم الشرط الجزائي في العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا، كما لو كان الالتزام بسبب قرض، أو بسبب بيع بثمن مؤجل أو مقسط (كبيع المرابحة للآمر بالشراء)، ومثل عقد السلم.
فهل يجوز في عقد القرض أن يشترط الدائن على المدين شرطًا جزائيًا بدفع مبلغ معين من المال في حال تأخره عن السداد.
وهل يجوز للبائع في عقد البيع بمثن مؤجل أو مقسط، أن يشترط على المشتري شرطًا جزائيًا بدفع مبلغ من المال في حال تأخر عن سداد الدين.
وهل يجوز في عقد السلم أن يشترط رب السلم على المسلم إليه شرطًا جزائيًا بدفع مبلغ من المال في حالة تأخره عن تسليم المسلم فيه في وقته.
وللجواب على ذلك نقول:
لا يجوز الشرط الجزائي في العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا،
стр. 2363
فإذا اتفق الدائن مع المدين على تعويضه مبلغًا معينًا عن كل يوم تأخير، فإن هذا الشرط لا يجوز شرعًا باتفاق الفقهاء؛ لأنه صريح الربا.
قال الحطاب: «إذا التزم المدعى عليه للمدعي أنه إذا لم يوفه حقه في كذا، فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه؛ لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وسواء كان شيئًا معينًا، أو منفعة .. » (١).
ويقول الشيخ عبد الله بن منيع: «الذي يظهر لي أن الشرط الجزائي بالنسبة لسداد الديون، هو أخذ بالمنهج الجاهلي: (أتربي أم تقضي) بل قد يكون أشد من ذلك؛ لأن المنهج الجاهلي يبدأ عند حلول أجل السداد، وهذا يقر عند التعاقد، فهو إقرار بالربا الجاهلي عند التعاقد» (٢).
وقال الشيخ مصطفى الزرقاء: «إن الاتفاق على مقدار ضرر الدائن عن تأخير الوفاء، له محذور كبير، وهو أنه قد يصبح ذريعة لربا مستور، بتواطؤ من الدائن والمدين، بأن يتفقا في القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض في ميعاده، لكن يستحق عليه الدائن تعويض تأخير متفق عليه مسبقًا يعادل سعر الفائدة، فلذلك لا يجوز في نظري» (٣).
وجاء في قرار المجمع الفقهي ما نصه: «لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير» (٤).
стр. 2364
كما جاء قرار المجمع الفقهي في البيع بالتقسيط رقم: ٥١ (٢/ ٦): «إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم» (١).
وجاء أيضًا في قرار آخر للمجمع: «لا يجوز مثلا - يعني الشرط الجزائي- في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه» (٢).
وهنا مجمع الفقه الإسلامي فرق بين الصانع والمستصنع، فأجاز الشرط الجزائي على الصانع ومنع الشرط الجزائي على المستصنع:
وجه التفريق بينهما:
أن الالتزام في حق الصانع إنما هو التزام بأداء عمل، لا يستحق مقابله إلا بعد أدائه، وأخذ الشرط الجزائي في مقابل التأخير في تنفيذ الالتزام جائز على الصحيح إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال كما بينا في المسألة السابقة، وأما الالتزام في حق المستصنع: فهو دين مالي حقيقي ثابت في ذمته، وأخذ شرط جزائي على تأخير الدين المالي يعتبر من الربا الصريح.
ومثل الاستصناع عقد المقاولة، وعقد التوريد.
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين منهم الدكتور رفيق المصري، والشيخ حسن الجواهري،
стр. 2365
والدكتور علي محيي الدين القره داغي: أن الشرط الجزائي جائز في عقد الاستصناع والمقاولة والتوريد في حالة عدم التنفيذ، ولا يجوز في حالة التأخر عن التنفيذ.
يقول الدكتور رفيق المصري: «الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون، وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز؛ لأنه يكون في حكم ربا النسيئة.
وحجتهم: أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فأخذ غرامة على التأخير فيه شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (١).
ويقول الشيخ حسن الجواهري عن عقد الاستصناع:
«المشْتَرَى دين في ذمة البائع، فإن تأخر البائع عن التسليم، وألزمناه بالشرط الجزائي فمعنى ذلك تأخر قضاء الدين في مقابل المال، هو الربا المحرم، ولذا أرى أن يقيد مثلًا صحة الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بهذه الجملة: (إذا لم يف المستصْنَع بالعقد أصلًا) ولا تترك على إطلاقها ... » (٢).
ويتساءل الدكتور رفيق المصري: لماذا يجوز الشرط الجزائي في عقد التوريد، ولا يرى جوازه عند التأخر في السلم، فأي فرق هاهنا بين التوريد والسلم؟ (٣).
ويجيب الدكتور الصديق الضرر على هذا القول:
فيقول: «استدلال الدكتور رفيق هو أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين).
стр. 2366
أقول: - القائل الصديق الضرير - كون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضربًا من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساويًا للدين فغير مسلم؛ لأن الالتزام أعم من الدين، فكل دين التزام، وليس كل التزام دينًا، والالتزام في عقد المقاولة ليس دينًا، وإنما هو التزام بأداء عمل، والمقاول قد يكون دائنًا لا مدينًا في كثير من الحالات، فالبنوك العقارية تقوم ببناء المساكن مقاولة، وتتقاضى المقابل على أقساط بعد تسليم المبنى، وكذلك يفعل كبار المقاولين، والفرق كبير جدًا بين التزام المقاول والمورد، والتزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل، والمسلم إليه، فالتزام هؤلاء الثلاثة دين حقيقي ثبت في ذممهم، وأخذوا مقابله، أما التزام المقاول والمورد فهو التزام بأداء عمل، لا يستحق مقابله إلا بعد أدائه، والله أعلم (١).
الراجح بين القولين:
الذي أميل إليه القول بجواز الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال، وإن كنت لا أتفق مع فضيلة الشيخ الصديق الضرير بأن التزام العمل ليس دينًا، بل هو دين؛ لأن محله ذمة الأجير أو المقاول أو المورد، وسماها الفقهاء الإجارة في الذمة، لكن هناك فرق بين أن يكون الدين عملًا، وبين أن يكون الدين غير ذلك، ولذلك أجاز الحنابلة والحنفية في الإجارة في الذمة من تأخير العوضين، ومنعوا ذلك في البيوع إذا كان كل من المبيع والثمن دينًا في الذمة، مما يدل على أن هناك فرقًا بين الالتزامين لذلك أرى أنه لا مانع من أخذ الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال، وإن كان هذا العمل يصح أن يقال: هو دين في ذمة الأجير والمقاول والمورد، والله أعلم.
* * *
стр. 2367
المطلب الثاني
في أخذ الغرامة المالية من المماطل عن السداد
[م-٤٣٨] إذا امتنع المدين عن وفاء الدين في الوقت المحدد، فإن كان معسرًا فإن الموقف الشرعي أن ينتظر به إلى ميسرة.
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
قال ابن رجب: «من عليه دين لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر إلى حال يساره، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وعلى هذا جمهور العلماء خلافًا لشريح، في قوله: إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية، والجمهور أخذوا باللفظ العام ... » (١).
وإن كان موسرًا فإنه لا يجوز له أن يماطل، ويجب عليه سداد دينه في وقته، فإذا ماطل وتأخر عن السداد، ولحق الدائن ضرر مالي بسبب هذا الامتناع فهل يجب على المدين أن يدفع تعويضًا ماليًا في مقابل ما فات الدائن من منافع أو لحقه من ضرر؟
هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء المعاصرون، وأما الفقهاء المتقدمون فلا أعلم أن أحدًا منهم أجاز تغريم المتأخر غرامة مالية تعويضًا للدائن، أو عقابًا للمدين. وما وجد من ذلك لبعضهم إنما هو في حق الغاصب، ومعلوم أن الغاصب يعامل معاملة الأشد لعدوانه على خلاف بينهم فيما إذا كانت الأعيان
стр. 2368
المغصوبة دراهم أو عروض كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. أما المدين فلم أقف على كلام للفقهاء المتقدمين يقول بوجوب دفع التعويض إذا تأخر عن السداد، ويبقى القائل بوجوب دفع التعويض مطالبًا بأن يثبت هذا القول عن السلف.
وأما اجتهاد الفقهاء المعاصرين فجاء على النحو التالي (١):
فقيل: للدائن أن يطالب المدين إذا كان موسرًا بالتعويض المالي عما لحقه من ضرر أو فاته من منافع نتيجة مماطلته.
وهذا قول الشيخ مصطفى الزرقاء (٢)، والشيخ عبد الله بن منيع (٣)، والدكتور الصديق الضرير (٤).
على خلاف: هل يجوز أن يكون هذا التعويض موضع اتفاق مسبق بين الدائن والمدين، أو يجب أن يرجع فيه إلى القضاء عند وقوع المماطلة.
стр. 2369
وهل يقدر التعويض وفق ربح الدائن، أو يقدر وفق ربح المثل. (١).
وقيل: لا يجوز أخذ هذا التعويض مطلقًا، وهذا قول الدكتور نزيه حماد (٢)، والشيخ عبد الله بن بيه (٣)، والدكتور زكي الدين عثمان (٤)، وجماعة من أهل العلم.
وقيل: أخذ مال من المماطل زائدًا على قدر الدين، هو من باب العقوبة، يرجع فيها إلى القضاء، وتصرف في بيت مال المسلمين إن وجد أو في المصالح العامة. وهذا يتوجه له بعض الباحثين، منهم القاضي محمد تقي العثماني (٥).
وقيل: في التفريق بين التعويض عن الضرر الفعلي الواقع، وبين التعويض عما فات الدائن من كسب، فيجوز الأول دون الثاني.
стр. 2370
ويحملون كلام ابن تيمية الوارد في تغريم المماطل نفقات وتكاليف الشكاية المألوفة عرفًا والناتجة عن رفع الدعوى إلى المحاكم ليصل الدائن إلى حقه ويدفع الضرر عن نفسه على جواز التعويض عن الضرر المالي الفعلي، وليس عن التعويض على الفرص والمكاسب الفائتة (١).
يقول ابن تيمية: «إذا كان الذي عليه الحق قادرًا على الوفاء، ومطله حتى أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المماطل، إذا غرمه على الوجه المعتاد» (٢).
ويناقش:
وللمتأمل أن يقول: إن تغريم نفقات الشكاية ليس تعويضًا عن الضرر المالي لحبس ما في الذمة، وإنما لأن المماطل تسبب للدائن في نفقات مالية إضافية بسبب مطله، فتضاف إلى المال المحبوس، فوجب على المدين تحملها لكونه المتسبب له في ذلك. وليس في ذلك دفع أي تعويض عن منافع المال المحبوس، والذي هو محل النزاع، ولذلك لو تأخر في دفع نفقات الشكاية لا يقال: يدفع تعويضًا ماليًا لتأخره.
стр. 2371
دليل القائلين بجواز العقوبة المالية:
الدليل الأول:
(ح-٣٩٢) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع (١).
فإذا كان مطله ظلمًا، وقد منعك ما هو من حقك، كانت يده على المال يد غصب، وإذا كانت الأعيان المغصوبة مضمونة على الغاصب سواء استوفى الغاصب تلك المنفعة أو عطلها كما هو رأي الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، خلافًا للحنفية (٤)، لأن المنافع لما كانت متقومة كانت مضمونة بالغصب، فالمطل في أداء الديون يشبه الغصب، فيجب أن يأخذ حكمه؛ لأنه ظلم من جهة، ولأن غصب ما في الذمة إنما يكون بحجبه عن صاحبه، لأن الديون ليست أعيانًا حتى يتأتى فيها الغصب المادي، فحجبها عن صاحبها هو كالغصب في حق الأعيان (٥).
وهو مقتضى ما ذهب إليه بعض المحققين من أهل العلم من القول بضمان نقص سعر العملة الورقية، وإن كانت المسألة فيها خلاف قوي:
стр. 2372
قال شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀:
«قال الأصحاب: وما نقص بسعر لم يضمن. أقول: وفي هذا نظر، فإن الصحيح أنه يضمن نقص السعر، وكيف يغصب شيئًا يساوي ألفًا، وكان مالكه يستطيع بيعه بالألف، ثم نقص السعر نقصًا فاحشًا فصار يساوي خمسمائة أنه لا يضمن النقص، فيرده كما هو» (١).
وناقش المانعون هذا الدليل من وجوه:
الأول: أن اعتبار المماطل ظالمًا فهذا مما لا شك فيه، والنص فيه صريح وواضح، ولكن أين الدليل على أن هذا النوع من الظلم يوجب تعويضًا ماليًا للمظلوم.
الثاني: أن القائلين بضمان منافع العين المغصوبة وهم الشافعية والحنابلة يشترطون أن تكون العين مما يصح أخذ العوض عنها، وذلك بأن يكون المغصوب من الأعيان التي يرد عليها عقد الإجارة.
والنقود لا تؤجر بالإجماع (٢)، فلا يجوز أخذ العوض عليها.
يقول النووي: «فكل عين لها منفعة تستأجر لها يضمن منفعتها إذا بقيت في يده مدة لها أجرة، حتى لو غصب كتابًا، وأمسكه مدة وطالعه، أو مسكًا فشمه أو لم يشمه لزمه أجرته» (٣).
стр. 2373
وقال في الإنصاف: «وإن كان للمغصوب أجرة، فعلى الغاصب أجرة مثله، مدة مقامه في يده» (١).
وقال في كشاف القناع: «وإن كان للمغصوب منفعة تصح إجارتها، يعني: إن كان المغصوب مما يؤجر عادة، فعلى الغاصب أجرة مثله، مدة مقامه في يده» (٢).
الثالث: قياس المدين على الغاصب قياس مع الفارق، فالغاصب يعامل معاملة الأشد، ولذلك الفقهاء الذين قالوا بأخذ التعويض من الغاصب لم يقولوا ذلك بأخذ التعويض من المدين.
رابعًا: على فرض أن يكون قياس المدين على الغاصب قياسًا صحيحًا، فإن العلماء المتقدمين لم يتفقوا على تغريم الغاصب نماء المال المغصوب، بل أكثرهم على القول بأنه ليس للغاصب إلا ما أخذ منه، فيرد إليه عين ماله إن كان موجودًا، أو مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان قيميًا، وإذا اختلف العلماء في الأصل (المقيس عليه) لم يكن في المقيس (الفرع) حجة للقائلين بوجوب التغريم، كما أنهم يفرقون بين نماء الأعيان بنفسها كالنسل واللبن والصوف، ونماء الدراهم والدنانير التي تتوقف على عمل الغاصب وكسبه.
جاء في الفواكه الدواني: «الثمرة والنسل والصوف واللبن، ومنفعة العقار لرب الشيء المغصوب، وأما ربح الدراهم ونماء البذر فهو للغاصب، وإنما يرد رأس المال» (٣).
стр. 2374
وفي غصب منفعة الأعيان هناك من لا يوجب ضمان المنفعة مطلقًا كالحنفية، وقد تقدم ذكر مذهبهم عند الكلام على مالية المنافع.
وهناك من يفرق بين أن يحبس الغاصب الرقبة دون استغلال، وبين أن يستغل الرقبة بالسكنى أو بالكراء، فلا يوجب ضمان المنفعة إلا إذا استغلت الرقبة بالسكنى، وهذا مذهب المالكية (١).
وهناك من يوجب ضمان المنفعة مطلقًا كالشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وإليك الخلاف في تغريم الغاصب:
فقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الغاصب إن حبس المال، ولم يتجر فيه، أو اتجر فيه فخسر فليس للمالك إلا رأس ماله (٤).
قال الخرشي عن ضمان غلة الغاصب: «لو لم يستعمل فلا يضمن شيئًا، كالدار يغلقها، والدابة يحبسها، والأرض يبورها، والعبد لا يستخدمه» (٥).
وقال ابن عبد البر في الكافي: «وتحصيل مذهبه أن من غصب سكنى دار، فسكنها لزمه كراؤها، ولو غصب رقبتها لم يلزمه كراؤها إذا لم يسكنها، ولم يأخذ لها كراء» (٦). وهذا الكلام في غير الدراهم والدنانير.
стр. 2375
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «لا يضمن الغاصب ما فوته على المالك من الربح بحبسه مال التجارة» (١).
وقيل: للمغصوب منه قدر ما كان يربح فيها لو كان المال في يده. وهذا قول مرجوح في مذهب المالكية (٢).
وبناء على هذا القول فإنه يشترط في ضمان الربح المقدر شرطان: أن يكون رب المال تاجرًا يتجر فيها.
الثاني: أن يعلم أن التجارة في تلك المدة كانت مربحة، فلو علم أن التجارة في تلك المدة غير مربحة لم يضمن (٣).
وأما إذا اتجر الغاصب في المغصوب، وكان المغصوب دراهم ودنانير وربح فيها فعلًا، فلا يخلو الأمر من حالين:
الحال الأولى:
أن يشترى الغاصب بعين المال المغصوب، فهنا اختلف العلماء في صحة العقدعلى قولين:
القول الأول:
تصرفه باطل، وهذا مذهب الشافعية (٤)، ورواية في مذهب الحنابلة.
стр. 2376
قال ابن قدامة: «وتصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي على ما ذكرنا من الروايتين: إحداهما: بطلانها. والثانية صحتها، ووقوفها على إجازة المالك ... » (١).
وجه القول بالبطلان:
أن من شرط صحة البيع أن يكون المعقود عليه مملوكًا للعاقد، أو مأذونًا له فيه، والعاقد ليس له ولاية في عين المعقود عليه.
القول الثاني:
العقد صحيح؛ لأن الغاصب لما تصرف في المغصوب صار مضمونًا عليه بمثله أو قيمته فيكون ملكه عليه صحيحًا، وتصرفه فيه نافذًا، ولأن الدراهم لا تتعين بالتعيين وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية، والحنابلة (٣)،
على خلاف بينهم فيمن يستحق الربح.
стр. 2377
فقيل: يتصدق بالربح إذا اشترى بعين المغصوب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
جاء في فتاوى السغدي: «لو غصب دراهم ودنانير، أو غير ذلك من الكيلي والوزني، فاتجر فيه، فإنه يتصدق بالربح في الأفضل، وليس بالواجب» (٣).
وقيل: الربح للغاصب وهذا مذهب المالكية (٤)، واختيار أبي يوسف من الحنفية (٥).
وقيل: الربح للمالك، وهذا ظاهر مذهب الإمام مالك (٦).
جاء في المدونة: «من غصب دنانير من رجل، فاشترى بها سلعة لم يكن للمغصوب منه إلا مثل دنانيره» (٧).
وهذا يعني تصحيح تصرف الغاصب، وأن الربح للغاصب، والخسارة عليه.
وجاء في المنتقى للباجي: «إن كانت - أي العين المغصوبة - عينًا فمذهب
стр. 2378
مالك أن ما ابتاع به له، وأن الربح في ذلك له، والخسارة عليه، وهذا عندي مبني على أن الدنانير والدراهم لا تتعين بالغصب» (١).
الحال الثانية:
أن يشتري بذمته، وينقد الثمن من المال المغصوب، فهنا الشراء صحيح؛ لثبوته في ذمته، واختلفوا فيمن يستحق الربح.
فقيل: ليس للمغصوب إلا رأس ماله مطلقًا، سواء ربح فيها الغاصب أو لم يربح.
وهذا مذهب الحنفية (٢)، وقول الإمام مالك وابن القاسم (٣)، وحكى ابن رشد الجد الاتفاق عليه (٤)، وهو القول الجديد للشافعي (٥)، واختاره بعض الحنابلة (٦).
стр. 2379
وقيل: الربح للمالك، وهو قول الشافعي في القديم (١)، وظاهر مذهب أحمد ﵀ (٢).
وقيل: إن اتجر فيها، وهو موسر، كان الربح له، وإن كان معسرًا فالربح لصاحبها، وهو قول ابن مسلمة من المالكية (٣).
وقيل: الغاصب والمالك شريكان في الربح، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم (٤).
وجه ذلك:
أن الربح لم يحصل بالمال فقط، ولا بعمل الغاصب فقط، وإنما النماء حصل من مال المغصوب منه، ومن عمل الغاصب، فلا يختص أحدهما
стр. 2380
بالربح، ولا تجب عليهما الصدقة بالنماء؛ لأن الحق لهما، لا يعدوهما، بل يجعل الربح بينهما كما لو كانا مشتركين شركة مضاربة.
هذه هي الأقوال في المسألة وإذا عرفت الخلاف عرفت أن كلام أهل العلم في الغاصب وعامتهم في الكلام على الربح الفعلي وليس المقدر، والجمهور منهم على أن الربح للغاصب وليس للمغصوب منه، فبان لك ضعف ما احتج به بعض العلماء المعاصرين من قياس المدين على الغاصب، ومهما قيل يبقى أن كل هذا الكلام من العلماء المتقدمين إنما هو في الغاصب أما المدين فلم أقف على كلام للعلماء المتقدمين يقول بوجوب دفع التعويض إذا تأخر عن السداد، ويبقى القائل بوجوب التعويض عن تأخر المدين مطالبًا بأن يثبت هذا القول عن السلف، لأن المسألة ليست من النوازل التي يتطلب لها اجتهاد حادث، فإذا لم يثبت ذلك كان عليه أن يقر بأن القول بالتعويض قول حادث لا دليل عليه.
الدليل الثاني:
(ح-٣٩٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا وبر بن أبي دليلة، شيخ من أهل الطائف، عن محمد بن ميمون بن مسيكة - وأثنى عليه خيرًا، عن عمرو ابن الشريد.
عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته.
قال وكيع: عرضه: شكايته، وعقوبته: حبسه (١).
[أرجو أن يكون الحديث حسنًا] (٢).
стр. 2381
وجه الاستدلال:
اللي: هو التأخر، والواجد: هو الغني، فيكون المعنى: تأخر الغني يحل عرضه وعقوبته.
стр. 2382
والعقوبة مطلقة، فتشمل العقوبة المالية وغيرها، ومن قصرها على الحبس فقد قيد ما أطلقه الشارع.
ومن عقوبته المالية: التقدم للقضاء بطلب التعويض عن الضرر الذي سببته المماطلة في أدائه الحق، وضمان المنفعة الفائتة والتي يغلب على الظن حصولها للدائن في حال لو استلم حقه في وقته.
وتعقب هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول:
بأن أخذ ما فات الدائن من ربح ماله بسبب المماطلة إن كان حقًا له، فلا يصح الحديث دليلًا على جواز أخذه؛ لأن الحديث يتحدث عن عقوبة، (يحل عرضه وعقوبته) وأخذ الحق لا يسمى عقوبة، فلا يستدل بمشروعية عقوبته على جواز أخذ ما يدعى أنه من حقه.
الوجه الثاني:
أن الحديث فيه: (يحل عرضه وعقوبته) ولم يقل: يحل ماله.
الوجه الثالث:
لا يوجد في الفقهاء والمحدثين من فسر العقوبة هنا بعقوبة مالية على اختلاف بينهم في جواز التعزير بالمال.
قال الجصاص: «المراد بالعقوبة هنا: الحبس؛ لأن أحدًا لا يوجب غيره» (١).
стр. 2383
وقال أيضًا: «جعل مطل الغني ظلمًا، والظالم لا محالة مستحق العقوبة، وهي الحبس، لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره» (١).
الوجه الرابع:
«أن المدين المماطل لا يتجاوز من أن يكون غاصبًا أو سارقًا، فغاية ما يتصور في حقه أن تجري عليه أحكام السرقة والغصب، ولم تفرض الشريعة الإسلامية أي تعويض على السارق أو الغاصب من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلًا من السارق والغاصب قد أحدث ضررًا على المالك، لا في حرمانه من أصل ماله فقط، بل فوات الربح المتوقع منه أيضًا، ولكن الشريعة الإسلامية قد أمرت بإزالة هذا الضرر برد المال المسروق إلى المالك فقط، وبعقوبة الجاني في جسده أو عرضه، فتبين أن فوات الربح المتوقع ليس ضررًا معوضًا عليه في الشرع» (٢).
الدليل الثالث:
استدل القائلون بجواز أخذ التعويض في مقابل التأخير:
(ح-٣٩٤) بما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٣).
стр. 2384
[حسن بشواهده] (١).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على وجوب رفع الضرر وإزالته، ولا يمكن إزالة الضرر عن الدائن إلا بتعويضه تعويضًا ماليًا عما لحقه من الضرر، وأما حبس المدين فلا يرفع الضرر الذي وقع على الدائن، وإنما الذي يرفع الضرر هو التعويض المالي وحده، كما أن من أتلف مالًا معصومًا لا يكون التعويض بإتلاف مال المعتدي، وإنما بتقدير المال المتلف، ودفع مثله إن كان مثليًا أو قيمته.
والجواب على هذا الدليل من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
هذا الدليل عليكم، وليس لكم، فالمعتدي لم يكلف دفع الأرباح المتوقعة من المال الذي اعتدى عليها، وإنما كلف دفع مثل المال الذي أتلف أو قيمته فقط.
الوجه الثاني:
أن يقال: ليس كل ضرر يوجب الضمان، فالذي يوجب الضمان: هو الضرر المادي الذي أصاب المضرور، وذلك بتلف بعض ماله، وأما ما يصيب الإنسان من ضرر أدبي كالذي يصيب الإنسان في شرفه وعرضه، أو الضرر الذي يصيبه من امتناع المدين عن الوفاء بالدين فلا يوجب تعويضًا ماليًا.
الوجه الثالث:
تضرر الدائن بالمطل نتيجة تفويت الاتجار به أمر ليس مؤكد الحصول، فقد يربح الدائن في ماله لو استلمه في تلك المدة، وقد لا يربح فيه، وقد يخسر،
стр. 2385
كما هو الشأن في كل أمور التجارة، ومبدأ الضمان في الشريعة قائم على أساس المماثلة بين الفائت وعوضه، ولا مماثلة بين المنفعة المحتملة، وبين مقدار التعويض المتحقق، فلا يزال هذا الضرر المحتمل بضرر متحقق يلحق المماطل، فإن من شرط إزالة الضرر ألا يزال الضرر بمثله، ولا بما هو أشد منه (١).
وأما القول بأن عقوبة المماطل بالحبس لا تفيد المدين شيئًا، فيقال في الجواب على ذلك: بأن العقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، بل وظيفتها تكاد تنحصر في الزجر، فقطع السارق لا يزيل الضرر عن المسروق، وقتل القاتل لا يزيل الضرر عن المقتول، وهكذا، فإذا عرف من يريد ارتكاب الجريمة أنه سيعاقب على ارتكابها فإنه يكف عن المخالفة، فيقع الردع العام الذي قصده الشارع من نظام العقوبات الشرعية (٢).
الدليل الرابع:
لا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه، بل العكس يوجد ما يؤيده في الشريعة وقواعدها العامة.
أما اتفاق هذا الشرط مع مقاصد الشريعة، فإن من مقاصد الشريعة وأسسها في تقرير الأحكام عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين من يؤدي الحقوق إلى أصحابها في مواقيتها ومن يجحدها، أما العقاب الأخروي للمماطل فهو لا يفيد الدائن شيئًا في الدنيا،