وجه الاستدلال:
اللي: هو التأخر، والواجد: هو الغني، فيكون المعنى: تأخر الغني يحل عرضه وعقوبته.
стр. 2382
والعقوبة مطلقة، فتشمل العقوبة المالية وغيرها، ومن قصرها على الحبس فقد قيد ما أطلقه الشارع.
ومن عقوبته المالية: التقدم للقضاء بطلب التعويض عن الضرر الذي سببته المماطلة في أدائه الحق، وضمان المنفعة الفائتة والتي يغلب على الظن حصولها للدائن في حال لو استلم حقه في وقته.
وتعقب هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول:
بأن أخذ ما فات الدائن من ربح ماله بسبب المماطلة إن كان حقًا له، فلا يصح الحديث دليلًا على جواز أخذه؛ لأن الحديث يتحدث عن عقوبة، (يحل عرضه وعقوبته) وأخذ الحق لا يسمى عقوبة، فلا يستدل بمشروعية عقوبته على جواز أخذ ما يدعى أنه من حقه.
الوجه الثاني:
أن الحديث فيه: (يحل عرضه وعقوبته) ولم يقل: يحل ماله.
الوجه الثالث:
لا يوجد في الفقهاء والمحدثين من فسر العقوبة هنا بعقوبة مالية على اختلاف بينهم في جواز التعزير بالمال.
قال الجصاص: «المراد بالعقوبة هنا: الحبس؛ لأن أحدًا لا يوجب غيره» (١).
стр. 2383
وقال أيضًا: «جعل مطل الغني ظلمًا، والظالم لا محالة مستحق العقوبة، وهي الحبس، لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره» (١).
الوجه الرابع:
«أن المدين المماطل لا يتجاوز من أن يكون غاصبًا أو سارقًا، فغاية ما يتصور في حقه أن تجري عليه أحكام السرقة والغصب، ولم تفرض الشريعة الإسلامية أي تعويض على السارق أو الغاصب من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلًا من السارق والغاصب قد أحدث ضررًا على المالك، لا في حرمانه من أصل ماله فقط، بل فوات الربح المتوقع منه أيضًا، ولكن الشريعة الإسلامية قد أمرت بإزالة هذا الضرر برد المال المسروق إلى المالك فقط، وبعقوبة الجاني في جسده أو عرضه، فتبين أن فوات الربح المتوقع ليس ضررًا معوضًا عليه في الشرع» (٢).
الدليل الثالث:
استدل القائلون بجواز أخذ التعويض في مقابل التأخير:
(ح-٣٩٤) بما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه (٣).
стр. 2384
[حسن بشواهده] (١).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على وجوب رفع الضرر وإزالته، ولا يمكن إزالة الضرر عن الدائن إلا بتعويضه تعويضًا ماليًا عما لحقه من الضرر، وأما حبس المدين فلا يرفع الضرر الذي وقع على الدائن، وإنما الذي يرفع الضرر هو التعويض المالي وحده، كما أن من أتلف مالًا معصومًا لا يكون التعويض بإتلاف مال المعتدي، وإنما بتقدير المال المتلف، ودفع مثله إن كان مثليًا أو قيمته.
والجواب على هذا الدليل من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
هذا الدليل عليكم، وليس لكم، فالمعتدي لم يكلف دفع الأرباح المتوقعة من المال الذي اعتدى عليها، وإنما كلف دفع مثل المال الذي أتلف أو قيمته فقط.
الوجه الثاني:
أن يقال: ليس كل ضرر يوجب الضمان، فالذي يوجب الضمان: هو الضرر المادي الذي أصاب المضرور، وذلك بتلف بعض ماله، وأما ما يصيب الإنسان من ضرر أدبي كالذي يصيب الإنسان في شرفه وعرضه، أو الضرر الذي يصيبه من امتناع المدين عن الوفاء بالدين فلا يوجب تعويضًا ماليًا.
الوجه الثالث:
تضرر الدائن بالمطل نتيجة تفويت الاتجار به أمر ليس مؤكد الحصول، فقد يربح الدائن في ماله لو استلمه في تلك المدة، وقد لا يربح فيه، وقد يخسر،
стр. 2385
كما هو الشأن في كل أمور التجارة، ومبدأ الضمان في الشريعة قائم على أساس المماثلة بين الفائت وعوضه، ولا مماثلة بين المنفعة المحتملة، وبين مقدار التعويض المتحقق، فلا يزال هذا الضرر المحتمل بضرر متحقق يلحق المماطل، فإن من شرط إزالة الضرر ألا يزال الضرر بمثله، ولا بما هو أشد منه (١).
وأما القول بأن عقوبة المماطل بالحبس لا تفيد المدين شيئًا، فيقال في الجواب على ذلك: بأن العقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، بل وظيفتها تكاد تنحصر في الزجر، فقطع السارق لا يزيل الضرر عن المسروق، وقتل القاتل لا يزيل الضرر عن المقتول، وهكذا، فإذا عرف من يريد ارتكاب الجريمة أنه سيعاقب على ارتكابها فإنه يكف عن المخالفة، فيقع الردع العام الذي قصده الشارع من نظام العقوبات الشرعية (٢).
الدليل الرابع:
لا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه، بل العكس يوجد ما يؤيده في الشريعة وقواعدها العامة.
أما اتفاق هذا الشرط مع مقاصد الشريعة، فإن من مقاصد الشريعة وأسسها في تقرير الأحكام عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين من يؤدي الحقوق إلى أصحابها في مواقيتها ومن يجحدها، أما العقاب الأخروي للمماطل فهو لا يفيد الدائن شيئًا في الدنيا،
стр. 2386
فإذا تساويا في الأمر الدنيوي فإن هذا تشجيع لكل مدين على المطل وتأخير الحقوق.
وأما كونه هذا الشرط يوجد ما يؤيده في الشريعة: فإن الأصل في الشروط الصحة والجواز إلا شرطًا خالف نصًا شرعيًا، أو خالف مقتضى العقد، فإذا لم يخالف نصًا، ولم يخالف مقتضى العقد، فالمسلمون عند شروطهم، خاصة أن استحقاق هذا التعويض مشروط على المدين بأن لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئًا مماطلًا يستحق الوصف بأنه ظالم غاصب.
والجواب على هذا من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن القول بتحريم التعويض المالي يلزم منه المساواة بين الأمين الطائع وبين الخائن العاصي، وذلك لأن النبي ﷺ اعتبر المطل ظلمًا، والظلم ظلمات يوم القيامة، يحسب لها المسلم ألف حساب، ويشعر معها المسلم بعظم الذنب الذي اقترفه، وهذا الشعور له أكبر الأثر في رفع الضرر والظلم.
الوجه الثاني:
أن الشرع جاء بإباحة عرض المماطل، وعقوبته العقوبة التي تزجره، وتردع غيره عن المطل والتعدي على حقوق الناس إما بالحبس والضرب، أو بما يراه الحاكم زاجرًا له عن المطل، ثم إذا لم يجد كل ذلك باع القاضي ماله لوفاء دينه.
الوجه الثالث:
أن القول بأن الأصل في الشروط الصحة والجواز ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، واشتراط التعويض المالي على
стр. 2387
المدين عند التأخير يتعارض تعارضًا واضحًا مع الشريعة الإسلامية؛ لأنه ربا صريح، كما سيأتي بيانه عند الكلام على أدلة القائلين بالمنع.
دليل من قال: لا يجوز أخذ التعويض المالي:
الدليل الأول:
المدين: إما أن يكون موسرًا أو معسرًا، فالمعسر يمهل بنص القرآن: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠].
وإن كان موسرًا فإنه يعاقب بكل شيء يؤدي إلى أن يؤدي ما عليه من الحقوق من الحبس والضرب، وبيع أموال المماطل لتسديد دينه إلا أنه لا يعاقب في أخذ زيادة مالية عليه، فإن هذا هو ربا الجاهلية الصريح القائلين: إما أن تقضي وإما أن تربي. لماذا تربي لتسد الضرر: أي للتعويض عن التأخير:
فالبنك الذي يأخذ مالًا في مقابل التأخير كالمرابي الذي يأخذ زيادة على دينه مقابل التأخير، فكأن البنوك الإسلامية تقول: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨].
ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين التعويض وبين الفائدة الربوية، من ذلك:
الأول: أن الفائدة الربوية تلزم المدين مطلقًا، سواء كان معسرًا أم موسرًا، أما التعويض فلا يلزم إلا في حال كان موسرًا غير معذور.
ورد هذا:
بأن قضية الإعسار والإيسار من الأمور التي يصعب على البنوك التثبت فيها في كل قضية منفردة، فإن كل مدين يعتبر نفسه معسرًا، والواقع العملي الذي
стр. 2388
تسير عليه المصارف الإسلامية التي تقر بمبدأ التعويض تصرح في اتفاقياتها بأن المدين يعتبر موسرًا إلا في الحالة التي قضي عليه فيها بالإفلاس قانونًا، ومن المعلوم أن الإفلاس حالة نادرة، ومن المتيقن أن هناك كثيرًا من الذين لم يحكم عليهم بالإفلاس، ومع ذلك يعتبرون معسرين حقيقة.
الثاني: أن التعويض لا يلزم إلا إذا كان مماطلًا، وليس بمجرد التأخير وحده، بينما الفائدة الربوية تلزم بمجرد التأخير حتى ولو كان التأخير لمدة يوم واحد، ولو لم يكن بسبب المماطلة.
أو بعبارة أخرى: الربا اتفاق بين الدائن والمدين على الزيادة لقاء التأجيل، فهي زيادة على سبيل التراضي، فلا يسمى المؤخر للسداد في هذه الحالة مماطلًا ولا متعديًا ولا ظالمًا للدائن، وأما التعويض المالي الواجب على المماطل فهو في مقابل تفويت المكاسب والمنافع على صاحب المال مدة مطل المدين الذي هو من قبيل الظلم والتعدي.
ورد هذا:
بأن المصارف الإسلامية التي تأخذ بمبدأ التعويض تعتبر المدين مماطلًا إذا قامت بإخطاره أربع مرات خلال شهر واحد، فإذا لم يمتثل اعتبرته مماطلًا، وعليه فالفرق بين هذه البنوك وبين البنوك الربوية هو في شهر واحد، وليس هذا فارقًا مؤثرًا يمكن أن يعتد به.
وإذا كنا نعتبر الربا ظلمًا، وهو قد أخذ التعويض (الزيادة) عن طريق الاتفاق والرضا، فأخذ التعويض المالي دون اتفاق ولا رضا يعتبر ظلمًا من باب أولى فأولى، ثم لا يمكن لنا أن نعتبر المماطل ظالمًا ومتعديًا إذا كان الأمر سيؤول إلى تعويض الدائن على ما فاته، وإنما يكون ظلمًا إذا كان المنع لا يمكن تعويضه.
стр. 2389
الثالث: أن الفائدة الربوية تلزم المدين في كل حال، وأما التعويض فإنه متوقف على حصول الأرباح في مدة المماطلة، فإن لم تتحقق هناك أرباح فإن المدين لا يطالب بأي تعويض.
ورد هذا:
بأن التعويض كونه متوقفًا على حصول الأرباح في مدة المماطلة، فإن هذا الفرق صحيح نظريًا، وأما من الناحية العملية فإننا نرى أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، وإن تحقق الربح ونسبته في هذه العمليات معروفة لدى المصرف، ولدى عملائه، فأصبحت نسبة التعويض معروفة لدى الفريقين عمليًا، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
الرابع: أن الفائدة الربوية نسبتها معلومة للجانبين منذ أول يوم من الدخول في اتفاقية الدين، وأما التعويض فلا يمكن معرفة نسبته عند ا لدخول في اتفاقية المرابحة أو الإجارة، وإنما تتعين هذه النسبة على أساس نسبة الأرباح الفعلية التي سوف تتحقق خلال مدة المماطلة، ولا بد فيها من الرجوع إلى القضاء للوقوف على ثبوت هذه الأرباح وثبوت مقدارها الفعلي.
ورد هذا:
التفريق بين كون الربا متفقًا على مقدار الزيادة، والتعويض غير متفق على مقدار الزيادة لا يصح أن يكون فرقًا مؤثرًا؛ لأن الفرق حينئذ إنما هو في طريقة تقدير الزيادة، لا في منع الزيادة، فلا يكون الأمر مؤثرًا من الناحية الشرعية.
ثم إن معظم المصارف الإسلامية تحسب أرباحها بعد كل أربعة أشهر، أو بعد كل ستة أشهر، فلا تكون الأرباح معلومة بالضبط إلا عند نهاية كل فترة، فلو
стр. 2390
كانت مدة المماطلة في أثناء هذه الفترة كيف تعرف الأرباح الحاصلة في هذه الفترة بالضبط (١).
الدليل الثاني:
«مشكلة المماطلة ليست مشكلة جديدة قد حدثت اليوم، وإنما هي مشكلة لم يزل التجار يواجهونها في كل عصر ومصر، وكانت المشكلة موجودة في عهد النبي الكريم ﷺ وفي عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن لا يوجد في شيء من الأحاديث أو الآثار ما يدل على أن هذه المشكلة قد التمس حلها بفرض التعويض على المماطل» (٢) ولم ينقل لنا عن النبي ﷺ ولا عن صحابته أنهم أخذوا التعويض المالي من المماطل، ولو كان التعويض المالي حقًا للمدين لم يترك هذا الحق يضيع على صاحبه، ولجاءت الشريعة في بيان وجوب رد الحق (التعويض) إلى أهله، فلما لم يوجد مثل ذلك علم أنه ليس حقًا للمدين.
الدليل الثالث:
من القواعد الشرعية المعتبرة: سد الذرائع، وقد بني عليها كثير من الأحكام الشرعية، والأخذ بهذه القاعدة الجليلة يؤدي إلى القول بتحريم التعويض المالي؛ لأنه إن لم يكن من الربا الصريح فإنه وسيلة إليه، فإن من تأمل هذا القول وما ينتهي إليه سيؤدي حتمًا إلى أخذ الفوائد الربوية للديون المؤجلة، وكون الزيادة في مقابل الأجل سميت فائدة، أو سميت تعويضًا، أو أعطي لها أي اسم آخر، لا يختلف حكمها فالأمور بمعانيها وليس بألفاظها.
стр. 2391
دليل من قال: أخذ المال من المماطل عقوبة يصرف في المصالح العامة:
إذا كان أخذ المال له على وجه العقوبة، كما يفيده الاستدلال بحديث: (يحل عرضه وعقوبته) فإن جعل صاحب الحق هو الذي يتولى العقوبة أمر غير معهود في الشريعة، فكما لا يجوز للدائن أن يعاقب بالحبس ولا بالضرب، فكذا لا يجوز أن يعاقب بالتعويض المالي، ولكن لا بد من حماية أموال البنوك الإسلامية، ولذلك فإن القول الذي أخذت به ندوة البركة: وهو أن هذه الزيادة تقرر، ولكن لا لفائدة البنوك، وإنما لفائدة المصالح العامة، وهكذا تصبح هذه الزيادة عقوبة فعلًا؛ لأنه لا يستفيد منها البنك، ولا صاحب رأس المال، وإنما تستفيد منها المجموعة العامة، شأن العقوبات التي تسلط على الإنسان (١).
الراجح من الأقوال:
القول بأنه يجوز للدائن أن يأخذ عوضًا عن دينه (النقود) زيادة على حقه هذا القول لا يجوز، ويؤدي إلى صريح الربا، والقول بجواز التعزير بالمال، وصرفه في مصالح المسلمين إذا رآه الحاكم الشرعي من باب السياسة الشرعية، ورأى أن مثل هذا قد يردع المماطل لا أرى حرجًا فيه، فإن العقوبة الواردة في حديث (يحل عرضه وعقوبته) مطلقة في الحديث، تشمل حتى التعزير المالي، ومسألة التعزير بالمال على الصحيح جائزة شرعًا، لكن لا يستحق أن ينتفع الدائن بهذا المال حتى لا يؤول إلى الربا، والله أعلم.
وقد نص قرار المجمع الفقهي على تحريم أخذ التعويض في مقابل التأخير،
جاء في قرار المجمع رقم: (٥٣/ ٦/٢) بشأن البيع بالتقسيط،
«إذا تأخر
стр. 2392
المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم».
* * *
стр. 2393
المطلب الثالث
سقوط الأجل إذا لم يسدد في وقته المحدد
[م-٤٣٩] قد تنص بعض العقود بأنه في حالة تأخر المدين عن تسديد القسط الذي عليه في حينه، أو في حالة تأخره عن قسطين متتاليين فإن بقية الأقساط تصير حالة بذلك، فما حكم هذا الشرط الجزائي بهذه الصيغة.
وللجواب على ذلك نقول:
إن كان المتأخر عن أداء الأقساط معسرًا فلا يجوز إلزامه بتعجيل الأقساط المؤجلة عليه بسبب العجز؛ وذلك لأن الواجب في حق المعسر الإنظار إلى ميسرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
وإن كان المتأخر عن أداء الأقساط موسرًا، ولكنه يماطل في أداء هذه الحقوق، فإن الحنفية وبعض الحنابلة قد نصوا على جواز مثل هذا الشرط الجزائي في حق الموسر المماطل.
يقول الكاساني: «لو جعل المال نجومًا، بكفيل، أو بغير كفيل، وشرط أنه إن لم يوفه كل نجم عند محله، فالمال حال عليه، فهو جائز على ما شرط؛ لأنه جعل الإخلال بنجم شرطًا لحلول كل المال عليه، وأنه صحيح» (١).
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا اشترط الدائن في الدين المقسط، بأنه إذا لم يدفع المدين الأقساط في أوقاتها المضروبة، يصبح الدين
стр. 2394
معجلًا، فيجب مراعاة الشرط، فإذا لم يف المدين بالشرط، ولم يدفع القسط الأول مثلًا عند حول أجله، يصبح الدين جميعه معجلًا» (١).
وقال ابن القيم: «إن خاف صاحب الحق ألا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله، فالحيلة أن يشترط عليه أنه إذا حل نجم، ولم يؤد قسطه فجميع المال عليه حال، فإن نجمه على هذا الشرط جاز، وتمكن من مطالبته به حالًا ومنجمًا ... » (٢).
ولأن هذا الشرط فيه مصلحة للعقد ومصلحة للعاقد:
أما مصلحة العقد فإن مثل هذا الشرط يحمل المدين على الالتزام في سداد الديون بأوقاتها، وهذا احترام لنص الالتزام الذي تضمنه العقد.
وفيه منفعة للعاقد: وذلك لأن من ماطل في سداد قسط واحد، قد يحمله ذلك على المماطلة في سداد بقية الأقساط، فبدلًا من أن يطالبه في كل قسط يتأخر في سداده، وهذا يعني ضياع وقته وماله، فإنه إذا تأخر طالبه مرة واحدة بسداد جميع الأقساط.
ولأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، فإذا رضي المدين بهذا الشرط عند التعاقد فإنه يلزمه؛ لأن المؤمنين على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، وهذا الشرط لا يخالف نصًا شرعيًا، ولا يخالف مقتضى العقد، وفيه مصلحة للعاقد فاقتضت القواعد صحته.
وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي على صحة هذا الشرط.
جاء في قرار المجمع رقم: (٥٣/ ٦/٢) بشأن البيع بالتقسيط.
«يجوز شرعًا أن
стр. 2395
يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها، عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد».
وقد خالف في ذلك أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء في البلاد السعودية، ورأوا أن شرط حلول الأقساط عند تأخر المدين عن السداد لا يجوز، وعللوا ذلك بأنه ينافي مقتضى العقد؛ وهو التأجيل الذي استحقت به هذه الزيادة (١).
وبهذه المسألة نكون - بعون الله وتوفيقه وحده - قد أكملنا البحث في شروط العاقدين، ما يصح منها، وما لا يصح.
* * *
стр. 2396
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد السادس
стр. 2397
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 2398
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٦)
стр. 2399
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمابعد،،
فهذا هو المجلد السادس من عقد البيع، وقد خصصته لدراسة الخيار في عقد البيع، ولما كان الخيار في العيب مباحثه متشعبة وتقسيماته كثيرة فضلت أن أجعله كتابًا بدلًا من كونه بابًا من أبواب عقد البيع، وقسمت هذا الكتاب إلى أبواب وفصول ومباحث وفروع على الطريقة السابقة، وقد قسمت الخيار إلى نوعين: خيار بسبب التروي، وخيار بسبب النقيصة، واستوعب هذا المجلد كامل خيار التروي بأنواعه الثلاثة: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار الرؤية. وتناولت فيه أيضًا من خيار النقيصة خيار العيب، وخيار فوات الوصف أو الشرط، وسوف يستكمل خيار النقيصة إن شاء الله تعالى في مطلع المجلد السابع، أسأل الله العون والتوفيق. وستكون الخطة في هذا المجلد على النحو التالي.
كتاب: الخيار في البيع.
التمهيد: ويشمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف الخيار.
المبحث الثاني: في أنواع الخيار.
стр. 2400
المبحث الثالث: الحكمة من مشروعية الخيار.
الباب الأول: في خيار التروي.
الفصل الأول: في خيار المجلس.
المبحث الأول: في تعريف خيار المجلس.
المبحث الثاني: في مشروعية خيار المجلس.
المبحث الثالث: في العقود التي يثبت فيها خيار المجلس.
الفرع الأول: العقود التي لا يدخلها خيار المجلس قولًا واحدًا.
الفرع الثاني: في العقود المختلف في ثبوت خيار المجلس فيها.
المبحث الرابع: خيار المجلس في حال اختلف مكان المتعاقدين.
الفرع الأول: البيع بالهاتف ونحوه.
الفرع الثاني: خيار المجلس في حال كان البيع عن طريق الكتابة.
المبحث الخامس: حد التفرق بالأبدان عند القائلين بخيار المجلس.
المبحث السادس: في خيار المجلس حال الإكراه.
الفرع الأول: الإكراه على البقاء معا.
الفرع الثاني: الإكراه على التفرق.
المبحث السابع: إبطال الخيار بالجنون والإغماء.
المبحث الثامن: إذا خرس أحد العاقدين في مجلس الخيار.
المبحث التاسع: مفارقة العاقد خوفًا من الفسخ.
المبحث العاشر: التفرق بالهرب هل يبطل الخيار.
стр. 2401
المبحث الحادي عشر: ملك المبيع زمن خيار المجلس.
الفرع الأول: ملك النماء في زمن الخيار.
المسألة الأولى: ملك النماء المتصل زمن الخيار.
المسألة الثانية: ملك النماء المنفصل زمن الخيار.
المبحث الثاني عشر: أسباب انتهاء خيار المجلس.
الفرع الأول: إسقاط الخيار ابتداء.
الفرع الثاني: تفرق المتعاقدين من المجلس.
الفرع الثالث: إذا خير أحدهما الآخر في مجلس العقد.
مسألة: معنى قوله في الحديث (إلا بيع الخيار).
المطلب الأول: الخلاف في بقاء خيار الساكت.
المطلب الثاني: الخلاف في بقاء خيار القائل (اختر).
الفرع الرابع: في انتهاء خيار المجلس بموت أحد العاقدين.
الفرع الخامس: في انتهاء الخيار بالتصرف في المبيع.
الفرع السادس: انتهاء الخيار باختيار الفسخ.
الفصل الثاني: خيار الشرط.
المبحث الأول: تعريف خيار الشرط.
المبحث الثاني: في حكم خيار الشرط.
المبحث الثالث: في اشتراط الخيار لأجنبي.
المبحث الرابع: في حكم الخيار إذا كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد.
стр. 2402
المبحث الخامس: في مدة خيار الشرط.
المبحث السادس: إذا شرط الخيار ولم تذكر مدته.
المبحث السابع: ابتداء مدة خيار الشرط.
المبحث الثامن: في اتصال مدة الخيار وموالاتها.
المبحث التاسع: في محل خيار الشرط.
الفرع الأول: اشتراط خيار الشرط قبل العقد.
الفرع الثاني: اشتراط خيار الشرط بعد العقد.
المبحث العاشر: العقود التي يصح فيها خيار الشرط.
المبحث الحادي عشر: الملك والتصرف في زمن خيار الشرط.
فرع: استعمال المبيع زمن الخيار.
المبحث الثاني عشر: الانتفاع من المبيع بغير تجربته.
المبحث الثالث عشر: في تسليم المبيع والثمن زمن الخيار.
المبحث الرابع عشر: النماء في زمن الخيار.
المبحث الخامس عشر: إذا تلف المبيع في زمن خيار الشرط.
المبحث السادس عشر: أسباب انتهاء خيار الشرط.
الفرع الأول: انتهاء خيار الشرط بالموت.
الفرع الثاني: انتهاء خيار الشرط باختيار الفسخ.
مسألة: لا يفتقر الفسخ إلى حضور صاحبه ولا إلى أذنه ولا إلى حكم قاض.
الفرع الثالث: انتهاء خيار الشرط بالإجارة.
стр. 2403
الفرع الرابع: انتهاء الخيار بانتهاء المدة.
المسألة الأولى: في دخول الغاية في شرط الخيار.
المسألة الثانية: إذا اختار الفسخ بعد انتهاء مدة الخيار بيوم أو يومين.
الفرع الخامس: في انتهاء خيار الشرط بالجنون والإغماء.
المبحث السابع عشر: ضوابط وتوقيعات مهمة في خيار الشرط والمجلس.
الفصل الثالث: من خيارات التروي خيار الرؤية.
المبحث الأول: تعريف خيار الرؤية.
المبحث الثاني: العقود التي يدخلها خيار الرؤية.
المبحث الثالث: شروط خيار الرؤية.
الشرط الأول: عدم رؤية المبيع.
الشرط الثاني: أن يكون المبيع مما يتعين بالتعين.
الشرط الثالث: كون المعقود عليه مما يقبل الفسخ.
المبحث الرابع: خلاف العلماء في مشروعية خيار الرؤية.
المبحث الخامس: مبطلات خيار الرؤية.
المبحث السادس: انتهاء خيار الرؤية.
الفرع الأول: انتهاء الخيار بالرضا بالمبيع.
الفرع الثاني: انتهاء خيار الرؤية بالفسخ.
الفرع الثالث: انتهاء الخيار باستنفاذ وقته.
الباب الثاني: في خيار النقيصة.
стр. 2404
الفصل الأول: في خيار العيب.
المبحث الأول: تعريف خيار العيب.
المبحث الثاني: حكم كتمان العيب.
الفرع الأول: الحكم التكليفي لكتمان العيب.
الفرع الثاني: الحكم الوضعي لكتمان العيب.
المبحث الثالث: العقود التي يدخلها خيار العيب.
المبحث الرابع: خيار العيب يثبت بلا اشتراط.
المبحث الخامس: خيار العيب لا يمنع وقوع الملك للمشتري.
المبحث السادس: خيار العيب يورث.
المبحث السابع: خيار العيب على التراخي.
المبحث الثامن: الرد بالعيب يفسخ العقد من أصله، أو من حينه.
المبحث التاسع: شروط الرد بالعيب.
الشرط الأول: الجهل بالعيب.
الشرط الثاني: كون العيب مؤثرًا.
الشرط الثالث: أن يكون حدوث العيب في وقت ضمان البائع للمبيع.
الشرط الرابع: عدم اشتراط البراءة من العيب.
الشرط الخامس: ألا يتمكن من إزالة العيب بلا مشقة.
المبحث العاشر: في ثبوت خيار الرد في العيب.
الفرع الأول: أن يتعذر رد السلعة المعيبة.
стр. 2405
الفرع الثاني: أن تكون السلعة المعيبة قائمة بحالها لم تتغير.
الفرع الثالث: إذا وافق البائع على الأرش مقابل قبول المشتري للسلعة.
الفرع الرابع: في إلزام البائع بالأرش ونحوه.
المبحث الحادي عشر: موانع الرد بالعيب.
المانع الأول: الرضا بالعيب.
الفرع الأول: استغلال المبيع للضرورة هل يمنع الرد؟
الفرع الثاني: تجربة المبيع بعد العلم بالعيب هل يسقط حق الرد؟
المانع الثاني: تغير المبيع عند المشتري.
الفرع الأول: تغير المبيع بتحوله إلى عين أخرى لا يجوز تملكها.
الفرع الثاني: تغير المبيع بالزيادة.
المسألة الأولى: تغير المبيع بالزيادة المتصلة.
المسألة الثانية: تغير المبيع بالزيادة المنفصلة.
المطلب الأول: الزيادة إذا كانت من غير عين المبيع.
المطلب الثاني: الزيادة المنفصلة إذا كانت من عين المبيع.
الفرع الثالث: تغير المبيع بالنقص.
المسألة الأولى: أن يكون النقص بسبب لا بد منه للوقوف على عيب المبيع.
المطلب الأول: إسقاط الرد بحلب المصراة.
المطلب الثاني: نقص المبيع بكسر ما مأكوله في جوفه ونحوه.
المسألة الثانية: أن يكون نقص المبيع بسبب سوء استخدام المشتري.
стр. 2406
المانع الثالث: تلف المبيع عند المشتري.
المانع الرابع: زوال العيب عند المشتري.
المانع الخامس: العلم بالعيب بعد زوال الملك بالمبيع.
الحالة الأولى: أن يخرج المبيع من ملكه ولا يعود إليه منه شيء.
الحالة الثانية: أن يخرج المبيع من ملكه، ويعود كله إليه.
الفرع الأول: أن يرجع المبيع بسبب جديد كالبيع والهبة.
الفرع الثاني: أن يرجع المبيع بسبب فسخ العقد.
الحال الثالثة: أن يخرج بعض المبيع من ملك المشتري ويبقي بعضه.
فرع: إذا تعدد العاقد مع اتحاد الصفقة.
الفصل الثاني: خيار فوات الوصف أو الشرط.
المبحث الأول: تعريف خيار فوات الوصف أو الشرط.
المبحث الثاني: شروط الوصف المعتبر اشتراطه.
المبحث الثالث: مشروعية خيار فوات الوصف أو الشرط.
المبحث الرابع: أحكام خيار فوات الشرط أو الصفة المقصودة.
المبحث الخامس: حد الفوات.
* * *
стр. 2407
الخيار في عقد البيع
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف الخيار
تعريف الخيار في الاصطلاح (١):
طلب خير الأمرين من إمضاء عقد أو فسخه (٢).
والخيار في العقد: هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي، أو بمقتضى اتفاق عقدي (٣).
* * *
стр. 2408
المبحث الثاني
في أنواع الخيار
الخيار له أنواع كثيرة، منها المتفق عليها، ومنها ما هو مختلف في ثبوتها، وترجع هذه الأنواع إلى نوعين رئيسين:
النوع الأول:
خيار يثبت بالشرع، ويسمى خيارًا حكميًا: وهو ما ثبت بمجرد حكم الشارع، فينشأ الخيار عند وجود سببه الشرعي، وتحقق شرائطه المطلوبة فهذه الخيارات لا تتوقف على اتفاق أو اشتراط لقيامها بل تنشأ لمجرد وقوع سببها الذي ربط قيامها به.
مثاله: خيار العيب، وخيار المجلس.
النوع الثاني:
الخيار الإرادي: وهو الخيار الذي ينشأ عن إرادة العاقد.
والخيارات الحكمية تستغرق معظم الخيارات بل هي كلها ما عدا الخيارات الإرادية الثلاثة: خيار الشرط وخيار النقد وخيار التعيين، فما وراء هذه الخيارات فإنه حكمي المنشأ، أثبته الشارع رعاية لمصلحة العاقد المحتاج إليه، دون أن يسعى الإنسان للحصول عليه (١).
والغاية من مشروعية الخيار يرجع تتمثل في شيئين: إما التروي وجلب المصلحة، أو تكملة النقص ودرء الضرر؛ لأن ثبوته يكون إما من جهة العاقد، أو من جهة المعقود عليه.
стр. 2409
فإن كان من جهة العاقد: فهو خيار التروي: ويقال له: خيار النظر والتفكر في الأمر والتبصر في إمضاء البيع أو رده، وله ثلاثة أسباب:
الأول: المجلس . والثاني: الشرط . وهذا القسم هو الذي ينصرف إليه بيع الخيار عند إطلاقه في عرف الفقهاء. والثالث: الرؤية .
وإن كان من جهة المعقود عليه فهو خيار النقيصة: وهو ما موجبه ظهور عيب أو استحقاق، فيثبت بفوات أمر مظنون، نشأ الظن فيه من التزام شرعي، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي. أو ظهور استحقاق في المبيع كتمه البائع (١).
وأما أنواع الخيار فإنه يختلف بحسب موضوعه.
فمنها خيار المجلس وخيار الرؤية، وخيار الشرط، وخيار التدليس، وخيار الغبن، وخيار الأمانة، وخيار الخلف، وخيار امتناع التسليم.
ولكل من هذه الأنواع أقسام سنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 2410
المبحث الثالث
الحكمة من مشروعية الخيار
الأصل أن الخيار بأنواعه المختلفة إنما شرع لدفع الضرر عن العاقد، وهذا الضرر يكون متوقعًا تارة، ويكون واقعًا تارة أخرى.
أما دفع الضرر المتوقع، فشرع الله له خيار المجلس وخيار الشرط، وذلك لدفع ضرر يتوقع العاقد حصوله، فيستدركه في مجلس العقد، أو في مدة الخيار، ويتخلص منه، وذلك أن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن الشريعة أن يُجْعَل للعقد خيار يتروى فيه العاقدان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما ما فاته.
وإما دفع الضرر الواقع، كخيار العيب، والتدليس، والنجش، وتلقي الركبان، ونحوها، فإن الإنسان بطبيعته البشرية ـ كما وصفه الله ـ ظلوم جهول، فقد يتعرض أحد العاقدين على يد الآخر للغش والتدليس أو غيرهما من أنواع الظلم، فأباح الشرع للعاقد الذي وقع تحت تأثير الغش والتدليس أن يدفع عنه هذا الضرر بثبوت الخيار له في هذه الحالة، فكان ثبوت الخيار من محاسن التشريع التي لا بد منها لدفع الضرر، والله أعلم.
стр. 2411
الباب الأول
في خيار التروي
الفصل الأول
في خيار المجلس
المبحث الأول
في تعريف خيار المجلس
تعريف خيار المجلس:
قولنا: (خيار المجلس) مركب إضافي من كلمتين، هما: (خيار) و (مجلس).
أما كلمة: خيار فقد سبق تعريفها. وأما قولنا: (مجلس) فالمجلس بكسر اللام: ترد في اللغة مصدرًا ميميًا واسمًا للزمان واسما للمكان من مادة (جلس).
فإن أريد به اسم المكان صار المراد به موضع الجلوس أي مجلس العقد خاصة وهذا التقييد تشير إليه (أل) في كلمة (المجلس) فهي للدلالة على المعهود في الذهن. والمراد مكان التبايع أو التعاقد.
وإن أريد به اسم الزمان وهو الأظهر: فالمراد به الفترة الزمنية التي تعقب عملية التعاقد فالمراد بمجلس العقد حينئذ: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، ما لم يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل أجنبي
стр. 2412
يعتبر إبطالًا للإيجاب، كرجوع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو إعراض القابل عن هذا الإيجاب باشتغاله بشيء آخر غير العقد.
فحقيقة الجلوس ليست مقصودة في هذا الخيار المسمى (بخيار المجلس) بل المراد بالمجلس ما هو أعم من الجلوس، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان كما سيأتي عند عرض أقوال الفقهاء إن شاء الله تعالى (١).
فالمعتبر هو الفترة الزمنية التي تعقب عملية التعاقد دون طروء التفرق من مكان التعاقد. فالجلوس ذاته ليس معتبرًا في ثبوته ولا ترك المجلس معتبرًا في انقضائه بل العبرة للحال التي يتلبس بها العاقدان وهي الانهماك في التعاقد.
فخيار المجلس هو: حق العاقد في إمضاء العقد أو رده من وقت التعاقد إلى التفرق أو التخاير، فمجلس العقد: هو وحدة زمنية أقرب من كونه وحدة مكانية، وزمنه يبدأ من وقت صدور الإيجاب ولحاق القبول به من المشتري مطابقًا له وتستمر طوال المدة التي يظل فيها العاقدان منصرفين إلى التعاقد دون ظهور إعراض من أحدهما عن التعاقد وتنتهي بالتفرق وهو مغادرة أحد العاقدين للمكان الذي حصل فيه العقد، وفي حكم التفرق حصول التخاير، وهو أن يخير أحدهما الآخر في إمضاء العقد أو رده.
فلا يبدأ خيار المجلس من صدور الإيجاب من البائع بل من لحاق القبول به من المشتري مطابقا له أما قبل وقوع القبول فإن العاقدين يملكان خيارًا في إجراء العقد أو عدمه لكنه خيار يدعى خيار القبول، ولا يسمى خيار المجلس.
وأضيف هذا الخيار إلى المجلس لاختصاص هذا الخيار بمجلس العقد عند
стр. 2413
القائلين به، والخيار في قولنا: (خيار الشرط، وخيار العيب) من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي خيار سببه الشرط، وخيار سببه العيب، وهكذا.
ومعظم المؤلفين يطلقون على هذا الخيار (خيار المجلس) غير أن بعضهم أطلق عليه (خيار المتبايعين) ولعل هذه التسمية مأخوذة من الحديث الشريف المثبت لهذا الخيار وهو قول الرسول ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). ففي بعض ألفاظه المروية: (المتبايعان بالخيار) وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريج هذه الألفاظ بعونه وتوفيقه (١).
* * *
стр. 2414
المبحث الثاني
في مشروعية خيار المجلس
نستطيع أن نقسم حالة المشتري والبائع إلى أربع حالات: منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو محل خلاف بين الفقهاء:
الحالة الأولى: مرحلة المساومة .
[م-٤٤٠] ففي مرحلة المساومة وقبل وجود إيجاب بات بين المتبايعين، فإن المتبايعين بالخيار، وهذا بالإجماع، لأن الأمر في هذه الحالة لا يتعدى أن يكون مجرد دعوة إلى التفاوض، كما لو عرض البائع على المشتري منزله للبيع بدون بيان ثمنه، فإذا قطع أحد الطرفين المفاوضات قبل وصول الأمر إلى إيجاب بات فلا مسؤولية عليه، وليس لأحد أن يطالبه بأن يبين سبب هذا العدول، فقد يكون السبب أنه لم ير داعيًا لإتمام الصفقة، أو أنه رأى أن إتمامها ليس في مصلحته، أو أن الشخص الذي يتعامل معه لا يناسبه لسبب من الأسباب، أو أن شخصًا آخر عرض عليه صفقة أفضل، فإذا عدل أحد الطرفين عن مفاوضاته فلا مسؤولية على من عدل، ما دام الأمر لم يصل في مفاوضته إلى حد الإيجاب الجازم (١)
قال الشنقيطي ﵀: «كل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول الإيجاب والقبول» (٢).
стр. 2415
الحال الثانية: بعد صدور الإيجاب وقبل صدور القبول .
إذا انتهت مرحلة المفاوضات، وعرض صاحب السلعة إيجابًا جازمًا، ولم يصدر القبول من المشتري فما حكم رجوع البائع والمشتري عن البيع؟
أما المشتري فله خيار القبول بالإجماع، كما إذا قال البائع: بعتك هذا البيت بكذا وكذا، فالمشتري بالخيار بين القبول وبين الرد، ما دام العاقدان في مجلس العقد، ولم يتفرقا بأبدانهما، ولم يتشاغلا عن العقد بما يبطله.
قال الماوردي: «خيار المشتري بعد بذل البائع وقبل قبوله معلوم بالإجماع، إذ لو سقط خياره ببذل البائع لوجبت البياعات جبرًا بغير اختيار ... ولأفضى الأمر فيها إلى ضرر وفساد» (١).
[م-٤٤١] وأما البائع فهل له أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: للموجب حق الرجوع عن إيجابه قبل أن يتصل به القبول، وهذا مذهب الجمهور (٢).
стр. 2416
بل اعتبر بعضهم لو صدر القبول مع الرجوع في وقت واحد، اعتبر الرجوع، وبطل الإيجاب.
قال ابن الهمام: «لو صادف رد البائع قبول المشتري بطل» (١).
وقيل: إذا صدر إيجاب بات فليس له حق الرجوع، والإيجاب البات هو ما صدر بصيغة الماضي، أو صدر بغير الماضي وكان هناك قرينة أنه أراد البيع (٢)،
стр. 2417
أما إذا كانت الصيغة بغير الماضي، ولم يكن هناك قرينة أنه أراد البيع، وادعى أنه ما أراد البيع، فيحلف، ويصدق، وهو مذهب المالكية (١).
وجه التفريق بين صيغة الماضي وغيرها:
قالوا: إن صيغة الماضي حقيقة في الدلالة على نقل الملكية، فلا يقبل معه ادعاء خلاف ذلك، وأما صيغة المضارع والأمر فليست حقيقة في نقل الملكية لتطرق الاحتمالات إليها، فليست إيجابًا باتًا، ولذلك قبل قوله مع اليمين، فإن كانت هناك قرينة عمل بها، كما قدمنا.
وقيل: إذا حدد الموجب إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه، اختاره بعض المالكية (٢)، ورجحه
стр. 2418
مجمع الفقه الإسلامي (١).
ويظهر أن هذا القول وسط بين قولين: الأول: يرى أن الموجب له حق الرجوع مطلقًا. والثاني: يرى أن الموجب لا يحق له الرجوع، والقول الثالث: قول وسط: وهو إذا حدد ميعادًا للقبول فإنه يبقى ملتزمًا هذه المدة بعدم العدول عن إيجابه.
ويرى أصحاب القول الثالث: أن القول بكون الإيجاب غير ملزم مطلقًا يؤدي إلى حرمان المعاملات وعلى الأخص التجارية منها من عامل الاستقرار التي لا غنى عنه؛ لأن التاجر الذي يوجه إليه إيجاب يوازن عادة بينه وبين إيجاب مماثل يوجه إليه من الغير، فقد يفوته أحدهما على أهميته بناء على وجود إيجاب آخر أفضل منه، فإذا لم نلزم الموجب بالبقاء على إيجابه مدة ما أصبنا الموجب له بضرر فادح، وأشعنا الفوضى في المعاملات.
لكن عند التأمل أرى أن هذا القول الوسط ليس قولًا، وإنما هو عمل بالشرط بين المتبايعين، فكل من ألزم نفسه شرطًا لا يخالف الشرع، ولا ينافي مقتضى العقد، وله فيه مصلحة، فيجب الوفاء به (٢).
стр. 2419
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة بشيء من التفصيل في باب الإيجاب والقبول فأغنى عن إعادته هنا.
الحالة الثالثة:
[م-٤٤٢] إذا تم الإيجاب والقبول بين المتبايعين، وتفرقا بأبدانهما عن مجلس العقد دون فسخ، ولم يكن في البيع خيار شرط، فإنه لا خلاف أن البيع يصبح لازمًا لا يستقل أحد العاقدين بالرجوع عنه دون رضا الطرف الآخر.
قال ابن قدامة: «لا خلاف في لزمه - يعني عقد البيع - بعد التفرق» (١).
الحالة الرابعة:
[م-٤٤٣] إذا تم الإيجاب والقبول بين المتبايعين، وتوفرت الشروط، وانتفت الموانع، وكان العاقدان في مجلس العقد، فهل يلزم البيع بمجرد الإيجاب والقبول، أم أن العقد ما زال جائزًا، ويملك كل واحد من المتبايعين الرجوع عنه بموجب خيار المجلس دون رضا الطرف الآخر.
في هذه المسألة خلاف بين الفقهاء:
فقيل: البيع لازم، ولا يملك أحد العاقدين الرجوع عن العقد إلا برضا صاحبه، ولا يشرع خيار المجلس، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)،
стр. 2420
وعليه الفقهاء السبعة (١).
وقيل: بل العقد جائز، ويملك كل واحد من المتابعين خيار المجلس.
وهذا مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤).
وقال النووي: «وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وممن قال به: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو برزة الأسلمي، وطاووس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وشريح القاضي، والحسن البصري، والشعبي، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسفيان ابن عيينة، والشافعي، وابن المبارك، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهوية، وأبو ثور، وأبو عبيد، والبخاري، وسائر المحدثين» (٥).