стр. 2416
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 14474
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
دبيان الدبيان
Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2417
أما إذا كانت الصيغة بغير الماضي، ولم يكن هناك قرينة أنه أراد البيع، وادعى أنه ما أراد البيع، فيحلف، ويصدق، وهو مذهب المالكية (١).
وجه التفريق بين صيغة الماضي وغيرها:
قالوا: إن صيغة الماضي حقيقة في الدلالة على نقل الملكية، فلا يقبل معه ادعاء خلاف ذلك، وأما صيغة المضارع والأمر فليست حقيقة في نقل الملكية لتطرق الاحتمالات إليها، فليست إيجابًا باتًا، ولذلك قبل قوله مع اليمين، فإن كانت هناك قرينة عمل بها، كما قدمنا.
وقيل: إذا حدد الموجب إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه، اختاره بعض المالكية (٢)، ورجحه
стр. 2418
مجمع الفقه الإسلامي (١).
ويظهر أن هذا القول وسط بين قولين: الأول: يرى أن الموجب له حق الرجوع مطلقًا. والثاني: يرى أن الموجب لا يحق له الرجوع، والقول الثالث: قول وسط: وهو إذا حدد ميعادًا للقبول فإنه يبقى ملتزمًا هذه المدة بعدم العدول عن إيجابه.
ويرى أصحاب القول الثالث: أن القول بكون الإيجاب غير ملزم مطلقًا يؤدي إلى حرمان المعاملات وعلى الأخص التجارية منها من عامل الاستقرار التي لا غنى عنه؛ لأن التاجر الذي يوجه إليه إيجاب يوازن عادة بينه وبين إيجاب مماثل يوجه إليه من الغير، فقد يفوته أحدهما على أهميته بناء على وجود إيجاب آخر أفضل منه، فإذا لم نلزم الموجب بالبقاء على إيجابه مدة ما أصبنا الموجب له بضرر فادح، وأشعنا الفوضى في المعاملات.
لكن عند التأمل أرى أن هذا القول الوسط ليس قولًا، وإنما هو عمل بالشرط بين المتبايعين، فكل من ألزم نفسه شرطًا لا يخالف الشرع، ولا ينافي مقتضى العقد، وله فيه مصلحة، فيجب الوفاء به (٢).
стр. 2419
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة بشيء من التفصيل في باب الإيجاب والقبول فأغنى عن إعادته هنا.
الحالة الثالثة:
[م-٤٤٢] إذا تم الإيجاب والقبول بين المتبايعين، وتفرقا بأبدانهما عن مجلس العقد دون فسخ، ولم يكن في البيع خيار شرط، فإنه لا خلاف أن البيع يصبح لازمًا لا يستقل أحد العاقدين بالرجوع عنه دون رضا الطرف الآخر.
قال ابن قدامة: «لا خلاف في لزمه - يعني عقد البيع - بعد التفرق» (١).
الحالة الرابعة:
[م-٤٤٣] إذا تم الإيجاب والقبول بين المتبايعين، وتوفرت الشروط، وانتفت الموانع، وكان العاقدان في مجلس العقد، فهل يلزم البيع بمجرد الإيجاب والقبول، أم أن العقد ما زال جائزًا، ويملك كل واحد من المتبايعين الرجوع عنه بموجب خيار المجلس دون رضا الطرف الآخر.
في هذه المسألة خلاف بين الفقهاء:
فقيل: البيع لازم، ولا يملك أحد العاقدين الرجوع عن العقد إلا برضا صاحبه، ولا يشرع خيار المجلس، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)،
стр. 2420
وعليه الفقهاء السبعة (١).
وقيل: بل العقد جائز، ويملك كل واحد من المتابعين خيار المجلس.
وهذا مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤).
وقال النووي: «وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وممن قال به: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو برزة الأسلمي، وطاووس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وشريح القاضي، والحسن البصري، والشعبي، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسفيان ابن عيينة، والشافعي، وابن المبارك، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهوية، وأبو ثور، وأبو عبيد، والبخاري، وسائر المحدثين» (٥).
стр. 2421
دليل من قال: لا يشرع خيار المجلس:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وجه الاستدلال:
ظاهر الآية يقتضي حل الأكل عند حصول التجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان العقد، فتقييد حل الأكل بالتفرق زيادة على النص ومخصص لها بغير دليل (١).
والجواب عن الآية:
نصت الآية الكرية على شرط واحد من شروط البيع، وهو الرضا، ولا يعني ذلك أن الشروط الأخرى غير معتبرة من أدلة أخرى، فركن البيع وشرطه الذي يقوم عليه: هو الرضا بين المتابيعين، وهذا لا يعني عدم مراعاة بقية الشروط الأخرى، وانعقاد البيع يتم بالإيجاب والقبول المطابق له مع الرضا بالعقد، ولكن انعقاد البيع شيء، ولزومه شيء آخر، كالبيع بشرط الخيار، ينعقد البيع من صدور الإيجاب والقبول، ويلزم بانتهاء مدة الخيار لمن شرط له إذا لم يترك البيع.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
стр. 2422
وجه الاستدلال:
قال الجصاص: «ألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على نفسه، فيلزمه الوفاء به ..... وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به وذلك خلاف مقتضى الآية» (١).
ويجاب عن الآية:
بأن الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود، وهي لا تأمر بالوفاء بالعقد إلا في وقت يكون العقد لازمًا، أما العقد إذا كان جائزًا كما في مدة خيار المجلس، وفي مدة خيار الشرط فلا يؤمر العاقد بالوفاء به، بل الأمر متروك لإرادته، إن شاء أمضى العقد، وإن شاء ترك، فالآية تتحدث عن عقد انتقل من الجواز إلى اللزوم، فلم تقل الآية: أوفوا بالعقود إذا تم الإيجاب والقبول قبل التفرق، فالآية مطلقة، فتحمل على ما بعد الخيار جمعًا بين الأدلة (٢).
فالذي أمرنا بالوفاء بالعقود هو الذي أخبرنا على لسان رسوله ﷺ أن العقد لا يكون لازمًا إلا بالتفرق، أو أن يخير أحدهما الآخر بعد التعاقد، وإلا فلا يلزم الوفاء بذلك العقد.
الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٨٢]
وجه الاستدلال:
لو لم يكن عقد المداينة موجبًا للحق على المدين قبل الافتراق لما قال:
стр. 2423
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٢] ولما وعظه بترك البخس وهو لا شيء عليه؛ لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٢] دليل على نفي الخيار، وإيجاب البتات.
الدليل الرابع:
قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
و «إذا» هي للوقت فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة، وندب إلى الإشهاد على التبايع عند وقوعه ولم يقل: إذا تبايعتم وتفرقتم (١).
ويناقش هذان الدليلان:
بأن توثيق الدين بالكتابة والشهادة، وتوثيق البيع بالشهادة أو بالرهن وقت الخيار لا يعني أن العقد أصبح لازمًا، بل يعني أن العقد صالح للزوم، ومصيره إلى ذلك، وهو الأصل فيه؛ لأن الإنسان لم يقدم على العقد إلا لرغبته فيه، ولكن لو اختار غير ذلك قبل التفرق أصبح مطلوبًا منه توثيق ذلك أيضًا، لإثبات أنه ترك العقد في الوقت الذي يحق له تركه قبل أن يصبح العقد لازمًا، تمامًا كما لو كان البيع فيه شرط خيار، فإنه مطالب بتوثيق البيع وتوثيق الدين، ولا يمنع من كون العقد في مدة الخيار جائزًا أن يوثقه بالكتابة والرهن، فإذا كان ذلك لم يمنع في البيع بشرط الخيار، لم يمنع ذلك في البيع وقت خيار المجلس.
الدليل الخامس:
الرضا بالعقد هو الموجب للملك، وليس الفرقة، فليس في الفرقة دلالة على
стр. 2424
الرضا، ولا على نفيه; لأن حكم الفرقة والبقاء في المجلس سواء في نفي دلالته على الرضا فعلمنا أن الملك إنما وقع بالرضا من ابتداء العقد لا من الفرقة (١).
ويناقش:
بأننا لا نخالف بأن الملك يقع بالرضا من ابتداء العقد، ولكن الخلاف، ليس في قوع الملك، وإنما في لزومه، فهناك عقود كثيرة يرى الحنفية والمالكية أنها عقود صحيحة غير لازمة، كما في بيع الفضولي، فكذلك هنا فنحن نرى أن الملك يقع بالإيجاب والقبول، ولكن لا يكون لازمًا إلا بالفرقة، شأنه في ذلك شأن البيع الذي شرط فيه خيار، فالملك يقع بالإيجاب والقبول، ويكون لمن اشترط له الخيار حق الرجوع، ولا يكون العقد لازمًا في حقه مدة خيار الشرط.
الدليل السادس:
القول بخيار المجلس خلاف القياس، فليس في الأصول فرقة يتعلق بها تمليك وتصحيح العقد بل في الأصول أن الفرقة إنما تؤثر في فسخ كثير من العقود من ذلك الفرقة في عقد الصرف قبل القبض، وفي عقد السلم قبل قبض الثمن، وعن الدين قبل تعيين أحدهما فلما وجدنا الفرقة في الأصول في كثير من العقود إنما تأثيرها في إبطال العقد دون لزومه ولم نجد في الأصول فرقة مؤثرة في لزوم العقد، ثبت أن اعتبار خيار المجلس ووقوع الفرقة في لزوم العقد خارج عن الأصول، مع ما فيه من مخالفة ظاهر الكتاب (٢).
ويناقش:
أولًا: بأننا لا نعلم الأصول إلا من خلال النصوص الشرعية، فالمتبع
стр. 2425
للنصوص الشرعية هو المتبع للأصول الصحيحة، فلا ترد النصوص إلى الأصول، بل العكس هو الصحيح، وربما رد نص صحيح لأصل استنبطه فهم غير معصوم، فالنص الشرعي لا يعارض بالعقل ولا بالقياس، فهو أصل بذاته، ويجب التسليم له.
ثانيًا: على فرض أن الحديث مخالف للأصول، فلا نسلم أن الحديث المخالف للأصول يرد، غاية ما في الباب أن يكون الشرع أخرج بعض الجزئيات عن الكليات لمصلحة تخصها، ومن تأمل الحكم الشرعية بثبوت خيار المجلس علم حكمة التشريع بثبوت مثل هذا الخيار، فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو، ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما مدى حاجته للعقد، فلا أحسن من هذا حكمًا، ولا أرفق من هذا لمصلحة الخلق، وبعض الناس قبل أن يتملك السلعة وهي في يد البائع يكون عنده تشوف وتطلع إلى تملكها، فيندفع إلى شرائها، بلا ترو ولا نظر، فإذا وقعت في يده ذهب ما يجده في نفسه من حب تملكها إلى الموازنة بين المكاسب والخسارة، فالذي يعرف النفس البشرية هو الذي شرع لها هذا الخيار لعلاج مثل هذا الاندفاع (١).
الدليل السابع:
(ح-٣٩٥) ما رواه البخاري من طريق شعبة، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. ورواه مسلم (٢).
стр. 2426
وجه الاستدلال:
الحديث أجاز بيع المبيع بعد القبض، ولم يشرط فيه الافتراق فوجب بنص الخبر أنه إذا قبضه في المجلس أنه يجوز له بيعه وذلك ينفي خيار البائع لأن ما للبائع فيه خيار لا يجوز تصرف المشتري فيه.
ويجاب:
بأن الحديث نص في النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، سواء تفرق المتبايعان قبل القبض أو لم يتفرقا.
ومفهومه: جواز بيعه بعد القبض، سواء حصل التفرق أو لم يحصل، وهذا المفهوم المطلق جاء تقييده بنص آخر، وهو ألا يكون فيه خيار، سواء كان فيه خيار مجلس أو خيار شرط، ولهذا لا يجوز بيعه لو كان البائع قد اشترط فيه خيارًا لمدة معينة، ولا يقال: إن هذا الخيار يعارض حديث (لا تبعه حتى تقبضه) فإذا كان خيار الشرط لا يعارض حديث النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، فكذلك خيار المجلس لا يعارض حديث النهي عن بيع الشيء قبل قبضه.
وجواب آخر:
أن حديث النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، وحديث ثبوت خيار المتبايعين في مجلس العقد، كل من الحكمين ثبت بحديث صحيح بل في غاية الصحة، حيث إن الحديثين مخرجان في الصحيحين، وأسانيدهما في أعلى شروط الصحة، فكيف يدفع أحدهما بالآخر مع إمكان استعمالهما معًا:
فمقتضى العمل بالحديثين: أن نمنع من بيع الشيء قبل قبضه، ولو لزم البيع بالتفرق: فبيع الشيء قبل قبضه منهي عنه مطلقًا تفرقا أو لم يتفرقا، لزم البيع أو لم يلزم.
стр. 2427
وإذا قبض المبيع، صح البيع، ولا يلزم إلا بالتفرق. وبهذا نكون قد عملنا بالحديثين معًا.
فلا ينبغي ضرب السنة بعضها ببعض، ولا يعترض بالعام على الخاص، ولا بظواهر النصوص على صريحها. هذه هي طريقة الراسخين في العلم.
الدليل الثامن:
(ح-٣٩٦) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن أبيه، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١).
وجه الاستدلال:
جعل الحديث الثمرة ومال العبد للمشتري بالشرط من غير ذكر التفرق بالأبدان وبما أنه من المحال أن يملكها المشتري قبل ملك الأصل المعقود عليه; دل ذلك على وقوع الملك للمشتري بالعقد نفسه.
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين صحة البيع، وبين لزوم البيع، فنحن نقول: إن البيع صحيح من صدور الإيجاب من البائع، وصدور القبول مطابقًا له من المشتري، وصحة البيع دليل على ثبوت الملك، إلا أن صحة البيع لا يعني لزوم البيع، وهذا الاستدلال قد تكرر منهم، والجواب نفسه يتكرر، كما أن البيع بشرط الخيار يقع صحيحًا من العقد، ويثبت به الملك، ولا يلزم إلا بمضي مدة الخيار.
стр. 2428
الدليل التاسع:
خيار المجلس ليس له حد معروف، فقد يطول وقد يقصر ولو شرط أحدٌ الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعًا، فكيف يثبت عن طريق الشرع حكم لا يجوز اشتراطه بالعقد، وأيضًا فإن القول بخيار المجلس يعتبر من الغرر؛ لأن كليهما لا يدري ما يحصل له من الثمن والمثمن (١).
ويناقش:
لو سلمنا أن القول بخيار المجلس يؤدي إلى الوقوع في الغرر، فالغرر ليس كله حرامًا، بل منه ما هو جائز بالإجماع كالغرر اليسير والغرر التابع ولو كان كثيرًا، ومنه ما هو محرم بالإجماع كالغرر الكثير غير التابع مما لا يحتاج إليه، ومنه ما هو محل خلاف بين العلماء هل يلحق بالكثير أو بالقليل، وقد دلت الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها على اعتبار خيار المجلس، فدل على أن الغرر فيه مغتفر لكونه يسيرًا، ولوجود مصلحة كبرى لكل واحد من المتعاقدين بحيث يتروى، ويقلب النظر في العقد، وألا يكون قد استعجل في القبول، ومدة الخيار يسيرة معروفة عرفًا مدة اتحاد مجلسهما، فإذا أمضى كل من المتعاقدين البيع أصبح كل منهما على بصيرة ومعرفة، والله أعلم.
والمالكية صححوا البيع إذا علقه على مشورة شخص قريب، ولا يفسدون العقد بمجرد جهل زمن الخيار، فزمن المجلس مثله يعتبر زمنًا قصيرًا عرفًا، بل هو أقصر من زمن المشورة (٢).
وأما القول بأن كل واحد من المتبايعين لا يدري ما يحصل له من الثمن
стр. 2429
والمثمن، فهذا الشأن في كل خيار، حتى في خيار الشرط المجمع على القول به، فإن لكل واحد من المتعاقدين زمن الخيار إمضاء العقد وفسخه، ولا يقدح ذلك في صحة العقد، والله أعلم.
الدليل العاشر:
(ح-٣٩٧) ما رواه أحمد من طريق ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، أن النبي ﷺ قال: البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله (١).
[الحديث صحيح إلا قوله: ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله، فقد تفرد بها عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] (٢).
стр. 2430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2431
وجه الاستدلال:
استدل بهذا الحديث على عدم ثبوت خيار المجلس من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان له خيار المجلس لما احتاج إلى أن يسأله الإقالة، بل كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه.
والثاني: أن الإقالة لا تكون إلا بعد صحة العقد، وحصول ملك كل واحد منهما فيما عقد عليه من قبل صاحبه فهذا أيضا يدل على نفي الخيار، وصحة البيع (١).
ويجاب:
بأن الحديث يقول: (ولا يحل له) بمعنى: أنه يحرم عليه أن يفارقه خشية أن يستقيله، هذه الإقالة هل هي حق لكل واحد منهما، أو لا تكون إلا برضاهما، فإن كانت حقًا لكل واحد منهما قبل التفرق، فالخلاف معكم خلاف اصطلاحي، فنحن نسميه خيارًا، وأنتم تسمونه إقالة، والأمور بمعانيها، وليست بألفاظها.
وإن قلتم: إن الإقالة لا بد من رضاهما، ولابد من اتفاقهما على فسخ العقد، وأن العقد لازم قبل التفرق، وأن الإقالة ليست واجبة، فكيف تقولون: لا يحل له أن يفارقه إذا كانت الإقالة ليست ملزمة، وأن لكل واحد من المتبايعين له أن يرفض إقالة صاحبه قبل التفرق، فأنتم تحتجون بحديث لم تأخذوا بظاهره، حيث إن ظاهره يقول: (ولا يحل له) بمعنى أنه يحرم عليه، في الوقت الذي تقولون إن الإقالة ليست واجبة، وله ألا يوافق على الإقالة، فأصبح الأمر بالنسبة لكم: إما القول بترك ظاهر الحديث، وإما حمل الإقالة على معنى آخر، وهو
стр. 2432
فسخ أحد العاقدين العقد بموجب خيار المجلس، وليس المراد حقيقة الإقالة، والذي يدل عليه أيضًا أن هذا هو المراد: أن الإقالة لا تختص بمجلس العقد، ولا تبطل بالتفرق، بل يجوز طلب الإقالة بمجلس العقد قبل الافتراق، وبعد مفارقة المجلس، والذي يختص بالمجلس إنما هو خيار المجلس، وهو المراد بالحديث، والله أعلم.
الدليل الحادي عشر:
(ح-٣٩٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو،
عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (١).
وجه الاستدلال:
لو كان خيار المجلس ثابتًا لما تصرف الرسول ﷺ في المبيع حتى ينفض المجلس أو يحصل التخاير ليكون البيع لازمًا، فدل ذلك على عدم ثبوت خيار المجلس.
ويناقش:
حديث خيار المجلس ثبت بأحاديث صحيحة لا نزاع في صحتها، فلا ترد هذا الأحاديث بهذه القصة المحتملة، ولا تضرب الأحاديث بعضها ببعض، بل يجتهد في الجمع بينها ما أمكن، فإن لم يمكن الجمع عمل بالترجيح، والترجيح
стр. 2433
لو كان هو السبيل فإن حديث خيار المجلس مقدم على هذه القصة، لوجوه، منها:
أولًا: أن حديث خيار المجلس ناقل عن البراءة الأصلية، وما كان كذلك كان حقه التقديم على غيره.
ثانيًا: يحتمل أن يكون الرسول ﷺ قد تقدم أو تأخر قبل الهبة بما يحصل به التفرق عرفًا، حقًا ليس في الحديث ما يثبت ذلك، ولكن في الوقت نفسه ليس فيه ما ينفيه، فلا يترك الحديث الصحيح الصريح لقضية عينية محتملة.
ثالثًا: على فرض أن تكون الهبة حصلت بعد الإيجاب والقبول مباشرة، وأن تكون هذه القصة متأخرة عن حديث خيار المتبايعين، فيؤخذ منها أن المشتري إذا تصرف في المبيع بحضور البائع، ولم ينكر البائع كان ذلك قاطعًا لخياره لإقراره تصرف المشتري.
الدليل الثاني عشر:
(ث-٧٩) ما رواه الطحاوي من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن حمزة بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيًا، فهو من مال المبتاع.
[إسناده صحيح، وهو موقوف] (١).
وجه الاستدلال:
دل الأثر أن العقد إذا تم بالإيجاب والقبول وكان المبيع حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري، ولو كان ذلك قبل التفرق، وهذا يدل على أن ملكية المعقود عليه
стр. 2434
انتقلت إلى المشتري بذلك، ولو كان خيار المجلس مشروعًا لم تنتقل الملكية إلا بالتفرق بالأبدان.
ويجاب:
بأننا كررنا مرارًا بأن البيع ينعقد بالإيجاب والقبول، وأن اللزوم لا يلزم إلا بالتفرق، وليس بينهما تعارض.
وقد يقال: إن قوله: (ما أدركت الصفقة) فالصفقة محمولة على البيع الذي انبرم، لا على ما لم ينبرم، لأن هذا الأثر الموقوف على ابن عمر، لا يمكن أن يعارض به ما رواه ابن عمر نفسه من الحديث المرفوع، خاصة أن ابن عمر كان يقول بخيار المجلس، ويعمل به في بيوعه كما ثبت عنه في الصحيح، ويرى ﵁ أن البيع لا يلزم إلا بالتفرق، فلا يضرب كلام ابن عمر بعضه ببعض.
الدليل الثالث عشر:
القياس على النكاح والخلع والعتق، وكلها عقود معاوضة، فإذا كانت تتم بالإيجاب والقبول، وتلزم قبل الفرقة، فكذلك عقد البيع.
ويجاب:
أولًا: أن هذا قياس في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
ثانيًا: أن النكاح والخلع ليس مقصودهما المال، ولهذا لا يفسدان بفساد العوض، بخلاف البيع.
ثالثًا: أن النكاح لا يقع غالبًا إلا بعد ترو ونظر، فلا يحتاج إلى خيار بعده، كما أن في مشروعية الخيار في النكاح مضرة، وذلك لما يلزم من مشروعية رد الزوجة بعد ابتذالها بالعقد، وذهاب حرمتها بالرد، وإلحاقها بالسلع المبيعة.
стр. 2435
الدليل الرابع عشر:
(ث-٨٠) ما رواه عبد الرزاق في مصنفه، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن محمد بن خالد بن الزبير، عن رجل من كنانة، قال:
قال عمر ﵁، حين وضع رجله في الغرز، وهم بمنى: اسمعوا ما أقول لكم، ولا تقولوا: قال عمر. وقال عمر: البيع عن صفقة أو خيار، ولكل مسلم شرطه (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
دل الأثر أن البيع قسمان: قسم اشترط فيه الخيار، وهو خيار الشرط، وقسم لم يشترط فيه الخيار، وسمي هذا القسم بالصفقة: أي بالإيجاب والقبول.
ويجاب عن هذا:
أولًا: الأثر ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة.
ثانيًا: موقوف، والموقوف لا يخالف به المرفوع.
ثالثًا: على تقدير صحة الأثر، فإن معناه: أن البيع قسمان: قسم اشترط فيه الخيار، وهو خيار الشرط، وقسم لم يشترط فيه الخيار، وسمي هذا القسم بالصفقة لقصر مدة خيار المجلس.
هذه هي أقوى الأدلة التي استدل بها نفاة خيار المجلس، والجواب عنها.
стр. 2436
دليل من قال: يشرع خيار المجلس:
الدليل الأول:
(ح-٣٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه،
عن حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (١).
الدليل الثاني:
(ح-٤٠٠) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار.
ورواه الشيخان، من طريق الليث، عن نافع به، وفيه:
إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا، بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع (٢).
ورواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، وزاد: قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه (٣).
ورواه مسلم من طريق ابن جريج، عن نافع به، وفيه:
قال نافع: فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا، فأراد ألا يقيله، قام، فمشى هنيهة، ثم رجع (٤).
стр. 2437
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء من أهل الفقه بالحديث أن قوله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، من أثبت ما يروى عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد العدول، لا يختلفون في ذلك، وإنما اختلفوا في القول به، وادعاء النسخ فيه، وتخريج معانيه» (١).
(ث-٨١) وروى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، قال عبد الله: فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال (٢).
[إسناده حسن إن شاء الله] (٣).
стр. 2438
وفي الباب حديث أبي برزة، وحديث أبي هريرة، وحديث سمرة ابن جندب، من رواية الحسن عنه، وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث ابن عباس، وحديث جابر (١)، وغيرهم، وفي حديث الصحيحين غنية.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أثبت للمتبايعين بعد انعقاد البيع بالإيجاب والقبول الخيار في فسخ البيع أو إمضائه دون رضا الطرف الآخر، ما داما في مجلس العقد، ولم يتفرقا بالأبدان، أو لم يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، بأن قال له: اختر البيع أو فسخه، فاختار إمضاء البيع، أو تفرقا عن مجلس العقد بأبدانهما، فقد لزم العقد، ولا يملك أحدهما الرجوع إلا برضا الطرف الآخر.
ومما يدعم أن هذا هو الفهم الصحيح للحديث أن هذا ما فهمه ابن عمر ﵁، وهو راوي الحديث، وهو من أهل الفقه وأهل اللسان، فكان إذا اشترى شيئًا، وتم الإيجاب والقبول، قام عن المجلس، ومشى قليلًا، ثم رجع، وذلك ليلزم العقد.
بل إن نقل ابن عمر يدل على أن هذا هو فهم الصحابة رضوان الله عليهم، فحين باع عثمان ﵁، رجع القهقرى، خشية أن يراده البيع، ولم يكن هذا مذهبًا لابن عمر؛ لأن ابن عمر قال بعده، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا.
ونوقش هذا الاستدلال:
وقف أصحاب القول الأول من الأحاديث التي تثبت خيار المجلس أحد موقفين، إما دعوى النسخ، وإما التأويل، وكلاهما ضعيف.
стр. 2439
أما التأويل، فلهم في ذلك أقاويل كثيرة، أشير إلى أهمها، وقد تركت بعضها لكونه ظاهر الضعف.
من ذلك قولهم: إن هذا خبر آحاد فيما تعم به البلوى، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى غير مقبول، وذلك أن البيع يتكرر، ومثل هذا تعم البلوى بمعرفة حكمه، ولأن العادة تقتضي أن ما عمت به البلوى يكون معلومًا عند الكافة، فانفراد الواحد به، على خلاف العادة فيرد.
وأجيب عنه:
أولًا: لا نسلم هذا التقسيم، فإن تقسيم الأخبار إلى آحاد ومتواتر لم يكن مأثورًا عن السلف، ولا عن المتقدمين من أهل الحديث، وإنما عرف هذا عن أهل الأصول، وهم ليسوا من أهل الأثر، وعند المتأخرين من أهل الحديث، وعلى القول بهذا التقسيم فلا أثر له من جهة العمل بالحديث فلم يكن السلف يفرقون بين الآحاد والمتواتر بالأحكام من جهة وجوب العمل، وكان الرسول ﷺ يبعث الصحابة لدعوة الناس إلى الهدى ودين الحق، وكانت الحجة تقوم بهم، وهم آحاد، والمعتمد في الرواية على عدالة الراوي وجزمه بالرواية. وقد وجد ذلك، وعدم نقل غيره لا يصلح معارضًا لجواز عدم سماعه للحكم. فإن الرسول ﷺ كان يبلغ الأحكام للآحاد والجماعة ولا يلزم تبليغ كل حكم لجميع المكلفين. وعلى تقدير السماع: فجائز أن يعرض مانع من النقل أعني نقل غير هذا الراوي.
ثانيًا: سلمنا أن البيع بما تعم به البلوى، ولكن الحديث دليل على إثبات خيار الفسخ، وليس الفسخ مما تعم به البلوى في البيع، فإن الظاهر من الإقدام على البيع: الرغبة من كل واحد من المتعاقدين فيما صار إليه. فالحاجة إلى معرفة حكم الفسخ لا تكون عامة.
стр. 2440
ومن التأويل قولهم: إطلاق لفظ المتبايعين إنما هو يطلق حقيقة على المتشاغلين بالبيع، وهي حالة السوم، وأما قبل صدور الإيجاب والقبول، أو بعد الإيجاب والقبول فيطلق لفظ المتبايعين عليهما مجازًا، فالعاقدان إذا أبرما البيع وتراضيا فقد وقع البيع فليسا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة، كما هو الشأن في سائر أسماء الفاعل، فالمتضاربين والمتقايلين إنما يلحقهما هذا الاسم في حال التضارب والتقايل وبعد انقضاء الفعل لا يسميان به على الإطلاق وإنما يقال كانا متقايلين ومتضاربين.
وقد دلت السنة على إطلاق لفظ المتبايعين على المتساومين.
(ح-٤٠١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يبع بعضكم على بيع بعض ... الحديث (١).
ورواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وفيه: «وأن يستام الرجل على سوم أخيه» (٢).
وروى مسلم من طريق العلاء، عن أبيه.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا يسم المسلم على سوم أخيه (٣).
وروى مسلم من طريق هشام، عن محمد بن سيرين.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وفيه: ولا يسوم على سوم أخيه.
стр. 2441
وفسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم «قال مالك: وتفسير قول الرسول ﷺ فيما نرى، والله أعلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أنه إنما نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه ... » (١).
ففسر مالك النهي عن البيع بالنهي عن السوم.
ومما يؤيد أن السوم والبيع شيء واحد، أنه لم يرد اللفظان في حديث واحد، بل الحديث الواحد تارة يأتي بلفظ: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، وتارة بلفظ: لا يستام المسلم على سوم أخيه،
(ح-٤٠٢) إلا ما رواه مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، وزهير ابن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد.
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه ... الحديث وزاد عمرو الناقد في روايته: ولا يسم الرجل على سوم أخيه (٢).
وقد انتقد البيهقي رواية عمرو الناقد عن ابن عيينة، وما فيها من مخالفة، وسبق نقل كلامه بتمامه في غير هذا الموضع (٣).
وإذا كانت حقيقة معنى اللفظ ما وصفنا لم يصح الاستدلال في حديث المتبايعان بالخيار على ثبوت خيار المجلس.
فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى المتساومان متبايعين قبل وقوع العقد بينهما؟ قيل له: جائز إذا قصدا إلى البيع بإظهار السوم فيه كما نسمي القاصدين إلى
стр. 2442
القتل متقاتلين، وإن لم يقع منهما قتل بعد وكما قيل لولد إبراهيم ﵇ المأمور بذبحه: الذبيح؛ لقربه من الذبح، وإن لم يذبح ; وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢] والمعنى فيه مقاربة البلوغ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣١] وأراد به حقيقة البلوغ، فجائز على هذا أن يسمى المتساومان متبايعين إذا قصدا إيقاع العقد على النحو الذي بينا والذي لا يختل على أحد أنهما بعد وقوع البيع منهما لا يسميان متبايعين على الحقيقة كسائر الأفعال إذا انقضت زال عن فاعليها الأسماء المشتقة لها من أفعالهم إلا في أسماء المدح والذم على ما بينا في صدر هذا الكتاب ; وإنما يقال كانا متبايعين وكانا متقايلين وكانا متضاربين (١).
ويجاب عن هذا من وجوه:
منها: أن هذا الحمل قد يقبل في رواية: (المتبايعان بالخيار)، ولكنه لا يرد على رواية: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار)، وهذا اللفظ قد اتفق في تخريجه الشيخان من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر (٢).
ومنها: أن إطلاق البائعين على العاقدين بعد صدور الإيجاب والقبول حقيقة لغة وشرعًا، وإطلاق ذلك على العاقدين قبل صدور الإيجاب والقبول مجاز، عكس ما يقوله نفاة خيار المجلس. دليل ذلك من حيث اللغة: أن البائع والبيع مشتق من الفعل، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تطلق على مسمياتها إلا بعد
стр. 2443
وجود الفعل، كالقاتل، والزاني، والسارق، فإنها لا تتناول المسمى إلا بعد وجود القتل والسرقة والزنا، فكذلك البيع لا يطلق عليه اسم البائع إلا بعد وجود البيع منه، والبيع يوجد بعد إتمام العقد بالإيجاب والقبول، لا قبله.
وأما دليله من حيث الشرع، فإنه لو قال شخص لعبده: إذا بعتك فأنت حر، فإنه لا يعتق عليه بالمساومة، بل إذا تم العقد عتق عليه (١).
ومنها: أن حمل لفظ المتبايعين على المتساومين من قبيل المجاز، ولا يتحول إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الحمل يجعل تقدير الحديث: أن المتساومين بالخيار إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، وهذا تحصيل الحاصل؛ لأن كل واحد يعرف ذلك، فيصان كلام الشارع عن مثل هذا الحمل (٢).
[م-٤٤٤] وأما تفسير مالك بالنهي عن البيع على بيع أخيه بأن المراد به النهي عن السوم على سومه، فهو أمر قد اختلف فيه العلماء.
قال في الفواكه الدواني: «اختلف الناس ... فمنهم من فهم أن السوم والبيع شيء واحد، وهو الزيادة في الثمن على عطاء الغير.
ومنهم من فهم أنهما شيئان، فالسوم الزيادة في الثمن، والبيع متعلق بالمثمن: الذي هو السلعة .. » (٣).
ومن التأويل قولهم: إن المراد بالتفرق بالحديث التفرق بالأقوال، لا التفرق بالأبدان لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠]
стр. 2444
فإذا قال الزوج لزوجته: طلقتك بكذا، فقالت: قبلت. فقد بانت المرأة منه، وتفرقا بهذا القول، وإن لم يتفرقا بالأبدان.
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤].
ويقال: تشاور القوم في كذا فافترقوا عن كذا يراد به الاجتماع على قول والرضى به وإن كانوا مجتمعين في المجلس.
وعلى التسليم بأن المراد بالفرقة بالأبدان، فإن المراد بالخيار هنا خيار القبول، وذلك إذا قال البائع للمشتري: بعتك هذا بكذا، فالمشتري بالخيار في قبول ذلك ما لم يفارق صاحبه بالبدن، فإذا فارق صاحبه بالبدن سقط خياره في القبول، وتفسير الفرقة بهذا له أصل في الشرع متفق عليه، وهي الفرقة في عقد الصرف، فهي فرقة بالبدن باتفاق الفقهاء، فإذا تفرق العاقدان في عقد الصرف بالأبدان قبل القبض بطل العقد، فكذا الفرقة في مسألتنا إذا حصلت بالبدن قبل القبول بطل الإيجاب، وعلى ذلك لا دلالة في حديث ابن عمر ﵁ على خيار المجلس.
ويناقش هذا القول من وجوه:
أولًا: حمل التفرق على الأقوال، وليس على الأبدان من قبيل المجاز، ولا يتحول إلى المجاز إلا عند تعذر حمله على الحقيقة.
«قال البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين: بحمله التفرق على الأقوال، وحمله المتبايعين على المتساومين» (١).
ثانيًا: لا يقبل أن يكون اتفاق الإيجاب والقبول، وتطابقهما من قبيل التفرق، بل ذلك من قبيل التوافق والاتفاق.
стр. 2445
ثالثًا: لو سلمنا أن حديث ابن عمر يحتمل أن يكون التفرق بالأقوال، ويحتمل أن يكون التفرق بالأبدان، فإن الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما لا هما معًا، وقد قام دليل على أن المراد بالتفرق هو تفرق الأبدان بعد انعقاد البيع، وهو فعل ابن عمر، وهو راوي الحديث، وفهم أبي برزة، وهو صاحبي جليل، وهما أعلم بمعنى الحديث من غيرهما، بل إن ابن عمر لما حمله على التفرق بالأبدان نسب ذلك إلى السنة.
قال الحافظ: «ابن عمر حَمَلَه على التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة» (١).
رابعًا: كيف يفسر التفرق بالأقوال، والحديث قد رواه الشيخان من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر:
بلفظ: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا ... » (٢).
فقوله: (إذا تبايع الرجلان): دليل على أن هذا كان بعد انعقاد البيع، وليس قبله، وأن العاقدين يملكان الرجوع عن العقد بعد انعقاد البيع، وقبل التفرق.
وقوله: (وكانا جميعًا) توكيد لقوله: ما لم يتفرقا، وهو ظاهر بأن المراد بالتفرق هو التفرق بالأبدان، وليس بالأقوال.
خامسًا: أن الاحتجاج بعقد الصرف دليل عليكم، وليس لكم، فإن الفرقة في عقد الصرف تبطل العقد بعد تمام العقد، وقبل القبض، وأنتم حملتم الفرقة قبل إتمام العقد.
стр. 2446
كما أن بعضهم أجاب عن فعل ابن عمر بقوله:
«أما ما روي من فعل ابن عمر فلا دلالة فيه على أنه من مذهبه لأنه جائز أن يكون خاف أن يكون بائعه ممن يرى الخيار في المجلس فيحذر منه بذلك حذرا مما لحقه في البراءة من العيوب حتى خوصم إلى عثمان فحمله على خلاف رأيه ولم يجز البراءة إلا أن يبينه لمبتاعه، وقد روي عن ابن عمر ما يدل على موافقته وهو ما روى ابن شهاب عن حمزة بن عبد الله عن أبيه قال: ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع.
وهذا يدل على أنه يرى أن المبيع كان يدخل في ملك المشتري بالصفقة ويخرج عن ملك البائع وذلك ينفي الخيار» (١).
ويناقش:
قد يقال ذلك لو كان ابن عمر لم ينسب ذلك إلى السنة.
(ح-٤٠٣) فقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، قال عبد الله: فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال (٢).
[إسناده حسن إن شاء الله] (٣).
стр. 2447
وأما الجواب عن أثر ما أدركت الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري فقد سبق في أدلة المخالفين فأغنى عن إعادته هنا.
هذا موقف التأويل، وأما موقف النسخ .
فقد رأى بعضهم أن الحديث منسوخ، واستدل على النسخ بحديث: (المسلمون على شروطهم) وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت الخيار لكان كافيًا في رفع العقد، وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإشهاد: إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلًا (١).
كما أن ترك العمل بالحديث دليل على نسخه، قال مالك في الموطأ عن خيار المجلس: «وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به».
وإذا كان الحديث ليس معمولًا به مع ثبوته دل ذلك على نسخه.
بل زعم بعضهم أن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة، وأنه لم ير أحدًا من أهل المدينة يعمل به، وإجماع أهل المدينة عنده حجة، كما قال أبو بكر بن عمرو ابن حزم: إذا رأيت أهل المدينة قد أجمعوا على شيء فاعلم أنه الحق، وإجماعهم عند مالك أقوى من خبر الواحد.
ويناقش:
قال ابن حجر: «لا حجة في شيء من ذلك؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف، ولا تكلف» (٢).
стр. 2448
وقد سبق الجواب عن الأدلة المذكورة والتي رأى فيها المخالفون أنها ناسخة لحديث خيار المجلس عند سياق أدلة المخالفين، فأغنى عن إعادته هنا.
وأما القول بأن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة فإن كلامه ليس صريحًا في هذا، وإنما أخذ ذلك من قوله في الموطأ عن خيار المجلس: «وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به».
جاء في الاستذكار: «لا يجوز لأحد أن يدعي في هذه المسألة إجماع أهل المدينة؛ لأن الاختلاف فيها موجود بها، قال: وإنما معنى قول مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف: أي ليس للخيار عندنا حد معروف؛ لأن الخيار عنده ليس محدودًا بثلاثة أيام، كما حده الكوفيون والشافعي، بل هو على حسب حال المبيع، فمرة يكون ثلاثة أيام، ومرة أقل، ومرة أكثر، وليس الخيار في العقار كمثله في الدواب والثياب، هذا معنى قوله ذلك» (١).
وجاء في الفتح: «اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكًا ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه، قال ابن العربي: إنما لم يأخذ به مالك؛ لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة» (٢).
قال ابن عبد البر: «لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأن الاختلاف فيها بالمدينة معلوم، وأي إجماع يكون في هذه المسألة إذا كان المخالف فيها عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب، وابن أبي ذئب، وغيرهم، وهل جاء فيها منصوصًا الخلاف إلا عن أبي الزناد،
стр. 2449
وربيعة، ومالك، ومن تبعه، وقد اختلف فيها أيضًا عن ربيعة فيما ذكر بعض الشافعيين.
وقال ابن أبي ذئب - وهو من جلة فقهاء المدينة -: من قال: إن البيعان ليسا بالخيار حتى يفترقا استتيب، وجاء بقول فيه خشونة تركت ذكره، وهو محفوظ عند العلماء ... » (١).
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول الأقوى في هذه المسألة، هو قول الشافعية الحنابلة، فالأحاديث صحيحة وصريحة في ثبوت خيار المجلس، ويعتذر عن مالك ﵁ بكونه لم يأخذ بالحديث مع علمه به واطلاعه على صحته: بأنه ما من عالم إلا ترك جملة من أدلة الكتاب أو السنة لمعارض راجح عنده، وليس هذا خاصًا بمالك ﵁، وهو مأجور على اجتهاده، وهو دليل على أن العالم مهما بلغ من العلم إلا ويقع له في اجتهاده ما يجانب الصواب، وهذا لا يقدح في مكانة الإمام، ولا في علمه، ولا يدعو ذلك إلى ترك الانتفاع به لهذه المسألة أو لعشرات مثلها، وإذا كان هذا مع مالك، عالم المدينة، وهو من هو في الحفظ والإتقان، ورجوح العقل، مع إمامة في الفقه، وكمال في الورع، فكيف يكون الحال مع صغار الطلبة (٢).
стр. 2450
وقد ذكر بعض العلماء أن حديث خيار المجلس لا يعمل به اليوم مطلقًا، قال: «خيار المجلس لا عمل به عندنا الآن في العالم الإسلامي، ولا عمل به في عهد مالك، في مدينة الرسول ﷺ ... » (١).
وهذا الكلام غير كاف في رد الحديث؛ لأن ترك العمل في أكثر بلدان العالم الإسلامي اليوم إما راجع إلى أن معظم البلاد قد أخذت بالقوانين الوضعية،
стр. 2451
وهجرت الرجوع إلى التشريع الإسلامي، وإما بسبب انتشار مذهب الحنفية إبان عصر الدولة العثمانية، وأما بلادي السعودية حرسها الله فإن محاكمها الشرعية لا زالت تأخذ بخيار المجلس، وتقضي به، فلله الحمد والمنة.
стр. 2452
المبحث الثالث
في العقود التي يثبت فيها خيار المجلس
هذا الفصل إنما يبحث بناء على قول الشافعية والحنابلة ممن يذهب إلى القول بثبوت خيار المجلس، وهو الراجح، ولا يتأتى هذا البحث على مذهب من لا يثبت خيار المجلس، كالحنفية، والمالكية.
والنصوص الواردة في خيار المجلس إنما وردت في عقد البيع، وضبطه بعض الشافعية بقوله: يثبت خيار المجلس في كل معاوضة محضة واقعة على عين لازمة من الجانبين، ليس فيها تملك قهري، ولا جارية مجرى الرخص.
شرح هذا الضابط:
خرج بقوله (في كل معاوضة)، ما لا يعد من باب المعاوضات، كالهبة، والإبراء، وصلح الحطيطة، والقرض.
وخرج بقوله (معاوضة محضة) النكاح والخلع، فإنهما لا يفسدان بفساد المقابل، بخلاف البيع.
وقوله (واقعة على عين) أراد أن يخرج الإجارة، وفيها خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره، وبيان الراجح.
وقوله (لازمة من الجانبين) أخرج العقود الجائزة من الجانبين كالشركة، والقراض، وأخرج كذلك ما كان لازمًا من جانب واحد كالرهن.
وقوله (ليس فيها تملك قهري) أخرج الشفعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها.
стр. 2453
وقوله: (ولا جارية مجرى الرخص) أخرج الحوالة (١).
ويقاس على عقد البيع ما كان في معناه، كالصلح على مال عن دين أو عين أقر بهما؛ لأنه بمعنى البيع، يشترط فيه ما يشترط في البيع.
مثاله: بأن يدعي عليه ألفًا، فيقر بها، ويعطيه بدلًا من الألف عينًا أخرى، فهذا بيع، يثبت فيه خيار المجلس (٢).
أما الصلح عن دم العمد فهو صلح عن القود، فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.
وأما باقي العقود فمنها ما هو محل وفاق في عدم دخول خيار المجلس فيها، ومنها ما هو محل خلاف. وفي تحرير هذا الفصل يستحسن أن نذكر محل الوفاق بين الشافعية والحنابلة، ثم ننتقل إلى مسائل الخلاف بينهما.
* * *
стр. 2454
الفرع الأول
العقود التي لا يدخلها خيار المجلس قولًا واحدًا
[م -٤٤٥] اتفق الشافعية (١) والحنابلة (٢)
على عدم ثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة: وهي العقود التي يملك فيها كل طرف أن يفسخها متى شاء، وذلك مثل الشركة والوكالة والوديعة، والوصية، والعارية، والجعالة.
وكذلك العقود الجائزة من طرف، ولازمة من طرف آخر: وذلك مثل الرهن فهو لازم من جهة الراهن بشرطه، وجائز من جهة المرتهن، وكذلك الضمان جائز من جهة المضمون له دون الضامن.
فهذه العقود لا يثبت فيها خيار المجلس؛ وذلك لأن العقود ما دامت غير لازمة، فإنه يمكن فسخها متى شاء بأصل وضعها، فيغني ذلك عن خيار المجلس.
стр. 2455
وأيضًا لأن عقد الرهن والضمان ليسا من عقود المعاوضات، وإنما هما من عقود التوثقة، وخيار المجلس إنما ثبت في عقد البيع، وهو من عقود المعاوضة.
لأن خيار المجلس إنما ثبت في البيع، وهو عقد لازم من الطرفين، فلا يثبت إلا في عقد البيع، أو ما كان في معناه.
كما اتفق الفقهاء على أن خيار المجلس لا يثبت في عقد النكاح، والطلاق، والعتق على مال، والصلح من دم العمد إذا تعاقداه بينهما. وممن حكى الإجماع الطبري (١).
وقال النووي: «ولا خيار فيه - يعني النكاح - بلا خلاف» (٢).
قال ابن قدامة: «ولأن النكاح لا يقع غالبًا إلا بعد رؤية ونظر وتمكث، فلا يحتاج إلى الخيار بعده، ولأن ثبوت الخيار فيه مضرة لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد» (٣).
وقال الجصاص: «اتفاق الجميع على أن النكاح والخلع، والعتق على مال، والصلح من دم العمد إذا تعاقداه بينهما صح بالإيجاب والقبول من غير خيار يثبت لواحد منهما» (٤).
والصحيح أن الخلاف في الخلع محفوظ.
ولم يثبت خيار المجلس في الصلح عن دم العمد؛ لأنه في معنى العفو عن القود (٥).