وهجرت الرجوع إلى التشريع الإسلامي، وإما بسبب انتشار مذهب الحنفية إبان عصر الدولة العثمانية، وأما بلادي السعودية حرسها الله فإن محاكمها الشرعية لا زالت تأخذ بخيار المجلس، وتقضي به، فلله الحمد والمنة.
стр. 2452
المبحث الثالث
في العقود التي يثبت فيها خيار المجلس
هذا الفصل إنما يبحث بناء على قول الشافعية والحنابلة ممن يذهب إلى القول بثبوت خيار المجلس، وهو الراجح، ولا يتأتى هذا البحث على مذهب من لا يثبت خيار المجلس، كالحنفية، والمالكية.
والنصوص الواردة في خيار المجلس إنما وردت في عقد البيع، وضبطه بعض الشافعية بقوله: يثبت خيار المجلس في كل معاوضة محضة واقعة على عين لازمة من الجانبين، ليس فيها تملك قهري، ولا جارية مجرى الرخص.
شرح هذا الضابط:
خرج بقوله (في كل معاوضة)، ما لا يعد من باب المعاوضات، كالهبة، والإبراء، وصلح الحطيطة، والقرض.
وخرج بقوله (معاوضة محضة) النكاح والخلع، فإنهما لا يفسدان بفساد المقابل، بخلاف البيع.
وقوله (واقعة على عين) أراد أن يخرج الإجارة، وفيها خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره، وبيان الراجح.
وقوله (لازمة من الجانبين) أخرج العقود الجائزة من الجانبين كالشركة، والقراض، وأخرج كذلك ما كان لازمًا من جانب واحد كالرهن.
وقوله (ليس فيها تملك قهري) أخرج الشفعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها.
стр. 2453
وقوله: (ولا جارية مجرى الرخص) أخرج الحوالة (١).
ويقاس على عقد البيع ما كان في معناه، كالصلح على مال عن دين أو عين أقر بهما؛ لأنه بمعنى البيع، يشترط فيه ما يشترط في البيع.
مثاله: بأن يدعي عليه ألفًا، فيقر بها، ويعطيه بدلًا من الألف عينًا أخرى، فهذا بيع، يثبت فيه خيار المجلس (٢).
أما الصلح عن دم العمد فهو صلح عن القود، فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه.
وأما باقي العقود فمنها ما هو محل وفاق في عدم دخول خيار المجلس فيها، ومنها ما هو محل خلاف. وفي تحرير هذا الفصل يستحسن أن نذكر محل الوفاق بين الشافعية والحنابلة، ثم ننتقل إلى مسائل الخلاف بينهما.
* * *
стр. 2454
الفرع الأول
العقود التي لا يدخلها خيار المجلس قولًا واحدًا
[م -٤٤٥] اتفق الشافعية (١) والحنابلة (٢)
على عدم ثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة: وهي العقود التي يملك فيها كل طرف أن يفسخها متى شاء، وذلك مثل الشركة والوكالة والوديعة، والوصية، والعارية، والجعالة.
وكذلك العقود الجائزة من طرف، ولازمة من طرف آخر: وذلك مثل الرهن فهو لازم من جهة الراهن بشرطه، وجائز من جهة المرتهن، وكذلك الضمان جائز من جهة المضمون له دون الضامن.
فهذه العقود لا يثبت فيها خيار المجلس؛ وذلك لأن العقود ما دامت غير لازمة، فإنه يمكن فسخها متى شاء بأصل وضعها، فيغني ذلك عن خيار المجلس.
стр. 2455
وأيضًا لأن عقد الرهن والضمان ليسا من عقود المعاوضات، وإنما هما من عقود التوثقة، وخيار المجلس إنما ثبت في عقد البيع، وهو من عقود المعاوضة.
لأن خيار المجلس إنما ثبت في البيع، وهو عقد لازم من الطرفين، فلا يثبت إلا في عقد البيع، أو ما كان في معناه.
كما اتفق الفقهاء على أن خيار المجلس لا يثبت في عقد النكاح، والطلاق، والعتق على مال، والصلح من دم العمد إذا تعاقداه بينهما. وممن حكى الإجماع الطبري (١).
وقال النووي: «ولا خيار فيه - يعني النكاح - بلا خلاف» (٢).
قال ابن قدامة: «ولأن النكاح لا يقع غالبًا إلا بعد رؤية ونظر وتمكث، فلا يحتاج إلى الخيار بعده، ولأن ثبوت الخيار فيه مضرة لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد» (٣).
وقال الجصاص: «اتفاق الجميع على أن النكاح والخلع، والعتق على مال، والصلح من دم العمد إذا تعاقداه بينهما صح بالإيجاب والقبول من غير خيار يثبت لواحد منهما» (٤).
والصحيح أن الخلاف في الخلع محفوظ.
ولم يثبت خيار المجلس في الصلح عن دم العمد؛ لأنه في معنى العفو عن القود (٥).
стр. 2456
ولا يثبت خيار المجلس في الإبراء؛ لأنه يقصد به الإرفاق، ولا يقصد به المعاوضة (١).
ولا يدخل خيار المجلس في صلح الحطيطة: وهو أن يدعي عليه ألفًا، فيقر له فيها، ثم يبرئه من بعضها، ويأخذ منه الباقي، فلا خيار فيه كالإبراء (٢).
ولا يثبت خيار المجلس في القرض؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وفي القرض يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ إذا شاء، فلا معنى لخيار المجلس (٣).
ولأن القرض ليس من عقود المعاوضة.
ولا يثبت خيار المجلس في الوقف، ولا في العتق؛ ولا في الطلاق لأن ذلك ليس بيعًا (٤).
ولا يثبت خيار المجلس في الهبة إذا لم يرد بها الثواب؛ لأن خيار المجلس إنما ثبت في البيع، والهبة من عقود الإحسان، وليست من عقود المعاوضات (٥).
هذه هي المسائل التي وقفت عليها من حيث العقود التي لا يدخلها خيار المجلس بالاتفاق، وهناك مسائل اختلف فيها القول بين الشافعية والحنابلة نعرض لها إن شاء الله تعالى في الفصل اللاحق، سائلين الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 2457
الفرع الثاني
في العقود المختلف في ثبوت خيار المجلس فيها
الأول: الصرف والسلم .
[م- ٤٤٦] اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس في عقدي الصرف والسلم على قولين:
القول الأول:
يثبت فيها خيار المجلس، وهو مذهب الشافعية (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
لتناول البيع لهما، ولأن خيار المجلس شرع للنظر في الحظ في المعاوضة، وهو موجود فيهما.
القول الثاني:
لا يثبت فيهما خيار المجلس، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣)، قياسًا على خيار الشرط فإنه لا يصح فيهما.
والأول أصح، وامتناع خيار الشرط فيهما؛ لأنهما يفتقران إلى القبض في المجلس، فلو أثبتنا فيهما خيار الشرط أدى إلى أن يفترقا قبل تمامهما، وهذا لا يصح. وهذا المعنى غير موجود في خيار المجلس.
الثاني: الإقالة .
[م-٤٤٧] اختلفوا في الإقالة، هل يثبت فيها خيار المجلس؟ على قولين:
стр. 2458
القول الأول:
لا يثبت فيها خيار المجلس، باعتبار أن الإقالة فسخ، وهو قول في مذهب الشافعية (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني:
يثبت فيها خيار المجلس، إن قيل هي بيع، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
والصحيح الأول، وهو أن الإقالة فسخ، وليست بيعًا، وقد أفردت هذه المسألة بالبحث في أحكام الفسخ في آخر عقد البيع.
الثالث: عقد الشفعة
[م -٤٤٨] لا يدخل خيار المجلس الشفعة في حق المشتري؛ لأنه يؤخذ منه المبيع قهرًا (٥). واختلفوا في ثبوت الخيار للشفيع على قولين:
القول الأول:
ليس له خيار مجلس، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧).
стр. 2459
قال النووي: «ولا يثبت في الشفعة للمشتري، وفي ثبوته للشفيع وجهان مشهوران، أصحهما: لا يثبت .... وهو الراجح في الدليل أيضًا» (١).
ولأن الشفيع يستقل بانتزاع المبيع من غير رضا صاحبه، فأشبه فسخ البيع بالرد بالعيب.
القول الثاني:
له حق خيار المجلس؛ لأن الشفيع قبل المبيع بثمنه، فأشبه المشتري، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، وساقه ابن قدامة احتمالًا (٣).
«فإن أثبتناه، فقيل: معناه: أنه بالخيار بين الأخذ والترك، ما دام في المجلس مع تفريعنا على قولنا: الشفعة على الفور.
قال إمام الحرمين: هذا الوجه غلط، بل الصحيح أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك، ورده ما دام في المجلس، وهذا هو الصواب، وهي حقيقة خيار المجلس» (٤).
وقد بحثت هذه المسألة ولله الحمد بأدلتها في عقد الشفعة، فانظر هناك.
الرابع: عقد الحوالة .
[م-٤٤٩] اختلف الفقهاء في ثبوت خيار المجلس في عقد الحوالة.
قال النووي: ولا يثبت في الحوالة - يعني خيار المجلس - إن قلنا: إنها
стр. 2460
ليست معاوضة، وإن قلنا: معاوضة لم يثبت أيضًا على أصح الوجهين؛ لأنها ليست على قاعدة المعاوضات» (١).
وقال في شرح منتهى الإرادات: «ولا في حوالة - يعني: ولا يثبت خيار مجلس في حوالة - لاستقلال أحد المتعاقدين بها» (٢).
وأجود ما يعلل به هو أن الحوالة ليست من قبيل البيع. وانظر بحث هذه المسألة بتوسع في عقد الحوالة.
الخامس: في هبة الثواب .
[م -٤٥٠] اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس فيها على قولين:
القول الأول:
لا يثبت فيها الخيار، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٣).
لأنها وإن وكانت معاوضة، فليس القصد منها العوض، فلم يثبت فيها الخيار كالنكاح (٤).
القول الثاني:
يثبت فيها خيار المجلس؛ وهو قول في مذهب الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة؛ لأنه يراد بها المعاوضة، والعبرة بالعقود بمعانيها، لا بألفاظها.
стр. 2461
قال في الإنصاف: «الهبة .... إن كانت بعوض ففي ثبوت الخيار فيها روايتان، مبنيتان على أنها هل تصير بيعًا، أو يغلب عليها حكم الهبة؟ .... وجزم في التلخيص والخلاصة والبلغة بأن الخيار يثبت فيها» (١).
السادس: عقد الإجارة
[م -٤٥١] إن كانت الإجارة في الذمة فاختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس فيها على قولين:
القول الأول:
ذهب بعض الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة إلى القول بثبوت خيار المجلس فيها؛ لأنها تشبه السلم، والسلم يدخله خيار المجلس، لكونه نوعًا من البيوع (٢).
القول الثاني:
لا يثبت الخيار في الإجارة ولو كانت في الذمة، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)، وحكاه بعضهم وجهًا في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 2462
وجه هذا القول:
أن الإجارة ليست بيعًا، لأن حقيقة البيع: مبادلة المال بمال على وجه التأبيد، ولا تأبيد في الإجارة.
وإن كانت الإجارة على عين، فاختلف القول فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يثبت الخيار فيها في أصح القولين في مذهب الشافعية (١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وعلل الشافعية ذلك: بأن عقد الإجارة عقد غرر؛ إذ هو عقد على معدوم، والخيار غرر، فلا يضم غرر إلى غرر (٣).
القول الثاني:
لا يثبت خيار المجلس في الإجارة إذا كانت على مدة تلي العقد. وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وعللوا ذلك بأن الإجارة إذا كانت على مدة تلي العقد أدى خيار المجلس إما إلى تفويت بعض منافع العين مدة الخيار، أو التصرف في العين المؤجرة مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز.
القول الثالث:
يثبت الخيار في الإجارة مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وقول
стр. 2463
في مذهب الشافعية (١).
وهذا هو الصحيح؛ وعلل ذلك بأن خيار المجلس ثبت في البيع، والإجارة في حقيقتها نوع من أنواع البيع، وكونها مؤقتة لا يمنع أن تكون بيعًا.
السابع: عقد المساقاة والمزارعة .
[م-٤٥٢] اختلف الفقهاء في ثبوت خيار المجلس فيهما، بناء على اختلافهم هل عقد المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، أو من العقود اللازمة؟
فعلى القول بأنهما من العقود الجائزة، فلا يدخل فيها خيار المجلس، إذ يستغنى بجواز العقد عن ثبوت الخيار، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وعلى القول بأن العقد فيهما لازم، فقد اختلفوا في ثبوت خيار المجلس فيهما على قولين:
القول الأول:
لا يثبت فيهما خيار المجلس؛ لأن العقد فيهما لا يعتبر فيه قبض العوض في المجلس، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 2464
القول الثاني:
يثبت فيهما خيار المجلس؛ لأنهما عقدان لازمان، يقصد بهما المال، فأشبه البيع. وهو قول في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
والراجح أن عقد المساقاة والمزارعة كعقد المضاربة عقد جائز، وليس بلازم، وانظر بحث هذه المسألة في عقدي المساقاة والمزارعة، فقد بحثتها هناك، ولله الحمد.
الثامن: بيع المزايدة .
[م-٤٥٣] لا يختلف الفقهاء في أن بيع المزايدة يدخل ضمن عقد البيع، وكان الأصل أن كل ما ثبت أنه بيع، فإنه يشمله عموم قوله ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
ودعم هذا الفهم ما جاء في مواهب الجليل عن نقل العمل في مكة في زمنه، حيث يقول: «جرت العادة أيضًا بمكة أن من رجع بعد الزيادة لا يلزمه شيء ما دام في المجلس، وهذا والله أعلم مبني على القول بخيار المجلس، كما هو مذهب الشافعي، والله أعلم» (٣). اهـ كلام الحطاب.
وقد أثار بعض الباحثين المعاصرين أن الأخذ بخيار المجلس في بيع المزايدة يتضمن ضررًا بالغًا؛ وذلك أن المشتري إذا استقر عليه المزاد، ثم أظهر رغبته في السلعة تفرق الناس، فإذا رجع عن الشراء في المجلس بعد تفرق الناس
стр. 2465
يكون قد ألحق بالبائع ضررًا كبيرًا، لأنه فوت عليه فرصة اجتماع الناس للشراء، ولأن إعادة الناس إلى المزاد مرة أخرى بعد أن تفرقوا فيه مشقة كبيرة.
ودفعًا لهذا الضرر فهناك من رجح أن بيع المزاد لا يثبت فيه خيار المجلس، ورأى أن بيع المزاد مخصوص من عموم حديث (البيعان بالخيار).
يقول الشيخ عبد الله بن منيع:
«لا شك أن خيار المجلس ثابت بنص صريح عن رسول الله ﷺ ، لكن فيما يتعلق بالمزايدة، هل يمكن أن يدخل خيار المجلس في المزايدة؟ في الواقع رسول الله ﷺ أجرى المزايدة في القدح والحلس، ولم يثبت لمن باعه هاتين السلعتين، لم يثبت له الخيار، إذن ممكن أن يكون البيع بالمزايدة مخصصًا لعموم خيار المجلس: بمعنى أنه لا خيار لمن اشترى عن طريق البيع بالمزايدة، لأنه حينما يختار الرد، فمعنى ذلك أن يفوت هذه الفرصة التي قد توجد المشقة في إعادتها مرة ثانية، ورسول الله ﷺ يقول: لا ضرر ولا ضرار» (١).
ويتعقب هذا الكلام بأمرين:
الأول: أن خيار المجلس حق للمتبايعين، وليس واجبًا، فقد يقع البيع، ولا يحتاج أحد منهما إلى خيار المجلس، ويمضيان في العقد، وهذا هو الغالب في العقود، ولا يعني هذا أن خيار المجلس ليس ثابتًا.
الثاني: أن النصوص الواردة في بيع المزاد لم يكن فيها نص على نفي خيار المجلس حتى يقال: إن بيع المزاد مخصوص من العموم، غاية ما فيها أن خيار المجلس لم يتعرض له، لا في نفي ولا إثبات، فتبقى النصوص على عمومها.
стр. 2466
يقول الشيخ علي التسخيري تعقيبًا على الشيخ ابن منيع: «النصوص التي تحدثت عن عمل الرسول ﵊ لم تقل: إن الرسول ﷺ نفى خيار المجلس حتى يمكن أن تكون هذه النصوص مخصصة لعموم خيار المجلس للبيعتين والمتعاقدين إذا عممنا، فالعموم باق على حاله. فالرسول ﷺ ما قال: إنه أسقط حق الخيار في هذه العين، عمل هذا العمل دون أن نعلم أنه أسقط حق الخيار حتى تخصص عموم خيار المجلس، فخيار المجلس باق على حاله، ولا يمكننا تخصيصه بمثل هذا النص» (١).
ومن الباحثين من دفع هذا الضرر عن طريق أن يخير البائع المشتري قبل تفرق الناس ليكون البيع لازمًا قبل التفرق، أو يعود إلى المزاد قبل تفرق الناس.
وهذا الحل جيد باعتبار أنه لا يعطل النصوص العامة التي تثبت خيار المجلس، ويدفع في نفس الوقت الضرر اللاحق بالبائع من رجوع المشتري عن العقد زمن الخيار.
يقول الشيخ علي السالوس من خلال مناقشة البحوث المقدمة لمجمع الفقه الإسلامي: «المسألة الثانية تتعلق بمذهب خيار المجلس، وكما تفضل به بعض الأخوة، فإنه لو أثبتنا خيار المجلس هنا لذهبت فائدة المزايدة رأسًا، وإني مع الأخوة الذين يرجحون حديث خيار المجلس، وقد أثبتوا في كتاب شرح مسلم: أن أدلة الجمهور في ذلك أقوى، ولكن مع ذلك ربما يكون هناك مخرج أضعه أمام أصحاب الفضيلة، وهو أن النبي ﷺ عندما أثبت خيار المجلس قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا) ولقد فسر الشافعية كلمة أو يختارا: بأنه إذا قال البائع فور إتمام البيع: اختر، فإن ذلك البيع يكون لازمًا حتى قبل انقضاء
стр. 2467
المجلس، فلو كان هذا الأمر مسبقًا من قبل الإعلانات أن هذا البيع لا يكون فيه خيار المجلس، هل يدخل ذلك في مثل قول البائع: اختر، لم يقلها بعد تمام البيع ولكنه قال ذلك قبل تمامه. وحينئذ يكون هناك، مخرج لنفي خيار المجلس في هذه البيعة» (١).
التاسع: العقد الذي يتولى شخص واحد طرفيه .
[م -٤٥٤] لو تولى شخص واحد طرفي العقد، بأن يكون المشتري هو البائع: كأن يشترى لنفسه من مال ولده، أو يشتري من ماله لوله.
فقد اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس في هذه الحالة على قولين:
القول الأول:
لا يثبت خيار المجلس في مثل ذلك، وهذا وجه في مذهب الشافعية (٢)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقال القرافي المالكي: «لو صح خيار المجلس لتعذر تولي طرفي العقد، كشراء الأب لابنه الصغير، والوصي، والحاكم؛ لأن ذلك مجتمع عليه، فيلزم ترك العمل بالدليل. وعلى قولنا: لا يلزم» (٤). يعني قولهم بعدم مشروعية خيار المجلس مطلقًا.
وليس الأمر مجمعًا عليه، بل الخلاف محفوظ حتى في هذه المسألة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 2468
القول الثاني:
يثبت خيار المجلس إذا تولى شخص طرفي العقد، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١)، ووجه في مذهب الحنابلة (٢).
وبناء على هذا الوجه:
قيل: يلزم العقد بمفارقة الموضع، وهو الأصح عند الشافعية (٣).
وقيل: لا يحصل اللزوم إلا بقوله: اخترت لزوم العقد؛ لأنه لا يمكن أن يفارق نفسه وإن فارق الموضع (٤).
العاشر: شراء من يعتق عليه
[م-٤٥٥] اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس فيما لو اشترى العاقد ذا رحم محرم على قولين:
القول الأول:
يثبت فيه خيار المجلس، وهو مذهب الشافعية، بناء على أن الملك في زمن الخيار إما للبائع، أو موقوف (٥).
القول الثاني:
لا يثبت فيه خيار المجلس؛ لعتقه بمجرد العقد، وهو مذهب الحنابلة (٦).
стр. 2469
الحادي عشر: شراء العبد نفسه من سيده .
[م-٤٥٦] اختلف ا لعلماء في ثبوت الخيار في شراء العبد نفسه من سيده على قولين:
القول الأول:
يثبت فيه خيار المجلس، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
لا يثبت فيه الخيار، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وعللوا ذلك بأنها وسيلة للعتق، والعتق ليس فيه خيار مجلس. والصحيح الأول.
الثاني عشر: الخلع .
[م-٤٥٧] اختلف العلماء في الخلع هل يثبت فيه خيار المجلس؟
فقيل: يثبت؛ لأنه معاوضة، فإذا فسخ بقي الطلاق رجعيًا.
وقيل: لا يثبت؛ لأن القصد منه الفرقة دون المال، فأشبه النكاح، والقولان وجهان في مذهب الشافعية (٤).
وذكر صاحب الإنصاف عن الحاوي الكبير، فيما إذا قالت: طلقني بألف، فقال: طلقتك بها طلقة، احتمالين:
стр. 2470
أحدهما: عدم الخيار مطلقًا.
والثاني: يثبت له الخيار في الامتناع من قبض الألف، ليكون الطلاق رجعيًا (١).
الثالث عشر: الصداق .
[م-٤٥٨] قال العمراني: «اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يثبت فيه الخيار.
ومنهم من قال: يثبت إذا شرط» (٢).
ومحل التردد فيه، هل هذا التعامل في معنى البيع، لاشتماله على المعاوضة، أو لا يقصد به المعاوضة، فلا يثبت فيه الخيار.
الرابع عشر: السبق والرمي .
[م-٤٥٩] فيه قولان في ثبوت خيار المجلس وعدمه.
فإن قيل: بأنهما جعالة، فلا خيار فيهما. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وإن قيل: هما عقدان لازمان، دخلهما خيار المجلس. وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
والقولان محكيان في مذهب الشافعية:
قال العمراني: «وأما السبق والرمي، فإن قلنا: إنهما كالجعالة، فهما عقدان
стр. 2471
جائزان، فلا يثبت فيهما الخيار، وإن قلنا: إنهما كالإجارة، فقد مضى حكمهما» (١).
الخامس عشر: القسمة .
[م-٤٦٠] تنقسم القسمة إلى قسمين:
الأولى: قسمة التراضي: وهو ما كان فيها ضرر، أو رد عوض، فهذه بمعنى البيع، فيثبت فيها خيار المجلس.
الثاني: قسمة الإجبار، وهذه عكس الأولى، فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها من قبيل فرز الحق.
ولأن قسمة الإجبار لا معنى لثبوت الخيار فيها، إذ في كل لحظة يملك الإجبار، فلا يقع ثبوت الخيار في فسخها، ولأن القسمة فيها واجبة، وحيث وجبت القسمة فينبغي أن تكون لازمة، لأن أحدهما لو فسخها كان للآخر مطالبته بإعادتها، فلا فائدة في فسخها (٢).
* * *
стр. 2472
المبحث الرابع
خيار المجلس في حال اختلف مكان المتعاقدين
الفرع الأول
في البيع بالهاتف ونحوه
[ن-٤٥] قد يعقد البيع مع اختلاف مكان المتعاقدين كما في حال البيع عن طريق الهاتف، أو عن طريق الكتابة والرسالة، وسوف نتكلم أولًا على حكم الفقهاء في البيع بالهاتف، فإذا صح البيع تكلمنا في ثبوت خيار المجلس؛ لأن المسألة الثانية فرع عن المسألة الأولى.
البيع عن طريق الهاتف أصبح يمارس اليوم على نطاق واسع في محيط التعامل بين المشتغلين بأمور التجارة، ولذا يجب بسط الكلام فيه، خاصة أن الفقهاء قديمًا لم يتعرضوا لحكمه لعدم وجود الهاتف في عصرهم، ولكن يوجد من عموم كلامهم ما يستدل به على حكم البيع بالهاتف.
فقد صرح الحنفية والشافعية أن المتعاقدين لا يشترط فيهما قرب المكان ولا رؤية بعضهما البعض في صحة العقد.
فهذا ابن نجيم في البحر الرائق يصحح البيع، ولو كان بين البائع والمشتري نهر عظيم تجري فيه السفن، ثم قال: «وقد تقرر رأي في أمثال هذه الصورة على أنه إن كان البعد بحال يوجب التباس ما يقول كل واحد منهما لصاحبه يمنع، وإلا فلا، فعلى هذا الستر بينهما الذي لا يمنع الفهم والسماع لا يمنع» (١).
стр. 2473
وجاء في الفتاوى الهندية: «والبعد إن كان بحال يوجب الالتباس بقول كل واحد منهما يمنع، وإلا فلا» (١).
جاء في المجموع: «لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع» (٢).
ويقول الشيخ أحمد إبراهيم: «وأما العقد بالتليفون فالذي يظهر أنه كالعقد مشافهة، مهما طالت الشقة بينهما، ويعتبر العاقدان كأنهما في مجلس واحد، إذ المعنى المفهوم من اتحاد المجلس أن يسمع أحدهما كلام الآخر، ويتبينه، وهذا حاصل في الكلام بالتليفون، كما هو مشاهد لنا، غاية الأمر أنه يحتمل الكذب، وتصنع صوت الغير، لكن هذا قد يحصل في الرسالة والكتابة أيضًا» (٣).
ويقول الأستاذ علي الخفيف: «إذا استعملا التليفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد، وبطل بذلك الإيجاب» (٤).
وقد تبين لنا في بحث ألفاظ الإيجاب والقبول أن الشرع يعتبر الرضا هو الأساس في صحة العقود؛ لهذا أجاز الفقهاء التعاقد بالرسالة والكتابة وبالإشارة والمعاطاة، بل أجاز البيع بكل ما يدل على الرضا عرفًا، فكل ما عده الناس بيعًا فهو بيع، ومنه البيع عن طريق الهاتف.
يقول الحطاب: «واحتج المالكية بما تقدم من أن الأفعال، وإن انتفت منها الدلالة الوضعية، ففيها دلالة عرفية، وهي كافية، إذ المقصود من التجارة إنما
стр. 2474
هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منكما، فتكفي دلالة العرف في ذلك على طيب النفس والرضا بقول أو فعل» (١).
واختار النووي والمتولي والبغوي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة انعقاد البيع بكل ما يعده الناس بيعًا (٢).
وفي القانون المدني المصري: «يعتبر التعاقد بالتلفون أو بأية طريقة مماثلة كأنه تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان، وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان» (٣).
والذي قد يحتاج إلى توضيح في البيع بالهاتف ونحوه، الكلام في مسائل منها:
المسألة الأولى: قول الفقهاء اتحاد مجلس الإيجاب والقبول .
[م-٤٦١] ما الذي يقصده الفقهاء بقولهم: اتحاد مجلس العقد، أو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد؟
ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كون المتعاقدين في مكان واحد؛ لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر كما مر علينا في البيع عن طريق المكاتبة أو المراسلة، وإنما المراد باتحاد المجلس: الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد،
فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، ما لم يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل أجنبي يعتبر إبطالًا
стр. 2475
للإيجاب، كرجوع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو إعراض القابل عن هذا الإيجاب باشتغاله بشيء آخر غير العقد، فإذا لم يوجد شيء من ذلك صح القبول الصادر منه مهما طال الوقت.
وبناء عليه يكون اتحاد المجلس في العقد عن طريق الهاتف: هو زمن الاتصال، فما دامت المحادثة في شأن العقد قائمة اعتبر المجلس قائمًا، وإذا انتقلا إلى حديث آخر اعتبر المجلس منتهيًا (١).
المسألة الثانية:
[م-٤٦٢] هل يثبت خيار ما يسمى بـ (خيار المجلس) في البيع بالهاتف عند القائلين به، وهم الشافعية والحنابلة، وإذا قلنا بثبوته فكيف نكيفه.
قال النووي: «لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع، وأما الخيار:
فقال إمام الحرمين: يحتمل أن يقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته.
قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه احتمالان للإمام، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه، ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا، حصل التفرق، وسقط الخيار، هذا كلامه، والأصح في الجملة ثبوت الخيار، وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه، وينقطع بذلك خيارهما جميعًا.
стр. 2476
وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء، أو ساحة، أو كانا في بيتين من دار، أو في صحن، أوصُفَّة، صرح به المتولي، والله أعلم» (١).
وفي البيع بالهاتف اختلف الفقهاء المعاصرون في ثبوت خيار المجلس فيه على قولين:
القول الأول:
لا يوجد خيار مجلس في الهاتف؛ لأن قوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» إذا حملنا التفرق على تفرق الأبدان، وهو الصحيح، فإن الأبدان قد تفرقت، فأحدهما في المشرق، والآخر في المغرب، فقضية خيار المجلس ينبغي ألا يحدث لأن الوسائل الحديثة أحدثت لنا طريقة أو وضعًا غير موجود في حديث الخيار، ولا يدل عليه الحديث إلا بتمحص وتكلف وقياسات لا يدل عليها الحديث، فتحقيق المناط غير متحقق في هذا.
القول الثاني:
ذهب آخرون إلى أنه يمكن لنا أن نحدد مجلس العقد في بيع الهاتف.
يقول الأستاذ علي الخفيف ﵀: «إذا استعملا التليفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد ... » (٢).
وحتى نعرف القول الراجح لا بد لنا من معرفة مقصد الشارع من تشريع ما يسمى بخيار المجلس، فهو لم يقصد احترام المجلس (مكان التبايع) لذات المجلس، بل قصد أن يكون هناك فترة من الزمن بعد الإيجاب والقبول يتروى
стр. 2477
فيها كل من المتعاقدين خشية أن يحدث تسرع في الصفقة، لأن البيع قد يقع فجأة من غير ترو ولا نظر، فجعل الشارع هذا الخيار ليحق له الرجوع، وإذا كان المقصود بالمفارقة هو مفارقة مكان التبايع فالمكان قائم في كل صفقة، فالحكم يتعلق بمكانهما إن كانا حاضرين، أو تعلق الحكم باتصالهما إن كانا غائبين، وليس من شرط قيامه اتحاد المكان، وقد ناقشت فيما سبق المكان في حالة البيع بالمكاتبة والمراسلة، فالمراد بالمكان هنا هو مكان الاتصال، فإذا انقطع الاتصال بين المتصلين فقد افترقا.
المسألة الثالثة:
[م-٤٦٣] البيع بالتليفون لا يصح فيما يشترط فيه القبض الفوري إلا إذا تم القبض بعد انتهاء المكالمة مباشرة، كأن يكون لكل واحد منهما عند الآخر وكيل بالقبض مثلًا، أو نحو ذلك، فالعقود في الأموال الربوية لا يتم فيها العقد بالهاتف إلا مع هذا الضابط.
* * *
стр. 2478
الفرع الثاني
خيار المجلس في حال كان البيع عن طريق الكتابة
[م-٤٦٤] إذا تم البيع عن طريق الكتابة، فهل يثبت في هذا العقد خيار المجلس؟ اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
يثبت فيه خيار المجلس على خلاف في المجلس المعتبر:
فقيل: المعتبر مجلس المكتوب إليه وحده، ولا يعتبر للكاتب مجلس أصلًا، اختاره الغزالي والنووي من الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
جاء في المجموع: «قال الغزالي في الفتاوى: إذا صححنا البيع بالمكاتبة، فكتب إليه، فقبل المكتوب إليه ثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس القبول. قال: ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه» (١).
ولم يذكر غيره النووي، وهذا دليل على أنه هو القول الذي يرتضيه.
وجاء في مطالب أولي النهى: «ويتجه لو كان المتبايعان في بلدتين، أو بلدة واحدة، وكل واحد منهما في محلة منها، فتبايعا بمكاتبة، فيحصل تفرقهما، بمفارقة مجلس وقع فيه قبول من مشتر، أو وكيله، أو وليه» (٢).
وقيل: المعتبر مجلس كل منهما.
стр. 2479
جاء في حاشية قليوبي: «لو كان البيع بالمكاتبة، فالمعتبر مجلس كل منهما، بعد قبول المكتوب إليه، فمن فارقه منهما بطل خيارهما، كذا قاله شيخنا. فراجعه مع ما مر في البيع الذي اعتبر مجلس المكتوب إليه وحده بعد قبوله، وهو الوجه هنا» (١).
وفي حاشية الجمل: «قبل بلوغ الخبر للمكتوب إليه لا عبرة بمفارقة الكاتب محله؛ لأنه إلى الآن لم يحصل العقد، ولا خيار إلا بعد العقد، فلا يعتبر التفرق إلا بعده، فإذا بلغه الخبر اعتبر في حقه مجلس بلوغ الخبر، وفي حق الكاتب: المجلس الذي هو فيه، حين بلوغ ذلك الخبر، حتى إذا فارقه بطل خيارهما» (٢).
واعتبر البجيرمي هذا القول هو المعتمد (٣). واقتصر النووي على القول الأول، ولم يذكر القول الثاني (٤).
الراجح الأول؛ لأن الكاتب قد لا يطلع على زمن وصول الخطاب، ليراعي حقه في خيار المجلس مع اختلاف الأمكنة وتباعدها.
القول الثاني:
لا يثبت في هذا العقد خيار المجلس،
وجه هذا القول: إذا كان التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالتفرق المقارن يمنع ثبوته.
وقد أشار إلى هذا القول السنهوري في مصادر الحق، قال رحمه الله تعالى:
стр. 2480
«وإذا قبل المتعاقد الآخر في مجلس بلوغ الكتاب أو أداء الرسالة، فليس له بعد ذلك خيار المجلس ...... لأن الحديث الذي يستند إليه القائلون بخيار المجلس يقتصر على التعاقد ما بين الحاضرين، إذ يفترض أنهما لم يتفرقا» (١).
والراجح: القول الأول، ونفي خيار المجلس بعد ثبوته شرعًا في عقود البيع يحتاج إلى نص شرعي يخرج هذا الفرد من ذلك العموم، ومقاصد الشارع من مشروعية خيار المجلس ليس احترام مكان الجلوس، وإنما إعطاء حق التروي لكل واحد من المتعاقدين خشية أن يكون هناك اندفاع متسرع لقبول العقد دون تقليب نظر، وهذا موجود في عقد البيع مع اتحاد المكان، ومع اختلافه، والله أعلم.
* * *
стр. 2481
المبحث الخامس
حد التفرق بالأبدان عند القائلين بخيار المجلس
قضت أحاديث خيار المجلس أن البيع لا يلزم إلا بالتفرق، وقد رجحنا أن المراد بالتفرق: تفرق الأبدان.
[م -٤٦٥] فما هو الضابط في التفرق؟ اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
أن الضابط في التفرق: هو عرف الناس وعاداتهم؛ لأن الشارع علق عليه حكمًا، ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس، كالقبض والإحراز. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال العراقي: «لم يذكر في الحديث للتفرقة ضابطًا، ومرجعه العرف» (٢).
стр. 2482
(ث-٨٢) وقد روى مسلم من طريق ابن جريج، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا بايع رجلًا، فأراد ألا يقيله، قام، فمشى هنيهة، ثم رجع (١).
القول الثاني:
يشترط أن يبعد عن صاحبه بحيث لو كلمه على العادة من غير رفع صوت لم يسمع كلامه، اختاره أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (٢)، وقال به بعض الحنابلة (٣).
القول الثالث:
يبطل الخيار ولو لم يتفرقا، إذا شرعا في أمر آخر، وأعرضا عن أمر العقد، وطال الفصل، اختاره بعض الشافعية (٤).
ولعل هذا القول اعتبر ما يبطل الإيجاب، يبطل الخيار.
القول الرابع:
ضابط التفرق: أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، وهذا قول الأوزاعي (٥).
стр. 2483
الراجح من الخلاف:
القول الأول هو أصح الأقوال، قال ابن حجر: «والمشهور الراجح من مذاهب العلماء في ذلك، أنه موكول إلى العرف، فكل ما عد في العرف تفرقًا حكم به، وما لا فلا، والله أعلم» (١).
[م-٤٦٦] لم يعتبر الشافعية والحنابلة النوم في مجلس واحد تفرقًا يلزم به البيع، لأن النائمين لم يفترقا بأبدانهما (٢).
قال النووي: «إذا ناما في المجلس فلا ينقطع خيارهما بلا خلاف، صرح به المتولي وغيره؛ لأن النوم لا يسمى تفرقًا» (٣).
وقد فات هذا العلامة السيوطي ﵀، حين قال في الأشباه والنظائر:
«لا ينقطع خيار المجلس بالجنون والإغماء على الصحيح، ولم أر من تعرض للنوم» (٤).
* * *
стр. 2484
المبحث السادس
في خيار المجلس حال الإكراه
الفرع الأول
الإكراه على البقاء معا
[م-٤٦٧] إذا أكره المتعاقدان على البقاء معًا فالخيار باق لهما؛ لعدم التفرق بالأبدان، ولم أقف فيه على خلاف بين الشافعية والحنابلة الذين يقولون بخيار المجلس (١).
وأشار في تصحيح الفروع أن الإكراه على التفرق هو الذي حصل فيه خلاف، أي ولم يحصل خلاف في بقاء الخيار مع الإكراه على البقاء معًا (٢).
стр. 2485
الفرع الثاني
في الإكراه على التفرق
المسألة تقع على طريقتين: إما أن يكره المتعاقدان على التفرق، أو يكره أحدهما.
الطريقة الأولى:
[م-٤٦٨] إذا أكره المتعاقدان على التفرق، فقد اختلف العلماء في حكم هذا التفرق على قولين:
القول الأول:
يبطل خيارهما؛ لأن الرضا في الفرقة غير معتبر، ألا ترى أنه يحق لأحد المتعاقدين أن يفارق صاحبه بدون رضاه، فإذا كان لا يعتبر الرضا من أحد الجانبين فكذلك منهما، ولأن كل واحد منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر له، فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
إن أكرها معًا لم يبطل خيارهما، وهو مذهب الشافعية (٢)، والمشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٣).
واستدلوا على ذلك:
أولًا: أن فعل المكره لا يعتد به شرعًا.
стр. 2486
وثانيًا: أن عقد البيع إذا كان لا ينعقد مع الإكراه، فكذلك لا يلزم البيع مع الإكراه، وإذا لم يلزم دل ذلك على بقاء الخيار لهما في المجلس الذي زال عنهما الإكراه فيه حتى يتفرقا.
وفي نهاية المحتاج: «فلو زال الإكراه كان موضع زوال الإكراه كمجلس العقد، فإن انتقل منه إلى غيره بحيث يعد مفارقًا له، انقطع خياره، ومحله كما هو ظاهر، حيث زال الإكراه في محل يمكنه المكث فيه عادة، أما لو زال، وهو في محل لا يمكن المكث فيه عادة، كلجة ماء، لم ينقطع خياره بمفارقته؛ لأنه في حكم المكره على الانتقال منه؛ لعدم صلاحية محله للجلوس» (١).
الراجح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما أجد أن القول الأول فيه قوة، إلا أن القول الثاني أقوى من حيث القواعد: وهو أن فعل المكره لا يعتد به شرعًا، وقد صوبه المرداوي في تصحيح الفروع (٢)، والله أعلم.
وقال ابن عقيل: إذا رأى المتبايعان وهما في مجلس التبايع، سبعًا، أو ظالمًا خشياه، فهربا فزعًا منه، أو حملهما من مجلس التبايع سيل، أو فرقتهما ريح، فكإكراه (٣).
الطريقة الثانية:
[م -٤٦٩] إذا أكره أحد المتعاقدين دون الآخر، فهل يبطل الخيار؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 2487
القول الأول:
لا يبطل خيار المكره فقط دون صاحبه، لأن المكره معذور بالإكراه، وأما صاحبه فقد كان تفرقه باختياره، لأنه كان يمكنه أن يتبعه، أو يختار فسخ البيع قبل مفارقة صاحبه وهذا هو المذهب عند الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
واختار الشافعية أن خيار المكره لا ينقطع ولو كان قادرًا على الكلام.
جاء في مغني المحتاج: «لا ينقطع خياره إذا أكره على الخروج، ولو لم يسد فمه؛ لأن فعل المكره كلا فعل، والسكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار، كما في المجلس» (٣).
القول الثاني:
يبطل خياره وإن كان مكرهًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤).
وعللوا ذلك:
بأنه إذا كان لصاحبه أن يفارقه بدون رضاه، ويبطل خياره بذلك، فكذلك يبطل خياره إذا فارق صاحبه، ولو بدون رضاه.
القول الثالث:
إن كان يقدر على كلام يقطع به خياره انقطع، وإلا فلا. اختاره بعض الحنابلة (٥).
стр. 2488
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بأن خيار المكره لا ينقطع أقوى من حيث الاستدلال، والله أعلم.
* * *
стр. 2489
المبحث السابع
إبطال الخيار بالجنون والإغماء
[م-٤٧٠] اتفق الشافعية والحنابلة على أن العاقد إذا جن أو أغمي عليه في مجلس العقد لم يبطل خياره (١).
[م -٤٧١] وإذا فارق المجلس خلال جنونه فخياره باق، ولا حكم لفعله.
قال في الحاوي: «إذا جن أحد المتبايعين في خيار المجلس، فالخيار ثابت لا ينقطع بما حدث من الجنون؛ لأن الحقوق لا تبطل بحدوثه، وسواء فارق المجنون المجلس أو قام فيه؛ لأن فعل المجنون لا حكم له، فلم ينقطع الخيار بفراقه، وينتقل الخيار عنه إلى وليه، كما ينتقل خيار الميت إلى وارثه، ويكون الخيار باقيًا لولي المجنون ووارث الميت ما لم يعلما بالحال، ولم يفارق العاقد الآخر المكان» (٢).
وجاء في الإنصاف: «لو جن قبل المفارقة والاختيار فهو على خياره» (٣).
[م -٤٧٢] وهل ينوب عنه وليه؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 2490
القول الأول:
وليه يقوم مقامه، وإن لم يكن له ولي قام الحاكم مقامه، وهذا مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني:
لا يقوم الولي مقامه، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة؛ لأن الرغبة في المبيع وعدمها لا تعلم إلا من جهته (٣).
جاء في مطالب أولي النهى «ولا يثبت الخيار لوليه على الصحيح من المذهب» (٤).
* * *