وثانيًا: أن عقد البيع إذا كان لا ينعقد مع الإكراه، فكذلك لا يلزم البيع مع الإكراه، وإذا لم يلزم دل ذلك على بقاء الخيار لهما في المجلس الذي زال عنهما الإكراه فيه حتى يتفرقا.
وفي نهاية المحتاج: «فلو زال الإكراه كان موضع زوال الإكراه كمجلس العقد، فإن انتقل منه إلى غيره بحيث يعد مفارقًا له، انقطع خياره، ومحله كما هو ظاهر، حيث زال الإكراه في محل يمكنه المكث فيه عادة، أما لو زال، وهو في محل لا يمكن المكث فيه عادة، كلجة ماء، لم ينقطع خياره بمفارقته؛ لأنه في حكم المكره على الانتقال منه؛ لعدم صلاحية محله للجلوس» (١).
الراجح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما أجد أن القول الأول فيه قوة، إلا أن القول الثاني أقوى من حيث القواعد: وهو أن فعل المكره لا يعتد به شرعًا، وقد صوبه المرداوي في تصحيح الفروع (٢)، والله أعلم.
وقال ابن عقيل: إذا رأى المتبايعان وهما في مجلس التبايع، سبعًا، أو ظالمًا خشياه، فهربا فزعًا منه، أو حملهما من مجلس التبايع سيل، أو فرقتهما ريح، فكإكراه (٣).
الطريقة الثانية:
[م -٤٦٩] إذا أكره أحد المتعاقدين دون الآخر، فهل يبطل الخيار؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 2487
القول الأول:
لا يبطل خيار المكره فقط دون صاحبه، لأن المكره معذور بالإكراه، وأما صاحبه فقد كان تفرقه باختياره، لأنه كان يمكنه أن يتبعه، أو يختار فسخ البيع قبل مفارقة صاحبه وهذا هو المذهب عند الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
واختار الشافعية أن خيار المكره لا ينقطع ولو كان قادرًا على الكلام.
جاء في مغني المحتاج: «لا ينقطع خياره إذا أكره على الخروج، ولو لم يسد فمه؛ لأن فعل المكره كلا فعل، والسكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار، كما في المجلس» (٣).
القول الثاني:
يبطل خياره وإن كان مكرهًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤).
وعللوا ذلك:
بأنه إذا كان لصاحبه أن يفارقه بدون رضاه، ويبطل خياره بذلك، فكذلك يبطل خياره إذا فارق صاحبه، ولو بدون رضاه.
القول الثالث:
إن كان يقدر على كلام يقطع به خياره انقطع، وإلا فلا. اختاره بعض الحنابلة (٥).
стр. 2488
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بأن خيار المكره لا ينقطع أقوى من حيث الاستدلال، والله أعلم.
* * *
стр. 2489
المبحث السابع
إبطال الخيار بالجنون والإغماء
[م-٤٧٠] اتفق الشافعية والحنابلة على أن العاقد إذا جن أو أغمي عليه في مجلس العقد لم يبطل خياره (١).
[م -٤٧١] وإذا فارق المجلس خلال جنونه فخياره باق، ولا حكم لفعله.
قال في الحاوي: «إذا جن أحد المتبايعين في خيار المجلس، فالخيار ثابت لا ينقطع بما حدث من الجنون؛ لأن الحقوق لا تبطل بحدوثه، وسواء فارق المجنون المجلس أو قام فيه؛ لأن فعل المجنون لا حكم له، فلم ينقطع الخيار بفراقه، وينتقل الخيار عنه إلى وليه، كما ينتقل خيار الميت إلى وارثه، ويكون الخيار باقيًا لولي المجنون ووارث الميت ما لم يعلما بالحال، ولم يفارق العاقد الآخر المكان» (٢).
وجاء في الإنصاف: «لو جن قبل المفارقة والاختيار فهو على خياره» (٣).
[م -٤٧٢] وهل ينوب عنه وليه؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 2490
القول الأول:
وليه يقوم مقامه، وإن لم يكن له ولي قام الحاكم مقامه، وهذا مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني:
لا يقوم الولي مقامه، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة؛ لأن الرغبة في المبيع وعدمها لا تعلم إلا من جهته (٣).
جاء في مطالب أولي النهى «ولا يثبت الخيار لوليه على الصحيح من المذهب» (٤).
* * *
стр. 2491
المبحث الثامن
إذا خرس أحد العاقدين في مجلس الخيار
[م-٤٧٣] اتفق الشافعية والحنابلة بأن العاقد إذا خرس في مجلس الخيار، فإن كانت له إشارة مفهومة، أو خط قام ذلك مقام لفظه، وإن لم تكن له إشارة، أو كانت له إشارة غير مفهومة، ولم يكن له خط، كان في حكم المغمى عليه، يقوم وليه أو الحاكم مقامه عند الشافعية (١).
ويقوم أبوه أو وصيه أو الحاكم عند الحنابلة.
يقول ابن قدامة: «وإن خرس أحدهما قامت إشارته مقام لفظه، فإن لم تفهم إشارته .... قام وليه من الأب، أو وصيه، أو الحاكم» (٢).
* * *
стр. 2492
المبحث التاسع
مفارقة العاقد خوفًا من الفسخ
[م-٤٧٤] اختلف العلماء في العاقد يفارق الآخر في المجلس بغير إذنه، خشية أن يفسخ العقد على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
يكره، وهو مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
يجوز، وهو رواية عن أحمد (٢).
القول الثالث:
لا يجوز، وهو رواية ثانية عن أحمد، اختارها أبو بكر (٣)، وابن قدامة (٤)،
стр. 2493
ورجحها ابن تيمية (١)، وابن القيم من الحنابلة (٢).
دليل من قال: لا يجوز:
الدليل الأول:
(ح-٤٠٤) ما رواه أحمد من طريق ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن جده، أن النبي ﷺ قال: البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله (٣).
وأجيب:
بأن حديث (لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) تفرد به عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، وكل من روى أحاديث خيار المجلس لم يذكر هذه الزيادة، وأين أحاديث الصحيحين وغيرها من الأحاديث الصحيحة ممن حفظت لنا خيار المتبايعين (خيار المجلس) عن هذه الزيادة التي لو كانت محفوظة لجاءت بأسانيد صحيحة (٤).
الدليل الثاني:
مقصود الشارع من مشروعية خيار المجلس في البيع ليحصل تمام الرضا الذي شرطه تعالى في العقد ; فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريما يتروى فيه المتبايعان ويعيدان النظر ويستدرك كل واحد منهما عيبا كان خفيًا. فلو بادر
стр. 2494
أحد المتعاقدين من النهوض في الحال، والمبادرة إلى التفرق حتى لا يختار الآخر فسخ البيع لكان في ذلك حيلة على إسقاط حق الغير، وتفويت المصلحة عليه من الاستفادة من ممارسة حقه، والنظر في الأحظ له من إمضاء البيع أو فسخه، وبالتالي يفوت عليه المقصود من مشروعية الخيار بالنسبة إليه وهب أنك أنت الذي اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروى فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار فلا يجوز حتى يخيره ; فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة من صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم (١).
دليل من قال: يكره:
استدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده السابق، وفسروا قوله: (لا يحل له أن يفارقه) بأن لفظ الحل في الخبر محمول على الإباحة المستوية الطرفين، وليس معنى ذلك التحريم.
قال ابن عبد البر: «قوله: (لا يحل له) لفظة منكرة، فإن صحت فليست على ظاهرها، لإجماع المسلمين أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه، ولا يقيله إلا أن يشاء، وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب، وإلا فهو باطل بإجماع» (٢).
وقال أيضًا: «حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله، فإن هذا معناه إن صح على الندب .... وقد كان
стр. 2495
ابن عمر ﵄، - وهو الذي روى حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا - إذا بايع أحدًا، وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلًا، ثم رجع» (١).
دليل من قال: يجوز له أن يفارقه حتى لا يفسخ البيع:
الدليل الأول:
(ح-٤٠٥) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: سمعت نافعًا،
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أو يكون البيع خيارًا.
قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه (٢).
ورواه مسلم من طريق ابن جريج، عن نافع به، وفيه:
قال نافع: فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا، فأراد أن لا يقيله، قام، فمشى هنيهة، ثم رجع (٣).
الدليل الثاني:
ما سبق نقله من كلام ابن عبد البر ﵀ حيث قال في التمهيد: «إجماع المسلمين أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه، ولا يقيله إلا أن يشاء، وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب، وإلا فهو باطل بإجماع» (٤).
стр. 2496
الدليل الثالث:
لو منع أحد العاقدين من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة.
الراجح من الخلاف:
بعد ذكر خلاف العلماء، وذكر الأدلة، أرى أن الاحتجاج بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه، عن جده لا يتمشى مع القواعد الحديثية بصرف النظر عن المسألة من الناحية الفقهية.
وحكاية الإجماع التي ساقها ابن عبد البر على جواز أن يفارقه حتى لا يقيله في النفس منها شيء مع ثبوت الخلاف عن أحمد في إحدى الروايتين عنه.
ويبقى النظر في المعنى، فإن مفارقة العاقد مجلس العقد خشية أن يستقيله تتضمن إسقاط حق الغير من التروي وتقليب النظر، وهل يصل هذا إلى التحريم مع فعل ابن عمر ﵁ مع ما أوتيه من فقه وورع، أو نقول بالكراهة، هذا هو محل النظر والاجتهاد، وأجدني أميل إلى القول بالكراهة، خاصة أنه قد يقال: يمكن للعاقد الآخر أن يتبع أخاه فلا يتمكن من الاستقلال بالمفارقة، فإذا منعه من اتباعه كان هذا بمثابة الإكراه على التفرق، وقد سبق بحثها، والله أعلم.
وهذه المسألة قريبة من مسألة أخرى بحثها بعض الفقهاء تحت مسمى: لو هرب أحد العاقدين، فهل يبطل خيارهما، وهذا ما سنتطرق إليه إن شاء الله تعالى في المسألة التالية.
* * *
стр. 2497
المبحث العاشر
التفرق بالهرب هل يبطل الخيار
[م-٤٧٥] إذا هرب أحد العاقدين فإن كان مكرهًا على الهرب فقد سبق حكم الإكراه على التفرق، وإن هرب مختارًا، فقد اختلف العلماء هل هروبه يقطع خيارهما؟
فذهب أكثر الشافعية، بأنه لو هرب أحد العاقدين، ولم يتبعه الآخر أنه ينقطع خيارهما.
قال النووي: «لو هرب أحد العاقدين، ولم يتبعه الآخر، فقد أطلق الأكثرون أنه ينقطع خيارهما .... » (١).
قال النووي في الروضة: وهو الأصح، وعلل ذلك بأنه يمكنه الفسخ بالقول (٢).
وقال في مغني المحتاج: «وقضية التعليل الأول: أنه لو لم يتمكن من الفسخ بالقول بقي خياره حتى يتمكن منه» (٣).
ووافق الحنابلة مذهب الشافعية في هذا، قال ابن قدامة: «ولو هرب أحدهما من صاحبه لزم العقد؛ لأنه فارقه باختياره، ولا يقف لزوم العقد على رضاهما، ولهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم البيع» (٤).
стр. 2498
وقيل: إن كان يمكنه أن يتبعه فلم يتبعه بطل خيارهما، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب دون الآخر. وهذا قول في مذهب الشافعية (١).
وقدم النووي القول الأول عليه، وعلل ذلك: بأنه إذا كان لا يمكنه أن يتبعه كان بإمكانه أن يفسخ العقد بالقول.
ويتعقب هذا من ثلاثة وجوه:
الأول: بأن السكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار، كما في المجلس.
الثاني: أن مذهب الشافعية بأن المكره على مفارقة المجلس باق على خياره، ولو كان يمكنه الفسخ بالقول، فهذا مثله.
الثالث: أن يقال: إن في هروب أحد العاقدين حيلة على إسقاط حق الآخر في التروي، وتقليب النظر حتى يتبين له الأحظ، فإن إلجاء العاقد الآخر إلى القبول دون ترو، أو إقدامه على فسخ العقد دون أن يتبين ما هو الأحظ له، في ذلك تعد على حقه الذي أعطاه الشارع، ولذلك قلت: إن هذه المسألة هي قريبة من المسألة السابقة، وهو إذا فارقه خشية أن يستقيله، إن لم تكن هي عينها، ومع ذلك اختلفت الأقوال في المسألتين بين المذاهب، والله أعلم.
الراجح:
ما رجحته في مسألة (إذا فارقه خشية أن يستقيله) أرجحه هنا، لأن المسألتين واحدة، والله أعلم.
* * *
стр. 2499
المبحث الحادي عشر
ملك المبيع زمن خيار المجلس
[م-٤٧٦] إذا تم البيع بين العاقدين، فإن لكل واحد منهما الفسخ زمن خيار المجلس، بناء على القول الراجح، والذي مشى عليه مذهب الشافعية والحنابلة، والسؤال الذي يطرح نفسه: من يستحق الملك للمبيع والثمن قبل التفرق، وبعد العقد؟
اختلف الفقهاء القائلون بخيار المجلس في هذه المسألة إلى أربعة أقوال:
القول الأول:
أن ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع، رجحه جماعة من الشافعية (١)، ونص عليه الشافعي في زكاة الفطر (٢)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
القول الثاني:
أن البائع باق على ملكه للمبيع، والمشتري باق على ملكه للثمن إلى حين
стр. 2500
لزوم العقد. وهو قول في مذهب الشافعية (١)، قال الماوردي: نص عليه في كتاب الأم (٢)، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٣).
القول الثالث:
أنه موقوف، فإن تم البيع بَانَ حصول الملك للمشتري من وقت البيع، وإلا بَانَ أن ملك البائع لم يزل، وكذا يتوقف في الثمن، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
القول الرابع:
أنه لا خلاف في المسألة، والأقوال الثلاثة تنزل على أحوال مختلفة، فإن كان خيار المجلس للمشتري وحده كان الملك له وحده، وهذا هو القول الأول، وإن كان الخيار للبائع وحده كان الملك للبائع وحده، وهذا هو القول الثاني، وإن كان الخيار لهما، فهو موقوف إلى حين لزوم العقد. اختاره بعض الشافعية (٥).
стр. 2501
فإن قيل: كيف يتصور أن يكون خيار المجلس لأحدهما: فالجواب: يتصور ذلك فيما إذا اختار أحدهما لزوم العقد، والآخر لم يختر شيئًا (١).
دليل من قال: الملك للمشتري بنفس العقد:
الدليل الأول:
(ح-٤٠٦) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله.
عن أبيه، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ بين في هذا الحديث أن من باع نخلًا فإن الملك ينتقل للمشتري مباشرة بنفس العقد، ولم يستثن من ذلك إلا ثمرة النخل بعد أن تؤبر، فإنها تبقى على ملك البائع إلا أن يشترطها المبتاع.
كما بين ﷺ أن من باع عبدًا فإن الملك ينتقل للمشتري مباشرة بنفس العقد، ولم يستثن من ذلك إلا مال العبد، فإنه للبائع إلا أن يشترطه المشتري، فدل على أن الملك ينتقل مباشرة بنفس العقد.
стр. 2502
ولو كان الملك لا يحصل للمشتري زمن الخيار لاستثناه النبي ﷺ كما استثنى الثمرة المؤبرة، ومال العبد، وكما قيل: الاستثناء معيار العموم، فلما لم يستثن إلا ما ذكر دل على أن ما عداه قد دخل ملك المشتري.
الدليل الثاني:
(ث-٨٣) ما رواه الطحاوي من طريق بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن حمزة بن عبد الله.
أن عبد الله بن عمر قال: ما أدركت الصفقة حيًا، فهو من مال المبتاع.
[إسناده صحيح، وهو موقوف] (١).
دل الأثر على أن ما أدركته الصفقة حيًا، فهو من مال المبتاع، وهذا يدل على أن ملكية المعقود عليه انتقلت إلى المشتري بمجرد الصفقة.
الدليل الثالث:
من النظر: أن ثبوت الخيار لا يمنع ملك المبيع، كما لو اشترى رجل سلعة، ووجد بها عيبًا، فإن للمشتري الخيار بين الإمساك والرد، وهذا الخيار لا ينافي الملك، فكذلك خيار المجلس لا ينافي ملك المشتري للمبيع.
الدليل الرابع:
إذا كان البيع مع وجود خيار المجلس بيعًا صحيحًا، قد توفرت شروطه، وتمت أركانه، فينتقل الملك في أثره، ولا معنى لمنع انتقال الملك بهذا البيع، وقد بينا بأن الخيار لا ينافي الملك.
стр. 2503
دليل من قال: المبيع للبائع والثمن للمشتري إلى حين لزوم العقد .
الدليل الأول:
(ح-٤٠٧) ما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا بيع بينهما حتى يتفرقا) معلوم أنه ﷺ لم يرد به أنه لا عقد بينهما؛ لأن العقد قد وجد، فعلم أنه أراد: لا حكم للبيع بينهما ما لم يتفرقا.
ويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: الحديث لا بد فيه من التأويل، لأن قوله (كل بيعين) أثبت أن هناك متبايعين، ولا يقال: بائعان إلا إذا كان هناك بيع، وعليه فيجب أن يكون نفي البيع بقوله: (فلا بيع بينهما حتى يتفرقا) غير المثبت في أول الحديث، وإلا كان هناك تناقض، فيكون معنى: لا بيع بينهما أي لا بيع لازم إلا بالتفرق، وإلا فإن التفرق وحده ليس عقدًا حتى يقال: إن التفرق حصل به البيع، وإنما التفرق حصل به لزوم البيع، وبينهما فرق.
الوجه الثاني:
حديث ابن عمر ورد بلفظين، فإما أن نحمل أحد اللفظين على الآخر، ونرى أن معناهما واحد، ولا نرى أن بينهما اختلافًا، أو أن نرجح بين اللفظين:
فإن حملنا أحد اللفظين على الآخر: فيكون الحديث بلفظ: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا) موافقًا في المعنى للفظ الحديث: (المتبايعان بالخيار حتى
стр. 2504
يتفرقا)، وتكون دلالتهما واحدة: فهما يدلان على أن وقوع البيع يكون بالعقد، ولزوم البيع يكون بالتفرق.
فقوله (لا بيع بينهما) أي لا بيع لازم، ليكون موافقًا في المعنى لقوله (البيعان بالخيار)
وقوله (حتى يتفرقا) قد وردت في كلا اللفظين. وهذا ما أميل إليه.
أو نرجح بين اللفظين: فنرى أن لفظ حديث ابن عمر (البيعان بالخيار حتى يتفرقا) مطابق للفظ حديث حكيم بن حزام، وأبي برزة وغيرهما، ويكون هو المحفوظ من النص المعصوم، وأن يكون لفظ الحديث (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا) قد روي بالمعنى، وبالتالي لا يستنبط منه حكم يعارض به لفظ الجماعة. وهذا يتطلب منا أن نتتبع حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر لنرى هل هناك تفرد بهذا اللفظ، أو لا؟ وهل اختلف عليه في لفظه أو لم يختلف عليه (١).
الدليل الثاني:
لما كان للبائع أن يفسخ العقد مع سلامة الثمن، دل على أن المشتري لم يملك أصله بأصل القبول.
وسوف نذكر في أدلة القول التالي الجواب عن الاستدلال بحق الفسخ على عدم حصول الملك إن شاء الله تعالى.
دليل من قال: الملك موقوف إلى أن ينتهي الخيار بالتفرق أو التخاير:
الدليل الأول:
من حقوق الملك جواز التصرف فيه، فإذا كان الإنسان ممنوعًا من التصرف كان ذلك دليلًا على عدم انتقال الملك، وإذا نظرنا إلى كل من البائع والمشتري وجدناه ممنوعًا من التصرف زمن الخيار، فإما أن نقول: إن الثمن والمثمن بلا
стр. 2515
مالك وهذا لا يمكن مع قيام العقد، أو نقول: إن الملك موقوف إلى أن يختار كل منهما لزوم العقد، وهذا هو المتعين.
وأجيب:
بأنه لا تلازم بين ثبوت الملك والمنع من التصرف:
فالمرهون ملك للراهن، وهو ممنوع من التصرف فيه من أجل حق المرتهن.
وكذا مال الصبي، فإن ملكه للمال صحيح، وتصرفه فيه غير صحيح، فالمنع من التصرف ليس لعدم ثبوت الملك، وإنما حتى لا يؤدي التصرف إلى إبطال حق الغير، من جواز الرجوع عن العقد.
الدليل الثاني:
لا بد من القول بالوقف؛ لأننا لا يمكن لنا أن نقول: إن المشتري قد ملك المبيع؛ لأن البائع يملك حق فسخ البيع، ولا يمكن لنا أن نقول: إن ملك البائع لم يزل؛ لأن سبب زوال الملك وهو العقد قد وجد، فلم يبق إلا أن نقول: إنه موقوف إلى أن ينتهي الخيار.
ويجاب:
حق الفسخ لأحد العاقدين لا ينافي ثبوت الملك للطرف الآخر، لوجهين:
الوجه الأول:
إذا كان خيار العيب يعطي صاحبه حق الفسخ، وهو لا ينافي ثبوت الملك، فكذلك هنا.
الوجه الثاني:
أن حق الفسخ قد يكون دليلًا على انتقال الملك؛ لأن ملك المبيع لو كان
стр. 2516
باقيًا للبائع لم يحتج الأمر إلى فسخ، فالفسخ: هو رفع لما ثبت شرعًا، وهو الملك.
الراجح من الأقوال:
بعد استعراض أدلة الأقوال، أجد أن مذهب الحنابلة هو الراجح؛ نظرًا لقوة أدلته، والجواب عن أدلة الأقوال الأخرى، وأن العقد الصحيح يفيد الملك، وأن الخيار لا ينافي الملك، وإنما يعطي صاحبه حق الرد لا أكثر، والله أعلم.
* * *
стр. 2517
الفرع الأول
ملك النماء في زمن الخيار
[م-٤٧٧] في المسألة السابقة بحثنا ملك المبيع وملك الثمن زمن خيار المجلس، وفي هذه المسألة نريد أن نعرف من يستحق نماء المبيع و نماء الثمن في زمن خيار المجلس، وذلك أن المال من طبيعته أنه ينمو ويزيد، فإذا زاد المبيع أو الثمن بعد البيع، وقبل التفرق من المجلس فمن يملك هذه الزيادة، سواء اختار العاقدان إمضاء العقد، أو اختارا فسخه، وقبل الإجابة على هذا يجب أن نقسم النماء إلى قسمين:
نماء متصل، لا ينفصل عن المبيع، وذلك مثل: البرء من المرض، والحمل قبل الوضع، والسمن.
ونماء منفصل: وهي على نوعين:
متولدة من الأصل: كالولد، والبيض، واللبن، والصوف، والثمرة.
وغير متولدة من الأصل: كالكسب، والمهر، وما يوهب له، وما يوصى له به، ونحو ذلك .. وسوف نعرض لكل مسألة على انفراد.
* * *
стр. 2518
المسألة الأولى
ملك النماء المتصل زمن الخيار
[م-٤٧٨] اختلف الفقهاء في النماء المتصل زمن الخيار من يستحقه؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن كان الخيار لأحدهما فالملك في المبيع مع توابعه المتصلة لمن انفرد بالخيار من بائع أومشتر.
وإن كان الخيار لهما فموقوف، فإن تم البيع، فنماء المبيع للمشتري من حين العقد، وإن فسخ، بقي نماء المبيع للبائع، ونماء الثمن للمشتري وهذا مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
النماء المتصل تابع للمبيع، سواء تم البيع، أو فسخ، كما يتبعه في الرد
стр. 2519
بالعيب. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
القول الثالث:
النماء للمشتري، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣)، واختاره شيخنا ابن عثيمين (٤).
دليل الشافعية على أن النماء لمن انفرد بالخيار، وإن كان لهما فموقوف:
ملك النماء تبعًا لملك المبيع، فمن ملك المبيع ملك النماء، ويستحق الملك من يملك التصرف، فمن انفرد بالخيار كان هو وحده متصرفًا في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك. وإن كان الخيار لهما كان الملك موقوفًا إلى حين
стр. 2520
لزوم العقد؛ لأن كل واحد منهما ممنوع من التصرف، ولأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، فتوقفنا، والله أعلم.
ويناقش:
سبق الجواب على أدلة الشافعية حين الكلام على من يستحق الملك زمن الخيار، وأن المنع من التصرف لا ينافي الملك، فأغنى عن إعادته هنا.
تعليل الحنابلة على أن النماء المتصل تبع للمبيع:
علل الحنابلة بأن النماء المتصل إنما هو تبع للعين لتعذر انفصاله عن العين، فالسمن مثلًا لا يمكن استحقاقه وحده، لتعذر انفصاله عن الأصل (١).
وأجيب:
بأن النماء إذا كان لا يمكن فصله عن العين، فإن هذا لا يعني أن المشتري لا يستحق قيمة تلك الزيادة الحادثة في ملكه، فيرد الزيادة تبعًا للعين، ويأخذ قيمتها لحدوثها في ملكه.
ورد هذا:
بأننا إذا ألزمنا البائع أن يدفع قيمة تلك الزيادة، فإن هذا يعني أننا نلزمه بمعاوضة لم يلتزمها، فهذا عقد بيع جديد يفتقد إلى الرضا، والذي هو شرط في صحة البيع.
دليل من قال: إن النماء للمشتري:
الدليل الأول:
جميع الأدلة التي سقناها على ثبوت الملك للمشتري مدة الخيار، وإذا كان الملك له، كان النماء له أيضًا، لأنه حدث في ملكه.
стр. 2521
الدليل الثاني:
(ح-٤٠٨) روى أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقد قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٢).
الدليل الثالث:
ولأن النماء المتصل قد يكون أنفع من المنفصل وأغلى عند الناس، فإذا فسخ البيع يقوم المبيع حين العقد، ويقوم حين الفسخ، والفرق بين القيمتين تكون للمشتري.
الراجح:
أن النماء تبع للملك، فمن كان له الملك كان له النماء، وقد دللنا على أن الملك في زمن الخيار إنما هو للمشتري، ولا فرق عندي بين النماء المتصل والمنفصل، وفي حين لم يرض البائع أن يشتري الزيادة المتصلة، فيرى شيخنا ابن عثيمين ﵀ أنه يلزمه، ولا بد (٣)، وقد يقال: إن المشتري يكون شريكًا له بقدر تلك الزيادة، ولا يلزم البائع بمعاوضة لم يلتزمها، وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد، من كون البيع لا يكون إلا بالتراضي، والله أعلم.
* * *
стр. 2522
المسألة الثانية
ملك النماء المنفصل زمن الخيار
[م-٤٧٩] اختلف العلماء فيمن يستحق نماء المبيع المنفصل زمن الخيار؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الملك في نماء المبيع المنفصل لمن انفرد بخيار من بائع أومشتر، فإن كان الخيار لهما فموقوف، فإن تم البيع، فنماء المبيع للمشتري من حين العقد، وإن فسخ، بقي نماء المبيع للبائع، ولا يفرق الشافعية بين النماء المتصل وبين النماء المنفصل، ولا بين خيار المجلس وخيار الشرط (١).
القول الثاني:
نماء المبيع للمشتري مطلقًا، سواء اختارا إمضاء البيع أو فسخه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث:
النماء للمشتري إن كان المبيع من ضمانه، ويكون من ضمانه إذا كان المبيع لا يحتاج إلى استيفاء (٣)، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، وهو قول
стр. 2523
للحنابلة (١).
دليل من قال: إن النماء لمن انفرد بالخيار، وإن كان الخيار لهما فموقوف:
ذكرنا دليلهم في مسألة حكم النماء المتصل، فإنهم لا يفرقون بين النماء المتصل، والمنفصل في الحكم.
دليل من قال: للمشتري إن ضمن:
(ح-٤٠٩) ما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة،
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (٢).
[إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٣).
وأما أدلة الحنابلة على أن المشتري يضمن في ثلاث حالات:
الأولى: إذا قبض المبيع، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا قبض ملكه فقد دخل في ضمانه.
الثانية: يضمن المشتري قبل القبض إذا لم يكن في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو ذرع أو عد، وقد ذكرنا أدلتهم على هذه الحالة بالتفصيل في مسألة (التصرف في المبيع قبل القبض) فأغنى عن إعادتها هنا.
стр. 2524
الثالثة: إذا طلب البائع من المشتري القبض، فلم يقبض؛ لأنه إذا منعه البائع من استلام المبيع كان ظالمًا، فإذا هلك ضمن البائع.
دليل من قال: النماء للمشتري مطلقًا:
جميع الأدلة التي سقناها على ثبوت الملك للمشتري مدة الخيار، يستدل بها على أن النماء للمشتري أيضًا، وذلك أنه إذا كان الملك له، كان النماء له أيضًا، لأنه حدث في ملكه.
كما أن جميع الأدلة التي ذكرناها على كون النماء المتصل للمشتري يستدل بها على أن النماء المنفصل له أيضًا من باب أولى، وذلك أنه إذا كان يستحق النماء المتصل بالعين، مع عدم استحقاق العين، فكونه يستحق النماء المنفصل من باب أولى، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها يجب أن ننظر: هل استحقاق النماء راجع إلى ثبوت الملك، أو راجع إلى استقرار الضمان على المشتري، فإن كان النماء مستحقًا لثبوت الملك، فإن المشتري يثبت له الملك في نفس العقد من صدور القبول مطابقًا للإيجاب، وكون العقد ليس لازمًا مدة الخيار فإنه هذا لا يعني عدم ثبوت الملك، وقد ناقشنا هذه المسألة بشيء من التفصيل، فأغنى عن إعادته هنا، وإذا ثبت له الملك ثبت له النماء؛ لأنه فرع عنه.
وإن كان استحقاق النماء راجعًا إلى شغل الذمة بالضمان، كما جاء في الأثر: الخراج بالضمان، فإن المبيع يدخل في ضمان المشتري من العقد إلا أن يكون المبيع يحتاج إلى توفية: من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، وكما قال
стр. 2525
ابن عمر: ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري (١). أي من ضمانه.
ولا مانع من أن يستحق الشيء بأكثر من سبب، فالنماء للمشتري لأنه نماء ملكه، وهو أيضًا داخل في ضمانه كما لو تلف، وهو لا يحتاج إلى استيفاء، والله أعلم.
فائدة:
[م-٤٨٠] إذا بيعت الدابة حاملًا فولدت أثناء الخيار، فإن الحمل لا يعتبر نماء، لا متصلًا ولا منفصلًا، وذلك أنه وقع عليه البيع، فهو جزء من المبيع لكونه له قسط من الثمن، وإن كان لا يجوز بيعه منفردًا، فإذا رد المبيع رد معه ولده، نعم لو أن الحمل حدث في زمن الخيار فإنه يعتبر من نماء المبيع، والله أعلم.
* * *