الدليل الثاني:
(ح-٤٠٨) روى أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقد قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٢).
الدليل الثالث:
ولأن النماء المتصل قد يكون أنفع من المنفصل وأغلى عند الناس، فإذا فسخ البيع يقوم المبيع حين العقد، ويقوم حين الفسخ، والفرق بين القيمتين تكون للمشتري.
الراجح:
أن النماء تبع للملك، فمن كان له الملك كان له النماء، وقد دللنا على أن الملك في زمن الخيار إنما هو للمشتري، ولا فرق عندي بين النماء المتصل والمنفصل، وفي حين لم يرض البائع أن يشتري الزيادة المتصلة، فيرى شيخنا ابن عثيمين ﵀ أنه يلزمه، ولا بد (٣)، وقد يقال: إن المشتري يكون شريكًا له بقدر تلك الزيادة، ولا يلزم البائع بمعاوضة لم يلتزمها، وهذا هو الذي يتمشى مع القواعد، من كون البيع لا يكون إلا بالتراضي، والله أعلم.
* * *
стр. 2522
المسألة الثانية
ملك النماء المنفصل زمن الخيار
[م-٤٧٩] اختلف العلماء فيمن يستحق نماء المبيع المنفصل زمن الخيار؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الملك في نماء المبيع المنفصل لمن انفرد بخيار من بائع أومشتر، فإن كان الخيار لهما فموقوف، فإن تم البيع، فنماء المبيع للمشتري من حين العقد، وإن فسخ، بقي نماء المبيع للبائع، ولا يفرق الشافعية بين النماء المتصل وبين النماء المنفصل، ولا بين خيار المجلس وخيار الشرط (١).
القول الثاني:
نماء المبيع للمشتري مطلقًا، سواء اختارا إمضاء البيع أو فسخه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثالث:
النماء للمشتري إن كان المبيع من ضمانه، ويكون من ضمانه إذا كان المبيع لا يحتاج إلى استيفاء (٣)، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، وهو قول
стр. 2523
للحنابلة (١).
دليل من قال: إن النماء لمن انفرد بالخيار، وإن كان الخيار لهما فموقوف:
ذكرنا دليلهم في مسألة حكم النماء المتصل، فإنهم لا يفرقون بين النماء المتصل، والمنفصل في الحكم.
دليل من قال: للمشتري إن ضمن:
(ح-٤٠٩) ما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة،
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (٢).
[إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٣).
وأما أدلة الحنابلة على أن المشتري يضمن في ثلاث حالات:
الأولى: إذا قبض المبيع، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا قبض ملكه فقد دخل في ضمانه.
الثانية: يضمن المشتري قبل القبض إذا لم يكن في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو ذرع أو عد، وقد ذكرنا أدلتهم على هذه الحالة بالتفصيل في مسألة (التصرف في المبيع قبل القبض) فأغنى عن إعادتها هنا.
стр. 2524
الثالثة: إذا طلب البائع من المشتري القبض، فلم يقبض؛ لأنه إذا منعه البائع من استلام المبيع كان ظالمًا، فإذا هلك ضمن البائع.
دليل من قال: النماء للمشتري مطلقًا:
جميع الأدلة التي سقناها على ثبوت الملك للمشتري مدة الخيار، يستدل بها على أن النماء للمشتري أيضًا، وذلك أنه إذا كان الملك له، كان النماء له أيضًا، لأنه حدث في ملكه.
كما أن جميع الأدلة التي ذكرناها على كون النماء المتصل للمشتري يستدل بها على أن النماء المنفصل له أيضًا من باب أولى، وذلك أنه إذا كان يستحق النماء المتصل بالعين، مع عدم استحقاق العين، فكونه يستحق النماء المنفصل من باب أولى، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها يجب أن ننظر: هل استحقاق النماء راجع إلى ثبوت الملك، أو راجع إلى استقرار الضمان على المشتري، فإن كان النماء مستحقًا لثبوت الملك، فإن المشتري يثبت له الملك في نفس العقد من صدور القبول مطابقًا للإيجاب، وكون العقد ليس لازمًا مدة الخيار فإنه هذا لا يعني عدم ثبوت الملك، وقد ناقشنا هذه المسألة بشيء من التفصيل، فأغنى عن إعادته هنا، وإذا ثبت له الملك ثبت له النماء؛ لأنه فرع عنه.
وإن كان استحقاق النماء راجعًا إلى شغل الذمة بالضمان، كما جاء في الأثر: الخراج بالضمان، فإن المبيع يدخل في ضمان المشتري من العقد إلا أن يكون المبيع يحتاج إلى توفية: من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، وكما قال
стр. 2525
ابن عمر: ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري (١). أي من ضمانه.
ولا مانع من أن يستحق الشيء بأكثر من سبب، فالنماء للمشتري لأنه نماء ملكه، وهو أيضًا داخل في ضمانه كما لو تلف، وهو لا يحتاج إلى استيفاء، والله أعلم.
فائدة:
[م-٤٨٠] إذا بيعت الدابة حاملًا فولدت أثناء الخيار، فإن الحمل لا يعتبر نماء، لا متصلًا ولا منفصلًا، وذلك أنه وقع عليه البيع، فهو جزء من المبيع لكونه له قسط من الثمن، وإن كان لا يجوز بيعه منفردًا، فإذا رد المبيع رد معه ولده، نعم لو أن الحمل حدث في زمن الخيار فإنه يعتبر من نماء المبيع، والله أعلم.
* * *
стр. 2526
المبحث الثاني عشر
أسباب انتهاء خيار المجلس
الفرع الأول
إسقاط الخيار ابتداء
[م-٤٨١] اختلف العلماء في البيع بشرط نفي خيار المجلس على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يبطل البيع، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
يصح البيع ويسقط الخيار، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من
стр. 2527
مذهب الحنابلة (١).
القول الثالث:
يصح البيع، ولا يسقط الخيار، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
دليل من قال: يبطل البيع:
قال السيوطي: «من أبطل العقد أو الشرط نظر إلى أن مقصود العقد: إثبات الخيار فيه للتروي، فاشتراط نفيه يخل بمقصوده» (٤).
وقال في أسنى المطالب: «ولو شرطا نفي خيار المجلس بطل البيع؛ لأنه ينافي مقتضاه، فأشبه ما لو شرط ألا يسلم المبيع» (٥).
دليل من قال: يصح البيع، ويسقط الخيار .
الدليل الأول:
إذا كان للعاقدين أن يسقطا الخيار بعد العقد، صح لهما أن يسقطا الخيار في ابتدائه، وسيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله تعالى على صحة إسقاط خيار المجلس بعد العقد، وقبل التفرق.
الدليل الثاني:
أن خيار المجلس حق للعاقدين، فإذا تراضيا على إسقاطه سقط.
دليل من قال: يصح البيع ولا يسقط الخيار:
الدليل الأول:
(ح-٤١٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: سمعت نافعًا،
стр. 2528
عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أو يكون البيع خيارًا (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث أثبت الخيار للبائعين ما لم يتفرقا، أو يتخايرا، والتخاير لا يكون إلا بعد البيع؛ لأنهما قبل تمام العقد لا يقال لهما متبايعان.
الدليل الثاني:
أن خيار المجلس يثبت بعد تمام البيع، فلم يجز إسقاطه قبل ذلك، كخيار الشفعة.
ولم يؤد اشتراط مثل ذلك إلى بطلان البيع؛ لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى جهالة العوض، ولا إلى جهالة المعوض، فلم يبطل العقد لأجله (٢).
بمعنى: أن الشرط الفاسد لا يعود إلى العقد بالفساد ما دام أن العقد بنفسه صحيح، قد توفرت شروطه وتمت أركانه.
الراجح:
جواز اشتراط إسقاط الخيار، وهو يتمشى مع القواعد بأن الأصل في الشروط الصحة والجواز إلا ما ثبت النهي عن اشتراطه، أو كان اشتراطه يؤدي إلى الوقوع في محذور شرعي، ولا محذور هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 2529
الفرع الثاني
تفرق المتعاقدين من المجلس
[م-٤٨٢] لم يختلف الشافعية والحنابلة القائلون بخيار المجلس بأنه إذا تفرق المتعاقدان من المجلس، ولم يترك أحدهما البيع في أثناء المجلس، فقد لزم البيع، وبطل خيار المجلس (١).
(ح-٤١١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الليث، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع (٢).
وقال ابن قدامة: «لا خلاف في أن البيع يلزم بعد التفرق، ما لم يكن سبب يقتضي جوازه، وقد دل عليه قول النبي ﷺ : وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحد منهما البيع، فقد وجب البيع.
وقوله: (البيعان بالخيار حتى يتفرقا) جعل التفرق غاية للخيار، وما بعد الغاية يجب أن يكون مخالفًا لما قبلها» (٣).
стр. 2530
وقال أيضًا: «البيع يلزم بتفرقهما؛ لدلالة الحديث عليه، ولا خلاف في لزومه بعد التفرق» (١).
وقد سبق لنا الخلاف في حد التفرق، وهل مرجع ذلك إلى العرف، أو أن يتوارى عن صاحبه، أو لا يسمع صوته لو ناداه عن بعد، فليرجع إليه من شاء.
стр. 2531
الفرع الثالث
إذا خير أحدهما الآخر في مجلس العقد
[م-٤٨٣] إذا خير أحد العاقدين الآخر في مجلس العقد، وهو ما يسمى بالاصطلاح (التخاير) فالتخاير: هو اختيار المتعاقدين لزوم العقد في المجلس، فإذا اختارا إمضاء العقد، فهل يبطل خيارهما بذلك قبل التفرق؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يبطل الخيار بالتخاير، وهذا مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني:
لا يبطل الخيار بالتخاير، بل يمتد إلى التفرق بالأبدان، وهي رواية عن أحمد (٣).
стр. 2532
دليل من قال: يبطل خيارهما بالتخاير:
الدليل الأول:
(ح-٤١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع).
الدليل الثاني:
(ح-٤١٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار (٢).
ورواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع به، بلفظ:
البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: «أو يقول لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار».
стр. 2533
فهاتان الجملتان تفسر إحداهما الأخرى، فقوله: (أو يقول لصاحبه: اختر) هو بمعنى قوله: (أو يكون بيع خيار)، فإذا قال لصاحبه بعد إتمام البيع: اختر نفاذ البيع، أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع لزم البيع بينهما، وإن لم يتفرقا.
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه اللفظة من الحديث، وسوف أفرد لها مبحثًا خاصًا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
الإجماع على أنه إذا خيره، فاختار انقطع خيارهما.
قال النووي: «إذا قال أحدهما للآخر: اختر، أو خيرتك، فقال الآخر: اخترت، فإنه ينقطع خيارهما بلا خلاف» (١).
ولعل مراد النووي بقوله: بلا خلاف يعني في مذهب الشافعية، وإلا فالخلاف محفوظ كما بينا في عرض الأقوال، والله أعلم.
دليل من قال: لا يلزم البيع إلا بالتفرق .
الدليل الأول:
(ح-٤١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه.
إلى حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٢).
стр. 2534
الدليل الثاني:
(ح-٤١٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، عن جميل بن مرة، عن أبي الوضئ، قال: كنا في سفر، ومعنا أبو برزة.
فقال أبو برزة: إن رسول الله ﷺ قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (١).
[صحيح] (٢).
стр. 2535
الدليل الثالث:
(ح-٤١٦) ما رواه أحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن.
عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال من الأحاديث السابقة:
أن هذه الأحاديث فيها أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، من غير تقييد، ولا تخصيص، هكذا رواه حكيم بن حزام، وأبو برزة، وسمرة بن جندب، وأكثر الرويات عن عبد الله بن عمر.
أجابوا عن حديث: أو يخير أحدهما صاحبه بجوابين .
الجواب الأول:
أن التخاير لم يرد إلا في حديث ابن عمر، وأكثر الروايات ليس فيها ذكر التخاير.
قال القاضي أبو يعلى: «وهذا - يعني حديث حكيم بن حزام، وأبي برزة، وسمرة بن جندب - أولى من حديث ابن عمر؛ لأنه تفرد بروايته في التخاير، وهذا رواه جماعة كل لا يذكر فيه التخاير، وإنما يشترط التفرق» (١).
الجواب الثاني:
أن المراد بقوله: أو يخير أحدهما الآخر: أي فيشترطا الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة (٢).
стр. 2538
الراجح:
أن التخاير في مجلس العقد إذا اختار العاقدان إمضاء العقد، أنه مبطل لخيارهما، لحديث ابن عمر ﵁، وكونه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث حكيم بن حزام، وحديث أبي برزة، وحديث سمرة ليس كافيًا في رده، والشذوذ وزيادة الثقة لا تعتبران في زيادة بعض الصحابة ﵃ على بعض، وإنما يعتبران في زيادة من يروي عنهم من التابعين فمن بعدهم، ولم ينفرد نافع بروايته عن ابن عمر حتى يقال: لا يقبل ما تفرد به نافع، فقد رواه عن ابن عمر، نافع (١)، وعبد الله بن دينار (٢)، وروايتهما في الصحيحين.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة إنما هو في زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، أما الزيادة الحاصلة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وأن الله تعالى يقول له بعد أن يتمنى ما يتمنى: لك ذلك، ومثله معه. قال أبو سعيد: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: لك ذلك، وعشرة أمثاله (٣).
مع أن القول بأن ابن عمر قد تفرد بهذه الزيادة فيه نظر، فقد روى التخاير غير ابن عمر أيضًا.
(ح-٤١٧) فقد روى أبو داود الطيالسي حدثنا يونس، حدثنا أيوب ابن عتبة،
стр. 2539
عن أبي كثير الغبري.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما خيارًا (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
(ح-٤١٨) وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا سليمان، عن سماك،
стр. 2540
عن عكرمة.
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ بايع رجلًا، فلما بايعه، قال: اختر. ثم قال رسول الله ﷺ : هكذا البيع (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
(ح-٤١٩) وروى ابن ماجه، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، وأحمد بن عيسى المصريان، قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير.
عن جابر بن عبد الله، قال: اشترى رسول الله ﷺ من رجل من الأعراب، حمل خبط، فلما وجب البيع، قال رسول الله ﷺ : اختر. فقال الأعرابي: عمرك الله بيعًا (٣).
[رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله] (٤).
стр. 2541
فهذه الأحاديث وإن كانت لا تخلو من ضعف إلا أنها بمجموعها يشهد لحديث ابن عمر المتفق على صحته على جواز التخاير في مجلس العقد، فإذا اختار العاقدان إمضاء البيع، وإسقاط الخيار بطل خيارهما، ولأن الخيار حق للعاقدين، فإذا أسقطاه برضاهما سقط، والله أعلم.
* * *
стр. 2542
مسألة
معنى قوله في الحديث (إلا بيع الخيار)
(ح-٤٢٠) روى البخاري ومسلم من طريق الليث، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع (١).
وفي رواية البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار (٢).
ورواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع به، بلفظ:
البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار (٣).
[م-٤٨٤] اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : «أو يقول لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار» على أقوال منها:
القول الأول:
أن معنى قوله ﷺ (أو يقول لصاحبه: اختر) هو بمعنى قوله: (أو يكون بيع
стр. 2543
خيار)، فإذا قال لصاحبه بعد إتمام البيع: اختر نفاذ البيع، أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع لزم البيع بينهما، وإن لم يتفرقا.
وهذا التفسير هو قول الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن، وإسحاق بن راهويه (١).
ونسبه ابن حجر إلى جمهور العلماء، وقال: جزم الشافعي به (٢).
فيكون معنى قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، فيكون التقدير: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا البيع الذي جرى فيه التخاير (٣).
قال النووي: «وأما قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) ففيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابنا وغيرهم من العلماء:
أصحها: أن المراد التخيير بعد تمام العقد، قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة» (٤).
قال ابن حجر: «ورواية الليث ظاهرة جدًا في ترجيحه» (٥).
القول الثاني:
ذهب آخرون في تفسير قوله (إلا بيع الخيار) إلى أنه استثناء من انقطاع
стр. 2544
الخيار بالتفرق، فيكون المعنى: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يشترطا الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة.
قال ابن عبد البر: «وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وجماعة» (١).
قال الحافظ: «حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار» (٢).
وقال النووي «والقول الثاني: أن معناه: إلا بيعًا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام، أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة، بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة.
القول الثالث:
معنى (إلا بيع الخيار) أي إلا بيعًا شرط فيه ألا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بنفس البيع، ولا يكون فيه خيار (٣).
قال ابن حجر عن القول الثالث: «وهذا أضعف هذه الاحتمالات» (٤).
القول الرابع:
قال ابن حجر: «قوله (إلا أن يكون بيع خيار) أي هما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا، ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار، ولو بعد التفرق. وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق، عن
стр. 2545
سفيان، في حديث الباب الذي يليه، حيث قال فيه: (إلا بيع الخيار، أو يقول لصاحبه: اختر) إن حملنا قوله: (أو) على التقسيم، لا على الشك» (١).
الراجح:
قال النووي: «اتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول، وهو المنصوص للشافعي، ونقلوه عنه، وأبطل كثير منهم ما سواه، وغلطوا قائله» (٢).
قلت: يؤيد ذلك ما رواه النسائي من طريق إسماعيل، عن نافع به، بلفظ:
(المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار، فقد وجب البيع) (٣).
(ح-٤٢١) ورواه النسائي أيضًا من طريق ابن جريج، قال: أملى علي نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تبايع البيعان فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يفترقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإن كان عن خيار فقد وجب البيع (٤).
وهذه متابعة لإسماعيل، على قوله (فقد وجب البيع)
ورواه ابن طهمان في مشيخته، عن موسى بن عقبة، عن نافع،
عن ابن عمر، مرفوعًا بلفظ: (البيعان بالخيار من بيعهما، ما لم يفترقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب البيع) (٥).
стр. 2546
فلو كان المراد به خيار الشرط، لم يصح أن يقول: فقد وجب البيع.
(ح-٤٢٢) ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه أحمد، والحميدي (١) من طريق الثوري.
ومسلم، والنسائي (٢) من طريق إسماعيل بن جعفر.
والطيالسي، وأحمد، والنسائي (٣)، من طريق شعبة.
والنسائي (٤)، من طريق ابن الهاد.
كلهم عن عبد الله بن دينار.
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار (٥).
معنى الحديث: حصر لزوم البيع في التفرق أو في التخاير وإن لم يتفرقا، فهذا معنى قوله: إلا بيع الخيار معناه: أنه لازم، وإن لم يتفرقا.
* * *
стр. 2547
المطلب الأول
الخلاف في بقاء خيار الساكت
[م-٤٨٥] بحثنا في المسألة السابقة: انتهاء خيار المجلس بالتخاير، وهو ما إذا وقع اختيار الفسخ أو إمضاء العقد من العاقدين، فيؤدي ذلك إلى إسقاط الخيار، وفي هذه المسألة نريد أن نبحث حكم ما لو قال أحد العاقدين للآخر: اختر، فسكت، ولم يجب بشيء، فما حكم خيار الساكت؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
الساكت لا ينقطع خياره، وهذا مذهب الشافعية (١)، والراجح عند الحنابلة (٢).
القول الثاني:
يسقط خيار الساكت، وهو وجه ضعيف في مذهب الشافعية (٣).
دليل من قال: الساكت لا ينقطع خياره:
قالوا: الساكت باق على خياره؛ لأنه لم يوجد منه ما يبطل خياره، ولا يبطل خياره كلام صاحبه حتى يختار هو لنفسه.
стр. 2548
قال النووي: «إذا قال أحدهما للآخر: اختر، أو خيرتك، فقال الآخر: اخترت، فإنه ينقطع خيارهما بلا خلاف ... وإن سكت الآخر لم ينقطع خيار الساكت بلا خلاف» (١).
وقوله بلا خلاف فيه نظر، بل هناك وجه ضعيف لدى الشافعية بأن خيار الساكت يسقط أيضًا، وهو ما سنذكر دليله في القول الثاني.
دليل من قال: يسقط خيار الساكت .
قالوا: إن الخيار لا يتبعض ثبوته، فلا يتبعض سقوطه، فإذا كان ثبوت خيار المجلس لا يتجزأ، فلا يثبت لأحدهما دون الآخر، فكذلك سقوطه، ليتساويا في انتهاء العقد، كما تساويا في نشوئه وقيامه (٢).
الراجح:
أن الساكت لا ينقطع خياره، لأن الخيار إذا كان حقًا للساكت لم يبطل بفعل غيره، فما فائدة أن يكون له حق الاختيار، في الحال الذي يقال: إن الطرف الآخر يملك إسقاط هذا الحق متى شاء، فلا يسقط الحقوق إلا من يملكها، أو نص شرعي، ولا نص هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 2549
المطلب الثاني
الخلاف في بقاء خيار القائل (اختر)
[م-٤٨٦] إذا قال أحد العاقدين لصاحبه: (اختر)، فهل قوله هذا يسقط خياره؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يسقط خياره، وهو المذهب عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
القول الثاني:
لا يسقط خياره، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: يسقط خياره:
الدليل الأول:
(ح-٤٢٣) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر مرفوعًا البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ... الحديث (٥).
стр. 2550
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث أن الخيار باق إلا في حالتين:
أن يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فإن تفرقا فقد سقط خيارهما بنص الحديث، وإن قال لصاحبه: اختر، فاختار فقد سقط خيارهما، وإن سكت فقد سقط خيار القائل، وأما الساكت فهو على خياره كما قدمنا، وذكرنا دليله في المسألة السابقة.
الدليل الثاني:
أن قوله لصاحبه: اختر دليل على رضاه بالبيع وقبول لزومه، فإذا اختار لزومه وجب البيع في حقه، وبقي حق صاحبه.
دليل من قال: لا يسقط خياره:
(ح-٤٢٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع) فالحديث نص بأنه إذا خيره، فتبايعا على ذلك فقد لزم البيع، أما إذا خيره، فلم يختر فالبيع لم يلزم في حقهما، الشأن في ذلك شأن الإيجاب فلا يلزم البائع بصدور الإيجاب منه حتى يصدر القبول من المشتري مطابقًا للإيجاب.
стр. 2551
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين الإيجاب والقبول، وبين حق الخيار، فمن الممكن أن يكون الخيار لأحدهما دون الآخر، وممكن أن يسقطاه ابتداء، بخلاف الإيجاب والقبول، فهما ركنا البيع، لا يتم البيع بدونهما، فإذا قال: اختر، فإنه لم يقل هذا إلا بعد الرضا منه بالبيع، واختيار لزومه فإذا أسقط حقه بالخيار سقط.
الدليل الثالث:
أن الرجل إذا قال لزوجته: اختاري نفسك، فسكتت، فإن خيار الزوج في طلاقها لا يسقط، فكذلك هنا (١).
وأجيب:
بأن المرأة لم تكن مالكة للخيار، فإذا خيرها فقد ملكها ما لم تكن تملكه، فإذا سكتت بقي على حقه، وهاهنا المشتري يملك الفسخ، فلا يفيد تخييره إسقاط حقه المملوك له قبل تخييره.
الراجح:
أنه إذا قال لصاحبه: اختر، فإنه قد اختار لزوم البيع، وطالب صاحبه أن يختار إمضاء البيع، أو الفسخ، فإذا اختار إمضاء البيع لزم القائل، وهذا دليل على سقوط خياره، فإن سكت، بقي خيار الساكت، وسقط خيار القائل، هذا هو ظاهر الحديث، والله أعلم.
* * *
стр. 2552
الفرع الرابع
في انتهاء خيار المجلس بموت أحد العاقدين
[م-٤٨٧] اختلف الفقهاء هل ينتهي خيار المجلس في موت أحد العاقدين.
فقيل: إذا مات قبل التفرق قام ورثته مقامه، وهذا مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يبطل خياره، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: ينتقل لورثته:
الدليل الأول:
حق خيار المجلس حق أعطاه الشارع لكل واحد من المتعاقدين ما داما في المجلس، وقد قال الزركشي في القواعد: «الحقوق تورث كما يورث المال، بدليل قوله ﷺ : من ترك حقًا فهو لورثته» (٥).
стр. 2553
وإذا كان لم يثبت قوله (من ترك حقًا فهو لورثته) فإن عموم قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء:١٢] يدخل فيه، فإنه من جملة ما ترك.
الدليل الثاني:
قالوا: إن خيار المجلس حق مقصود، فلا يبطل بالموت (١).
الدليل الثالث:
قياس خيار المجلس على خيار العيب، فكلاهما حق لازم ثابت في البيع بحكم الشرع، ولا خلاف في انتقال خيار العيب بالموت، فكذلك خيار المجلس.
الدليل الرابع:
القياس على خيار الشرط، فكما أن خيار الشرط يورث، فكذلك خيار المجلس، والله أعلم.
تعليل من قال: من مات بطل خياره .
التعليل الأول:
إذا كان خيار المجلس يبطل بالتفرق، فالتفرق بالموت أعظم الفرقتين.
стр. 2554
التعليل الثاني:
قال ابن قدامة: «لم يثبت لورثته؛ لأنه حق فسخ، لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة» (١).
ولأن خيار المجلس إرادة ومشيئة تتصل بشخص العاقد، وانتقال ذلك إلى الوارث لا يتصور.
الراجح:
المسألة ليس فيها نص، ويبقى الاجتهاد والنظر، فالإنسان إذا مات، واعتبرنا أنه بالموت قد فارق المجلس، فإنه قد فارق المجلس بغير اختياره، فلا يبعد أن يكون حكمه حكم المكره، وسبق لنا أن المكره على المفارقة له حق الخيار، وما دام لا يستطيع وقد مات فإن حق الاختيار ينتقل إلى ورثته، سواء قلنا: إنه يورث، أو أنه ينوب عن الميت لتعذر ذلك من الميت، وملكية الميت للمبيع سابقة للموت، ويبقى حق الطرف الذي ما زال حيًا، فلم يسقط خياره بموت صاحبه.
قال ابن قدامة: «وفي خيار صاحبه وجهان:
أحدهما: يبطل؛ لأن الموت أعظم التفرق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن الفرقة بالأبدان لم تحصل» (٢).
وهذا الوجهان للشافعية، وعندهم وجه ثالث: حكاه القاضي حسين: أن خيار صاحبه يمتد حتى يجتمع هو والوارث (٣).
стр. 2555
قال الغزالي: «نعم ينقدح الخلاف في أن الوارث إذا بلغه الخبر يدوم خياره بدوام مجلس البلوغ، أم هو على الفور؟ من حيث إن التفرق بالموت أبطل المجلس، وبقي مجرد الحق، فثبت اختياره على الفور.
والوجه الآخر: أن الحق إذا بقي بقي بوصفه» (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 2556
الفرع الخامس
في انتهاء الخيار بالتصرف في المبيع
[م-٤٨٨] اختلف الفقهاء القائلون بخيار المجلس في حكم التصرف في المبيع زمن الخيار، هل يسقط الخيار؟ وهل يصح التصرف؟ إلى قولين:
القول الأول: مذهب الشافعية:
أن البائع إذا تصرف في المبيع ببيع أو هبة أو وقف أو نحوها والخيار له أو لهما: صح تصرفه، وكان ذلك منه اختيارًا لفسخ البيع.
لأن هذا تصرف يفتقر إلى الملك، فجعل هذا منه اختيارًا للفسخ، ورد المبيع إلى ملكه في زمن الخيار.
وأما تصرف البائع بالثمن فلا ينفذ إن كان معينًا حتى ينقطع خيار المشتري، ويقبض الثمن، وإن كان في الذمة لم ينفذ تصرفه فيه قبل انقطاع الخيار (١).
وأما تصرف المشتري فتارة يكون في الثمن، وتارة يكون في المبيع:
فإن كان تصرف المشتري في الثمن صح تصرفه، إن كان الخيار له، أو لهما، وكان ذلك منه اختيارًا لفسخ البيع.
وإن كان تصرف المشتري بالمبيع ببيع أو هبة أو وقف ونحوها ففيه تفصيل:
إن كان تصرفه بإذن البائع، أو باع المبيع للبائع نفسه، فوجهان:
стр. 2557
أصحهما صحة التصرف؛ لتضمنه الإجازة، ولأن المنع من التصرف لحق البائع، وقد رضي، ويصير البيع بذلك لازمًا (١).
وإن كان تصرف المشتري بغير رضا البائع، والخيار لهما، فإن فسخ البائع البيع الأول، لم يصح البيع الثاني.
وإن أجاز البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بشرطين (العقد وانقطاع الخيار) لم يصح بيعه.
وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد، أو الملك موقوف، فهل يصح بيعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح بيعه؛ لأنه صادف ملكه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه باع عينًا تعلق بها حق غيره، بغير إذنه، فلم يصح كالراهن إذا باع الرهن.
وتصرف المشتري ولو بغير إذن البائع، ولو لم يصح تصرفه يعتبر إجازة من المشتري للبيع (٢).
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فباع أو وهب، ففيه ثلاثة أوجه، أصحها: أن تصرفه صحيح، ويبطل خياره (٣).
стр. 2558
لأن تصرفه في هذه الحالة إما أن يصادف ملكه فظاهر، وإما أن يعتبر تصرفه إمضاء للبيع، وإسقاطًا للخيار؛ وفي كلا الحالين ليس في ذلك إبطال لحق غيره، والله أعلم.
هذا ملخص قول الشافعية في المسألة:
القول الثاني: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة: إلى أن الخيار إما أن يكون لهما، أو لأحدهما:
فإن كان الخيار لهما (لكلا العاقدين) فليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع ولا في عوضه مدة الخيار؛ لأنه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه علاقته، فيتصرف فيه المشتري، ولأن تصرفه يؤدي إلى إبطال حق صاحبه، وهذا لا يجوز.
وإن كان الخيار لواحد منهما:
فإن كان للمشتري وحده صح تصرفه في المبيع؛ لأن تصرفه من مالك تام الملك، جائز التصرف، فنفذ كما بعد انتهاء الخيار، ولأن تصرفه في المبيع دليل على رضاه به، وإمضائه للبيع.
وإن كان الخيار للبائع وحده:
فإن تصرف في المبيع لم ينفذ. قال المرداوي: وهذا الصحيح من المذهب .... وهو من المفرادات.
стр. 2559
وعللوا ذلك: بأن البائع لا يملك المبيع بعد بيعه (١).
وإن تصرف البائع بالثمن، نفذ تصرفه، وبطل خياره؛ لأن تصرفه في الثمن دليل على رضاه وإمضائه للبيع.
وقيل: ينفذ تصرف البائع في المبيع، إن قلنا: إن البيع لا ينقل الملك، وكان الخيار لهما، أو للبائع، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يقع التصرف موقوفًا على انقضاء الخيار، ولا يبطل حق من لم يتصرف من الخيار، فإن انقضى ولا فسخ، صح التصرف، وإن فسخ من لم يتصرف بطل التصرف، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
والراجح:
أن التصرف في المبيع أو الثمن تارة يكون ناقلًا للملكية، وهذا لا يجوز، ولا يصح إذا كان الخيار لهما، بصرف النظر عن كون هذا التصرف صدر من مالك أو من غيره، لأن هذا التصرف يؤدي إلى إسقاط حق الغير بغير رضاه، ويعتبر مثل هذا التصرف مسقطًا لخيار من صدر عنه؛ لأنه دليل على إجازته للعقد.
وإن كان الخيار لأحدهما، فيجوز تصرف من كان له الخيار وحده، ويعتبر دليلًا على اختياره إمضاء العقد؛ لأن تصرفه لا يؤدي إلى إسقاط حق غيره.
وإن كان التصرف لا ينقل الملكية، كما لو استخدم المبيع في غير تجربته، فهذا التصرف يسقط خيار من صدر عنه؛ لأنه دليل على إمضاء العقد، ولا يجوز تصرفه هذا إن كان الخيار لهما إلا بإذن الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 2560
الفرع السادس
انتهاء الخيار باختيار الفسخ
[م-٤٨٩] لا شك أن فسخ العقد ينهي خيار المجلس، وذلك أن خيار المجلس إنما شرع لإتاحة الفسخ لكل واحد من المتعاقدين، وهذا أمر معلوم.
ويحصل الفسخ في زمن خيار المجلس بكل لفظ يدل عليه، كفسخت البيع، واسترجعت المبيع، أو رددته، أو رددت الثمن، ونحو ذلك.
قال الصيرمي: وقول البائع في زمن الخيار: لا أبتاع حتى يزيد في الثمن، مع قول المشتري: لا أفعل، يكون فسخًا. وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى ينقص عني من الثمن، مع قول البائع: لا أفعل. وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، كل هذا فسخ (١).
* * *