المبحث الثالث
في بيان الصيغ القولية
الفرع الأول
الإيجاب والقبول بصيغة الماضي
المسألة الأولى
في صيغة الماضي المجرد من الاستفهام
[م - ٤١] صيغة الماضي المجردة من الاستفهام ينعقد بها العقد باتفاق الفقهاء، حكاه غير واحد من الفقهاء كالدسوقي، والصاوي، والخطيب، وابن قدامة، وغيرهم، لاسيما إذا لم يتقدم القبول على الإيجاب، كقول البائع (بعت) وقول المشتري (اشتريت).
قال الدسوقي: «الماضي ينعقد به البيع اتفاقًا، ولا عبرة بقول من أتى به، أنه لم يرد البيع أو الشراء، ولو حلف» (١).
وقال الصاوي: «الماضي لما كان دالًا على الرضا من غير احتمال، انعقد البيع به من غير نزاع» (٢).
وقال في مغني المحتاج: «ولو قال: اشتريت هذا منك بكذا، فقال: بعتك، انعقد إجماعًا» (٣).
стр. 282
واعتبروا صيغة الماضي من اللفظ الصريح:
فقد صرح الحنفية إلى أن صيغة الماضي لا تحتاج إلى نية (١). وهذا شأن الألفاظ الصريحة.
وقال الحطاب المالكي: «في الألفاظ ما هو صريح، مثل بعتك بكذا، فيقول: قبلت» (٢).
وسبب الاعتداد بالماضي مطلقًا دلالة صيغته على الحال، فالفعل الماضي يدل على تحقق الوقوع، وذلك أنسب في الدلالة على إنشاء العقد حيث يدل على أن صاحبه قد تخطى مرحلة التفكير والتردد، والمفاوضة والمساومة إلى مرحلة الجزم والقطع والبت والحسم.
فإن قيل: إن الماضي بعت واشتريت صيغ للإخبار عن الماضي، فهو خبر، وليس إنشاء وإحداثًا.
قيل: وإن كانت صيغة الماضي صيغة إخبارية إلا أن المراد به الإنشاء قطعًا، لأن الرجل إذا قال: بعتك بكذا لو كان يقصد الإخبار لكان كاذبًا حيث لم يقع بيع ولا شراء، فالإنشاء هو المتبادر إلى الذهن، والنكتة في هذا أن الماضي إذا سيق للإنشاء يكون من باب التوكيد على تحقق الفعل، وكون الفعل في إيجاده وتحقق وقوعه واقع كالماضي، وهو مستعمل في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف:٩٩].
وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] فعبر عن النفخ بالصور بصيغة الماضي للتوكيد على أن ذلك واقع لا محالة.
стр. 283
ولذلك لا تجد في نفسك أن رجلًا لو قال لامرأته: (أنت طالق) أنه يحسن تصديقه أو تكذيبه، باعتبار الصيغة خبرية، وإنما يدرك بالضرورة أن الجملة إنشائية.
فالعرف يقتضي أن يكون الماضي تعبيرًا صريحًا عن الإنشاء وإحداث العقد.
يقول الكاساني: «هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعًا لكنها جعلت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على الوضع» (١).
* * *
стр. 284
المسألة الثانية
في صيغة الماضي المقرون بالاستفهام
[م - ٤٢] إذا جاء الماضي مقرونًا بالاستفهام، كأن يقول المشتري: هل تبيعني هذا بعشرة؟ فقال البائع: بعتك. فهل يقع البيع؟
صرح الحنفية والحنابلة بأن البيع لا يقع، وحكوا في ذلك الاتفاق.
قال الكاساني: «ولا ينعقد - يعني البيع - بصيغة الاستفهام بالاتفاق، بأن يقول المشتري للبائع: .... أبعته مني بكذا؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد ما لم يقل المشتري: اشتريت» قال الكاساني: «لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعًا لكنها جعلت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على الوضع» (١).
ويقول ابن قدامة في الكافي: «وإن أتى بلفظ الاستفهام، فقال: أبعتني ثوبك، فقال: بعتك، لم يصح متقدمًا ولا متأخرًا - يعني تقدم القبول أو تأخر- لأنه ليس بقبول ولا استدعاء» (٢).
وذكر في المغني بأنه لا يعلم خلافًا في هذا (٣).
وزاد في الإنصاف: حتى يقول بعد ذلك: ابتعت، أو قبلت، أو اشتريت (٤).
стр. 285
فإن كانت المسألة إجماعًا كما حكوا فالقول مسلم للإجماع، ولعلهم أجمعوا على ذلك، لأن العرف في زمنهم كان لا يقبل مثل ذلك إيجابًا، وليس مرد الاتفاق إلى الصيغة، وإن كان الإجماع لا يصح فالقول بالمنع مطلقًا حتى لو كان هناك عرف متبع قول ضعيف (١)، وسيأتي في آخر البحث بعد أن نحرر مذاهب أهل العلم في ألفاظ الإيجاب والقبول بأن القول الراجح أن البيع ليس له لفظ خاص، وأن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية، بل ومقدم على الحقيقة الشرعية لو وجدت في مثل هذه الأبواب؛ لأن المتبع هو ما يفهمه المتعاقدان مما تعارفا عليه، وكان معبرًا عن إرادتهما بوضوح لا لبس فيه ولا إشكال، بأي لفظ كان من ماض أو مضارع أو أمر، أو جملة اسميه أو معاطاة، أو غير ذلك، وسواء تقدمه استفهام أو لم يتقدمه، إذا كشف ذلك بوضوح عن إرادة المتعاقدين، فقد تم البيع، والله أعلم.
ولذلك قد تجد صيغة الماضي صالحة لإنشاء بعض العقود، وغير صالحة لإنشاء عقود أخرى، والصيغة هي الصيغة، ومرد ذلك إلى العرف.
стр. 286
يقول القرافي: «إن الشهادة تقع بالمضارع دون الماضي واسم الفاعل، فيقول الشاهد: أشهد بكذا عندك ..... ولو قال: شهدت بكذا .... لم يقبل منه، والبيع يصح بالماضي دون المضارع عكس الشهادة، فلو قال: أبيعك بكذا، أو قال: أبايعك بكذا، لم ينعقد البيع عند من يعتمد على مراعاة الألفاظ كالشافعي .... » ثم بين القرافي سبب ذلك «وسبب هذه الفروق بين الأبواب النقل العرفي من الخبر إلى الإنشاء، فأي شيء نقلته العادة لمعنى صار صريحًا في العادة لذلك المعنى بالوضع العرفي، فيعتمد عليه الحاكم لصراحته، ويستغني المفتي عن طلب النية معه لصراحته بالوضع ... » (١).
* * *
стр. 287
الفرع الثاني
في الإيجاب والقبول بصيغة المضارع
[م - ٤٣] العقود تحتاج إلى صيغة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، ولذا لم يختلف الفقهاء في دلالة الفعل الماضي على الرضا لكون صيغته متمحضة للحال.
وكذا لم يختلفوا بأن المضارع المقرون بالسين أو سوف، مثل قوله: سأبيع، أو سوف أبيع أن ذلك لا يصلح لإنشاء العقود؛ لأن صيغته متمحضة للاستقبال، فلا تفيد إلا مجرد الوعد بالعقد (١).
وأما المضارع غير المقترن بالسين وسوف فإنه يحتمل الحال ويحتمل الاستقبال، وقد اختلف النحاة في كونه حقيقة فيهما، أو في أحدهما، أو مشتركًا على أقوال ليس هذا مجال ذكرها،
ولما كانت صيغة المضارع تحتمل الأمرين (الحال والاستقبال) اختلف الفقهاء هل يصح الإيجاب والقبول بها؟
فقيل: ينعقد البيع بصيغة المضارع مع نية الحال، أو وجود قرينة تدل على الحال، نحو قوله: أبيعك الآن.
стр. 288
وهذا رأي جمهور الحنفية (١)، وجمهور الشافعية (٢).
وقيل: إن الإيجاب والقبول يصح بالفعل المضارع، ويلزم به، لكن لو قال: إنه لم يرد البيع، حلف، ولم يلزمه، فإن أبى أن يحلف لزمه. وهذا مذهب المالكية (٣).
وقيل: لا يصح الإيجاب والقبول بالفعل المضارع، اختاره بعض المتقدمين من الحنفية (٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
دليل من قال: يصح الإيجاب بالفعل المضارع مع النية أو القرينة .
المطلوب أن تدل الصيغة على الحال،
فإن تمحض للمستقبل كما لو دخل على المضارع حرف السين أو سوف، كقوله: سأبيعك، أو سوف أبيعك لم ينعقد؛ لأن لفظ المستقبل إن كان من جانب البائع كان عدة لا بيعًا، وإن كان من جانب المشتري كان مساومة، وكل ذلك لا يعتبر إيجابًا.
وإن تمحض المضارع للحال كان إيجابًا صالحًا، كما لو وجدت نية الحال، أو قرينة لفظية، أو عرف.
стр. 289
فاعتبار الحال بالنية، يقول الكاساني: «اعتبرنا النية هاهنا، وإن كانت صيغة أفعل للحال هو الصحيح؛ لأنه غلب استعمالها للاستقبال إما حقيقة أو مجازًا، فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية» (١).
وأما اعتبار القرينة اللفظية كقولك: أبيعك الآن، لأن النية إذا كانت معتبرة في الدلالة على الحال، كان التصريح بها لفظًا أولى بالاعتبار (٢).
وأما دلالة العرف على الحال، فيقول ابن نجيم في البحر الرائق «في القنية إنما يحتاج إلى نية إذا لم يكن أهل البلد يستعملون المضارع للحال، لا للوعد والاستقبال، فإن كان كذلك كأهل خوارزم لا يحتاج إليها» (٣).
دليل المالكية على انعقاد البيع بالمضارع إلا إن ادعى أنه لم يرد البيع .
ذكروا أن صيغة المضارع ليست حقيقة في نقل الملكية لتطرق الاحتمالات إليها، فليست إيجابًا باتًا، ولذلك إذا ادعى أنه لم يرد البيع قبل قوله مع اليمين، فإن كانت هناك قرينة كالمساومة عمل بها، ولم يقبل قوله، بخلاف الماضي فإنها لما كانت لا يتطرق إليها الاحتمالات انعقد بها البيع حتى لو ادعى أنه لم يرد البيع، والله أعلم.
دليل من قال: لا ينعقد بالمضارع مطلقًا .
اعتبر الحنابلة أن المضارع من قبيل الوعد، يقول صاحب كشاف القناع: «لو قال البائع بعتك بكذا، فقال المشتري: أنا آخذه بذلك، لم يصح: أي لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك وعد بأخذه» (٤).
стр. 290
ويناقش:
بأن الحنابلة أجازوا كما سيأتي انعقاد البيع بصيغة الأمر؛ لدلالة العرف، فلماذا لا يجيزون المضارع للعلة نفسها، بل إن المضارع أولى بالقبول، فإن المضارع يدل على الحال، والأمر إنما يدل على الاستقبال.
ولذلك جاء في شرح الخرشي: «المضارع دلالته على البيع والشراء أقوى من دلالة الأمر؛ لأنه يدل على الحال، بخلاف الأمر فإنه لا يدل عليه اتفاقًا» (١).
الراجح:
سيأتي في آخر بحوث ألفاظ الإيجاب والقبول تحرير القول الراجح إن شاء الله تعالى، وأن البيع ليس له لفظ معين، وينعقد بكل ما يعبر عن إرادة المتعاقدين، ويدل على تحقق الرضا المطلوب من كل منهما.
* * *
стр. 291
الفرع الثالث
في الإيجاب والقبول بصيغة الأمر
[م - ٤٤] اختلف الفقهاء في انعقاد البيع بصيغة الأمر، كما لو قال البائع: اشتر مني هذا بعشرة، فقبل المشتري، أو قال المشتري: بعني هذا بكذا، فقال البائع: بعتك.
فقيل: لا ينعقد البيع بصيغة الأمر، وهذا مذهب الحنفية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: ينعقد البيع بفعل الأمر، وهذا مذهب المالكية (٤)، والأظهر عند الشافعية (٥)، والقول المشهور في مذهب الحنابلة (٦).
واختلف المالكية، هل صيغة الأمر من الصريح فلا تحتاج إلى نية كالماضي، أو أنها من ألفاظ الكناية، فتحتاج إلى نية، أو قرينة، فلو ادعى المتلفظ بصيغة الأمر أنه لم يرد إنشاء العقد صدق في دعواه إذا حلف؛ لأن الصيغة كنائية، قولان في مذهب المالكية، والمعتمد الأول (٧).
стр. 292
دليل من قال: لا ينعقد .
الدليل الأول:
قالوا: إن قوله: بعني سوم، وأمر بالبيع، وليس بإيقاع للعقد، والأمر بالبيع ليس ببيع.
الدليل الثاني:
إنشاء العقد يحتاج إلى صيغة تدل على الحال، كالماضي، والمضارع مصحوبًا بنية الحال، وأما صيغة الأمر فهي متمحضة للاستقبال، فلا تصلح الصيغة أن تكون دالة على إنشاء العقد.
دليل من قال: ينعقد البيع .
الدليل الأول:
ليس في الشرع ما يدل على اشتراط صيغة مخصوصة، بل علق الأمر على وجود الرضا من الطرفين.
الدليل الثاني:
القياس على النكاح، فإذا كان النكاح ينعقد بصيغة الأمر، كما لو قال الخاطب: زوجنيها، فقال: زوجتك (١)، فكذلك في البيوع من باب أولى؛ لأن الاحتياط في النكاح أشد منه في البيوع.
(ح -١٨) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،
عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد وهبت لك
стр. 293
من نفسي فقال رجل زوجنيها قال قد زوجناكها بما معك من القرآن. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
الدليل الثالث:
(ح-١٩) ما روى البخاري من طريق عامر قال: حدثني جابر بن عبد الله ﵁ أن كان على جمل له قد أعيا، فمر النبي ﷺ ، فضربه، فدعا له، فسار سيرًا بسير ليس يسير مثله، ثم قال: بعنية بأوقية فبعته ... الحديث (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٢٠) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو،
عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (٣).
وجه الاستدلال:
صدور الإيجاب من الرسول ﷺ بلفظ الأمر، وانعقاد البيع بذلك.
الراجح:
أن البيع ينعقد بلفظ الأمر، وبكل لفظ دل على حصول الرضا من الطرفين، وعبر عن إرادتهما، وسيأتي في آخر البحث إن شاء الله تعالى أدلة القول الراجح، هل يشترط للبيع لفظ معين.
* * *
стр. 294
الفرع الرابع
في الإيجاب والقبول بالجملة الإسمية
[م - ٤٥] إذا تضمنت الجملة الاسمية فعلًا أخذت حكم هذا الفعل، فجملة (أنا أشتري) حكمها حكم (أشتري).
وقد مثل الدردير المالكي للفعل المضارع بكلمة «أنا أشتريها بكذا» (١).
وإذا لم تتضمن فعلًا فقد تأخذ الجملة حكم الصريح إذا دلت على الرضا من غير احتمال، وقد تأخذ حكم الكناية إذا كانت تحتمل البيع وغيره (٢).
وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى انعقاد البيع في الجملة الاسمية من حيث الجملة، ما دامت تدل على المقصود، وإن اختلفوا في بعض الصيغ منها.
فينعقد البيع عند الحنفية بقول البائع: هو لك بألف، فيقول المشتري: قبلت، ولا ينعقد عندهم باسم الفاعل، كما لو قال: أنا مشتر هذا بألف، فقال: قبلت، وعللوا ذلك بجريان المساومة فيه (٣).
стр. 295
وأما المالكية، فقد قال خليل: «ينعقد البيع بما يدل على الرضا» (١).
قال الدسوقي تعليقًا في حاشيته: «بما يدل أي: عرفًا، سواء دل على الرضا لغة أيضًا، أو لا، فالأول: كبعت، واشتريت، وغيره من الأقوال. والثاني: كالكتابة والإشارة، والمعاطاة» (٢).
وجاء في حاشية الصاوي: «وحاصله أن المطلوب في انعقاد البيع ما يدل على الرضا عرفًا، وإن كان محتملًا لذلك لغة ... » (٣).
وجاء في مواهب الجليل: «لو قلت له: أخذت منك غنمك هذه كل شاة بدرهم، فقال ذلك لك، فقد لزمك البيع» (٤).
كما ينعقد البيع عند الشافعية بقولك: هذا مبيع منك بكذا، أو أنا بائعه بكذا، واعتبروا ذلك من الألفاظ الصريحة (٥).
وصححوا البيع بقولك: هو لك بكذا، واعتبروا ذلك من ألفاظ الكناية، كما تقدم عند الكلام على الكنايات (٦).
وفي مذهب الحنابلة: «ولو قال المشتري: بعني كذا، فقال: بارك الله لك فيه، أو هو مبارك عليك ... صح البيع للدلالة على المقصود» (٧).
جاء في الإنصاف: «اختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية صحة البيع بكل ما عده
стр. 296
الناس بيعًا ... » (١).
وقد جاء في السنة ما يدل على صلاحية الجملة الاسمية،
(ح-٢١) فقد روى البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو،
عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (٢).
فقوله ﷺ : (هو لك) جملة اسمية، وقد صح عقد الهبة بها، فدل ذلك على صلاحيتها لإنشاء العقود.
стр. 297
الفرع الخامس
في الإيجاب والقبول بكلمة (نعم)
قال البغوي: ألفاظ العقود على عادات الناس (١).
[م - ٤٦] تأتي كلمة نعم جوابًا على الاستفهام المثبت، قال تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤].
فإذا وقعت كلمة (نعم) إيجابًا أو قبولًا، فهل ينعقد بها البيع، اختلف الفقهاء في هذا على أربعة أقوال:
الأول: الصحة مطلقًا.
الثاني: عدم الصحة مطلقًا. وهذا قولان متقابلان.
الثالث: يصح أن تكون كلمة (نعم) إيجابًا من البائع والمشتري، وأما في القبول فلا تصح إلا من البائع دون المشتري.
الرابع: التفريق بين أن تكون كلمة (نعم) خطابًا بين المتعاقدين مباشرة، فيصح، وبين أن تكون جوبًا للسمسار، ففيها قولان. وهذا التفصيل عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
هذا ملخص الأقوال، وإليك التفصيل مع الأدلة:
القول الأول:
قيل: يصح أن تقع كلمة (نعم) إيجابًا من البائع والمشتري، وأما في القبول فلا تصح إلا من البائع دون المشتري، وهذا مذهب الحنفية (٢).
стр. 298
وجهه:
أن لفظ (نعم) بعد الاستفهام لا تكون إلا إيجابًا، لأن الاستفهام لا يصح أن يكون إيجابًا عند الحنفية.
جاء في البحر الرائق: «ولو قال: أتبيعني عبدك هذا بألف؟ فقال نعم فقال: أخذته، فهو بيع لازم، فوقعت كلمة نعم إيجابًا وكذا تقع قبولًا فيما لو قال: اشتريت منك هذا بألف فقال نعم» (١).
وإنما كان قول البائع (نعم) في الصورة الأولى هو الإيجاب، لأن قول المشتري: أتبيعني عبدك جاء في صورة استفهام، والاستفهام لا يصلح إيجابًا عند الحنفية، فلو لو يقل (أخذته) لم ينعقد البيع. وقد ناقشت صيغة الاستفهام، ومدى صلاحيتها في إنشاء العقود، بينما في الصورة الثانية كان قول البائع (نعم) هو القبول؛ لأن كلام المشتري لم يكن في صورة استفهام،.
القول الثاني:
قيل: تصح كلمة نعم في إنشاء العقود، وتقع في الإيجاب والقبول. وهذا مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة.
جاء في مواهب الجليل: «إذا قال المشتري: أتبيع سلعتك بكذا؟ فقال له البائع: نعم .... فقال: المشتري ما أردت الشراء فهو كمسألة السوم» (٢).
ومسألة السوم قال فيها الحطاب في الكتاب نفسه: «معنى المسألة: أن من أوقف سلعته في السوق للسوم، فقال له شخص: بكم تبيعها؟ فقال: صاحب السلعة بمائة مثلًا، فقال المشتري: أخذتها بها، فقال صاحب السلعة: ما أردت
стр. 299
البيع، وإنما أردت اختبار ثمنها، أو كنت لاعبا ونحو ذلك، فإنه يحلف أنه ما أراد إيجاب البيع، فإن حلف لم يلزمه البيع وإن لم يحلف لزمه» (١).
فمعنى هذا أن كلمة نعم ينعقد بها البيع، إلا أنها لما كانت محتملة، لم ينعقد بها البيع إذا حلف البائع بأنه لم يرد البيع، أما إذا لم يحلف فالبيع نافذ.
وقال السيوطي: «تقدم أن (نعم) كناية في قبول النكاح، فلا ينعقد به، وفي قبول البيع فينعقد على الأصح، وينعقد به البيع في جواب الاستفهام جزمًا، وكأنه صريح (٢).
فقوله (على الأصح) إشارة إلى القول الآخر في المذهب.
وجه القول بالصحة:
أن كلمة (نعم) جواب صريح، فإذا قال البائع للمشتري: نعم بعد سؤاله: أبعت سلعتك لي؟ فإن معنى الكلام: نعم بعتك، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤] أي وجدنا ذلك، فكان ذلك إقرارًا منهم بوجدان ما وعدهم ربهم.
وإذا كان الإنسان يؤخذ بالإقرار في كلمة (نعم)، فلو قيل لرجل: عليك ألف درهم، فقال: نعم، أخذ بإقراره، ففي البيوع من باب أولى.
القول الثالث:
قيل: لا تصح لفظ (نعم) لا في إيجاب، ولا قبول، وهو قول عند الشافعية (٣).
стр. 300
وجه عدم الانعقاد:
إذا قال المشتري: اشتريت منك هذا بكذا، فقال البائع: نعم، أو قال البائع: بعتك هذا، فيقول المشتري نعم، أن صيغة (نعم) في المثالين لم يسبقها التماس، فلا تكون جوابًا.
القول الرابع:
يصح إن كان ذلك الخطاب بين المتعاقدين مباشرة، فإن كان بواسطة سمسار، ففيه قولان، أصحهما عند الشافعية الصحة،، وهو قول في مذهب الحنابلة.
جاء في المجموع: «إذا قال السمسار المتوسط بينهما للبائع: بعت بكذا؟ فقال: نعم أو بعت وقال للمشتري: اشتريت بكذا؟ فقال: نعم أو اشتريت فوجهان حكاهما الرافعي (أصحهما) عند الرافعي وغيره الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي (والثاني) لا ينعقد لعدم تخاطبهما وبهذا قطع المتولي» (١).
وقال في المبدع: «قال الخاطب للولي: أزوجت؟ قال: نعم. وللمتزوج: أقبلت؟ قال: نعم. صح، ذكره الخرقي، ويحتمل ألا يصح» (٢).
والصحيح الصحة، لأن مخاطبة الوسيط قائمة مقام مخاطبة المالك؛ لأنه وكيله.
وسوف يأتي في آخر ألفاظ البيع أن الراجح أن العقد ينعقد بكل ما يدل على الرضا، وسوف نسوق أدلة هذا القول في آخر البحث دفعًا للتكرار.
* * *
стр. 301
المبحث الرابع
في بيان الصيغة الفعلية
الفرع الأول
في بيع المعاطاة
المسألة الأولى
تعريف بيع المعاطاة وصوره
تعريفه:
المعاطاة في البيع في اصطلاح الفقهاء (١): هي أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع الثمن للبائع، أو يعطي البائع المبيع للراغب في الشراء، فيدفع الآخر الثمن، وذلك عن تراض منهما من غير إشارة ولا تكلم.
صور بيع المعاطاة:
هناك صورتان في بيع المعاطاة.
стр. 302
الصورة الأولى:
أن يتم التعاطي من غير تكلم ولا إشارة من كلا الطرفين، وهذه الصورة لا نزاع فيها أنها من قبيل المعاطاة عند من يقول بجواز بيع المعاطاة، وسيأتي تحرير الخلاف في بيع المعاطاة إن شاء الله تعالى.
الصورة الثانية:
أن يتم التعاطي بتكلم أحد الطرفين، ويتم التسليم من قبل الطرف الآخر بلا كلام.
[م - ٤٧] وهذه الصورة قد اختلف الفقهاء في اعتبارها من بيع المعطاة،
فالحنفية لم يعتبروها من بيع المعاطاة (١).
وذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وبعض الحنفية، والنووي من الشافعية (٤)، إلى اعتبارها من المعاطاة.
واختار بعض الحنفية أن المعاطاة من جانب واحد يكون بإعطاء المبيع خاصة، دون الثمن (٥).
стр. 303
وجه قول الحنفية:
أن حقيقة التعاطي وضع الثمن وأخذ المثمن عن تراض منهما من غير لفظ، وهو يفيد أنه لا بد من الإعطاء من الجانبين; لأنه من المعاطاة، وهي مفاعلة، فتقتضي حصولها من الجانبين كالمضاربة والمقاسمة والمخاصمة (١).
وقد يقال: إن المعاطاة ليست من الجانبين: بل الإعطاء من جانب والأخذ من جانب آخر.
وجه قول الجمهور:
يمكن أن يقال: الإيجاب والقبول ركنا البيع، فإذا استغني عن القول في أحدهما مع أن لزوم البيع متوقف عليه، صدق عليه أنه من بيع المعاطاة.
* * *
стр. 304
المسألة الثانية
خلاف العلماء في صحة البيع بالمعاطاة
قال ابن تيمية: البيع لا يفتقر إلى صيغة بل يثبت ذلك بالمعاطاة (١).
جاء في مجلة الأحكام العدلية: إمضاء البيع يكون بالقول والفعل الدال على الرضا (٢).
[م -٤٨] اختلف الفقهاء في صحة البيع بالتعاطي:
فقيل: يجوز مطلقًا. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، واختاره بعض الشافعية (٦).
стр. 305
وقيل: لا يجوز مطلقًا.
وهو مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم من الظاهرية (٢).
وقيل: يجوز في المحقرات دون الأشياء النفيسة، اختاره بعض الحنفية (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥).
دليل من قال: يجوز البيع بالمعاطاة .
الدليل الأول:
الأصل في العقود الإباحة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل مع القائلين بتحريم بيع المعاطاة.
الدليل الثاني:
البيع مما تعم به البلوى، فلو كان الإيجاب والقبول شرطًا في صحته لبينه
стр. 306
النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولم يخف حكمه، ولو بينه لنقل نقلًا شائعًا لكثرة وقوع البيع بينهم، ولأن عدم البيان يفضي إلى الوقوع في العقود الفاسدة، وأكل المال بالباطل، فلما لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه اشتراط الإيجاب والقبول، علمنا أنه ليس بشرط.
الدليل الثالث:
أن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، وهكذا كل شيء ليس له حد في الشرع، وليس له حد في اللغة فالمرجع فيه إلى العرف.
الدليل الرابع:
عندما جاء الإسلام كان البيع موجودًا بين الناس، معلومًا عندهم، وإنما علق عليه الشارع أحكامًا، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم، وما زال المسلمون يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره قبل هؤلاء المخالفين، فدل على صحة ذلك البيع.
الدليل الخامس:
شرط صحة البيع وجود التراضي بين المتعاقدين، فإذا وجد ما يدل على التراضي من قرينة حالية أو فعلية قام مقام الألفاظ، وأجزأ ذلك، لعدم التعبد فيه.
الدليل السادس:
يقول الكاساني: البيع في اللغة والشرع اسم للمبادلة وهي مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وحقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء وإنما
стр. 307
قول البيع والشراء دليل عليهما والدليل عليه قوله ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] والتجارة عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل وهو تفسير التعاطي.
وقال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] أطلق اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع.
وقال الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] سمى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله - تعالى - اشتراء وبيعًا، لقوله تعالى في آخر الآية ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وإن لم يوجد لفظ البيع وإذا ثبت أن حقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء ..... كان التعاطي في كل ذلك بيعًا فكان جائزًا (١).
دليل من قال: لا يجوز بيع المعاطاة.
الدليل الأول:
الرضا شرط في صحة جميع التصرفات، ففي البيع قال الله : ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وفي التبرع قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
والرضا عمل قلبي، لا يعلمه إلا الله، فهو أمر خفي فلا بد من لفظ يدل عليه، ويناط به الحكم، سواء كان مما يستقل به الإنسان كالطلاق والعتاق والعفو والإبراء، أو من غيره مما لا يستقل به وحده كالبيع والإجارة والنكاح ونحوها.
стр. 308
الدليل الثاني:
القياس على عقد النكاح، فإنه لا ينعقد إلا باللفظ (١)، وقد اتفقوا على اشتراط الصيغ فيه، حتى لا يعلم أنه وجد لأحد من العلماء قول بالمعاطاة البتة، وإنما اختلفوا هل ينعقد بغير لفظ التزويج والنكاح أو لا ينعقد إلا بخصوص لفظهما (٢).
وأجيب:
بأن هناك فرقًا بين عقد النكاح والبيع، فالشهادة في النكاح آكد منها في البيع، ولأن الأصل في السلع الإباحة حتى تملك، والأصل في الفروج التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح، ولأن الحاجة عامة في البيع؛ حيث لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس بحيث لا يخلو مكلف غالبا من بيع أو شراء بخلاف النكاح إلى غيره من الفروقات (٣).
الدليل الثالث:
المعاطاة قد يراد بها البيع، وقد يراد بها الهبة، وقد يراد بها الإجارة، وقد يراد بها الرهن، وقد يدعي شخص أنه لم يرد به العقد مطلقًا، وعليه فلا يصلح أن يكون الإعطاء سببًا في التملك لكونه جنسًا يشمل أنواعًا مختلفة من العقود، وكل عقد يختلف آثاره عن العقد الآخر، فلا بد للبيع أن يكون بالقول الدال على تحديد كل عقد بعينه، وإلا أدى ذلك إلى وقوع النزاع بين المتعاقدين، وعدم معرفة الرضا الكامل الذي أناط الله به الجواز.
стр. 309
وأجيب:
إذا احتملت المعاطاة غير البيع لم ينعقد بها البيع، وإنما الكلام فيما إذا كانت المعاطاة لا تحتمل إلا البيع، كما لو كانت البضاعة قد كتب عليها ثمنها، فجاء المشتري وأخذ السلعة من المكان المخصص للبيع، والتي تعرض فيه البضائع في السوق المخصص لذلك، ودفع المشتري الثمن، وأخذه صاحب البضاعة، ولم يعترض البائع على أخذ البضاعة بعد أخذه ثمنها، فإن احتمال التبرع هنا، أو الإجارة بعيد كل البعد.
الدليل الرابع:
استدل ابن حزم على وجوب لفظ البيع أو الشراء أو التجارة، بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾: [النساء: ٢٩].
لا يؤخذ مال بغير الاسم الذي أباحه الله به أخذه، وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، فصح أن الأسماء كلها توقيفية، لا سيما أسماء أحكام الشريعة التي لا يجوز الإحداث فيها، ولا تعلم إلا بالنصوص .... (١).
دليل من فرق بين المحقرات والأشياء النفيسة .
بيع المعاطاة في المحقرات يشبه أن يكون معتادًا لدى الناس من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، ولو كان الناس يكلفون الإيجاب والقبول مع الخباز والبقال والقصاب للحقهم بذلك حرج ومشقة، والحرج منتف عن هذه الملة.
стр. 310
ونوقش هذا القول:
بأن تحديد الأشياء المحقرة من غيرها أمر يعسر ضبطه، ويختلف الناس فيه، ولذلك اختلف الناس في ضابط الحقير من النفيس:
فقيل: المرجع في ذلك إلى عرف الناس وعاداتهم، فما عدوه من المحقرات، وعدوه بيعًا، فهو بيع.
وهذا لا ينضبط، فإن الناس قد يعتادون بيع المعاطاة في الأشياء النفيسة أيضًا.
وحكى الرافعي وجهًا أن المحقر ما كان دون نصاب السرقة. قال النووي: وهذا شاذ ضعيف (١).
وذكر بعضهم أن معرفة ضابط بين الحقير والنفيس عن طريق التقدير غير ممكن، ولكن الأمور لها طرفان واضحان:
أحدهما: شراء البقل وقليل من الفواكه، واللحم والخبز، فهذا لا يخفى أن مثل هذا يعتبر من المحقرات التي لا يعتاد فيها إلا المعاطاة، وطالب الإيجاب والقبول يعد مستقصيًا، ويعتبر متكلفًا، ويستثقل، ويتهم بأنه يقيم وزنًا لأمر حقير.
والطرف الثاني: مثل السيارات والعقارات والجواهر النفيسة، فطلب الإيجاب والقبول لبيع مثل هذه الأشياء لا يعتبر متكلفًا.
وبينهما أوساط متشابهة يشك فيها، هي محل شبهة، فحق ذي الورع أن يميل فيها إلى الاحتياط، ولا يدع الإيجاب والقبول.
стр. 311
وجميع ضوابط الشرع فيما يعلم بالعادة تنقسم إلى أطراف واضحة، وأوساط مشكلة (١).
والراجح:
أن بيع المعاطاة يجوز مطلقًا، في النفيس والحقير، فالمطلوب هو الرضا، وبأي شيء تحقق فقد حصل المطلوب، سواء كان باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة، أو بقرينة الحال كالمعاطاة، والله أعلم.
* * *
стр. 312
مطلب
على القول بأن بيع المعاطاة لا يصح فما حكم المقبوض فيها
[م - ٤٩] الذين يمنعون بيع المعاطاة هم الشافعية، فهذه المسألة لا تأتي إلا على مذهبهم ﵏، وفيها عندهم ثلاثة أوجه:
أصحها: أن له حكم المقبوض بعقد فاسد، فيطالب كل واحد رد ما قبضه إن كان باقيًا، وإلا فرد بدله. وقد تكلمنا في أول الكتاب في حكم المقبوض بعقد فاسد، والاختلاف فيه بين الفقهاء، فليراجعه من يحتاج إليه.
الوجه الثاني: أن هذه إباحة لازمة لا يجوز الرجوع فيها.
الوجه الثالث: أن العوضين يستردان، فإن تلفا فلا مطالبة لأحدهما، ويسقط عنهما الضمان (١).
* * *
стр. 313
المسألة الثالثة
في الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة
قال الباجي: «كل لفظ أو إشارة فهم منه الإيجاب والقبول لزم به البيع وسائر العقود» (١).
قال السيوطي: «إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما غلبت الإشارة» (٢).
والبيع بالإشارة يعتبر من البيع بالمعاطاة، لأن الإشارة ليست كلامًا في وضع الشارع.
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] مع قوله سبحانه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
إذا علم هذا، فقد تواضع عموم الناس على دلالة بعض الإشارات حتى ولو كانت صادرة من غير الأخرس، وذلك كهز الرأس عموديًا دليلًا على القبول، وهزه أفقيًا دليلًا على الرفض، كما أن الإشارة في بعض الأحيان تكون حتمية للتفاهم، فلو أن البائع عبر عن إرادته بالنطق وحده، وكان إيجابه موجهًا إلى شخص أصم، ولم يكن نطقه مصحوبًا بإشارات يفهمها الأصم لم يكن لإيجابه أي أثر على الإطلاق.
والسؤال، إذا كان التعبير عن الإيجاب أو عن القبول أو عنهما معًا عن طريق الإشارة المفهومة، هل ينعقد البيع، أو يشترط اللفظ لانعقاد البيع؟
стр. 314
وللجواب على ذلك نقول:
[م - ٥٠] أما الإشارة من الأخرس الأصلي العاجز عن الكتابة، فلم أقف على خلاف بين الفقهاء في قبول إشارته، وانعقاد البيع بها إذا كانت دالة على مراده.
قال النووي: «قال أصحابنا: يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة، وبالكتابة بلا خلاف للضرورة، قال أصحابنا: ويصح بها جميع عقوده» (١).
وجاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعًا فينعقد بها جميع العقود كالبيع والإجارة والرهن والنكاح ونحوها» (٢).
[م - ٥١] واختلفوا في إشارة الأخرس لعارض، والأخرس القادر على الكتابة، والإشارة من غير الأخرس على النحو التالي:
فقيل: لا يجوز التعاقد بالإشارة من غير الأخرس، وهذا مذهب الحنفية (٣)،
стр. 315
والشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وأما من اعتقل لسانه فهل يلحق بالأخرس،
فقيل: نعم، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: لا يعتد بإشارته حتى يمتد به ذلك، ويقع اليأس من قدرته على الكلام، وهذا مذهب الحنفية (٥)، وقول عند الشافعية (٦).
وقيل: يجوز التعاقد بالإشارة مطلقًا، ولو من غير الأخرس إيجابًا وقبولًا إذا كانت مفهومة، وهذا مذهب المالكية (٧)،
стр. 316
واختيار ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢).
وقيل: لا يعتد بالإشارة من الأخرس إلا إذا كان عاجزًا عن الكتابة، اختاره بعض الحنفية (٣)، والمتولي من الشافعية (٤)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٥).
تعليل من قال: لا تعتبر الإشارة إلا من أخرس .
التعليل الأول:
الإشارة لا تسمى كلامًا، ولذلك لم تحنث مريم عليها الصلاة والسلام عندما
стр. 317
نذرت عدم الكلام مع تعبيرها بالإشارة، ولو كانت كلامًا لما قامت بالإشارة، وإذا لم تكن كلامًا لا يمكن أن تكون الإشارة تعبيرًا عن الرضا إلا للعاجز عن الكلام.
ويناقش:
بأن التعبير عن الإرادة غير محصور في الكلام، ولذلك يقع البيع بالمعاطاة عند الحنفية والحنابلة مع القدرة على الكلام.
التعليل الثاني:
الإشارة لا تخلو من احتمال، وتحول الملكية وغيرها من الآثار المترتبة على البيع لا يمكن أن يثبت بما فيه احتمال إلا مع الضرورة، ولا ضرورة للقادر على النطق.
ويناقش:
بأن المقصود بالإشارة المفهومة الواضحة المعبرة عن المراد، وسيأتي في أدلة القائلين بصحة الإيجاب والقبول بالإشارة أن الإشارة قبلت ليس في البيع والشراء، بل وفي باب الجنايات والإقرارات ونحوهما، وهما أبلغ.
التعليل الثالث:
الإشارة لا تقوم مقام العبارة إلا عند الضرورة، وذلك أن الإشارة لا يتبين بها حروف منظومة، فيبقى مجرد قصد الإيقاع، وقصد الإيقاع ليس إيقاعًا، ولذلك كان القادر على النطق لو أشار لم يقع شيء من التصرفات بإشارته (١).
стр. 318
التعليل الرابع:
من لزمته القراءة في العبادة، مع القدرة عليها لم تقم الإشارة مقام النطق، فكذلك سائر المعاملات.
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين العبادة والعادة، فالمقصود في العبادة قيام القارئ بالنطق بالعبارة، وهذا لم يتحقق بخلاف العادة فإن العبارة ليست مقصودة لذاتها.
التعليل الخامس:
لو لم نجعل إشارة الأخرس كعبارة الناطق لأدى ذلك إلى أن يموت الأخرس جوعًا، ولا يوجد ضرورة في حق الناطق.
تعليل من قال: لا تقبل الإشارة من معتقل اللسان .
الإشارة إنما تقوم مقام العبارة إذا صارت معهودة، وذلك في الأخرس دون معتقل اللسان، ولذلك قلنا: إذا امتد به ذلك، وصارت له إشارة معلومة كان بمنزلة الأخرس الأصلي (١).
تعليل من قال: لا فرق بين الأخرس الأصلي ومعتقل اللسان .
إذا عجز عن الكلام لم يكن هناك فرق بين الأخرس ومعتقل اللسان، فالواجب اللفظ مع القدرة عليه، فإذا عجز قامت الإشارة مقام العبارة، كما أنه لا فرق بين الوحشي الأصلي والمتوحش في حق الذكاة.
стр. 319
دليل من قال: تقبل الإشارة المفهومة مطلقًا من الأخرس وغيره .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، مع قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وجه الاستدلال:
سمى الله الإشارة قولًا، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها.
قال ابن كثير: «المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فلن أكلم اليوم إنسيا» (١).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد فهم القوم إشارة مريم، وأجابوها بقولهم: كيف نكلم من كان في المهد صبيًا، ولم يعترضوا عليها بأنهم لم يفهموا ما تريده منهم. فنزلت الإشارة منزلة الكلام حتى من القادر على النطق.
الدليل الثاني:
(ح-٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا المسعودي، عن عون، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة. فقال لها: من
стр. 320
أنا؟ فأشارت بإصبعها إلى رسول الله ﷺ ، وإلى السماء: أي أنت رسول الله، فقال: أعتقها (١).
[إسناده ضعيف] (٢).