الفرع الخامس
في انتهاء الخيار بالتصرف في المبيع
[م-٤٨٨] اختلف الفقهاء القائلون بخيار المجلس في حكم التصرف في المبيع زمن الخيار، هل يسقط الخيار؟ وهل يصح التصرف؟ إلى قولين:
القول الأول: مذهب الشافعية:
أن البائع إذا تصرف في المبيع ببيع أو هبة أو وقف أو نحوها والخيار له أو لهما: صح تصرفه، وكان ذلك منه اختيارًا لفسخ البيع.
لأن هذا تصرف يفتقر إلى الملك، فجعل هذا منه اختيارًا للفسخ، ورد المبيع إلى ملكه في زمن الخيار.
وأما تصرف البائع بالثمن فلا ينفذ إن كان معينًا حتى ينقطع خيار المشتري، ويقبض الثمن، وإن كان في الذمة لم ينفذ تصرفه فيه قبل انقطاع الخيار (١).
وأما تصرف المشتري فتارة يكون في الثمن، وتارة يكون في المبيع:
فإن كان تصرف المشتري في الثمن صح تصرفه، إن كان الخيار له، أو لهما، وكان ذلك منه اختيارًا لفسخ البيع.
وإن كان تصرف المشتري بالمبيع ببيع أو هبة أو وقف ونحوها ففيه تفصيل:
إن كان تصرفه بإذن البائع، أو باع المبيع للبائع نفسه، فوجهان:
стр. 2557
أصحهما صحة التصرف؛ لتضمنه الإجازة، ولأن المنع من التصرف لحق البائع، وقد رضي، ويصير البيع بذلك لازمًا (١).
وإن كان تصرف المشتري بغير رضا البائع، والخيار لهما، فإن فسخ البائع البيع الأول، لم يصح البيع الثاني.
وإن أجاز البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بشرطين (العقد وانقطاع الخيار) لم يصح بيعه.
وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد، أو الملك موقوف، فهل يصح بيعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح بيعه؛ لأنه صادف ملكه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه باع عينًا تعلق بها حق غيره، بغير إذنه، فلم يصح كالراهن إذا باع الرهن.
وتصرف المشتري ولو بغير إذن البائع، ولو لم يصح تصرفه يعتبر إجازة من المشتري للبيع (٢).
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فباع أو وهب، ففيه ثلاثة أوجه، أصحها: أن تصرفه صحيح، ويبطل خياره (٣).
стр. 2558
لأن تصرفه في هذه الحالة إما أن يصادف ملكه فظاهر، وإما أن يعتبر تصرفه إمضاء للبيع، وإسقاطًا للخيار؛ وفي كلا الحالين ليس في ذلك إبطال لحق غيره، والله أعلم.
هذا ملخص قول الشافعية في المسألة:
القول الثاني: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة: إلى أن الخيار إما أن يكون لهما، أو لأحدهما:
فإن كان الخيار لهما (لكلا العاقدين) فليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع ولا في عوضه مدة الخيار؛ لأنه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه علاقته، فيتصرف فيه المشتري، ولأن تصرفه يؤدي إلى إبطال حق صاحبه، وهذا لا يجوز.
وإن كان الخيار لواحد منهما:
فإن كان للمشتري وحده صح تصرفه في المبيع؛ لأن تصرفه من مالك تام الملك، جائز التصرف، فنفذ كما بعد انتهاء الخيار، ولأن تصرفه في المبيع دليل على رضاه به، وإمضائه للبيع.
وإن كان الخيار للبائع وحده:
فإن تصرف في المبيع لم ينفذ. قال المرداوي: وهذا الصحيح من المذهب .... وهو من المفرادات.
стр. 2559
وعللوا ذلك: بأن البائع لا يملك المبيع بعد بيعه (١).
وإن تصرف البائع بالثمن، نفذ تصرفه، وبطل خياره؛ لأن تصرفه في الثمن دليل على رضاه وإمضائه للبيع.
وقيل: ينفذ تصرف البائع في المبيع، إن قلنا: إن البيع لا ينقل الملك، وكان الخيار لهما، أو للبائع، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يقع التصرف موقوفًا على انقضاء الخيار، ولا يبطل حق من لم يتصرف من الخيار، فإن انقضى ولا فسخ، صح التصرف، وإن فسخ من لم يتصرف بطل التصرف، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
والراجح:
أن التصرف في المبيع أو الثمن تارة يكون ناقلًا للملكية، وهذا لا يجوز، ولا يصح إذا كان الخيار لهما، بصرف النظر عن كون هذا التصرف صدر من مالك أو من غيره، لأن هذا التصرف يؤدي إلى إسقاط حق الغير بغير رضاه، ويعتبر مثل هذا التصرف مسقطًا لخيار من صدر عنه؛ لأنه دليل على إجازته للعقد.
وإن كان الخيار لأحدهما، فيجوز تصرف من كان له الخيار وحده، ويعتبر دليلًا على اختياره إمضاء العقد؛ لأن تصرفه لا يؤدي إلى إسقاط حق غيره.
وإن كان التصرف لا ينقل الملكية، كما لو استخدم المبيع في غير تجربته، فهذا التصرف يسقط خيار من صدر عنه؛ لأنه دليل على إمضاء العقد، ولا يجوز تصرفه هذا إن كان الخيار لهما إلا بإذن الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 2560
الفرع السادس
انتهاء الخيار باختيار الفسخ
[م-٤٨٩] لا شك أن فسخ العقد ينهي خيار المجلس، وذلك أن خيار المجلس إنما شرع لإتاحة الفسخ لكل واحد من المتعاقدين، وهذا أمر معلوم.
ويحصل الفسخ في زمن خيار المجلس بكل لفظ يدل عليه، كفسخت البيع، واسترجعت المبيع، أو رددته، أو رددت الثمن، ونحو ذلك.
قال الصيرمي: وقول البائع في زمن الخيار: لا أبتاع حتى يزيد في الثمن، مع قول المشتري: لا أفعل، يكون فسخًا. وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى ينقص عني من الثمن، مع قول البائع: لا أفعل. وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، كل هذا فسخ (١).
* * *
стр. 2561
الفصل الثاني
خيار الشرط
المبحث الأول
تعريف خيار الشرط
تعريفه:
سبق لنا تعريف كلمة الخيار وحده في الفصل الذي قبل هذا، وسبق لنا تعريف كلمة الشرط وحده في باب (الشروط في البيع)، ونعرف الآن الكلمتين مركبتين: (خيار الشرط) وهو مركب إضافي فخيار الشرط: هو من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن الشرط سبب الخيار.
خيار الشرط في الاصطلاح:
قال ابن عابدين في تعريفه: «خيار الشرط مركب إضافي، صار علمًا في اصطلاح الفقهاء على ما يثبت لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ» (١).
وعرفه ابن عرفة، فقال: «بيع وقف بته أولًا على إمضاء يتوقع» (٢).
فخرج بقوله: (وقف بته) بيع البت، والبيع الذي آل إلى خيار، كمن اشترى شيئًا على البت، فاطلع على عيب، فإنه مخير بين الرد والإمساك؛ فهذا البيع وإن كان قد وقف بته لكن ليس في أول الأمر، وإنما في آخره (٣).
стр. 2562
ويقول السنهوري في تعريفه: «خيار الشرط: خيار يشترطه أحد العاقدين أو كلاهما، بموجبه يكون لمن له الخيار الحق في نقض العقد في خلال مدة معينة، فإن لم ينقضه نفذ» (١).
فمن خلال هذه التعريفات يتضح ما يلي:
أولًا: أن خيار الشرط هو خيار إرادي ينشأ عن إرادة العاقد، وليس هو خيارًا حكميًا يثبت بمجرد حكم الشرع كخيار المجلس وخيار العيب.
ثانيًا: أن العقد الذي فيه خيار الشرط يكون عقدًا غير لازم من جانب من له الخيار.
ثالثًا: أن الغاية من مشروعية هذا الخيار هو التروي، والتفكر في الأمر، والتبصر في إمضاء البيع أو رده، فهو خيار ينشأ من جهة العاقد، بخلاف خيار النقيصة، فهو خيار ينشأ من جهة المعقود عليه يكون موجبه ظهور عيب أو استحقاق.
* * *
стр. 2563
المبحث الثاني
في حكم خيار الشرط
[م-٤٩٠] اختلف الفقهاء في حكم اشتراط الخيار في عقد البيع على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
القول الثاني:
لا يصح اشتراط الخيار للبائع، أو لهما، ويجوز اشتراطه للمشتري وحده، وهو قول ابن شبرمة، والثوري (٢).
стр. 2564
القول الثالث:
لا يصح اشتراط الخيار مطلقًا في عقد البيع إلا أن يقول أحدهما حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة، ثم هو بالخيار ثلاثة أيام، وهذا اختيار ابن حزم (١).
دليل الجمهور على جواز اشتراط الخيار في عقد البيع:
الدليل الأول:
ذكرنا في مسألة سابقة الأدلة الصحيحة الصريحة على أن الأصل في الشروط الصحة والجواز إلا ما جاء نص في النهي عن اشتراطه، أو كان في اشتراطه محذور شرعي، وأجبنا عن أدلة المخالفين بما يغني عن إعادته بنصه هنا (٢).
وهذه الأدلة الكثيرة والتي سقناها على هذه القاعدة أرى أنها أقوى دليل على جواز اشتراط الخيار مدة معينة، وما عدا ذلك من الأدلة قد ينازع فيها منازع إما في ثبوتها، وإما في دلالتها على المطلوب كما سترى من خلال عرض الأدلة، وأسعد الفقهاء بهذا الاستدلال هم الحنابلة، والذين يرون أن شرط الخيار أصل بذاته، فليس جاريًا على خلاف القياس كما يراه الحنفية (٣)، ولا مستثنى من بيع
стр. 2565
الغرر كما يراه المالكية (١)، وليس من قبيل الرخص ارتفاقًا بالعباد كما يراه الشافعية (٢)، بل هو أصل بذاته، والمعنى يقتضيه؛ لأن خيار الشرط إما للتروي في الثمن، وليقف على غلائه ورخصه، وإما ليختبر المبيع، ويعلم جودته ورداءته، وإما ليؤامر نفسه في العزم على الشراء، وهذه المقاصد مشروعة، وتحقق الرضا من المتعاقدين، والذي هو شرط في صحة العقد، والله أعلم.
الدليل الثاني:
حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على جواز اشتراط الخيار مدة معلومة في عقد البيع.
منهم العيني، وابن ا لهمام من الحنفية، والنووي وجمع من الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة.
قال العيني: «وشرط الخيار جائز بإجماع العلماء والفقهاء» (٣).
وقال ابن الهمام: «شرط الخيار مجمع عليه» (٤).
وجاء في الفواكه الدواني: «والإجماع على جوازه». يعني خيار الشرط (٥).
стр. 2566
وقال النووي: «واعلم أن أقوى ما يحتج به في ثبوت خيار الشرط الإجماع، وقد نقلوا فيه الإجماع، وهو كاف» (١).
وقال أيضًا: «يصح شرط الخيار في البيع بالإجماع، إذا كانت مدته معلومة» (٢).
وقال ابن قدامة: «الضرب الثاني: خيار الشرط، نحو أن يشترط الخيار في البيع مدة معلومة، فيجوز بالإجماع» (٣).
ويناقش:
لا يقوم الإجماع مع ثبوت الخلاف عن ابن شبرمة، والثوري، وابن حزم.
الدليل الثالث:
استدل الحنفية والشافعية بقصة حبان بن منقذ، واشتراط الرسول ﷺ الخيار له.
(ح-٤٢٥) فقد روى الطحاوي من طريق الشافعي، عن سفيان، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن نافع.
عن ابن عمر، أن حبان بن منقذ، كان شج في رأسه مأمومة، فثقل لسانه، فكان يخدع في البيع، فجعل له رسول الله ﷺ ما ابتاع من شيء، فهو بالخيار ثلاثًا، وقال له رسول الله ﷺ : قل لا خلابة، قال ابن عمر، فسمعته يقول: لا خذابة، لا خذابة (٤).
стр. 2567
[اضطرب فيه ابن إسحاق، والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر الخيار] (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أجاز لحبان بن منقذ أن يشترط الخيار في بيعه دفعًا للضرر عنه، وهذا دليل على جواز اشتراط الخيار في البيع.
والاستدلال بهذا اللفظ رغم ضعفه أصح من الاستدلال بلفظ الصحيحين، لعدم دلالته على المطلوب.
قال ابن الهمام: «أما ما روي في الموطأ والصحيح عن ابن عمر أن رجلًا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة، والخلابة الخديعة، فليس فيه دليل على المقصود، والعجب ممن قال: الأصل في جواز شرط الخيار، ثم ذكر هذا الحديث، وهو لا يمس المطلوب» (١).
قلت: كونه لا يمس المطلوب، لأن شرط الخيار إنما يكون برضا المتعاقدين، بينما هذا يثبت لقائله بمجرد أن يقول: لا خلابة، سواء رضي الطرف الآخر أو لم يرض، ولأن الحديث في الصحيحين لم يذكر مدة معلومة
стр. 2572
للخيار، فلو كان من قبيل خيار الشرط اشترط أن ينص على ذكر الأجل في الخيار؛ لأن الجهالة في المدة تبطل الشرط، بل قد تبطل العقد، وهذا دليل على أن الخيار فيه من قبيل خيار كتمان العيب، أو من قبيل الخديعة والتغرير، والذي لا يتوقف الحق فيه على أجل معين، والله أعلم.
قال الباجي في المنتقى: «الخلابة أن يكتمه عيبًا فيها ويقول: إنها تساوي أكثر من قيمتها وأنه قد أعطي فيها الأكثر مما أعطى بها» (١).
وقد رأى بعض الفقهاء أن حديث حبان بن منقذ خاص به، لا يتعداه إلى غيره، وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء منهم الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (٢) والإمام البيهقي (٣) وغيرهما.
ولعل الحامل على هذا والله أعلم ما كان يعاني منه حبان بن منقذ الذي ورد الحديث في شأنه من ضعف في عقله، إلا أن القول بالخصوصية فيه نظر، ذلك أن الخصوصية لا تثبت بمجرد الاحتمال، بل لابد من التنصيص عليها.
وهذا الجواب يقال لو كان الحديث ثابتًا، وإذ لم يكن ثابتًا لم يكن هناك مجال في الاحتجاج به، والله أعلم.
الدليل الرابع:
احتج المالكية على جواز اشتراط الخيار
(ح-٤٢٦) بما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع عن
стр. 2573
ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار (١).
وجه الاستدلال:
قال الباجي في المنتقى: «قوله ﷺ : ( .... إلا بيع الخيار) يقتضي والله أعلم على تأويل مالك وأصحابه، إلا أن يشترط أحدهما الخيار على صاحبه مدة مقررة، يثبت مثلها في المبيع، ولا يقدر الخيار بمدة، فيقضي فيها بالواجب، فيكون الاستثناء على هذا مما يقتضيه قوله: إنهما بالخيار ما لم يفترقا، فإنه لا خيار بينهما بعد التفرق إلا في بيع الخيار، فكأنه قال: حكم البيع اللزوم بمجرد العقد إلا البيع الذي يشترط فيه الخيار، فيثبت فيه الخيار على حسب ما شرط» (٢).
ويناقش:
بأنه قد تقدم الخلاف في تفسير قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) وأن في المسألة ثلاثة أقوال، وبينا أن الراجح في معنى قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) أنه استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، فيكون التقدير: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا البيع الذي جرى فيه التخاير.
ونسبه ابن حجر إلى جمهور العلماء، وقال: جزم الشافعي به (٣).
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «وأما قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) فيه ثلاثة أقوال ... أصحها: أن المراد التخيير بعد تمام العقد، قبل مفارقة
стр. 2574
المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة» (١).
(ح-٤٢٧) ويؤيد ذلك ما رواه مسلم والنسائي أيضًا من طريق ابن جريج، قال: أملى علي نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تبايع البيعان فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يفترقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإن كان عن خيار فقد وجب البيع (٢).
فلو كان المراد به خيار الشرط، لم يصح أن يقول: فقد وجب البيع.
ويؤيده أيضًا ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع به، بلفظ:
البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: «أو يقول لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار».
فهاتان الجملتان تفسر إحداهما الأخرى، فقوله: (أو يقول لصاحبه: اختر) هو بمثابة (أو يكون بيع خيار) ولذلك لم يرد قوله (إلا أن يكون بيع خيار) مع قوله: (أو يقول لصاحبه: اختر) مما يدل أنهما لفظان بمعنى واحد، فربما قال الراوي هذا، وربما استبدله بهذا اللفظ، وعليه فقوله: (إلا أن يكون بيع خيار) بمنزلة: أن يقول لصاحبه بعد إتمام البيع: اختر نفاذ البيع، أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع لزم البيع بينهما، وإن لم يتفرقا.
стр. 2575
دليل من قال: يصح الخيار للمشتري، ولا يصح للبائع .
صاحب هذا القول رأى أن الأصل في العقود اللزوم، وأن شرط الخيار إنما ثبت في حق المشتري فقط، كما في حديث حبان بن منقذ المتقدم، فيقتصر عليه، ولا يجوز اشتراطه للبائع (١).
ويناقش:
أولًا: لا نسلم أن خيار الشرط ما ثبت إلا في حديث حبان بن منقذ، بل ثبت وفقًا للأصل الشرعي أن الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز، وقد تضافرت الأدلة على صحة هذا الأصل، ومنها حكاية الإجماع من جمع من أهل العلم.
ثانيًا: على التسليم بأن خيار الشرط لم يثبت إلا في حديث حبان بن منقذ، فقد أجاب ابن الهمام عن الاستدلال به، بأنه ﷺ قال له: (إذا بايعت) وهذا يصدق بكونه بائعًا ومشتريًا (٢).
ولأن ما يثبت لأحد المتعاقدين يثبت للآخر، لكونه أحد طرفي العقد، أو للقياس عليه.
ولأن خيار الشرط إنما جاز للحاجة إلى دفع الغبن بالتروي، والعاقدان في ذلك سواء، البائع والمشتري.
دليل ابن حزم على أنه لا يجوز اشتراط الخيار في العقد:
الدليل الأول:
كل الأدلة التي ساقها ابن حزم في الاستدلال على أن الأصل في الشروط
стр. 2576
التحريم والبطلان إلا ما دل الدليل على صحته من كتاب أو سنة أو إجماع، يستدل به هنا على بطلان خيار الشرط.
والجواب عن تلك الأدلة هناك هو الجواب عن استدلاله بها في هذا الموضع، مما يغني عن تكرار ذكرها.
الدليل الثاني:
قال ابن حزم في معرض رده على جواز اشتراط الخيار:
«نسألهم عن بيع الخيار، هل زال ملك بائعه عنه، وملكه المشتري له، أم لا، إذا اشترط الخيار للبائع أو لهما؟
فإن قالوا: لا فهو قولنا، وصح أنه لا بيع هنالك أصلًا ; لأن البيع نقل ملك البائع، وإيقاع ملك المشتري.
وإن قالوا: نعم قلنا: فالخيار لا معنى له ولا يصح في شيء قد صح ملكه عليه - وأقوالهم تدل على خلاف هذا.
فإن قالوا: قد باع البائع ولم يشتر المشتري بعد؟ قلنا: هذا تخليط وباطل، لا خفاء به ; لأنه لا يكون بيع إلا وهنالك بائع ومبتاع وانتقال ملك. وهكذا إن كان الخيار للبائع فقط فمن المحال أن ينعقد بيع على المشتري ولم ينعقد ذلك البيع على البائع.
فإن كان الخيار لهما أو لأجنبي، فهذا بيع لم ينعقد لا على البائع، ولا على المبتاع، فهو باطل» (١).
стр. 2577
ويجاب عن ذلك:
بأن البيع ينقل الملك، ولكن البيع مدة الخيار يكون جائزًا، وليس لازمًا، وهذا لا تعارض بينه وبين ثبوت الخيار، فإن خيار العيب، يجعل المشتري له حق الرد، وهو لا ينافي انتقال الملك، وابن حزم يرى خيار المجلس، ويقول به، ومع هذا لا ينافي ذلك ثبوت البيع، وانتقال الملك؛ إلا أنه انتقال غير لازم، فيملك الفسخ مدة الخيار، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال أرى أن القول الراجح هو القول بجواز اشتراط الخيار في عقد البيع، وأن الأخذ به يتمشى مع القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، من تحقيق العدل والتراضي بين المتعاقدين، وتجنب الغلط، والبعد عن الغبن، والإحاطة في المبيع بتجريبه، والتروي وتقليب النظر في صالح الأمرين من الإمضاء أو الفسخ، والله أعلم.
* * *
стр. 2578
المبحث الثالث
في اشتراط الخيار لأجنبي
[م-٤٩١] الأصل في خيار الشرط أنه راجع إلى إرادة العاقدين، والمراد بالعاقدين هنا ما هو أعم من المالكين فيشمل المالكين والوكيلين والوصيين وغيرهما ممن له الحق في إبرام العقد، وإذا عرفنا أن الخيار يثبت للعاقدين، فقد يكون اشتراط الخيار للعاقدين كليهما، وقد يشترط لأحدهما دون الآخر وهذا كله لا خلاف فيه بين الفقهاء القائلين بخيار الشرط.
قال النووي: «يجوز شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما بالإجماع» (١).
والسؤال، ما ذا لو شرط العاقدان أو أحدهما الخيار لأجنبي من العقد ممن ليس له أي علاقة بالعقد، فهل يصح جعل الخيار لأجنبي؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز اشتراط الخيار لأجنبي عن العقد، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة (٢).
القول الثاني:
لا يجوز جعل الخيار لأجنبي، اختاره زفر من الحنفية (٣)، وهو قول في
стр. 2579
مذهب الشافعية (١).
القول الثالث:
البيع صحيح، والشرط باطل، حكاه الماوردي عن ابن سريج (٢).
دليل الجمهور على الجواز:
الدليل الأول:
أن اشتراط الخيار للأجنبي فيه معنى اشتراط الخيار للعاقدين نفسيهما؛ لأن المشترط يجعل غيره نائبًا عنه في التصرف بحكم الخيار، ولا يكون ذلك إلا بعد ثبوت الخيار له.
الدليل الثاني:
أن خيار الشرط إنما شرع من أجل الحاجة إلى دفع الغبن، وقد يشتري الإنسان شيئًا وهو غير مهتد فيه فيحتاج إلى اشتراطه لمن يكون مهتديًا من صديق أو قريب حتى ينظر له، فللحاجة إليه صار كاشتراط الخيار للعاقدين (٣).
دليل من قال: لا يجوز الخيار لأجنبي:
الدليل الأول:
أن اشتراط الخيار للعاقد مع أن القياس يأباه إنما ثبت بالنص، فيبقى اشتراطه لغيره على أصل القياس، وهو المنع (٤).
стр. 2580
ويناقش:
أن الحكم بجواز اشتراط الخيار معلول بالحاجة إلى النظر والتأمل، وهذا كما يكون للعاقد، قد يكون لرجل أجنبي بحيث يساعد العاقد على التأمل والنظر كما لو كان العاقد ليس من أهل الخبرة والنظر، فتتحقق الحكمة من اشتراط الخيار، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الخيار من حقوق العقد وأحكامه، وحقوق العقد تثبت للعاقد، فاشتراطه لغير العاقد خلاف مقتضى العقد، فيكون مفسدًا للعقد، فلا يجوز اشتراطه لغير العاقدين كما لا يجوز اشتراط الثمن على غير المشتري (١).
ويناقش:
إذا كان الخيار من حقوق العاقد فإن الحقوق تقبل الانتقال، فكما يجوز له التنازل عن حقه، يجوز له نقله إلى غيره كسائر الحقوق التي تقبل الانتقال.
أما القياس على الثمن فغير مسلم، وذلك أن الثمن من موجبات العقد باعتباره من مقاصد العقد ومقوماته بخلاف الخيار الذي هو أمر زائد على العقد أوجبه الشارع بإيجاب العاقد له على نفسه أو غيره لمصلحة العاقدين، والدليل على ذلك أنه إذا لم يشترط العاقدان أو أحدهما الخيار لا يؤثر ذلك في العقد، ولا يفسده أو يبطله؛ وإنما يؤثر فيه برفع اللزوم إلى وقت معلوم، فقياس الخيار على الثمن قياس مع الفارق.
стр. 2581
الدليل الثالث:
أن في اشتراط الخيار لأجنبي تعليقًا لفسخ البيع بفعل الغير، والعقود لا تحتمل التعليق.
ويناقش:
أولًا: القول بأن العقود لا تقبل التعليق قول غير مسلم به، وقد ناقشنا تعليق العقود في مسألة مستقلة، وبينا أن العقود تحتمل التعليق، وقد اختار كثير من الفقهاء جواز البيع إذا قال العاقد: اشتريته إن رضي زيد أو رضي أبي.
ثانيًا: على فرض التسليم بأن العقود لا تحتمل التعليق، فإن الخيار ليس تعليقًا لذات البيع، بل هو تعليق للفسخ، والفسخ يقبل التعليق، وتعليق الفسخ غير تعليق العقد.
الدليل الرابع:
اعتبار خيار الشرط بخيار العيب والرؤية، فإذا كان خيار العيب والرؤية لا يجوز شرطهما لغير العاقدين فكذا خيار الشرط (١).
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين خيار العيب والرؤية وبين خيار الشرط، فإن الخيار في العيب والرؤية لم يثبت بإرادة المتعاقدين، وإنما وجدا حين وجد المقتضي لذلك، كوجود العيب في السلعة، وبيع الغائب بلا صفة ولا رؤية، أما خيار الشرط فلا يثبت إلا بالرضا والاشتراط من العاقدين أو من أحدهما، ولا يثبت بغير اشتراط فافترقا.
стр. 2582
دليل من قال: البيع صحيح والشرط باطل:
يمكن أن يستدل له: بأن العقد قد تمت أركانه، وتوفرت شروطه، واشتراط الخيار هو أمر زائد على موجبات العقد، فإذا تطرق إليه الخلل لم يتطرق إلى العقد، والله أعلم
الترجيح:
القول الراجح هو قول عامة الفقهاء: وهو أن الخيار كما يكون حقًا للشخص يمكن أن يجعله صاحبه لنفسه، ويمكن أن يجعله لشخص آخر يراه أهلًا ومحلًا لثقته وخبرته، كما لو اختار رجلًا أجنبيًا، وهذه المسألة لا تبعد عن مسألة سابقة: أن يشتري الرجل البضاعة بشرط أن يرضى فلان.
* * *
стр. 2583
المبحث الرابع
في حكم الخيار إذا كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد
[م-٤٩٢] إذا كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد، كالخضار والفواكه، فهل يصح اشتراط الخيار، والمبيع كذلك؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: مذهب الحنفية:
نص الحنفية على هذه المسألة بأن الرجل إذا اشترى شيئًا مما يتسارع إليه الفساد على أنه بالخيار ثلاثة أيام:
فالقياس عندهم: أنه لا يجبر المشتري على شيء.
والاستحسان: أن يقال للمشتري: إما أن تفسخ البيع، وإما أن تأخذ المبيع، ولا شيء عليك من الثمن حتى تجيز البيع، أو يفسد عندك. يعني: فإن فسد عنده لزمه الثمن (١).
فالحنفية يقيدون مدة الخيار بثلاثة أيام، فإذا كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد، واشترط المتعاقدان الخيار برضاهما، فإنهما يتحملان مسئولية ذلك، فإن فسد البيع مدة الخيار، وهو عند المشتري لزمه الثمن، ومعلوم أنه لو فسد المبيع، وهو عند البائع كان فساده من ماله، وليس من مال المشتري.
القول الثاني: مذهب المالكية:
أرجع المالكية القول فيه إلى عمل الناس، وقيدوا ذلك بأن يكون في مدة لا يقع فيها تغيير ولا فساد.
стр. 2584
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت لو أن رجلًا اشترى بطيخًا، أو قثاء، أو فاكهة رطبة: تفاحًا، أو خوخًا، أو رمانًا على أنه بالخيار في ذلك يومًا، أو يومين، أيكون له هذا الخيار الذي شرط في ذلك؟
قال: لم أسمع من مالك في هذا شيئًا، وأرى أن ينظر في هذا إلى ما يصنع الناس، فإن كانوا يستشيرون في ذلك، ويرون هذه الأشياء غيرهم، ويحتاجون فيه إلى رأي غيرهم، رأيت لهم من الخيار قدر حاجتهم إلى ذلك، على ما وصفت لك من الخيار في غيرها من الأشياء، مما لا يقع فيه تغيير ولا فساد» (١).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
لا يصح اشتراط الخيار فيما يتسارع إليه الفساد في أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
قال النووي: «لو كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد، فباعه بشرط الخيار ثلاثة أيام، فوجهان، حكاهما صاحب البيان (٣):
أصحهما: يبطل البيع.
والثاني: يصح، ويباع عند الإشراف على الفساد، ويقام ثمنه مقامه، وهذا غلط ظاهر» (٤).
стр. 2585
وقال المرداوي الحنبلي: لو قيل بعدم الصحة لكان متجهًا، وهو أولى (١).
وقال الزركشي: «قال أبو العباس: ويتوجه عدم الصحة من وجه في الإجارة، أي من وجه عدم صحة اشتراط الخيار في إجارة تلي العقد، ومن أن تلف المبيع يبطل الخيار» (٢).
وقد فرق الشافعية بين خيار المجلس، وبين خيار الشرط، فقالوا بثبوت خيار المجلس فيما يتسارع إليه الفساد، وامتداده ما دام في المجلس، وإن لزم تلف المبيع بخلاف خيار الشرط.
وجه الفرق:
أن خيار المجلس يثبت قهرًا من الشارع، فهو خيار حكمي، بخلاف خيار الشرط، فهو لا يثبت إلا بإرادة المتعاقدين ورضاهما (٣).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
يصح، ويباع عند الإشراف على الفساد، ويقام ثمنه مقامه، وهذا هو مذهب الحنابلة (٤)، ووجه مرجوح عند الشافعية (٥).
قال الزركشي: «وهذا قياس ما قالوه في الرهن، إذا كان لا يبقى إلى المدة» (٦).
стр. 2586
الراجح:
أجد أن مذهب المالكية هو أعدل الأقوال، حيث اشترط أن تكون حاجة الناس قائمة إلى المشاورة في مثل هذا البيع، وأن يكون العمل جاريًا عندهم في ذلك، وأن يكون الخيار في مدة قبل تغير المبيع وفساده، فإذا كان يتغير خلال ثلاثة أيام، فليكن الخيار في يوم واحد، أو يومين، والله أعلم.
* * *
стр. 2587
المبحث الخامس
في مدة خيار الشرط
[م-٤٩٣] اتفق عامة الفقهاء القائلين بجواز اشتراط الخيار في عقد البيع بأن المدة لابد أن تكون معلومة (١)، واختلفوا في مقدارها على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الحد الأقصى الذي يجوز اشتراطه هو ثلاثة أيام فأقل، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣).
القول الثاني:
ليس له قدر محدود في نفسه، وإنما يتقدر بقدر الحاجة، ولا يجوز الزيادة على قدر الحاجة، وهي تختلف باختلاف المبيع، والغرض من الخيار.
فهو في الدار الشهر ونحوه، وفي الرقيق: الخمسة أيام والجمعة، وما أشبه ذلك.
وفي الدابة: اليوم وما أشبهه، ولا بأس أن يشترط السير عليها البريد والبريدين ما لم يتباعد ذلك.
والفرق بينها وبين الرقيق: أنها لا تميز، فتكتم أخلاقها وأحوالها.
стр. 2588
وفي الثوب: اليومان والثلاثة.
كما أن المدة تختلف باختلاف الغرض من الخيار: فهناك فرق بين شرط الخيار لاختبار السلعة، وبين شرط الخيار لغرض المشورة، أو للتعرف على حقيقة الثمن غلاء ورخصًا.
ولو شرط في الخيار مدة زائدة عن قدر الحاجة بكثير فسد العقد (١).
стр. 2589
القول الثالث:
لا تحديد لمدة الخيار، فتصح المدة وإن طالت ما دامت معلومة، وهذا مذهب الحنابلة (١)، واختيار أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٢).
دليل من قال: لا يجوز اشتراط أكثر من ثلاثة أيام:
الدليل الأول:
(ح-٤٢٨) روى الطحاوي من طريق الشافعي، عن سفيان، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن نافع.
عن ابن عمر، أن حبان بن منقذ، كان شج في رأسه مأمومة، فثقل لسانه، فكان يخدع في البيع، فجعل له رسول الله ﷺ ما ابتاع من شيء، فهو بالخيار ثلاثًا، وقال له رسول الله ﷺ : قل لا خلابة، قال ابن عمر، فسمعته يقول: لا خذابة، لا خذابة (٣).
وجه الاستدلال:
مقتضى عقد البيع: هو اللزوم، وشرط الخيار مخالف لهذا، وإنما جوزنا شرط الخيار وإن كان بخلاف القياس بما رويناه من النص، فيقتصر على مورد النص، ويبقى ما زاد عليها على أصل القياس.
стр. 2590
ويناقش:
أولًا: أن ذكر اشتراط الخيار لم يثبت في الحديث، فقد انفرد به ابن إسحاق، وقد اضطرب فيه، والحديث في الصحيحين من مسند ابن عمر، وفي السنن من مسند أنس وليس فيه أنه بالخيار ثلاثًا (١).
ثانيًا: لو صح الحديث لكان التقدير بالثلاث خرج مخرج الغالب؛ لأن النظر يحصل فيها غالبًا، وهذا لا يمنع من الزيادة عليها عند الحاجة، كما قدرت حجارة الاستنجاء بثلاثة، ثم لو دعت الحاجة إلى الزيادة وجب (٢).
الدليل الثاني:
استدل الحنفية بحديث التصرية على جواز اشتراط الخيار في البيع (٣)،
(ح-٤٢٩) وحديث التصرية رواه مسلم من طريق قرة، عن محمد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام، لا سمراء.
ورواه مسلم من طريق يعقوب يعني: ابن عبد الرحمن القارئ، عن سهيل، عن أبيه.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر (٤).
стр. 2591
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ جعل خيار التصرية له أجلًا لا يزيد عن ثلاثة أيام، فكذلك خيار الشرط.
ويناقش:
أولًا: الحنفية لا يأخذون بالحديث، فهم لا يرون التصرية عيبًا ترد به الشاة، كما بيناه فيما سبق، ويرون أن رد الصاع من التمر بدلًا من الحليب على خلاف القياس عندهم، فهم لا يأخذون بالحديث، ولا يصححونه، فكيف يحتجون به في توقيت الخيار بثلاثة أيام، فهذا من عجيب الاستدلال (١).
ثانيًا: أن الخيار في التصرية هو من قبيل خيار العيب، وهو يختلف عن خيار الشرط، فخيار الشرط: هو خيار ينعقد بإرادة المتعاقدين واتفاقهما، وإرادتهما مطلقة في المدة التي يختارونها، بينما هذا: خيار يثبت لصاحبه الذي تعرض للغش والخداع والتدليس، فكيف يحتج به في غير بابه.
وبمعنى آخر: أن خيار التصرية ثابت بالشرع، وخيار الشرط لا يثبت إلا بالاشتراط.
ثالثًا: أن توقيت الخيار في ثلاثة أيام في خيار التصرية: هو خاص في التصرية خاصة، وذلك أن عيب التصرية غالبًا لا يعلم فيما دون ذلك، بينما غيره من السلع قد يتطلب الأمر أكثر من ثلاثة أيام لمعرفة عيوب السلعة، وهذا ظاهر.
стр. 2592
رابعًا: الخيار الثابت بحديث التصرية إنما هو للمشتري فقط دون البائع سواء رضي بذلك أم لم يرض بخلاف خيار الشرط فإن ذلك قد يكون للبائع، وقد يكون للمشتري، وقد يكون لكلا المتعاقدين.
دليل من قال: يختلف ذلك باختلاف السلع:
لما كان اشتراط الخيار مستثنى من بيع الغرر؛ للتردد في العقد، لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر، لكن أجازه الشارع رفقًا بالمتبايعين للنظر، والرأي، والاختبار، وليدخل من له الخيار على بصيرة بالثمن والمثمن، ولينفي الغبن عن نفسه، فإنه يجب أن يكون الأجل بقدر الحاجة، تقليلًا للغرر، وإذا كان الأجل بقدر الحاجة فإن ذلك يختلف باختلاف السلع، والغرض من الخيار، فمن اشترط الخيار للمشورة لا يحتاج من الأجل كما يحتاج من اشترط الخيار لأجل تجربة المبيع، والوقوف على حقيقته.
ويناقش:
أولًا: لا نسلم أن اشتراط الخيار مستثنى من بيع الغرر، لأن الخيار غاية ما فيه أنه يحول العقد من كونه لازمًا إلى كونه جائزًا، ومثل هذا لا يعتبر من الغرر، لأن العاقد قد دخل على بصيرة، وأجل الخيار معلوم لدى المتعاقدين ولو كان طويلًا، فانتفت الجهالة وانتفى الغرر.
ثانيًا: أن تقدير المدة واختلافها من سلعة إلى سلعة، ومن غرض إلى آخر بحيث لو زادت المدة على هذا التقدير فسد العقد هذا الأمر يعسر ضبطه، وقد يختلف الناس في تقديره، فإن كان تقدير ذلك للفقهاء فهم قد لا يكونون من أهل المعرفة لبعدهم عن التجارة، وإن كان مرد ذلك إلى التجار أدى ذلك إلى الاختلاف والتنازع في ضبط مثل ذلك لاختلاف عرف التجار، واتساع رقعة
стр. 2593
البلاد، فالتقدير لا يمكن ضبطه إلا بتوقيف، أي بنص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا توقيف هنا.
دليل الحنابلة على أن الأجل يرجع إلى تقدير المتعاقدين طال أو قصر .
الدليل الأول:
عدم الدليل على التحديد، وما جاء مطلقًا أخذ على إطلاقه، فالتقييد بمدة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا توقيف هنا.
الدليل الثاني:
جعل الشارع حق الخيار يعتمد على العاقد في اشتراطه، فلو لم يشترطه لم يثبت له هذا الحق، فإذا كان وجود الخيار يتوقف على اشتراط العاقد فليرجع تقديره إلى العاقد أيضًا كالأجل في العقد.
الدليل الثالث:
الأجل في العقد شرع للحاجة إلى التأخير مخالفًا لمقتضى العقد، ثم جاز أي مقدار تراضيا عليه طال الأجل أم قصر، فكذلك الأجل في شرط الخيار يرجع إلى العاقد، فإذا تراضيا على مدة معينة جاز.
الدليل الرابع:
جواز العقد أو لزومه حق للمتعاقدين بدليل أنه يملك أحد العاقدين أن يقيل الآخر متى ما طلب ذلك، فإذا كان ذلك كذلك كان تقدير مدة الخيار حقًا لهما، فأي مدة اتفقا عليها جاز ذلك لهما، ولا تقييد لحريتهما في ذلك.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن قول الحنابلة هو أقوى الأقوال، لقوة
стр. 2594
أدلته، والجواب عن أدلة المخالفين، وعليه عمل الناس اليوم، فإن شرط الخيار وتحديد مدته راجع إلى إرادة المتعاقدين، فإذا اتفقا على ذلك، وكان ذلك بالتراضي لا يوجد دليل يبطل ما اتفقا عليه، والله أعلم.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن مجلة الأحكام العدلية لم تشر إلى مدة خيار الشرط مما يدل على أنها تتبنى مذهب من لا يرى التحديد، وقد نبه على هذا العلامة علي حيدر بقوله: «وقد أطلقت المجلة المدة إشارة إلى أن مدة الخيار التي يتفق عليها معتبرة مهما بلغت الأيام» (١).
* * *
стр. 2595
المبحث السادس
إذا شرط الخيار ولم تذكر مدته
[م-٤٩٤] اختلف العلماء في العاقد يشترط الخيار دون أن يقرر مدته.
فقيل: يفسد العقد إلا أن يجيز البيع أو يبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام، فينقلب صحيحًا (١)، وهذا مذهب أبي حنفية (٢).