وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ جعل خيار التصرية له أجلًا لا يزيد عن ثلاثة أيام، فكذلك خيار الشرط.
ويناقش:
أولًا: الحنفية لا يأخذون بالحديث، فهم لا يرون التصرية عيبًا ترد به الشاة، كما بيناه فيما سبق، ويرون أن رد الصاع من التمر بدلًا من الحليب على خلاف القياس عندهم، فهم لا يأخذون بالحديث، ولا يصححونه، فكيف يحتجون به في توقيت الخيار بثلاثة أيام، فهذا من عجيب الاستدلال (١).
ثانيًا: أن الخيار في التصرية هو من قبيل خيار العيب، وهو يختلف عن خيار الشرط، فخيار الشرط: هو خيار ينعقد بإرادة المتعاقدين واتفاقهما، وإرادتهما مطلقة في المدة التي يختارونها، بينما هذا: خيار يثبت لصاحبه الذي تعرض للغش والخداع والتدليس، فكيف يحتج به في غير بابه.
وبمعنى آخر: أن خيار التصرية ثابت بالشرع، وخيار الشرط لا يثبت إلا بالاشتراط.
ثالثًا: أن توقيت الخيار في ثلاثة أيام في خيار التصرية: هو خاص في التصرية خاصة، وذلك أن عيب التصرية غالبًا لا يعلم فيما دون ذلك، بينما غيره من السلع قد يتطلب الأمر أكثر من ثلاثة أيام لمعرفة عيوب السلعة، وهذا ظاهر.
стр. 2592
رابعًا: الخيار الثابت بحديث التصرية إنما هو للمشتري فقط دون البائع سواء رضي بذلك أم لم يرض بخلاف خيار الشرط فإن ذلك قد يكون للبائع، وقد يكون للمشتري، وقد يكون لكلا المتعاقدين.
دليل من قال: يختلف ذلك باختلاف السلع:
لما كان اشتراط الخيار مستثنى من بيع الغرر؛ للتردد في العقد، لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر، لكن أجازه الشارع رفقًا بالمتبايعين للنظر، والرأي، والاختبار، وليدخل من له الخيار على بصيرة بالثمن والمثمن، ولينفي الغبن عن نفسه، فإنه يجب أن يكون الأجل بقدر الحاجة، تقليلًا للغرر، وإذا كان الأجل بقدر الحاجة فإن ذلك يختلف باختلاف السلع، والغرض من الخيار، فمن اشترط الخيار للمشورة لا يحتاج من الأجل كما يحتاج من اشترط الخيار لأجل تجربة المبيع، والوقوف على حقيقته.
ويناقش:
أولًا: لا نسلم أن اشتراط الخيار مستثنى من بيع الغرر، لأن الخيار غاية ما فيه أنه يحول العقد من كونه لازمًا إلى كونه جائزًا، ومثل هذا لا يعتبر من الغرر، لأن العاقد قد دخل على بصيرة، وأجل الخيار معلوم لدى المتعاقدين ولو كان طويلًا، فانتفت الجهالة وانتفى الغرر.
ثانيًا: أن تقدير المدة واختلافها من سلعة إلى سلعة، ومن غرض إلى آخر بحيث لو زادت المدة على هذا التقدير فسد العقد هذا الأمر يعسر ضبطه، وقد يختلف الناس في تقديره، فإن كان تقدير ذلك للفقهاء فهم قد لا يكونون من أهل المعرفة لبعدهم عن التجارة، وإن كان مرد ذلك إلى التجار أدى ذلك إلى الاختلاف والتنازع في ضبط مثل ذلك لاختلاف عرف التجار، واتساع رقعة
стр. 2593
البلاد، فالتقدير لا يمكن ضبطه إلا بتوقيف، أي بنص من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا توقيف هنا.
دليل الحنابلة على أن الأجل يرجع إلى تقدير المتعاقدين طال أو قصر .
الدليل الأول:
عدم الدليل على التحديد، وما جاء مطلقًا أخذ على إطلاقه، فالتقييد بمدة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا توقيف هنا.
الدليل الثاني:
جعل الشارع حق الخيار يعتمد على العاقد في اشتراطه، فلو لم يشترطه لم يثبت له هذا الحق، فإذا كان وجود الخيار يتوقف على اشتراط العاقد فليرجع تقديره إلى العاقد أيضًا كالأجل في العقد.
الدليل الثالث:
الأجل في العقد شرع للحاجة إلى التأخير مخالفًا لمقتضى العقد، ثم جاز أي مقدار تراضيا عليه طال الأجل أم قصر، فكذلك الأجل في شرط الخيار يرجع إلى العاقد، فإذا تراضيا على مدة معينة جاز.
الدليل الرابع:
جواز العقد أو لزومه حق للمتعاقدين بدليل أنه يملك أحد العاقدين أن يقيل الآخر متى ما طلب ذلك، فإذا كان ذلك كذلك كان تقدير مدة الخيار حقًا لهما، فأي مدة اتفقا عليها جاز ذلك لهما، ولا تقييد لحريتهما في ذلك.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن قول الحنابلة هو أقوى الأقوال، لقوة
стр. 2594
أدلته، والجواب عن أدلة المخالفين، وعليه عمل الناس اليوم، فإن شرط الخيار وتحديد مدته راجع إلى إرادة المتعاقدين، فإذا اتفقا على ذلك، وكان ذلك بالتراضي لا يوجد دليل يبطل ما اتفقا عليه، والله أعلم.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن مجلة الأحكام العدلية لم تشر إلى مدة خيار الشرط مما يدل على أنها تتبنى مذهب من لا يرى التحديد، وقد نبه على هذا العلامة علي حيدر بقوله: «وقد أطلقت المجلة المدة إشارة إلى أن مدة الخيار التي يتفق عليها معتبرة مهما بلغت الأيام» (١).
* * *
стр. 2595
المبحث السادس
إذا شرط الخيار ولم تذكر مدته
[م-٤٩٤] اختلف العلماء في العاقد يشترط الخيار دون أن يقرر مدته.
فقيل: يفسد العقد إلا أن يجيز البيع أو يبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام، فينقلب صحيحًا (١)، وهذا مذهب أبي حنفية (٢).
стр. 2596
وقيل: يبطل العقد، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يبطل البيع، ويحكم في ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وهذا مذهب المالكية (٢).
وقيل: يجوز اشتراط الخيار مطلقًا، ويكون له الخيار أبدًا. وهذا القول منسوب للثوري، والحسن بن جني، وجماعة (٣).
وقيل: البيع صحيح، والشرط باطل، وبه قال الأوزاعي، وابن أبي ليلى (٤).
تعليل الحنفية على أنه إن أجاز أو أبطل خياره في الثلاث صح:
تقدم لنا دليل الحنفية على أن مدة خيار الشرط ثلاثة أيام، فإذا أطلق مدة الخيار، وأجاز البيع أو أبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام فإن المفسد للعقد قد زال قبل تقرره، فينقلب العقد صحيحًا؛ لأن المفسد اتصال اليوم الرابع بهذه المدة، فإذا حذفه قبل اليوم الرابع فقد منع اتصال المفسد بالعقد، فصار كأن الخيار لم يكن مشروطًا في اليوم الرابع (٥).
стр. 2597
وإنما انقلب صحيحًا عند الحنفية بناء على مذهبهم في التفريق بين الباطل والفاسد خلافًا للجمهور: فالحنفية يرون أن العقد الفاسد ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، وأنه ينفذ بمجرد زوال صفة الإفساد، وهذا العقد فاسد لأن الخلل تطرق إلى اشتراط الخيار، وهو كالوصف في العقد.
وقد تقدم تقرير مذهبهم، ومناقشته في مسألة سابقة في كتاب الشروط الجعلية، فأغنى عن إعادته هنا.
دليل المالكية على أنه يجوز، وتقدر المدة بقدر الحاجة:
ذكر المالكية أن خيار الشرط له قدر في الشرع، وذلك قدر الحاجة إليه في كل نوع من المبيع، فإذا أخلا بذكره فقد دخلا على المعروف، ألا ترى أنهما لو زادا عليه لفسد العقد به، ولم يثبت لهما ما زاداه.
ويناقش:
بأن هذا الدليل قائم على دعوى أن الشرع قد قدر لكل سلعة من المبيع مدة محدودة في خيار الشرط، فإذا لم يذكر العاقدان المدة رجعا إليه، ولكن القول بأن الشرع قد حدد مدة الخيار لكل سلعة دعوى لا دليل عليها، وليس هناك توقيف من الشارع في ذكر مدة الخيار، فإذا أخلا بذكر الأجل كان الأجل مجهولًا، والأجل المجهول يؤدي إلى فساد العقد، والله أعلم.
دليل الشافعية والحنابلة وزفر على بطلان العقد:
أن العقد باطل؛ لأن الجهالة في مدة الخيار من الغرر المؤثر في صحة العقد، فلا يصح العقد، ولا ينقلب صحيحًا إذا أجازه في الثلاثة الأيام، لأن العقد لما انعقد باطلًا لا يمكن له أن ينقلب صحيحًا، وإنما يحتاج إلى عقد جديد، والله أعلم.
стр. 2598
دليل من قال: العقد صحيح، والشرط باطل:
ربما رأى صاحب هذا القول أن الخلل لا يعود إلى العقد، فالعقد صحيح قد تمت شروطه وتوفرت أركانه، وإنما تطرق الخلل إلى اشتراط الخيار فيبطل الخيار وحده، ويكون البيع صحيحًا.
دليل من قال: يصح الشرط ويكون له الخيار أبدًا:
لم أقف على دليل له، ويمكن أن يستدل له بأن العاقد إذا شرط على نفسه شرطًا لزمه، وقد قبل أن يكون العقد جائزًا مدة بقاء السلعة عنده فيلزم في حقه.
الراجح:
أجد مذهب المالكية أعدل الأقوال، وأن العاقدين حين لم يذكرا مدة العقد قد رضيا أن يعملا بما تعارف الناس عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2599
المبحث السابع
في ابتداء مدة خيار الشرط
[م-٤٩٥] إذا عقد البيع، واشترط فيه الخيار مدة معلومة، فمتى تبدأ مدته؟ هل تبدأ من حين العقد، أو من حين انتهاء خيار المجلس؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن أول مدة الخيار تبدأ من حين العقد، وهذا واضح؛ لأنهم لا يقولون بخيار المجلس كما مر معنا.
قال ابن جزي: «في مدته - يعني مدة الخيار - وأولها عند العقد، وآخرها مختلف باختلاف المبيعات ... » (١).
القول الثاني:
تبدأ المدة من حين اشتراطه، فإن كان اشتراطه في العقد كان ابتداؤها من العقد، وإن كان اشتراطه بعد العقد في المجلس فمن حين اشترط.
وهذا هو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 2600
ووجهه:
أن مدة الخيار مدة ملحقة بالعقد، فاعتبر ابتداؤها من حين العقد كالأجل.
ولأن الخيار لو اعتبر من التفرق لصارت أول مدة الخيار مجهولة؛ لأنه لا يعلم متى يفترقان.
ويتفرع عليه: أنه لو اشترط أن يكون ابتداء الخيار من حين التفرق لم يصح الشرط للجهالة؛ لأنهما لا يدريان متى يفترقان، وقد صرح بهذا الشافعية والحنابلة (١).
كما يتفرع عليه أيضًا ما قاله النووي: «قال أصحابنا: فإن قلنا: ابتداء المدة من حين العقد فانقضت، وهما مصطحبان فقد انقطع خيار الشرط وبقي خيار المجلس وإن تفرقا والمدة باقية فالحكم بالعكس ولو أسقطا أحد الخيارين سقط، ولم يسقط الآخر، ولو قالا: ألزمنا العقد أو أسقطنا الخيار سقطا جميعا ولزم البيع هذا تفريع كونه من العقد» (٢).
стр. 2601
القول الثالث:
قالوا: تبدأ المدة من التفرق، أو التخاير، وهو وجه في مذهب الشافعية (١)، ونسبه الماوردي إلى الجمهور (٢)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
تعليل هذا القول:
التعليل الأول:
أن الشارط قصد بالشرط زيادة على ما يفيده المجلس.
التعليل الثاني:
ولأن الخيار ثابت في المجلس حكمًا، فلا حاجة إلى إثباته بالشرط.
وتعقب هذان:
بأنه ليس هناك ما يمنع من ثبوت الحكم بسببين، كتحريم الوطء بالصيام والإحرام، والظهار.
فلا يمنع أن يثبت الخيار بسببين: خيار المجلس وخيار الشرط.
التعليل الثالث:
ولأن حالة المجلس كحالة العقد؛ لأن لهما فيه الزيادة والنقصان، فكان كحالة العقد في ابتداء مدة الخيار بعد انقضائه (٤).
وبناء على هذا القول فلو اشترط أن يبدأ الخيار من العقد، فهل يبطل العقد.
стр. 2602
قال الشيرازي: «إن قلنا: إن ابتداءه من حين التفرق، فشرط أن يكون من حين العقد، فوجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن ابتداء الوقت معلوم.
والثاني: لا يصح؛ لأنه شرط ينافي موجب العقد، فأبطله» (١).
وقال النووي: أصحهما باتفاق الأصحاب لا يبطل وممن صححه صاحب الشامل والروياني وصاحب البيان والرافعي وآخرون (٢).
ويتفرع عليه:
قال النووي: «فأما إذا قلنا: من التفرق - يعني ابتداء مدة الخيار - فإذا تفرقا انقطع خيار المجلس وابتدأ خيار الشرط وإن أسقطا الخيار قبل التفرق انقطع خيار المجلس وفي خيار الشرط وجهان حكاهما إمام الحرمين والبغوي وغيرهما:
أحدهما: ينقطع؛ لأن مقتضاهما واحد.
وأصحهما: لا ينقطع؛ لأنه غير ثابت في الحال فكيف يسقط؟ والله تعالى أعلم» (٣).
الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه أن ابتداء المدة من حين الاتفاق على الشرط، فإن اشترط في العقد فمن حين العقد، وإن اشترط في خيار المجلس فمن حين اشترط، هذا هو الأصل.
стр. 2603
أما القول بأنه إن اشترط من حين التفرق فإنه يبطل العقد للجهالة؛ لأنهما لا يدريان متى يفترقان، فهذا قول مرجوح، لأن التفرق وإن لم يعلم بدقة، فهو وقت يسير غالبًا، فمجلس العقد غالبًا ما تكون مدته يسيرة، ولذا لو كانت الجهالة بالتفرق مؤثرة لم يشرع خيار المجلس مع قيام الجهالة بالتفرق، فالجهالة اليسيرة مغتفرة، والله أعلم.
* * *
стр. 2604
المبحث الثامن
في اتصال مدة الخيار وموالاتها
[م-٤٩٦] المقصود باتصال مدة الخيار، ألا يكون هناك فاصل بين العقد وبين مدة الخيار.
والمقصود بالموالاة: تتابع أجزاء مدة الخيار، بحيث لا يكون الخيار مدته ثلاثة أيام: اليوم الأول يثبت فيه الخيار، واليوم الثاني لا يثبت، واليوم الثالث يثبت فيه الخيار، وهكذا.
وقد تقدم لنا في المسألة السابقة أن هناك قولًا مرجوحًا في مذهب الشافعية والحنابلة بأنه يمكن أن تبدأ مدة الخيار من التفرق، وهذا يعني: أن اتصال بداية مدة الخيار ممكن أن تتأخر عن العقد بناء على هذا القول.
كما تقدم لنا أن القائلين بثبوت خيار المجلس يقولون بأنه يمكن أن يشترط الخيار أثناء مدة خيار المجلس، وبعد العقد وهذا يعني أيضًا أن يكون هناك فاصل بين إبرام العقد، وبين اشتراط الخيار.
أما إذا لم يتصل الخيار بالعقد إلا بعد ا لتفرق، ففيه خلاف في صحة الشرط على قولين:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى بطلانه .
ففي الفتاوى الهندية، «إذا اشترط للمشتري خيار يومين بعد شهر رمضان، والشراء في آخر شهر رمضان، فالشراء جائز، وله الخيار ثلاثة أيام: اليوم الأخير من شهر رمضان، ويومين بعده، ولو قال: لا خيار له في رمضان فالبيع
стр. 2605
فاسد، كذا في المحيط» (١).
لأنه حين قال: لا خيار له في رمضان، أصبح الخيار غير متصل بالعقد، ولهذا فسد البيع، ويتعذر تصحيحه في هذه الحال مع عدم اتصال الخيار بالعقد، وهذا ما علل به ابن نجيم في البحر الرائق (٢).
وفي الجوهرة النيرة: «ولو اشترى شيئًا على أن له الخيار بعد شهر، كان له الخيار شهرًا كاملًا وثلاثة أيام عند محمد - يعني محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: لا خيار له بعد الشهر» (٣).
ولما كان محمد بن الحسن وأبو يوسف يخالفان أبا حنيفة في مدة الخيار، وأنه لا مانع عندهما من الزيادة على ثلاثة أيام، فإذا اشترط الخيار بعد شهر، حسب الشهر من مدة الخيار حتى لا يفصل بين العقد وبين مدة الخيار بفاصل. واكتفى أبو يوسف بالشهر مدة للخيار، وزاد عليه محمد بن الحسن ثلاثة أيام بعد الشهر، لأن هذا ما يفيده كلمة بعد شهر.
وقال النووي: «قال أصحابنا: ويشترط أن تكون المدة متصلة بالعقد فلو شرطا خيار ثلاثة أيام أو دونها من آخر الشهر، أو من الغد، أو متى شاء، أو شرطا خيار الغد دون اليوم، بطل العقد؛ لمنافاته لمقتضاه» (٤).
وقال ابن قدامة: «وإن شرط الخيار شهرًا يومًا يثبت ويومًا لا يثبت، فقال ابن عقيل: يصح في اليوم الأول; لإمكانه ويبطل فيما بعده; لأنه إذا لزم في اليوم الثاني لم يعد إلى الجواز.
стр. 2606
ويحتمل بطلان الشرط كله; لأنه شرط واحد تناول الخيار في أيام فإذا فسد في بعضه فسد جميعه كما لو شرط إلى الحصاد» (١).
القول الثاني:
قيل: يصح، وهو قول في مذهب الحنابلة قدمه في الرعاية الكبرى.
قال ابن مفلح: «وإن شرطاه يومًا نعم، ويومًا لا، فقيل: يبطل، وقيل: يصح، وقيل: في اليوم الأول» (٢).
علق عليه في تصحيح الفروع: «القول الأول: احتمال في المغني، وهو قوي.
والقول الثاني: قدمه في الرعاية الكبرى .
والقول الثالث: أصح، واختاره ابن عقيل، وجزم به ابن الجوزي في المذهب، وقدمه في الفائق، وشرح ابن رزين، وأطلق الأول والثالث في الكافي، وهو ظاهر المغني والشرح ... » (٣).
* * *
стр. 2607
المبحث التاسع
في محل خيار الشرط
[م-٤٩٧] اتفق الأئمة الأربعة على صحة اشتراط الخيار في صلب العقد.
جاء في اللباب: «خيار الشرط جائز في صلب العقد» (١).
وقال ابن عبد البر: «من لم يشترط الخيار في عقد صفقته لم يجب له» (٢).
وقال الرملي، وهو يتكلم عن شرط الخيار: «الشرط المؤثر هنا هو ما وقع في صلب العقد من المبتدئ به .. » (٣).
وقال البهوتي: «خيار الشرط: وهو أن يشترطاه في العقد ... مدة معلومة» (٤).
واختلفوا في صحة اشتراطه قبل العقد وبعده قبل لزومه كما في مدة الخيارين (خيار المجلس وخيار الشرط) وبعد لزوم العقد، وهذا ما سوف نتعرض له إن شاء الله في المباحث التالية.
* * *
стр. 2608
الفرع الأول
في اشتراط خيار الشرط قبل العقد
قال ابن تيمية: الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن (١).
وقال أيضًا: الاتفاق الموجود قبل العقد بمنزلة المشروط في العقد (٢).
[م-٤٩٨] إذا اشتراط العاقدان أو أحدهما خيار الشرط قبل العقد، ثم أبرم العقد دون أن يذكر الشرط، فقد اختلف العلماء في لزوم هذا الشرط، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى: هل الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن له، وهي مسألة خلافية، والخلاف فيها على النحو التالي:
القول الأول:
الشرط المتقدم على العقد إذا لم يذكر في صلب العقد غير معتبر، وهذا هو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وقول في مذهب أحمد قد يختاره في بعض المواضع طائفة من أصحابه (٥).
стр. 2609
القول الثاني:
الشرط المتقدم على العقد بمنزلة المقارن له.
وهذا هو مذهب المالكية (١)، ومذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره (٢)، وهو قول في مذهب الشافعي (٣)، وصححه ابن تيمية من الحنابلة (٤)، وتابعه عليه ابن القيم، ونسبه قولًا للجمهور (٥).
القول الثالث:
التفريق بين الشرط المتقدم الرافع لمقصود العقد، وبين الزائد علاه أو المقيد
стр. 2610
له، فإن كان رافعًا كان الشرط المتقدم مؤثرًا، كما لو تواطأ العاقدان على كون العقد تلجئة، أو تحليلًا فإن العقد يبطل.
وإن لم يكن رافعًا بل كان مقيدًا له أو زائدًا عليه، كاشتراط كون المهر أقل أو أكثر من المسمى، فاشتراط الخيار لا يؤثر، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد، كالقاضي أبي يعلى (١).
إذا علم هذا نأتي إلى مسألتنا بخصوصها:
[م-٤٩٩] فإذا اشترط العاقد الخيار قبل الجلوس لإبرام العقد، ثم وقع بينهما العقد مطلقًا من غير اشتراط الخيار، فهل يثبت الخيار؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يلزم الوفاء به.
وهذا مذهب الحنفية والشافعية، واختاره بعض المالكية، وبعض الحنابلة.
قال ابن نجيم: «لو قال: جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده، ثم اشترى مطلقًا لم يثبت كما في التتارخانية» (٢).
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «اشتراط الخيار بعد العقد، وهذا لا حكم له، فإذا قال شخص لآخر: خيرتك في البيع الذي سنعقده، ثم وقع بينهما العقد مطلقًا أي بغير اشتراط الخيار فلا يثبت بذلك خيار» (٣).
стр. 2611
ومثله عند الشافعية، قال النووي في المجموع: «الشرط المقارن للعقد يلحقه فإن كان شرطًا صحيحًا لزم الوفاء به وإن كان فاسدًا أفسد العقد، وأما الشرط السابق فلا يلحق العقد ولا يؤثر فيه فلا يلزم الوفاء به ولا يفسد العقد به إن كان شرطًا فاسدًا؛ لأن ما قبل العقد لغو هكذا نص عليه، وقطع به الأصحاب» (١).
وقال ابن مفلح في المبدع: «الثاني: خيار الشرط، وهو أن يشترطاه في العقد، وظاهره لو اتفقا قبله لم يلزم الوفاء به» (٢).
وقال في مطالب أولي النهى: «خيار شرط: وهو أن يشترطاه في العقد، أو بعده زمن الخيارين» (٣).
ومفهومه أنه لو اشترطه قبل العقد لم يصح؛ لأنه لم يذكر إلا وقتين لصحة اشتراطه: اشتراطه في صلب العقد، أو بعده في زمن الخيارين، ولم يذكر اشتراط الخيار قبل العقد بما يفيد أنه لا يلزم لو اشترطه قبل العقد.
وقال المرداوي وهو يتكلم عن الشروط في البيع: «ومحل هذه الشروط أن تقع مقارنة للعقد» (٤).
وشرط الخيار هو شرط في البيع، لأنه لا يثبت إلا باشتراط المتعاقدين أو أحدهما.
وقال في مواهب الجليل: «إما أن يكون موجب الخيار مصاحبًا للعقد، أو متقدمًا عليه.
стр. 2612
والأول: هو التروي (يعني: خيار الشرط). والثاني: خيار النقيصة (يعني: خيار العيب وخيار الاستحقاق)» (١).
فجعل موجب خيار الشرط مصاحبًا للعقد، ويفهم منه: أنه لا يصح قبله، ولا بعده.
وقال في منح الجليل: «إنما يثبت الخيار في إمضاء البيع ورده لأحد المتعاقدين، أو لهما، أو لغيرهما بشرط في عقد البيع» (٢).
فنص على أن الشرط يكون في عقد البيع، أي لا قبله، ولا بعده.
وقال ابن عبد البر: «من لم يشترط الخيار في عقد صفقته لم يجب له» (٣).
ومفهومه: أنه لو اشترطه قبل عقد صفقته أو بعده لم يجب له، بل لا بد أن يشترط الخيار في عقد الصفقة.
إذا عرفنا هذا القول، فما هو دليله على أنه لا يجوز أن يتقدم الخيار على العقد:
قالوا: «لا يصح اشتراط الخيار قبل إجراء العقد، إذ الخيار كالصفة للعقد، فلا يذكر قبل الموصوف» (٤).
(ح-٤٣٠) وروى البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر،
стр. 2613
فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١).
قال الباجي تعليقًا: «إذا ثبت أن المبتاع يجوز له أن يشترط مال العبد فإنه لا خلاف في جواز ذلك في نفس العقد ; لأنه مقتضى لفظ الحديث في ذلك بقوله إلا أن يشترطه المبتاع، ولا يوصف هذا بأنه شرط إلا أن يكون ذلك شُرِط في عقد البيع وإلا كان بيعًا مبتدأ ... » (٢).
وهل يصلح دليلًا أن نقول: إن العقد هو السبب الموجب لاشتراط الخيار، فلا يتقدم الشرط على سببه الموجب له؟
كما لو طلق الرجل قبل الزواج، ثم تزوج بالمرأة، فإنه لا يقع طلاقه.
ومثله لو أخرج زكاة ماله قبل بلوغ النصاب، فإنها لا تعد من الزكاة.
ولكن قد يقال: ما دام أن اشتراط الخيار راجع للعاقد نفسه، وليس ثابتًا بالشرع فلا يضر تقدمه كالنكاح فإن الشروط فيه لا بد أن تتقدم العقد، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال نرى أننا إذا نظرنا إلى هذه المسألة بخصوصها رأينا عامة الفقهاء يقولون: بأنه لا عبرة بشرط الخيار إذا تقدم على العقد، وإذا ربطنا هذه المسألة بأصلها: وهو أن الشرط المتقدم على العقد هل هو بمنزلة المقارن له؟ وجدنا أن كثيرًا من الفقهاء يجعلون الشرط المتقدم كالشرط المقارن، وينبغي أن يكون هذا ملحوظًا في عقد البيع أكثر من غيره؛ لأن عقد البيع، خاصة في
стр. 2614
العقود الكبيرة يمر بمراحل كثيرة، منها أولًا: مرحلة العرض للوقوف على حقيقة المبيع، والاطلاع على أنواعه وتفاوتها، واختلاف الأسعار، ثم مرحلة التفاوض على القيمة بعد تحديد النوع المختار، ثم مرحلة الشروط في العقد، فإذا فرغ العاقدان من كل ذلك خلص المتعاقدان إلى الصيغة النهائية، فلا تنفك الصيغة النهائية عن المراحل السابقة، ولا يحتاج الأمر إلى إعادة كل ما اتفق عليه في صيغة العقد، خاصة أن الشروط في المبيع كالصفات في السلعة، وكتابتها في صيغة العقد هو كنوع من إثباتها، وليس ثبوتها، فثبوتها قد تم بالتفاهم المتقدم على العقد، والذي بناء عليه تم الإيجاب والقبول، والله أعلم.
* * *
стр. 2615
الفرع الثاني
اشتراط خيار الشرط بعد العقد
[م-٥٠٠] اختلف العلماء في اشتراط الخيار بعد العقد إلى خمسة أقوال:
القول الأول:
يصح اشتراط الخيار بعد لزوم البيع إذا تراضيا على ذلك، سواء نقد الثمن أو لم ينقد، ويعتبر اشتراط الخيار فسخ للبيع الأول، وعقد للبيع من جديد باشتراط الخيار. وإلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية في أحد القولين.
جاء في فتح القدير: «يجوز إلحاق خيار الشرط بالبيع، لو قال أحدهما بعد البيع، ولو بأيام: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام، صح بالإجماع» (١).
يعني أبا حنيفة وصاحبيه، وهذا العقد نوع من التبرع من جهة، وإقالة من الالتزام السابق من جهة، ولا أظن أن ذلك قد يخالف فيه أحد، وإنما البحث، هل يلزم أحد العاقدين اشتراط الآخر بعد مضي العقد بأيام.
جاء في الفتاوى الهندية: «ومن باع من آخر شيئًا وقبض المشتري المبيع، ومضى أيام، فقال البائع للمشتري: أنت بالخيار، فله الخيار ما دام في المجلس؛ لأن هذا بمنزلة قولك: لك الإقالة، ولو قال: أنت بالخيار ثلاثة أيام، فله الخيار ثلاثة أيام» (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت لو أني بعت من رجل سلعة فلقيته بعد يوم أو يومين فجعلت له الخيار، أو جعل لي الخيار أيامًا، أيلزم هذا الخيار أم لا؟ قال: نعم.
стр. 2616
قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من رجل، ثم لقيته بعد يوم، أو يومين، فجعلت له الخيار، أو جعل لي، أيلزم هذا الخيار أم لا؟ قال: نعم إذا كان يجوز في مثله الخيار، وهو بمنزلة بيعك إياه بالثمن من غيره، وله الخيار عليك، أو لك عليه ... » (١).
وجاء في الذخيرة: «في الكتاب: إذا جعلا الخيار بعد تمام العقد لربهما، إذا كان يجوز في مثله الخيار، وهو بيع مؤتنف ... » (٢).
واختار اللخمي الجواز مطلقًا، سواء نقد الثمن أو لم ينقد (٣).
ولأن جعل الخيار لأحدهما ليس عقدًا حقيقة، إذ المقصود به تطييب نفس من جعل له الخيار لا حقيقة البيع، فلا يلزم المحذور المذكور (٤).
فهذا القول من الحنفية والمالكية بصحة اشتراط الخيار بعد لزوم البيع يرون أنه بيع جديد وفسخ للبيع الأول، إلا أن هذا يشترط له ما يشترط في البيع من حصول الرضا من المتعاقدين واتفاقهما على ذلك، فإن أبى أحد العاقدين لم يلزمه.
القول الثاني:
يصح اشتراط الخيار بعد لزوم العقد بشرط أن يكون ذلك بعد نقد الثمن، وهو المعتمد في مذهب المالكية.
جاء في الشرح الكبير: «يصح فيما وقع فيه البيع على البت أن يجعل أحدهما لصاحبه أو كل منهما للآخر الخيار، وهل محل الصحة والجواز إن نقد المشتري
стр. 2617
الثمن للبائع، وعليه الأكثر، وهو المعتمد، فكان الأولى الاقتصار عليه؛ لأنه إذا لم ينقد فقد فسخ البائع ماله في ذمة المشتري في معين يتأخر قبضه ... » (١) لأن المعين عندهم لا يحتمل التأخير.
وقال الخرشي: ولأن البائع تقرر له ثمن في ذمة المشتري، أوجب له عنده سلعة فيها خيار، فهو فسخ دين في دين (٢).
القول الثالث:
قالوا: إن كان الإلحاق بعد العقد وقبل لزومه صح إلحاقه كما لو كان ذلك في مجلس البيع، وزمن خيار المجلس أو الشرط، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤).
قال النووي: «أما الشرط الذي يشترط بعد تمام العقد، فإن كان بعد لزوم العقد بانقضاء الخيار فهو لغو قطعًا وإن كان قبله في مدة خيار المجلس أو الشرط فثلاثة أوجه: .... الثالث: وهو الصحيح عند الجمهور وبه قطع أكثر العراقيين يلحق في مدة الخيارين جميعًا (يعني خيار المجلس وخيار الشرط) وهو ظاهر نص الشافعي» (٥).
وجاء في الإنصاف: «لو ألحق بالعقد خيارًا بعد لزومه لم يلحق على الصحيح من المذهب. وعليه الأصحاب» (٦).
стр. 2618
وجاء في كشاف القناع: «القسم الثاني من أقسام الخيار: خيار الشرط، وهو أن يشترطاه في العقد، أو بعده: أي العقد في زمن الخيارين: أي خيار المجلس وخيار الشرط» (١).
وحجة هذا القول:
بأن العقد بعد انتهاء خيار المجلس وخيار الشرط أصبح لازمًا، فلا يصح اشتراط خيار آخر بعد لزومه، وإن كان قبل لزوم العقد فيصح اشتراط خيار آخر فيه؛ لأن البيع لم يلزم بعد، فكما يجوز فسخ العقد، يجوز تقييده بخيار أو شرط، والله أعلم.
القول الرابع:
قالوا: لا يلحق الشرط بعد العقد مطلقًا، وهو الأصح في مذهب الحنفية (٢)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وحجة هذا القول:
أن شرط الخيار بعد إبرام العقد لا يصادف محلًا، فلا يمكن الالتزام به، فإذا انعقد العقد فلا خيار لواحد من المتبايعين إلا أن يشترطاه في العقد.
وهذا القول يتمشى مع من يرى أن العقد يلزم بمجرد الإيجاب والقبول، ولا
стр. 2619
يرى مشروعية خيار المجلس، فإذا تم البيع دون أن يشترط في صلب العقد خيار الشرط فقد لزم البيع، وإذا لزم فلا سبيل إلى اشتراط الخيار بعد لزوم العقد.
القول الخامس:
التفريق بين أن يقول ذلك في خيار المجلس وبين أن يقول ذلك في خيار الشرط، فيلحق إن اشترطه في خيار المجلس، دون خيار الشرط، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
وهذا القول لا أعلم له حجة، وأصحابه الذين ذكروه لم يسوقوا له حجة، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
أرى أن مذهب الشافعية والحنابلة القائلين بأن العقد ما دام جائزًا، ولم يلزم بعد فيحق للعاقد أن يشترط الخيار له في عقدة العقد؛ لأن العقد ما دام جائزًا لم يلزم بعد، فهو يملك الرجوع عن العقد مطلقًا، ويملك تقييده بشروط لا تنافي مقتضى العقد، ومنه خيار الشرط.
أما بعد لزوم العقد فإلحاق خيار الشرط يكون بالتراضي، ولا يكون بالإلزام؛ لأن الرجوع عن العقد السابق أو الدخول في عقد جديد لا بد فيه من الرضا من كلا العاقدين، فإذا تراضيا على أن يكون له الخيار بعد لزوم البيع فهذا تبرع محض لا يمنع منه الشرع، وكما يملك أن يقيله من العقد السابق مطلقًا، يملك أن يعطيه الخيار مدة معلومة، والله أعلم.
* * *
стр. 2620
المبحث العاشر
العقود التي يصح فيها خيار الشرط
[م-٥٠١] اختلف الفقهاء في العقود التي يدخلها خيار الشرط على النحو التالي:
القول الأول: مذهب الحنفية:
وضع الحنفية ضوابط للعقود التي يلحقها خيار الشرط، وهي على النحو التالي:
أولًا: أن يكون العقد من العقود اللازمة، ولو من جانب واحد (١).
لأن العقود غير اللازمة لا حاجة إلى اشتراط الخيار فيها، إذ يتمكن العاقد من فسخها دون اشتراط الخيار (٢).
والعقد اللازم: هو العقد الذي لا يحق لأحد المتعاقدين الرجوع عنه بدون رضا الآخر.
فإذا كان العقد لازمًا من الطرفين صح اشتراط الخيار من الطرفين كالبيع.
стр. 2621
وإذا كان العقد لازمًا من طرف واحد، صح اشتراط الخيار في حق من كان لازمًا في حقه، كالرهن، فيجوز اشتراط الخيار للراهن، دون المرتهن، لأن المرتهن له نقض الرهن متى شاء، فلا يحتاج إلى خيار (١).
أما العقود الجائزة فلا يدخلها خيار الشرط، لأن العاقد يملك فسخها متى شاء، فأغنى ذلك عن خيار الشرط، وذلك مثل عقد الوكالة، والوصية.
ثانيًا: أن يكون العقد قابلًا للفسخ بالتراضي؛ لأن الخيار إنما وضع من أجل أن يتمكن العاقد من فسخ العقد، فإذا كان العقد لا يقبل الفسخ لم يصح اشتراط الخيار فيه، وذلك كالطلاق واليمين والنذر.
ثالثًا: ألا يكون القبض شرطًا في صحة العقد، فلا يصح اشتراط الخيار في عقدي الصرف والسلم.
وقد ذكر ابن نجيم وغيره العقود التي يدخلها شرط الخيار، وهي:
(١) عقد البيع (٢) المزارعة (٣) المعاملة (٤) الإجارة
(٥) القسمة (٦) الصلح على مال (٧) الكتابة (٨) الخلع
(٩) الرهن (١٠) العتق (١١) الكفالة (١٢) الحوالة (١٣) الإبراء (١٤) الوقف على قول أبي يوسف. (١٥) الشفعة (٢).
ولا يدخل خيار الشرط: في عقد نكاح، وطلاق، ويمين، ونذر، وصرف، وسلم، ووكالة ووصية وإقرار، إلا الإقرار بعقد.
стр. 2622
فنخلص إلى ضابط يجمع كل ذلك بأن العقود التي يدخلها خيار الشرط: هي العقود اللازمة ولو من جانب واحد، والتي تقبل الفسخ بالتراضي، والتي لا يشترط في صحتها القبض في المجلس.
هذا هو الضابط عند الحنفية في العقود التي يدخلها الخيار.
القول الثاني: مذهب المالكية:
يقصر المالكية شرط الخيار (خيار التروي) في عقد البيع بأنواعه، وعندما يعرفون شرط الخيار (خيار التروي) يعرفونه من خلال عقد البيع لا غير، بما يفهم أنهم لا يرون شرط الخيار في غيره.
جاء في الفواكه الدواني: «خيار التروي: وهو كما قال ابن عرفة: بيع وقف بته أولًا على إمضاء يتوقع ... » (١).
وجاء في مواهب الجليل: «خيار التروي: وهو الذي ينصرف إليه بيع الخيار عند الإطلاق في عرف الفقهاء» (٢).
وجاء في الشرح الصغير: «(الخيار قسمان: ترو ونقيصة). أي خيار ترو: أي نظر وتأمل في إبرام البيع وعدمه.
وخيار نقيصة: وهو ما كان موجبه وجود نقص في المبيع من عيب أو استحقاق.
(فالأول) أي خيار التروي (بيع وقف بته): أي لزومه (على إمضاء) ممن له الخيار من مشتر أو بائع أو غيرهما (يتوقع) في المستقبل. (وإنما يكون) أي يوجد ويحصل (بشرط) من المتبايعين ولا يكون بالمجلس .. » (٣).
стр. 2623
فخلصنا من هذا أن المالكية يقصرون خيار الشرط على عقد البيع، وما كان في معناه.
فيجوز شرط الخيار عندهم في بيع التولية (١)، وفي قسمة التراضي (٢)،
وفي الإجارة (٣).
وفرقوا بين عقد السلم والصرف، فأجازوا الخيار في عقد السلم في مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام إن لم ينقد رأس المال.
стр. 2624
ومنعوا شرط الخيار في عقد الصرف.
وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى اختلف فيها المالكية مع جمهور أهل العلم، وهي: هل يجوز تأخير تسليم الثمن في عقد السلم عن مجلس العقد؟
فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة إلى أنه يشترط تسليم الثمن في مجلس العقد، وأنه لا يجوز تأخيره مطلقًا (١).
وبناء عليه لا يجوز اشتراط الخيار فيه؛ لأن خيار الشرط يقتضي تأجيل الثمن، ومقتضى عقد السلم وصحته تتطلب تعجيله، وحينئذ يكون خيار الشرط منافيًا لمقتضى العقد، فيرتد هذا بالبطلان عليه.
وذهب المالكية إلى اشتراط قبض رأس مال السلم في مجلس العقد إلا أنهم أجازوا تأخيره يومين أو ثلاثة أيام، ورأوا أن هذه المدة مدة يسيرة، وهي بحكم التسليم في المجلس لقربها منه.
وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله في باب السلم.
وبناء على هذا القول فإنهم أجازوا اشتراط الخيار في عقد السلم بمقدار المدة التي يجوز تأخير تسليم الثمن فيها: يومين أو ثلاثة أيام، بشرط ألا ينقد رأس المال في مجلس العقد؛ لأن نقده، ولو كان طوعيًا يجعل العقد يتردد بين الثمنية والسلفية وبين البيع والسلف.
стр. 2625
جاء في المدونة: «هل يجيز مالك الخيار في التسليف (السلم) قال: إذا كان أجلًا قريبًا، اليوم واليومين، ولم يقدم رأس المال، فلا أرى به بأسًا، وهو قول مالك» (١).
وفي مواهب الجليل: «قال في المدونة في كتاب الخيار: «ولا بأس بالخيار في السلم إلى أمد قريب، يجوز تأخير النقد إلى مثله، كيومين أو ثلاثة إذا لم يقدم رأس المال، فإن قدم كرهت ذلك؛ لأنه يدخله بيع وسلف جر منفعة، وإن تباعد أجل الخيار كشهر أو شهرين لم يجز، قدم النقد أم لا» (٢).
وسوف نأتي على هذه المسألة محررة إن شاء الله تعالى في كتاب السلم.
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت، هل يجيز مالك الخيار في الصرف؟ قال: لا» (٣).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
نستطيع أن نضبط مذهب الشافعية في خيار الشرط بما يلي:
الأول: أن خيار المجلس وخيار الشرط في مذهب الشافعية متفقان في صورة الوفاق والخلاف إلا في أشياء يسيرة سوف نذكرها إن شاء الله تعالى.
والضابط في خيار المجلس عند الشافعية أنه يثبت في كل معاوضة محضة واقعة على عين لازمة من الجانبين، ليس فيها تملك قهري، ولا جارية مجرى الرخص (٤).
стр. 2626
وسبق لنا شرح هذا الضابط في خيار المجلس فأغنى عن إعادته هنا:
ومن خلال هذا الضابط نعرف أن خيار الشرط يلحق من العقود ما يتحقق فيه شرطان:
الأول: أن يشتمل على معاوضة محضة، بل صرح الشافعية بأن خيار الشرط لا يثبت إلا في البيع بأنواعه.
قال في مغني المحتاج: «وعلم من تقييده بالبيع أنه لا يشرع في غيره كالفسوخ والعتق والإبراء، والنكاح والإجارة، وهو كذلك» (١).
الثاني: أن يكون العقد لازمًا من الطرفين، فلا يثبت خيار الشرط في العقود الجائزة كالشركة والوكالة والقرض والعارية، ولا يثبت في العقود اللازمة من طرف واحد كالرهن.
يقول النووي: «وهما - أي خيار المجلس وخيار الشرط - متفقان في صورة الوفاق والخلاف إلا في أشياء:
أحدهما: أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم، لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف، مع أن خيار المجلس يثبت فيها ....
الثاني: أن خيار الشرط لا يثبت في الشفعة بلا خلاف، وكذا لا يثبت في الحوالة وفي خيار المجلس فيهما خلاف سبق.
الثالث: أنه إذا كان رجع في سلعة باعها ثم حجر على المشتري بالفلس لا يثبت فيها خيار الشرط بلا خلاف وفي خيار المجلس خلاف ضعيف قد سبق ذكره.
стр. 2627
الرابع: في الهبة بشرط وفي الإجارة طريق قاطع بأنه لا يثبت خيار الشرط مع جريان الخلاف في ثبوته في خيار المجلس.
وأما شرط الخيار في الصداق فسيأتي في كتاب الصداق إن شاء الله تعالى إيضاحه وتفصيله ومختصره أن الأصح صحة النكاح وفساد المسمى ووجوب مهر المثل وأنه لا يثبت الخيار والله تعالى أعلم» (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
يتفق الحنابلة مع الشافعية على أن خيار الشرط لا يثبت إلا في البيع، إلا أن مفهوم البيع عند الحنابلة أوسع منه عند الشافعية.
فمفهوم البيع كما يعني البيع بأنواعه، فإنه يعني أيضًا الإجارة؛ لأنها نوع من البيع، فهي من قبيل بيع المنافع، وكذلك يدخل في معنى البيع الهبة بعوض معلوم.
وكذا الصلح إذا كان بمعنى البيع، كما لو أقر له بدين أو عين، وصالحه بمال بشرط الخيار أمدًا معلومًا؛ لأنه في معنى البيع.
وكذا على إجارة في الذمة، كما لو استأجره على أن يعمل له عملًا.
وأما الإجارة المعينة فإن كانت مدتها من حين العقد لم يدخل فيها خيار الشرط؛ لأن دخوله يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو إلى استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز (٢).
ويدخل في معنى البيع قسمة التراضي، وهي ما فيها ضرر، أو رد عوض؛ لأنها نوع من البيع.
стр. 2628
والحنابلة كغيرهم يمنعون الخيار في عقد الصرف؛ لأنه يشترط لصحة العقد التقابض في مجلس العقد، ومثله كل بيع يشترط فيه التقابض في مجلس العقد كبيع الربوي بمثله.
كما يمنع الحنابلة اشتراط الخيار في عقد السلم (١).
واختار ابن تيمية من الحنابلة: جواز خيار الشرط في كل العقود.
قال ﵀: «ويثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود، ولو طالت المدة» (٢).
ولا أعلم خلافًا في منع خيار الشرط في عقد الصرف، وكذا كل بيع يكون القبض شرطًا لصحة البيع فيه كبيع المال الربوي بمثله.
هذا ملخص مذهب الحنابلة (٣).
الخلاصة من هذا العرض:
الأول: أن الحنفية أوسع المذاهب الفقهية في العقود التي يدخلها الخيار، فلم تقصر خيار الشرط على عقد البيع فقط، بل في كل العقود اللازمة القابلة للفسخ، بينما الجمهور ذهبوا إلى قصر الخيار على عقد البيع، والمالكية والحنابلة أخذوا البيع بمفهومه العام، فيدخل في ذلك عقد الإجارة، وقسمة
стр. 2629
التراضي، والصلح بمعنى البيع خلافًا للشافعية والذي يعتبر مذهبهم أضيق المذاهب في هذه المسألة.
الثاني: أدخل الحنفية العقود اللازمة ولو من جانب واحد كالرهن، فأثبتوا الخيار للراهن لأن العقد في حقه لازم بخلاف المرتهن؛ لأن العقد في حقه جائز، وهذا خلاف للجمهور.
الثالث: اتفق الأئمة على عدم ثبوت الخيار في عقد الصرف، واختلفوا في عقد السلم، فمنعه الجمهور خلافًا للمالكية حيث أجازوا الخيار فيه في مدة يسيرة اليومين والثلاثة بشرط عدم نقد الثمن، والصواب مع الجمهور، ويدخل في الصرف بيع ما يعتبر القبض شرطًا في صحته كبيع المال الربوي بمثله.
الرابع: انفرد المالكية في أنه لا يجوز اشتراط نقد الثمن في بيع الخيار خلافًا للجمهور (١)؛
لأن اشتراط النقد يجعل الثمن مترددًا بين السلفية إذا لم يتم البيع، والثمنية إذا تم البيع، وهو ممنوع للغرر بعدم معرفة ما يؤول إليه الحال، وإذا حصل النقد تطوعًا من غير شرط جاز لضعف التهمة في تردد الثمن بين السلفية والثمنية (٢).
стр. 2630
هذا ما يمكن تلخيصه من العرض السابق لأقوال الفقهاء، والذي أميل إليه أن مذهب الحنفية: هو أقوى المذاهب هنا؛ لأن الخيار إنما شرع من أجل الفسخ، في عقد لازم، فإذا كان العقد اللازم يقبل الفسخ، كان اشتراط الخيار فيه سائغًا، ولا معنى لقصره في عقد البيع، فإن هذه ظاهرية لا تليق بعقود المعاملات المبنية على التعليل، والله أعلم.
* * *