← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وسبق لنا شرح هذا الضابط في خيار المجلس فأغنى عن إعادته هنا: ومن خلال هذا الضابط نعرف أن خيار الشرط يلحق من العقود ما يتحقق فيه شرطان: الأول: أن يشتمل على معاوضة محضة، بل صرح الشافعية بأن خيار الشرط لا يثبت إلا في البيع بأنواعه. قال في مغني المحتاج: «وعلم من تقييده بالبيع أنه لا يشرع في غيره كالفسوخ والعتق والإبراء، والنكاح والإجارة، وهو كذلك» (١). الثاني: أن يكون العقد لازمًا من الطرفين، فلا يثبت خيار الشرط في العقود الجائزة كالشركة والوكالة والقرض والعارية، ولا يثبت في العقود اللازمة من طرف واحد كالرهن. يقول النووي: «وهما - أي خيار المجلس وخيار الشرط - متفقان في صورة الوفاق والخلاف إلا في أشياء: أحدهما: أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم، لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف، مع أن خيار المجلس يثبت فيها .... الثاني: أن خيار الشرط لا يثبت في الشفعة بلا خلاف، وكذا لا يثبت في الحوالة وفي خيار المجلس فيهما خلاف سبق. الثالث: أنه إذا كان رجع في سلعة باعها ثم حجر على المشتري بالفلس لا يثبت فيها خيار الشرط بلا خلاف وفي خيار المجلس خلاف ضعيف قد سبق ذكره.

стр. 2627

الرابع: في الهبة بشرط وفي الإجارة طريق قاطع بأنه لا يثبت خيار الشرط مع جريان الخلاف في ثبوته في خيار المجلس. وأما شرط الخيار في الصداق فسيأتي في كتاب الصداق إن شاء الله تعالى إيضاحه وتفصيله ومختصره أن الأصح صحة النكاح وفساد المسمى ووجوب مهر المثل وأنه لا يثبت الخيار والله تعالى أعلم» (١). القول الرابع: مذهب الحنابلة: يتفق الحنابلة مع الشافعية على أن خيار الشرط لا يثبت إلا في البيع، إلا أن مفهوم البيع عند الحنابلة أوسع منه عند الشافعية. فمفهوم البيع كما يعني البيع بأنواعه، فإنه يعني أيضًا الإجارة؛ لأنها نوع من البيع، فهي من قبيل بيع المنافع، وكذلك يدخل في معنى البيع الهبة بعوض معلوم. وكذا الصلح إذا كان بمعنى البيع، كما لو أقر له بدين أو عين، وصالحه بمال بشرط الخيار أمدًا معلومًا؛ لأنه في معنى البيع. وكذا على إجارة في الذمة، كما لو استأجره على أن يعمل له عملًا. وأما الإجارة المعينة فإن كانت مدتها من حين العقد لم يدخل فيها خيار الشرط؛ لأن دخوله يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو إلى استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز (٢). ويدخل في معنى البيع قسمة التراضي، وهي ما فيها ضرر، أو رد عوض؛ لأنها نوع من البيع.

стр. 2628

والحنابلة كغيرهم يمنعون الخيار في عقد الصرف؛ لأنه يشترط لصحة العقد التقابض في مجلس العقد، ومثله كل بيع يشترط فيه التقابض في مجلس العقد كبيع الربوي بمثله. كما يمنع الحنابلة اشتراط الخيار في عقد السلم (١). واختار ابن تيمية من الحنابلة: جواز خيار الشرط في كل العقود. قال ﵀: «ويثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود، ولو طالت المدة» (٢). ولا أعلم خلافًا في منع خيار الشرط في عقد الصرف، وكذا كل بيع يكون القبض شرطًا لصحة البيع فيه كبيع المال الربوي بمثله. هذا ملخص مذهب الحنابلة (٣). الخلاصة من هذا العرض: الأول: أن الحنفية أوسع المذاهب الفقهية في العقود التي يدخلها الخيار، فلم تقصر خيار الشرط على عقد البيع فقط، بل في كل العقود اللازمة القابلة للفسخ، بينما الجمهور ذهبوا إلى قصر الخيار على عقد البيع، والمالكية والحنابلة أخذوا البيع بمفهومه العام، فيدخل في ذلك عقد الإجارة، وقسمة

стр. 2629

التراضي، والصلح بمعنى البيع خلافًا للشافعية والذي يعتبر مذهبهم أضيق المذاهب في هذه المسألة. الثاني: أدخل الحنفية العقود اللازمة ولو من جانب واحد كالرهن، فأثبتوا الخيار للراهن لأن العقد في حقه لازم بخلاف المرتهن؛ لأن العقد في حقه جائز، وهذا خلاف للجمهور. الثالث: اتفق الأئمة على عدم ثبوت الخيار في عقد الصرف، واختلفوا في عقد السلم، فمنعه الجمهور خلافًا للمالكية حيث أجازوا الخيار فيه في مدة يسيرة اليومين والثلاثة بشرط عدم نقد الثمن، والصواب مع الجمهور، ويدخل في الصرف بيع ما يعتبر القبض شرطًا في صحته كبيع المال الربوي بمثله. الرابع: انفرد المالكية في أنه لا يجوز اشتراط نقد الثمن في بيع الخيار خلافًا للجمهور (١)؛ لأن اشتراط النقد يجعل الثمن مترددًا بين السلفية إذا لم يتم البيع، والثمنية إذا تم البيع، وهو ممنوع للغرر بعدم معرفة ما يؤول إليه الحال، وإذا حصل النقد تطوعًا من غير شرط جاز لضعف التهمة في تردد الثمن بين السلفية والثمنية (٢).

стр. 2630

هذا ما يمكن تلخيصه من العرض السابق لأقوال الفقهاء، والذي أميل إليه أن مذهب الحنفية: هو أقوى المذاهب هنا؛ لأن الخيار إنما شرع من أجل الفسخ، في عقد لازم، فإذا كان العقد اللازم يقبل الفسخ، كان اشتراط الخيار فيه سائغًا، ولا معنى لقصره في عقد البيع، فإن هذه ظاهرية لا تليق بعقود المعاملات المبنية على التعليل، والله أعلم. * * *

стр. 2631

المبحث الحادي عشر في الملك والتصرف في زمن الخيار سبق أن ناقشنا هاتين المسألتين مفرقتين في خيار المجلس، ولما كان خيار المجلس لا يراه الحنفية والمالكية بخلاف خيار الشرط والذي يرى صحته الأئمة الأربعة كان لا بد من إعادة البحث في خيار الشرط، لنستوعب الأقوال. [م-٥٠٢] وقد اختلف الفقهاء في ملك المبيع والثمن، وحكم التصرف في زمن الخيار، إلى أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية: يختلف القول عند الحنفية بين أن يكون الخيار للبائع والمشتري معًا، وبين أن يكون الخيار لأحدهما. فإن كان الخيار لهما: فإن المبيع لم يخرج عن ملك البائع، والثمن لم يخرج عن ملك المشتري، فليس للبائع أن يتصرف في الثمن، كما أنه ليس للمشتري أن يتصرف في المبيع، وأما تصرف البائع في المبيع فإنه جائز، ويعتبر ذلك منه فسخًا، ومثله تصرف المشتري في الثمن. وجه ذلك: أن الخيار إذا كان لهما لم يثبت حكم العقد أصلًا؛ فلا يزول المبيع عن ملك البائع، ولا يدخل في ملك المشتري، وكذا الثمن؛ لأن المانع من انعقاد الحكم، وهو الخيار موجود في الجانبين جميعًا.

стр. 2632

وإن كان الخيار للبائع وحده فالمبيع لم يخرج عن ملكه بالاتفاق (١)، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه، ويخرج الثمن عن ملك المشتري بالاتفاق؛ لأن البيع بات في حقه، وهل يدخل في ملك البائع؟ عند أبي حنيفة: لا يدخل، وعند أبي يوسف ومحمد يدخل. وجه قول أبي حنيفة: إذا كان المبيع لم يخرج عن ملك البائع، فلو قلنا: إن الثمن يدخل في ملكه اجتمع للبائع ملك المبيع وملك الثمن في آن واحد، ولا يمكن أن يجتمع البدلان في ملك رجل واحد. وجه قول أبي يوسف ومحمد: لما اتفقنا أن الثمن قد خرج عن ملك المشتري (٢)، وجب أن يدخل في ملك البائع؛ كيلا يصير سائبًا بغير مالك؛ لأنه لا يمكن أن يكون الثمن زائلًا عن ملك المشتري وصائرًا إلى غير مالك، فإن مثل هذا لا عهد لنا به في الشرع. وإن كان الخيار للمشتري وحده، فالثمن لم يخرج عن ملكه بالاتفاق، ولا يجوز للبائع أن يتصرف فيه إن كان عينًا، ولا يستحقه على المشتري إن كان دينًا، ويخرج المبيع عن ملك البائع بالاتفاق، حتى لا يجوز له التصرف فيه؛ لأن البيع بات في حقه، وهل يدخل في ملك المشتري؟ عند أبي حنيفة: لا يدخل، وعند صاحبيه: يدخل.

стр. 2633

وجه قول أبي حنيفة: إذا كان الثمن لم يخرج عن ملك المشتري، فلو قلنا: إن المبيع يدخل في ملكه اجتمع للمشتري ملك المبيع وملك الثمن في آن واحد، ولا يمكن أن يجتمع البدلان في ملك رجل واحد. وجه قول أبي يوسف ومحمد: لما خرج المبيع عن مالك البائع، وجب أن يدخل في ملك المشتري؛ كيلا يصير سائبة بغير مالك، لأنه لا يمكن أن يكون المبيع زائلًا لا إلى مالك (١). وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية برأي الصاحبين، فقد جاء فيها: «إذا شرط الخيار للمشتري فقط خرج المبيع من ملك البائع، وصار ملكًا للمشتري ... » (٢). هذا ملخص مذهب الحنفية فيما يتعلق بالملك، وفي التصرف في زمن الخيار، في حالة ما كان الخيار للعاقدين أو لأحدهما. القول الثاني: مذهب المالكية: يرى المالكية أن بيع الخيار منحل حتى ينعقد، وهذا يعني أن المبيع في مدة الخيار للبائع لم ينتقل؛ إذ الأملاك لا تنتقل إلا بتمام الرضا، والخيار ينافي تمام الرضا، فعقد الخيار عقد منحل، وإمضاؤه بعد ذلك نقل جديد للملكية، وليس تقريرًا للعقد الأول، وهذا معنى قول العلماء: إن بيع الخيار منحل، ولا فرق على المذهب في الخيار بين أن يكون لهما أو لأحدهما (٣).

стр. 2634

القول الثالث: مذهب الشافعية: الملك زمن الخيار لا فرق فيه عند الشافعية بين خيار المجلس وخيار الشرط، وقد تم تحرير الأقوال في خيار المجلس، ونقتصر هنا على القول المعتمد في

стр. 2635

مذهبهم، ومن أراد الاطلاع على بقية الأقوال فليراجع الخلاف في خيار المجلس، فقد ذكرناها هناك فأغنى عن إعادتها هنا: والراجح عند الشافعية: أن الخيار إن كان للعاقدين، فالملك موقوف، فإن تم البيع تبين أن ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع من حين العقد، وإن فسخ العقد تبين أن المبيع لم يخرج عن ملك البائع، ولم يخرج الثمن عن ملك المشتري من العقد. وجهه: لما كان البائع ممنوعًا من التصرف في الثمن إلا بإذن المشتري، والمشتري ممنوعًا من التصرف في المبيع إلا بإذن البائع، كان ذلك دليلًا على عدم انتقال الملك، فإما أن نقول: إن الثمن والمثمن بلا مالك، وهذا لا يمكن مع قيام العقد، أو نقول: إن الملك موقوف إلى أن يختار كل منهما لزوم العقد، وهذا هو المتعين. وإن كان الخيار لأحدهما فالملك لمن له الخيار، وحيث حكم بملك ا لمبيع لأحدهما حكم بملك الثمن للآخر. فإن كان الخيار للبائع: فله ملك المبيع بتوابعه، وللمشتري ملك الثمن بتوابعه. وإن كان الخيار للمشتري، فله ملك المبيع بتوابعه، وللبائع ملك الثمن بتوابعه (١). وجهه: أن من كان له الخيار وحده فإنه مأذون له في التصرف؛ لأن تصرفه لن يؤدي إلى إسقاط خيار صاحبه، وجواز التصرف دليل على ثبوت الملك.

стр. 2636

القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة في المشهور عندهم أن ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع، سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما. وقد استوعبنا ذكر أدلتهم في الملك زمن خيار المجلس، فلا داعي للتكرار. وأما الحكم في التصرف: فإن كان الخيار لهما (لكلا العاقدين) فليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع ولا في عوضه مدة الخيار؛ لأن تصرفه يؤدي إلى إبطال حق صاحبه، وهذا لا يجوز. وإن كان الخيار لواحد منهما: فإن كان للمشتري وحده صح تصرفه في المبيع؛ لأن تصرفه صادر من مالك تام الملك، جائز التصرف، فنفذ كما بعد انتهاء الخيار، ولأن تصرفه في المبيع دليل على رضاه به، وإمضائه للبيع. وإن كان الخيار للبائع وحده: فإن تصرف في المبيع لم ينفذ. قال المرداوي: وهذا الصحيح من المذهب .... وهو من المفردات. وعللوا ذلك: بأن البائع لا يملك المبيع بعد بيعه (١). وإن تصرف البائع بالثمن، نفذ تصرفه، وبطل خياره؛ لأن تصرفه في الثمن دليل على رضاه وإمضائه للبيع. هذا ملخص مذهب الحنابلة عليهم رحمة الله.

стр. 2637

الراجح: هذه المسألة من أهم المسائل في خيار التروي: الملك والتصرف زمن الخيار من يستحقه؟ وقد رجحت مذهب الحنابلة؛ لأن الأدلة في حقهم ظاهرة، والخلاف فيها قوي، والأدلة فيها متنازعة، لكني أرى أن أدلة الحنابلة تستند إلى أحاديث ونصوص شرعية ذكرتها في مباحث خيار المجلس، وغالب أدلة المذاهب مبنية على تعاليل فيها قوة، لكنها لا تقابل أدلة الحنابلة، إلا أن الخيار إذا كان للبائع، وتصرف في المبيع كان ذلك دليلًا على اختيار الرجوع، والله أعلم. * * *

стр. 2638

فرع في استعمال المبيع زمن الخيار [م-٥٠٣] ذهب الجمهور إلى أن المشتري إذا اشترى المبيع، واستعمله في زمن الخيار، فإن كان المقصود من الاستعمال تجربة المبيع، فإن خياره لا يبطل، ولا يعتبر استعماله إجازة للبيع، وإن خرج ذلك عن تجربة المبيع إلى الاستعمال، فإن هذا يبطل خياره، ويعتبر إمضاء للبيع (١).

стр. 2639

قال الكرابيسي الحنفي في الفروق: «إذا اشترى دابة أو قميصًا على أنه بالخيار، فركبها في حاجته لينظر إليها وإلى سيرها أو لبس القميص لينظر إلى قدره عليه، فهو على خياره. ولو اشتراها، فوجد بها عيبًا، فركبها، أو لبس القميص، كان هذا رضا بالعيب. والفرق: أن شرط الخيار للاختبار وهذه الأشياء مما يقع بها الاختبار فلم يكن مختارًا وأما في العيب، فليس له أن يختبر. وجه آخر: أنه خير ليختبر، فلم يكن ركوبه ولبسه للاختبار اختيارًا. وأما في العيب فلم يجعل له أن يختبر، فصار باختباره مختارا» (١). [م-٥٠٤] وهل يملك المشتري مطالبة البائع بتجربة المبيع إذا اشترط الخيار، أو لا يملك ذلك إلا بالشرط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يملك المشتري مطالبة البائع بتجربة المبيع، ولو بدون شرط، وهذا مذهب الجمهور (٢)، واختاره أبو عمران من المالكية، وقال الحطاب: وهو الصحيح (٣).

стр. 2640

القول الثاني: أن الخيار إن كان للتروي في الثمن لم يكن له قبض السلعة. وبالتالي ليس له حق في تجربة المبيع، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية. وإن كان الخيار ليختبره جاز له قبضه، وإذا امتنع البائع من دفع المبيع للمشتري ليختبره، وقال: إنما فهمت عنه المشورة، لا أن أدفع سلعتي إليه، فذلك للبائع، ولا يدفع للمشتري ليختبره إلا بشرط؛ لأن الخيار تارة للمشورة، وتارة للاختبار، ولا يلزم الاختبار إلا بشرط (١). ولأن خيار الشرط إذا أطلق يراد به غير تجربة المبيع كالمشاورة والتروي في الثمن، فلا بد من اشتراط التجربة. والصحيح أن المشتري يملك ذلك من غير شرط: لأن اشتراط الخيار يقصد لأحد أمور ثلاثة: أحدها: للتروي في الثمن، ليقف على غلائه من رخصه. والثاني: ليؤامر نفسه في العزم على الشراء، مع علمه بموضع الثمن من الغلاء والرخص. والثالث: ليختبر المبيع. فالخيار يعطيه كل هذه الحقوق مدة الخيار؛ إلا أن تجربة المبيع يجب أن تكون بقدرها، ولا يؤدي ذلك إلى استعمال المبيع، فإن أدى ذلك إلى استعمال المبيع كان ذلك بالأجرة إن اختار الفسخ، كما في شرط الخيار في عقد الإجارة على مدة تلي العقد، والله أعلم. * * *

стр. 2641

المبحث الثاني عشر الانتفاع من المبيع بغير تجربته [م-٥٠٥] اختلف الفقهاء في استخدام المبيع من قبل المشتري في غير تجربة المبيع على أقوال: القول الأول: ذهب المالكية إلى المنع مطلقًا إلا بثمن، قال ابن رشد: «لا يجوز للمبتاع اشتراط الانتفاع بالمبيع أمد الخيار إلا قدر ما يقع به الاختبار، كاستخدام العبد في الشيء اليسير الذي لا ثمن له» (١). وأجاز المالكية استخدامه بالأجرة؛ لأن ذلك من غلة المبيع، وغلته للبائع (٢).

стр. 2642

القول الثاني: أجازه الشافعية في أصح الوجهين مطلقًا، ولم يعتبروا استخدام المبيع فسخًا للخيار (١). جاء في أسنى المطالب: «يجوز للمشتري الانتفاع بالمبيع في زمن الخيار، كركوب الدابة واستخدام الرقيق» (٢). وهذا يعني: سواء كان استخدامه للتجربة، أو للانتفاع.

стр. 2643

القول الثالث: المشهور في مذهب الحنابلة أن الخيار إذا كان للعاقدين فإنه يحرم، ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع إلا بإذن الآخر، ولم يستثنوا من ذلك إلا تجربة المبيع (١). إلا أن الحنابلة أجازوا الانتفاع بالمبيع إن كان ذلك بإذن البائع، بشرط أن يكون الإذن حادثًا بعد العقد، ولم ينوياه في العقد، فإن أراده قبل العقد، أو دخلا في العقد على اشتراط انتفاع المشتري بغلة المبيع بطل البيع؛ لأن الذي يقبضه البائع بمثابة القرض، فيكون حيلة ليربح فيما أقرض. قال العنقري في حاشيته، تعليقًا على قوله في المتن: (ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع، وعوضه المعين فيها بغير إذن الأخر). قال العنقري: «مراده إذا كان الإذن ونيته حادثين من البائع والمشتري بعد العقد، لم يريداه، ولم ينوياه في العقد، بل دخلا في البيع على أصله الشرعي، ثم حدث هذا الإذن بعد ذلك، وإلا فإن أراده ونوياه قبل العقد، ودخلا في البيع عليه، وعلى انتفاع المشتري بغلة المبيع حرم، وبطل البيع؛ لأن الذي يقبضه

стр. 2644

البائع قرضًا، فكان هذا الخيار المشروط حيلة ليربح في القرض» (١). وقال في الإنصاف: «لو شرط خيار الشرط حيلة ليربح فيما أقرضه لم يجز، نص عليه، وعليه الأصحاب. قال المرداوي: وأكثر الناس يستعملونه في هذه الأزمنة ويتداولونه فيما بينهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله» (٢). وقال ابن قدامة: «قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يشتري من الرجل الشيء ويقول: لك الخيار إلى كذا وكذا مثل العقار؟ قال: هو جائز إذا لم يكن حيلة; أراد أن يقرضه فيأخذ منه العقار فيستغله ويجعل له فيه الخيار ليربح فيما أقرضه بهذه الحيلة. فإن لم يكن أراد هذا فلا بأس. قيل لأبي عبد الله: فإن أراد إرفاقه أراد أن يقرضه مالا يخاف أن يذهب فاشترى منه شيئًا وجعل له الخيار ولم يرد الحيلة؟ فقال أبو عبد الله: هذا جائز إلا أنه إذا مات انقطع الخيار لم يكن لورثته. وقول أحمد بالجواز في هذه المسألة محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه أو على أن المشتري لا ينتفع بالمبيع في مدة الخيار; لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة» (٣).

стр. 2645

مناقشة الأقوال: المالكية هم أضيق المذاهب في استخدام المبيع وتجربته، حتى إنهم رأوا في بعض المبيع أنه لا يحتاج حتى التجربة، وذلك في مثل شراء الثوب. قال في التاج والإكليل: «(أو لبس ثوب) أشهب: لا يَشْتَرط لبس الثوب؛ لأنه لا يختبر باللبس كما تختبر الدابة بالركوب، والعبد بالاستخدام» (١). وأوسع المذاهب مذهب الشافعية حيث رأوا أن لمس الأمة وتقبيلها بشهوة ومباشرتها لا يبطل الخيار. وأما مذهب الحنابلة فهو وسط بين طرفين: منعوا ذلك في حالتين: الأولى: إذا لم يأذن البائع، وكان الخيار لهما؛ لأن في تصرفه تعديًا على حق صاحبه، لأن علق البائع لم تنته بعد. الثانية: إذا كان ذلك مشروطًا في العقد؛ لأنه يؤدي ذلك إلى التحايل ليربح فيما أقرض. فأرى أن مذهب الحنابلة هو أقواها، ويتمشى مع القواعد، والله أعلم. * * *

стр. 2646

المبحث الثالث عشر في تسليم المبيع والثمن زمن الخيار [م-٥٠٦] اتفق الفقهاء على أنه لا يجب تسليم البدلين في مدة الخيار في حال الإطلاق، وعدم اشتراط التسليم (١)، إلا ما سبق بحثه، هل تجربة المبيع من حق المشتري ولو لم يشترط، أو لا يحق له ذلك إلا بالاشتراط، وقد سبق بحث هذه المسألة. قال النووي: «قال أصحابنا: لا يجب على البائع تسليم المبيع ولا على المشتري تسليمه الثمن في مدة الخيار .. » (٢). وجاء في قواعد ابن رجب: «إن كان هناك خيار لهما أو لأحدهما لم يملك البائع المطالبة بالنقد ذكره القاضي في الإجارات من خلافه، وصرح به الأزجي في نهايته. ولا يملك المشتري قبض المبيع في مدة الخيار بدون إذن صريح من البائع نص عليه أحمد في رواية ابن الشالنجي» (٣). وعلل الحنابلة ذلك بقوله: لعدم انقطاع علق من له الخيار عنه (٤).

стр. 2647

جاء في البحر الرائق: «لو كان الخيار إلى البائع، فسلم المبيع إلى المشتري، فلو سلمه على وجه التمليك بطل خياره، لا لو سلمه على وجه الاختبار .. » (١). [م-٥٠٧] وإذا سلم أحدهما تطوعًا، وامتنع الآخر، فقد اختلف الفقهاء: فالحنفية يرون أنه إن امتنع عن التسليم من له الخيار لم يجبر على ا لتسليم. وإن دفع المشتري الثمن، والخيار له أجبر البائع على تسليم المبيع. وإن كان الخيار للبائع، ودفع المبيع أجبر المشتري على تسليم الثمن. جاء في البحر الرائق: «إذا كان الخيار للبائع فإنه يملك مطالبة المشتري بالثمن بخلاف ما إذا كان للمشتري» (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: «ولو دفع المشتري الثمن وكان الخيار له: أجبرت البائع على دفع المبيع إليه. ولو دفع البائع المبيع أجبرت المشتري على دفع الثمن. ولو كان الخيار للبائع، ونقد المشتري الثمن، وأراد أن يقبض العبد، فمنعه البائع، فله ذلك، غير أنه يجبر البائع على رد الثمن» (٣). وقال النووي في المجموع: «فلو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده وله استرداد المدفوع هذا هو المذهب. وفيه وجه ضعيف أنه ليس له استرداده وله أخذ ما عند صاحبه بغير رضاه وممن حكى هذا الوجه الرافعي» (٤).

стр. 2648

الراجح: أن المشتري إن طالب البائع تسليمه المبيع للتجربة لم يمنع من ذلك، ولكن تقدر بقدرها، فإن كان الخيار لهما لم يجبر أحد منهما على تسليم ما في يده مدة الخيار؛ لأن من له الخيار لم تنقطع علقه منه. وإن كان الخيار لأحدهما، ودفع ما معه لصاحبه لا يجوز أن يمتنع الطرف الآخر؛ لأن البيع في حقه لازم، وقد استلم العوض، فلا يمكن أن يدعي أنه يخشى تلفًا أو تغيرًا؛ فلا معنى للامتناع عن تسليم ما معه، والخيار ليس في حقه، والله أعلم. * * *

стр. 2649

المبحث الرابع عشر النماء في زمن الخيار [م-٥٠٨] النماء في زمن الخيار مبني على ثبوت الملك فيه، فمن كان له الملك في زمن الخيار استحق النماء، وقد سبق بحث هذه المسألة في خيار المجلس بشيء من التفصيل، وعرضنا للخلاف في النماء المتصل والمنفصل كل مسألة على انفراد إلا أن الخلاف فيهما كان محصورًا بين الشافعية والحنابلة، بخلاف مذهب الحنفية والمالكية، فإننا لم نتعرض لهما؛ لأنهما لا يقولان بخيار المجلس، فلا بد من الإشارة إليهما في خيار الشرط لتستكمل الأقوال. اختلف الفقهاء فيمن يستحق النماء في زمن الخيار، إلى أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية: قسم الحنفية الزيادة إلى قسمين: زيادة متصلة، وزيادة منفصلة. والزيادة المتصلة تنقسم إلى قسمين: (أ) زيادة متصلة غير متولدة من الأصل، كما إذا كان ثوبًا، فصبغه، أو سويقًا فلتَّه بسمن، أو كان أرضًا فبنى عليها، أو غرس فيها، فهذه الزيادة للمشتري قولًا واحدًا في المذهب؛ لأن الزيادة في الأصل تمنع رد المبيع، بحيث يلزم العقد ويسقط الخيار. (ب) زيادة متصلة متولدة من الأصل، كالحسن والجمال، والسمن، والبرء من المرض، وانجلاء البياض من العين، ونحو ذلك. فهذه حكمها لا يختلف عن حكم سابقتها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، أنها تمنع الرد وتسقط الخيار، ويلزم العقد، وتكون للمشتري.

стр. 2650

وعند محمد: لا تبطل الخيار، لأنها عنده لا تمنع الرد، فإن اختار الفسخ ردها مع الأصل، وإن اختار البيع صارت ملكًا للمشتري. وإن كانت الزيادة منفصلة، فهي تنقسم أيضًا إلى قسمين: (أ) زيادة متولدة من الأصل كالولد، والثمر، واللبن، ونحوها، أو كانت غير متولدة من الأصل لكنها بدل الجزء الفائت كالأرش، فهذه للمشتري؛ لأنها تبطل الخيار، وتمنع من رد المبيع. (ب) وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل: كالصدقة، والكسب، والغلة؛ فاختار أبو حنيفة: أن الزيادة لا تمنع الرد، فلا تبطل الخيار، فإن اختار البيع فالزوائد له مع الأصل؛ لأنها تبين أنها كسب ملكه، فكانت ملكه، وإن اختار الفسخ رد الأصل مع الزائد. واختار أبو يوسف ومحمد: أن الزيادة للمشتري (١). وجه قول أبي حنيفة: أن ملك المبيع كان موقوفًا، فإذا فسخ تبين أنه لم يدخل في ملكه، فتبين أن الزيادة حصلت على ملك البائع، فيردها إليه مع الأصل. وجه قول أبي يوسف ومحمد: أن المبيع دخل في ملك المشتري، فكانت الزوائد حاصلة على ملكه، والفسخ يظهر في الأصل لا في الزيادة، فبقيت على حكم ملك المشتري (٢).

стр. 2651

القول الثاني: مذهب المالكية: غلة الشيء المبيع في مدة الخيار تكون لمالك المبيع، وهو البائع سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، إلا أن يشترطه المشتري، وسواء كانت أجرة عقار، أو غلة ثمار مؤبرة، أو غلة حيوان: كاللبن والبيض، ويستثنى من ذلك ما كان جزءًا باقيًا من المبيع كالولد والصوف؛ فهما للمشتري زمن الخيار إذا تم له الشراء؛ لأنهما جزء من المبيع وقت شرائه، وتكون الغلة للبائع سواء كان البيع صحيحًا أو فاسدًا (١). كما يختار المالكية ألا يسكن في البيت الذي اشتراه بشرط الخيار، فإن سكن فيها كان ذلك بالأجرة؛ لأن الغلة للبائع، ولو شرط المشتري أن يسكنها مدة الخيار، على ألا يؤدي كراءها، لكان البيع فاسدًا؛ لأنه من بيع العربان (٢). وجه قولهم: أن المبيع في مدة الخيار لا يزال على ملك البائع لم ينتقل، إذ الأملاك لا تنتقل إلا بتمام الرضا، والخيار ينافي تمام الرضا، وقد قدمنا في الخلاف السابق أن عقد الخيار عند المالكية عقد منحل، وهذا يعني أن إمضاءه بعد ذلك نقل جديد للملكية، وليس تقريرًا للعقد الأول. القول الثالث: مذهب الشافعية: الملك في المبيع مع توابعه المتصلة والمنفصلة لمن انفرد بخيار من بائع أو

стр. 2652

مشتر، فإن كان الخيار لهما فموقوف، فإن تم البيع، فنماء المبيع للمشتري من حين العقد، وإن فسخ، بقي نماء المبيع للبائع، وهذا مذهب الشافعية، لا فرق عند الشافعية بين النماء المتصل والمنفصل، ولا بين خيار المجلس وخيار الشرط (١). وجه قول الشافعية: ملك النماء تبع لملك المبيع، فمن ملك المبيع ملك النماء، ويستحق الملك من يملك التصرف، فمن انفرد بالخيار كان هو وحده متصرفًا في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك. وإن كان الخيار لهما كان الملك موقوفًا إلى حين لزوم العقد؛ لأن كل واحد منهما ممنوع من التصرف، ولأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، فتوقفنا، والله أعلم. القول الرابع: مذهب الحنابلة: الصحيح من مذهب الحنابلة أن النماء المتصل تابع للمبيع، سواء تم البيع، أو فسخ، كما يتبعه في الرد بالعيب. وأما النماء المنفصل فهو للمشتري مطلقًا، سواء اختار إمضاء البيع أو فسخه، ولا فرق في الحكم بين خيار المجلس وخيار الشرط (٢).

стр. 2653

وهناك قول آخر في مذهب الحنابلة: وهو أن النماء للمشتري إن كان المبيع من ضمانه، ويكن من ضمانه إذا كان المبيع لا يحتاج إلى استيفاء (١)، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، وهو قول للحنابلة (٢). وقد ذكرنا أدلة الحنابلة عند الكلام على نماء المال المتصل والمنفصل في زمن خيار المجلس، فأغنى عن إعادته هنا. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يجب أن ننظر: هل استحقاق النماء راجع إلى ثبوت الملك أم راجع إلى استقرار الضمان على المشتري؟ فإن كان النماء مستحقًا لثبوت الملك، فإن المشتري يثبت له الملك في العقد نفسه من صدور القبول مطابقًا للإيجاب. (ح-٤٣١) لحديث ابن عمر ﵁، قال:: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (٣). فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن من باع نخلًا فإن الملك ينتقل للمشتري مباشرة بالعقد نفسه، ولم يستثن من ذلك إلا ثمرة النخل بعد أن تؤبر، فإنها تبقى على ملك البائع إلا أن يشترطها المبتاع. كما بين ﷺ أن من باع عبدًا فإن الملك ينتقل للمشتري مباشرة بالعقد نفسه،

стр. 2654

ولم يستثن من ذلك إلا مال العبد، فإنه للبائع إلا أن يشترطه المشتري، فدل على أن الملك ينتقل مباشرة بنفس العقد. وكون العقد ليس لازمًا مدة الخيار فإن هذا لا يعني عدم ثبوت الملك، كما لو اشترى رجل سلعة، ووجد بها عيبًا، فإن للمشتري الخيار بين الإمساك والرد، وهذا الخيار لا ينافي الملك، فكذلك خيار الشرط لا ينافي ملك المشتري للمبيع، وإذا ثبت له الملك ثبت له النماء؛ لأنه فرع عنه. وإن كان استحقاق النماء راجعًا إلى شغل الذمة بالضمان، كما جاء في الأثر: الخراج بالضمان، فإن المبيع يدخل في ضمان المشتري من العقد إلا أن يكون المبيع يحتاج إلى توفية: من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، وكما قال ابن عمر: ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري (١). أي من ضمانه. ولا مانع من أن يستحق الشيء بأكثر من سبب، فالنماء للمشتري لأنه نماء ملكه، وهو أيضًا داخل في ضمانه كما لو تلف، وهو لا يحتاج إلى استيفاء، والله أعلم. * * *

стр. 2655

المبحث الخامس عشر إذا تلف المبيع في زمن خيار الشرط [م-٥٠٩] اختلف الفقهاء في المبيع إذا تلف في زمن الخيار على من يكون الضمان، وهل يبطل الخيار؟ على أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية، ولهم في ذلك تفصيل على النحو التالي: الحالة الأولى: إذا تلف المبيع قبل القبض، فيبطل البيع، سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري، أو لهما قولًا واحدًا. وجهه: أن البيع لو كان باتًا لبطل، فإذا كان فيه خيار شرط كان هذا من باب أولى؛ لأنه أضعف منه، ولأن المبيع لم يخرج عن ملكه اتفاقا ولم ينضم إلى الخيار قبض ليكون له أثر في تعديل ارتباط تبعة الهلاك بالملك. ولأنه لا يمكنه مطالبة المشتري بالثمن بدون تسليم المبيع، وقد عجز عن التسليم، فلا فائدة في بقائه، فيفسخ، فيبطل خياره ضرورة (١). الحالة الثانية: إذا تلف المبيع الذي شرط فيه الخيار للبائع بعد أن قبضه المشتري ولكن بإتلاف البائع إياه، ففي هذه الصورة ينفسخ البيع، ولا يترتب شيء على المشتري.

стр. 2656

الحالة الثالثة: إذا تلف المبيع بعد القبض، فإما أن يكون الخيار للبائع، أو يكون الخيار للمشتري. فإن كان الخيار للبائع، فهلك بإتلاف المشتري خلال مدة الخيار، فإن البيع يبطل، ويسقط الخيار، ويكون الضمان على المشتري، ويضمنه بالقيمة لا بالثمن (١). وجه هذا القول: أن البيع قد انفسخ بهلاك المحل إذ كان موقوفًا لأجل خيار البائع ولا نفاذ للموقوف إذا هلك المحل فبقي في يد المشتري مقبوضًا على جهة العقد (أي المعاوضة) لا على وجه الأمانة المحضة كالإيداع والإعارة؛ لأن البائع لم يرض بقبض المشتري له إلا على جهة العقد. أما كيفية ضمانه، فإن كان مثليًا ضمنه بالمثل، وإن لم يكن مثليًا فإنه يضمن بالقيمة لا بالثمن، والضمان بالقيمة لا بالثمن هو الشأن فيما قبض على جهة العقد كالمقبوض على سوم الشراء. وقد جعل الكاساني ضمانه أولى من ضمان المقبوض على سوم الشراء (٢). وإن كان الخيار للمشتري، وقد قبض المبيع، فهلك في يده لا يبطل البيع، ولكن يبطل الخيار، ويلزم البيع، وعليه الثمن.

стр. 2657

وجه ذلك على أصل أبي يوسف ومحمد: أن المشتري ملكه بالعقد، فإذا قبضه فقد تقرر عليه الثمن، فإذا هلك يهلك مضمونًا بالثمن، كما كان في البيع البات. وأما على أصل أبي حنيفة: فالمشتري وإن لم يملكه فإن هلاكه بمثابة تعيبه في يده بعيب لم يكن عند البائع؛ لأن الهلاك يكون بناء على سبب مؤثر فيه عادة، والسبب المفضي إلى الهلاك يكون عيبًا، وتعيب المبيع في يد المشتري يسقط خياره؛ لأنه يعجز عن الرد على الوجه الذي أخذه سليمًا. وكون الضمان هنا بالثمن لا بالقيمة بينما الحالة السابقة كان الضمان بالقيمة لا بالثمن فقد أشار الحنفية إلى وجه الفرق: أن البيع في حالة كون الخيار للبائع إذا تلف في يد المشتري انفسخ العقد ضرورة، وإذا انفسخ العقد رجعنا إلى قيمة المبيع لا إلى الثمن، ويكون ضمانه كالمقبوض على سوم الشراء أي بالقيمة لا بالثمن لفقدان العقد. بينما إذا كان الخيار للمشتري وهلك المبيع في يده، فإن خيار المشتري يبطل لأنه بمنزلة حدوث العيب عند المشتري، فبدخول العيب على محل الخيار لا يملك المشتري (صاحب الخيار) الرد على البائع حال قيام العيب كائنا ما كان العيب فإذا اتصل به الهلاك لم يبق الرد سائغًا فيهلك المحل بعد أن أصبح العقد لازمًا وبلزوم العقد يجب الثمن لا القيمة (١). الحالة الرابعة: إذا قبضه المشتري بإذن البائع، ثم أودعه البائع فهلك في يده.

стр. 2658

فإن كان الخيار للبائع أو لهما، بطل البيع قولًا واحدًا في مذهب الحنفية. وإن كان الخيار للمشتري، فإن البيع يبطل أيضًا عند أبي حنيفة؛ لأنه لما رده للبائع فقد ارتفع قبضه، فهلك المبيع قبل القبض. وعند صاحبيه: يهلك على المشتري، ويلزمه الثمن؛ لأنه دخل في ملك المشتري، فهلاكه في يد المودع كهلاكه في يد المشتري؛ لصحة الإيداع، باعتبار قيام الملك (١). هذا ملخص مذهب الحنفية، مع بيان الدليل أو التعليل لقولهم. القول الثاني: مذهب المالكية: يرى المالكية أن الأصل في المبيع إذا تلف في زمن الخيار أنه من مال البائع، ولو قبضه المشتري. هذا هو الأصل، ويضمنه البائع في الحالات التالية: الحالة الأولى: إذا تلف المبيع في يده. الحالة الثانية: إذا تلف المبيع في يد المشتري، وكان المبيع مما لا يغاب عليه، أي لا يمكن إخفاؤه كالحيوان، ولم يظهر كذب المشتري، فهو من ضمان البائع مع يمين المبتاع، لقد ذهب من غير فعله. الحالة الثالثة: أن يتلف المبيع في يد المشتري، ويكون المبيع مما يغاب عليه: أي يمكن إخفاؤه كالحلي والثياب، ويثبت تلفه ببينة تشهد أن تلفه لم يكن بسبب المشتري ولا تفريطه، ففي هذه الحالات يكون تلفه من مال البائع مطلقًا، سواء كان الخيار له، أو للمشتري، أو لهما، أو لغيرهما.

стр. 2659

ويضمن المشتري في الحالات التالية: الحالة الأولى: أن يتلف المبيع في يد المشتري، ويكون المبيع مما لا يغاب عليه كالحيوان، ولم يظهر كذبه، وينكل عن اليمين حيث توجهت له في دعواه ضياع المبيع (١). الحالة الثانية: أن يتلف المبيع في يد المشتري، ويكون المبيع مما لا يغاب عليه، ويظهر كذبه في دعوى تلفه، فإنه يضمنه. الحالة الثالثة: أن يتلف المبيع في يد المشتري، والمبيع مما يغاب عليه، ولم تكن له بينة على تلفه تظهر صدق دعواه؛ فإنه يضمنه؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه وحبسه عن صاحبه. وفي هذه الحالات الثلاث يجب على المشتري ضمان الأكثر من الثمن أو قيمة المبيع يوم قبضه، إن كان الخيار مشروطًا للبائع؛ لأن شرط الخيار يجعله أحق بأفضل الصفقتين، فله اختيار الإمضاء، ويأخذ الثمن، إن كان الثمن أكثر، وله اختيار الرد، ليأخذ القيمة إن كانت القيمة أكثر. ويستثنى من ذلك ما إذا كان المبيع مما يغاب عليه، وادعى المشتري هلاكه، ولم يقدر على إقامة بينة تشهد له لتعفيه من الضمان، فإنه إذا حلف أنه ضاع بغير سببه، وتفريطه، فإن يمينه لا تسقط عنه الضمان، لكن يخفف عنه بسببها، فلا يغرم مع الحلف إلا ثمن المبيع المتفق عليه، دون القيمة الزائدة.

стр. 2660

أما إذا كان الخيار للمشتري، ولزمه ضمان المبيع على النحو السابق، فالواجب عليه هو الثمن، ولا يكلف القيمة إن كانت زائدة (١). وجه قول المالكية الأصل أن يكون الضمان على البائع: الوجه الأول: أن الغلة في بيع الخيار إذا كانت للبائع مطلقًا، فيجب أن يكون ضمانه على البائع أيضًا؛ لأن الخراج بالضمان، فمن له الغنم والانتفاع بالغلة، فعليه الغرم بتحمل ضمان الهلاك. الوجه الثاني: أن عقد الخيار عند المالكية يعتبر منحلًا حتى ينعقد، كما بينا في ملكية المبيع زمن الخيار، وإذا كان منحلًا فهلاك المبيع يكون على مالكه، وهو البائع. قال ابن الشاط: «وعمدتهم أنه عقد غير لازم، فلم ينتقل الملك عن البائع، كما لو قال: بعتك، ولم يقل المشتري: قبلت» (٢). جاء في المنتقى: «إذا هلك المبيع في مدة الخيار بيد البائع فهو منه، وإن هلك بيد المبتاع، ففي كتاب ابن حبيب: إن كان مما لا يغاب عليه، فهو من

стр. 2661

ضمان البائع مع يمين المبتاع، لقد ذهب من غير فعله، وإن كان مما يغاب عليه فهو من ضمان المبتاع إذا لم تقم بينة بضياعه. ووجه ذلك: أنه قبضه لمنفعة نفسه، مع بقائه على ملك بائعه، فأشبه الرهن» (١). القول الثالث: مذهب الشافعية: إذا تلف المبيع فلا يخلو: إما أن يكون الذي أتلفه البائع، أو المشتري، أو يكون ا لتلف بآفة سماوية، أو يتلفه أجنبي، وإليك بيان حكم كل حالة: الحالة الأولى: أن يتلف بآفة سماوية: إذا تلف المبيع بآفة سماوية، في زمن الخيار، قبل القبض انفسخ البيع؛ لأنه ينفسخ بذلك عند بقاء يده، فعند بقاء ملكه أولى. ولأن نقل الملك بعد التلف لا يمكن. وإن كان التلف بعد القبض، فإن كان الخيار للبائع انفسخ أيضًا، ويسترد المشتري الثمن، ويرجع البائع عليه بالقيمة.

стр. 2662

وإن كان الخيار لهما، أو للمشتري بقي الخيار على الأصح (١)، ولا ينفسخ العقد؛ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، فإن تم العقد: بأن أجاز المشتري البيع لزمه الثمن، وإن لم يتم العقد لزمته القيمة (٢). الحالة الثانية: أن يتلفه المشتري، ولو قبل القبض، والخيار له، أو لهما استقر عليه الثمن؛ لأنه بإتلافه المبيع قابض له، كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب (٣). الحالة الثالثة: أن يتلفه البائع، فإذا أتلفه البائع، ولو بعد القبض، فكتلفه بآفة، وتقدم حكم ما لو تلف المبيع بآفة، فلا داعي لتكرار الكلام (٤). الحالة الرابعة: أن يتلفه أجنبي، فإذا أتلفه أجنبي، وقلنا: الملك موقوف، أو للمشتري لم ينفسخ، وعلى من باشر الإتلاف الغرم، والخيار بحاله، فإن تم البيع فهي للمشتري، وإلا فاللبائع (٥).

стр. 2663

القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة بأنه إذا تلف المبيع في مدة الخيار، فلا يخلو: إما أن يكون قبل قبضه، أو بعده. فإن كان تلفه قبل قبضه، وكان مكيلًا أو موزونًا، أو معدودًا، أو مذروعًا، انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع إلا أن يتلفه المشتري فيكون من ضمانه، ويبطل خياره. وإن كان المبيع غير ذلك (١)، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فهو من ضمان المشتري. وإن كان تلفه بعد قبضه في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره على الصحيح من المذهب، وأما خيار البائع ففيه روايتان: أحدهما: يبطل، وهو الصحيح من المذهب، اختاره الخرقي، وأبو بكر، وغيرهما، وقدمه في المحرر والفائق ... والرواية الثانية: لا يبطل، وله الفسخ، والرجوع بالقيمة، أو مثله إن كان مثليًا، اختاره القاضي، وابن عقيل، وحكاه في الفصول في موضع عن الأصحاب، وقدمه في الخلاصة، والكافي، والرعايتين، والحاوي الصغير. هذا ملخص مذهب الحنابلة (٢). هذا عرض لأقوال الأئمة الأربعة مع أدلتهم، ونستطيع أن نخرج من هذا العرض بالتالي:

стр. 2664

الأول: أن المشهور في مذهب المالكية أن الضمان على البائع مطلقًا، قبضه المشتري أو لم يقبضه، وسواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما إلا أن يقبضه المشتري، والمبيع مما يغاب عليه، ولم تقم على تلفه بينة (١). وهو قول ابن أبي ليلى إذا كان الخيار للبائع فقط؛ لأنه يرى أن يد المشتري يد أمانة. الثاني: ينفرد الحنابلة بأنهم يرون أن الضمان قد يكون على المشتري، ولو لم يقبض المبيع، كما لو كان المبيع لا يحتاج إلى استيفاء، ولم يكن شراؤه عن صفة أو رؤية متقدمة، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه. الثالث: يرى الحنفية والشافعية أن تلف المبيع قبل القبض، يفسخ البيع، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، ويقيد الحنابلة ذلك بأن يكون المبيع يحتاج إلى استيفاء، من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فإن كان لا يحتاج إلى استيفاء كان من ضمان المشتري، ولو لم يقبض المبيع. الرابع: يرى الحنفية أن تلف المبيع في يد المشتري، يلزمه الضمان مطلقًا، لكن إن كان الخيار للبائع فلا يلزمه الثمن المسمى، بل يلزمه أداء قيمة المبيع، وإن كان الخيار للمشتري لزمه أداء الثمن المسمى دون القيمة. وقد بينا وجه ذلك. ويفرق الشافعية بين أن يكون التلف بآفة سماوية، وبين أن يكون التلف بسبب من المشتري، ففي الأول: يعتبرون القيمة دون الثمن، وفي الثاني: يلزمه الثمن فقط.

стр. 2665

وملخص مذهبهم: إن كان التلف بآفة سماوية، وكان ذلك بعد القبض، فإن كان الخيار للبائع يرى الشافعية أن العقد ينفسخ، ويسترد المشتري الثمن، ويرجع البائع عليه بالقيمة. وإن كان الخيار لهما، أو للمشتري بقي الخيار على الأصح، ولا ينفسخ العقد؛ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، فإن تم العقد: بأن أجاز المشتري البيع لزمه الثمن، وإن لم يتم العقد لزمته القيمة. أما إذا تلف المبيع بسبب من المشتري فإن الشافعية والحنابلة يرون أنه يلزمه الثمن مطلقًا، سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده، ولا يتعرضون للقيمة. هذا ملخص ما يمكن أن نستخلصه من أقوال الأئمة عليهم ﵀. وأضعف الأقوال عندي قول المالكية الذين يرون أن عقد البيع بشرط الخيار عقد منحل، وأن اختيار الإمضاء في العقد نقل جديد للملكية، وليس تقريرًا للعقد الأول، وبالتالي يرون أن الضمان على البائع مطلقًا، قبل القبض وبعده، وسواء كان الخيار لهما أو لأحدهما. فالصحيح أن عقد البيع بشرط الخيار هو منعقد من صدور القبول مطابقًا للإيجاب، لكنه عقد جائز في حق من له الخيار، وملزم في حق من ليس له الخيار. ولذلك فإن الحنابلة ﵏ ردوا قولهم في هذه المسألة إلى مسألة ضمان المبيع إذا تلف، ولم يروا أن هناك تأثيرًا لشرط الخيار في العقد، فلم يختلف الحكم عندهم في عقد لا خيار فيه، أو عقد فيه خيار، وهو الصواب: فالمبيع الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فإن ضمانه على بائعه حتى يستوفيه المشتري.
следующие страницы →