← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ضمان البائع مع يمين المبتاع، لقد ذهب من غير فعله، وإن كان مما يغاب عليه فهو من ضمان المبتاع إذا لم تقم بينة بضياعه. ووجه ذلك: أنه قبضه لمنفعة نفسه، مع بقائه على ملك بائعه، فأشبه الرهن» (١). القول الثالث: مذهب الشافعية: إذا تلف المبيع فلا يخلو: إما أن يكون الذي أتلفه البائع، أو المشتري، أو يكون ا لتلف بآفة سماوية، أو يتلفه أجنبي، وإليك بيان حكم كل حالة: الحالة الأولى: أن يتلف بآفة سماوية: إذا تلف المبيع بآفة سماوية، في زمن الخيار، قبل القبض انفسخ البيع؛ لأنه ينفسخ بذلك عند بقاء يده، فعند بقاء ملكه أولى. ولأن نقل الملك بعد التلف لا يمكن. وإن كان التلف بعد القبض، فإن كان الخيار للبائع انفسخ أيضًا، ويسترد المشتري الثمن، ويرجع البائع عليه بالقيمة.

стр. 2662

وإن كان الخيار لهما، أو للمشتري بقي الخيار على الأصح (١)، ولا ينفسخ العقد؛ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، فإن تم العقد: بأن أجاز المشتري البيع لزمه الثمن، وإن لم يتم العقد لزمته القيمة (٢). الحالة الثانية: أن يتلفه المشتري، ولو قبل القبض، والخيار له، أو لهما استقر عليه الثمن؛ لأنه بإتلافه المبيع قابض له، كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب (٣). الحالة الثالثة: أن يتلفه البائع، فإذا أتلفه البائع، ولو بعد القبض، فكتلفه بآفة، وتقدم حكم ما لو تلف المبيع بآفة، فلا داعي لتكرار الكلام (٤). الحالة الرابعة: أن يتلفه أجنبي، فإذا أتلفه أجنبي، وقلنا: الملك موقوف، أو للمشتري لم ينفسخ، وعلى من باشر الإتلاف الغرم، والخيار بحاله، فإن تم البيع فهي للمشتري، وإلا فاللبائع (٥).

стр. 2663

القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة بأنه إذا تلف المبيع في مدة الخيار، فلا يخلو: إما أن يكون قبل قبضه، أو بعده. فإن كان تلفه قبل قبضه، وكان مكيلًا أو موزونًا، أو معدودًا، أو مذروعًا، انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع إلا أن يتلفه المشتري فيكون من ضمانه، ويبطل خياره. وإن كان المبيع غير ذلك (١)، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فهو من ضمان المشتري. وإن كان تلفه بعد قبضه في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره على الصحيح من المذهب، وأما خيار البائع ففيه روايتان: أحدهما: يبطل، وهو الصحيح من المذهب، اختاره الخرقي، وأبو بكر، وغيرهما، وقدمه في المحرر والفائق ... والرواية الثانية: لا يبطل، وله الفسخ، والرجوع بالقيمة، أو مثله إن كان مثليًا، اختاره القاضي، وابن عقيل، وحكاه في الفصول في موضع عن الأصحاب، وقدمه في الخلاصة، والكافي، والرعايتين، والحاوي الصغير. هذا ملخص مذهب الحنابلة (٢). هذا عرض لأقوال الأئمة الأربعة مع أدلتهم، ونستطيع أن نخرج من هذا العرض بالتالي:

стр. 2664

الأول: أن المشهور في مذهب المالكية أن الضمان على البائع مطلقًا، قبضه المشتري أو لم يقبضه، وسواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما إلا أن يقبضه المشتري، والمبيع مما يغاب عليه، ولم تقم على تلفه بينة (١). وهو قول ابن أبي ليلى إذا كان الخيار للبائع فقط؛ لأنه يرى أن يد المشتري يد أمانة. الثاني: ينفرد الحنابلة بأنهم يرون أن الضمان قد يكون على المشتري، ولو لم يقبض المبيع، كما لو كان المبيع لا يحتاج إلى استيفاء، ولم يكن شراؤه عن صفة أو رؤية متقدمة، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه. الثالث: يرى الحنفية والشافعية أن تلف المبيع قبل القبض، يفسخ البيع، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، ويقيد الحنابلة ذلك بأن يكون المبيع يحتاج إلى استيفاء، من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فإن كان لا يحتاج إلى استيفاء كان من ضمان المشتري، ولو لم يقبض المبيع. الرابع: يرى الحنفية أن تلف المبيع في يد المشتري، يلزمه الضمان مطلقًا، لكن إن كان الخيار للبائع فلا يلزمه الثمن المسمى، بل يلزمه أداء قيمة المبيع، وإن كان الخيار للمشتري لزمه أداء الثمن المسمى دون القيمة. وقد بينا وجه ذلك. ويفرق الشافعية بين أن يكون التلف بآفة سماوية، وبين أن يكون التلف بسبب من المشتري، ففي الأول: يعتبرون القيمة دون الثمن، وفي الثاني: يلزمه الثمن فقط.

стр. 2665

وملخص مذهبهم: إن كان التلف بآفة سماوية، وكان ذلك بعد القبض، فإن كان الخيار للبائع يرى الشافعية أن العقد ينفسخ، ويسترد المشتري الثمن، ويرجع البائع عليه بالقيمة. وإن كان الخيار لهما، أو للمشتري بقي الخيار على الأصح، ولا ينفسخ العقد؛ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، فإن تم العقد: بأن أجاز المشتري البيع لزمه الثمن، وإن لم يتم العقد لزمته القيمة. أما إذا تلف المبيع بسبب من المشتري فإن الشافعية والحنابلة يرون أنه يلزمه الثمن مطلقًا، سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده، ولا يتعرضون للقيمة. هذا ملخص ما يمكن أن نستخلصه من أقوال الأئمة عليهم ﵀. وأضعف الأقوال عندي قول المالكية الذين يرون أن عقد البيع بشرط الخيار عقد منحل، وأن اختيار الإمضاء في العقد نقل جديد للملكية، وليس تقريرًا للعقد الأول، وبالتالي يرون أن الضمان على البائع مطلقًا، قبل القبض وبعده، وسواء كان الخيار لهما أو لأحدهما. فالصحيح أن عقد البيع بشرط الخيار هو منعقد من صدور القبول مطابقًا للإيجاب، لكنه عقد جائز في حق من له الخيار، وملزم في حق من ليس له الخيار. ولذلك فإن الحنابلة ﵏ ردوا قولهم في هذه المسألة إلى مسألة ضمان المبيع إذا تلف، ولم يروا أن هناك تأثيرًا لشرط الخيار في العقد، فلم يختلف الحكم عندهم في عقد لا خيار فيه، أو عقد فيه خيار، وهو الصواب: فالمبيع الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فإن ضمانه على بائعه حتى يستوفيه المشتري.

стр. 2666

وإن كان لا يحتاج إلى استيفاء، ولم يمنعه البائع من قبضه فإن ضمانه على المشتري، سواء كان تلفه قبل القبض أو بعده. وأن المشتري إذا أتلفه فهو من ضمانه، بصرف النظر هل كان ذلك قبل قبضه، أو بعده، والله أعلم. * * *

стр. 2667

المبحث السادس عشر أسباب انتهاء خيار الشرط الفرع الأول انتهاء خيار الشرط بالموت [م-٥١٠] اختلف العلماء في خيار الشرط، هل يورث؟ على قولين: القول الأول: لا يورث، بل إذا مات من له الخيار بطل خياره، وهو مذهب الحنفية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). القول الثاني: وذهب بعض العلماء إلى أن خيار الشرط يورث، وهو مذهب المالكية (٣)،

стр. 2668

والشافعية (١). وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى: هل الحقوق تورث كما يورث المال، أو الحقوق تسقط بموت أصحابها، ولا تدخلها النيابة؟ والمتأمل أن الحنفية فرقوا بين خيار الشرط وبين خيار العيب، فذهبوا إلى أن خيار الشرط لا يورث، وأثبتوا الميراث في خيار العيب. ووجه الفرق عندهم: أن خيار الشرط: يخير العاقد بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فالخيار لا يخرج عن كونه مشيئة وإرادة، ولا يتصور انتقاله فلا يورث، بخلاف خيار العيب، فإنه حق يلحق العين المملوكة، وهي موروثة، فالعاقد: قد استحق أن يستلم المبيع سليمًا، فكذا الوارث (٢). أما المالكية والشافعية فلم يفرقوا بين حق وحق، فذهبوا إلى أن الحقوق تورث كما يورث المال. وإذا كان هذا الحق مما تركه الميت فقد قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢] فيدخل فيه هذا الحق، فيجب أن يكون للوارث. ومن جهة القياس: أن هذا خيار ثبت لإصلاح المال، فوجب أن ينتقل بالموت إلى الوارث كخيار العيب (٣). وقد توسعنا في ذكر ما بقي من حجج القوم في مسألة: هل ينتهي خيار

стр. 2669

المجلس في موت أحد المتعاقدين، فالأدلة واحدة، وما رجح هناك يرجح هنا، بجامع أن كلًا منهما له حق في الخيار، فراجع المسألة لتطلع على زيادة أدلة، والله أعلم. * * *

стр. 2670

الفرع الثاني انتهاء خيار الشرط باختيار الفسخ [م-٥١١] كل من له شرط الخيار فله الحق في فسخ البيع في المدة المعينة للخيار، وكما يكون الفسخ بالقول صريحًا، يكون بالفعل أيضًا، وهو ما يسمى الفسخ بطريق الدلالة. أما الأول: كأن يقول من له الخيار: فسخت ا لبيع، أو نقضته، أو أبطلته، فينفسخ البيع، سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري، أو لهما. لأن الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط بطل الخيار .... ولأن الخيار: هو التخيير بين الفسخ والإجازة، فأيهما وجد سقط. وأما الثاني: وهو الفسخ بالفعل: أو الفسخ بطريق الدلالة: فهو أن يتصرف من له الخيار تصرف الملاك، كما لو تصرف البائع في المبيع إن كان الخيار له، أو تصرف المشتري في الثمن إن كان الخيار له، وكان الثمن عينًا؛ لأن تصرف البائع في المبيع، وتصرف المشتري في الثمن إذا كان عينًا دليل على إبقاء الملك وإثباته، فالإقدام عليه يبطل خياره تحقيقًا لغرضه (١). ومن الفسخ عن طريق الدلالة ما نقلناه سابقًا عن الصيرمي، حيث يقول: «وقول البائع في زمن الخيار: لا أبتاع حتى يزيد في الثمن، مع قول المشتري: لا أفعل، يكون فسخًا. وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى ينقص

стр. 2671

عني من الثمن، مع قول البائع: لا أفعل. وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، كل هذا فسخ» (١). وهذا الأمر بين واضح؛ لأن الخيار يفقد معناه وموضوعه إذا لم يعط حق الفسخ لصاحبه، والله أعلم. * * *

стр. 2672

مسألة في افتقار الفسخ إلى حضور صاحبه أو أذنه أو إلى حكم قاض [م-٥١٢] اختلف الفقهاء في العاقد إذا كان له الخيار، واختار الفسخ، هل يشترط حضور صاحبه، أو إذنه أو حكم القاضي؟ على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره أبو يوسف من الحنفية (٤)، إلى أن فسخ العقد في مدة الخيار لا يتوقف على رضاء الآخر ولا على حضوره، ولا حكم قاض. إلا أن المالكية قالوا: إن كان المبيع بيد البائع، والخيار له لم يحتج إن أراد الفسخ إلى الإشهاد، وإن أراد إمضاء البيع فليشهد. وإن كان المبيع بيد المشتري، فأراد إمضاء البيع فلا يحتاج إلى الإشهاد، وإن

стр. 2673

أراد فسخه فليشهد (١). القول الثاني: قال أبو حنيفة ومحمد: إن أجاز العقد صح، وإن فسخ فإن كان ا لفسخ بالفعل كان له ذلك، ولو مع غيبة صاحبه (٢)، وإن كان فسخه بالقول فليس له ذلك إلا بمحضر الآخر (٣). وخرج أبو الخطاب الحنبلي ومن تبعه من عزل الوكيل: أنه لا يفسخ في غيبته حتى يبلغه في المدة (٤). والمقصود بمحضر الآخر: أي بعلمه، فإذا فسخ العقد بدون علمه لم ينفسخ. قال في البحر: «والمراد: بالغيبة: عدم علمه، والمراد بالحضرة علمه، فلو فسخ في غيبته، فبلغه في المدة تم الفسخ، لحصول العلم به، ولو بلغه بعد مضي المدة، تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ» (٥).

стр. 2674

وجه قول الجمهور: أنه لا يشترط حضوره: الوجه الأول: أن العاقدين لما اتفقا على اشتراط الخيار كان ذلك منهما اتفاقًا على حق الفسخ لمن له الخيار، فلا يحتاج إلى إذن، ولا حضور، ولا حكم قضاء. الوجه الثاني: إذا كان فسخ العقد لا يتوقف على رضا الطرف الآخر، لم يتوقف الفسخ على حضوره أيضًا. الوجه الثالث: أن موجب الخيار: الفسخ أو الإجازة. وفي الإجازة لا يشترط حضور الآخر بالإجماع، فكذا الفسخ بل أولى ; لأن الخيار إنما شرط للفسخ لا للنفاذ، إذ النفاذ ثابت بدون الخيار، وبالاتفاق على اشتراط الخيار صار العاقد مسلطًا على الفسخ من جهته، ولهذا لا يشترط رضا الطرف الآخر (١). وجه قول أبي حنيفة وصاحبه: أن الفسخ بدون علم صاحبه يلزم منه وقوع الضرر على صاحبه؛ لأنه ربما يعتمد تمام البيع السابق، فيتصرف فيه، فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع، أو لا يطلب لسلعته مشتريًا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا نوع ضرر، فيتوقف على علمه، وصار كعزل الوكيل يتطلب علمه بذلك، بخلاف الإجازة؛ لأنه لا ضرر فيها على صاحبه، إذ هو موافق له فيها (٢).

стр. 2675

فكل ما فيه إلزام على الغير لا يثبت بدون علمه، فإذا اختار العاقد الفسخ فإنه يلزم غيره حكمًا جديدًا لم يكن، فلا يثبت حكم تصرفه في حق ذلك الغير ما لم يعلم به. وأجيب: القول بأنه يخبره حتى لا يتصرف في المبيع، فالأصل أنه ممنوع من التصرف زمن الخيار؛ لأن تصرفه يؤدي إلى إسقاط حق صاحبه، وهذا لا يجوز. وأما القياس على عزل الوكيل فهو قياس مع الفارق، فإن الموكل قد سلط على التصرف بإذن من الوكيل، فعزله خلاف الأصل، فيتوقف عزله على علمه; كما أن العبد له أن يعمل بالحكم المنسوخ قبل علمه بالناسخ، بخلاف شرط الخيار فليس له أن يعتبر العقد لازمًا في زمن الخيار. وبخلاف خيار العيب كذلك ; لأن المشتري هناك غير مسلط على الفسخ وإنما له حق المطالبة بتسليم الجزء الفائت فإذا تحقق عجز البائع عنه، تمكن من الفسخ فلا يتحقق عجزه إلا بمحضر منه (١). الراجح: أرى أن قول الجمهور هو الراجح، وتفريق أبي حنيفة ومحمد عليهما رحمة الله بين الإجازة والفسخ، وبين الفسخ بالفعل والفسخ بالقول لا دليل عليه، وهو يشير إلى أنه من قبيل الرأي المحض. * * *

стр. 2676

الفرع الثالث انتهاء خيار الشرط بالإجازة [م-٥١٣] الأصل لزوم البيع، وجوازه عارض إنما هو من أجل الخيار، فإذا أجاز البيع من له الخيار فقد لزم البيع، وبطل خياره، وهذا مذهب الجمهور. والإجازة منها ما هو صريح، ومنها ما هو بطريق الدلالة: فالصريح: أن يقول من له الخيار: أجزت البيع، أو أوجبته، أو أسقطت الخيار، أو أبطلته، ونحو ذلك. وأما الإجازة بطريق الدلالة، وهو أن يتصرف من له الخيار بالعوض الذي انتقل إليه تصرف الملاك، فإذا تصرف البائع في الثمن، وكان الخيار له وحده، كان هذا منه دليلًا على إجازة البيع، فالإقدام على هذا التصرف يكون إجازة للبيع دلالة. وإن تصرف البائع في المبيع كان هذا منه دليلًا على فسخ البيع. ومثله تصرف المشتري في المبيع إذا كان الخيار له وحده فإنه دليل على إجازة البيع، كما أن تصرفه في الثمن دليل على فسخ البيع .. ومن هذه التصرفات عرضه للبيع، والمساومة، والهبة إذا لم يتصل بها قبض، والرهن، واستعمال المبيع في غير تجربته؛ لأن جواز هذه التصرفات يعتمد الملك، فالإقدام عليها يكون دليل قصد التملك، هذا ما ذهب إليه الجمهور (١).

стр. 2677

كما أن تصرف أحد العاقدين مع الآخر، أو بإذنه في أحد العوضين، أو فيهما مسقط لخيارهما (١). دليل الجمهور: ما جاء عن ابن عمر أن الأمة إذا عتقت، فلها أن تختار زوجها العبد، ولها أن تنفصل عنه، فإن غشيها برضاها فقد بطل خيارها؛ لأن هذا منها اختيار بالفعل، وقد روي مثل هذا في قصة عتق بريرة إلا أنه مرسل (٢). (ث-٨٤) روى ابن أبي شيبة قال:، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع. عن ابن عمر، قال: إذا قربها، فلا خيار لها، قد أقرت (٣). [إسناده صحيح]. (ث-٨٥) وروى أيضًا من طريق قتادة، أن حفصة زوج النبي ﷺ أعتقت

стр. 2678

جارية لها، فقالت: إن وطئك زوجك فلا خيار لك (١). [قتادة عن حفصة مرسل، قال أحمد: ما أعلم قتادة سمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا من أنس بن مالك] (٢). القول الثاني: إن كان الخيار للبائع، فكل شيء يفعله مما لو فعله المشتري كان رضًا، فهو إذا فعله البائع يعتبر ردًا للبيع إلا الإجارة (٣). وجه هذا القول: إذا صدر من البائع تصرفًا لو تصرفه المشتري لأسقط خياره كان ردًا للبيع كما لو رهن المبيع، أو استغله، إلا الإجارة فإنه لو أجر البائع المبيع لم يعتبر ردًا للبيع؛ لأن المالكية يرون أن غلة المبيع ملك للبائع وقت الخيار؛ فالإجارة استغلال لحقه فلا تعتبر عندهم ردًا للبيع، ولأن عقد الخيار كما قدمنا: عقد منحل عندهم حتى ينبرم. القول الثالث: اختار الشافعية في أصح الوجهين أن عرض السلعة للبيع، والتوكيل فيه، والرهن، والهبة إذا لم يتصل بها قبض، وتقبيل الجارية، أن ذلك ليس فسخًا، ولا إجازة (٤).

стр. 2679

والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، لقوة دليلهم وتعليلهم، والله أعلم. * * *

стр. 2680

الفرع الرابع انتهاء الخيار بانتهاء المدة إذا انقضت مدة الخيار ولم يفسخ من له الخيار لزم البيع، وهذا مذهب الجمهور، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه. وقد خالف بعض الفقهاء في مسألتين: المسألة الأولى: في دخول الغاية في شرط الخيار، فإذا اشترط الخيار إلى الغد، أو إلى الليل، أو إلى الظهر، فهل يدخل الغد والليل، والظهر، أو لا يدخلون. المسألة الثانية: إذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ من له الخيار، فهل له الرد بعد انقضاء المدة بيوم أو يومين، أوليس له الرد؟ وسوف نعرض لكل مسألة من هاتين المسألتين على انفراد، ونبين فيها قول المخالف، ودليله، والجواب عنه إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2681

المسألة الأولى في دخول الغاية في شرط الخيار [م-٥١٤] اختلف العلماء في دخول الغاية في شرط الخيار، فإذا شرط الخيار إلى الليل، أو إلى الغد، أو إلى الظهر، هل يدخل الليل، أو الغد، أو الظهر؟ على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة: إلى أن الليل والغد والظهر تدخل (١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). القول الثاني: ذهب الجمهور إلى أن الغاية لا تدخل، واختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٣). وجه قول أبي حنيفة: استدل الكاساني لقول أبي حنيفة بقوله: «إن الغايات منقسمة: غاية إخراج،

стр. 2682

وغاية إثبات، فغاية الإخراج تدخل تحت ما ضربت له الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] والغاية هاهنا في معنى غاية الإخراج، ألا ترى أنه لو لم يذكر الوقت أصلًا لاقتضى ثبوت الخيار في الأوقات كلها حتى لم يصح؛ لأنه يكون في معنى شرط خيار مؤبد، بخلاف التأجيل إلى غاية، فإنه لولا ذكر الغاية لم يثبت الأجل أصلًا، فكانت الغاية غاية إثبات، فلم تدخل تحت ما ضربت له الغاية» (١). فيقصد من قوله: (غاية إخراج) أن اليد لو لم يقل: إلى المرافق لدخلت اليد كلها في الغسل، فيكون الغرض من قوله إلى المرافق غاية إخراج: أي إخراج جزء من اليد عن حكم الغسل. وأما غاية الإثبات فقد ضرب لها المؤلف مثالًا بالأجل، وهو واضح. واستدل القدوري لقول أبي حنيفة بقوله: «لنا أن الغاية فيه احتمال، قد يدخل في الكلام تارة، ولا يدخل أخرى، والعقد لا يتعلق به استحقاق، وإنما يبرم بمضي مدة الخيار، فلم يجز لنا إلزام صاحب الخيار بالعقد بالشك» (٢). وجه قول الجمهور: احتجوا بأن أهل اللغة مجمعون على أن لفظ (من) لابتداء الغاية، ولفظ (إلى) لانتهاء الغاية. والراجح في هذه المسألة أنه إن كان هناك عرف عمل به، فإن كان العرف في البلد يدخل الغاية عمل به، لأن العقود تجري بما يتعارف عليه الناس.

стр. 2683

قال ابن مفلح: ويتوجه تقديم العرف في الأصح (١). وإن لم يكن هناك عرف فقول الجمهور أرجح من قول أبي حنيفة ﵀، ولذلك اختارت مجلة الأحكام العدلية رأي أبي يوسف ومحمد. جاء في المادة (٣٠٥): «إذا مضت مدة الخيار، ولم يفسخ أو لم يجز من له الخيار لزم البيع، وتم».

стр. 2684

المسألة الثانية إذا اختار الفسخ بعد انتهاء مدة الخيار بيوم أو يومين [م-٥١٥] إذا اختار العاقد الفسخ بعد انتهاء مدة الخيار بيوم أو يومين، فهل يملك ذلك؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ليس له الفسخ، وهذا مذهب الجمهور (١). القول الثاني: له الرد بعد انقضاء المدة بيوم أو يومين، وليس له الرد بأكثر من هذا، سواء كانت المدة المحددة بالنص عليها والاتفاق، وذلك فيما إذا ضربا للخيار أجلًا، أو بمضي المدة المقررة لكل سلعة بحسبها على ما تقدم إذا لم يضربا لها أجلًا،

стр. 2685

وهذا مذهب المالكية (١). وجه قول الجمهور: أن الأصل لزوم العقد، وإنما خولف ذلك لوجود الشرط، فإذا انتهى الشرط رجع العقد إلى اللزوم، فليس له رد المبيع. ولأن الخيار لا يثبت إلا بالشرط، وهذا متفق عليه، فإذا كان كذلك لم يبق الخيار أكثر من مدته المشروطة. وجه قول المالكية: احتج المالكية بالقاعدة التي تقول: «ما قارب الشيء له حكمه» (٢).

стр. 2686

قال ابن رشد: «هذه القاعدة كثيرًا ما يذكرها الفقهاء، ولم أجد دليلًا يشهد لعينها، فأما إعطاؤه حكم نفسه، فهو الأصل، وأما إعطاؤه حكم ما قاربه، فإن كان مما لا يتم إلا به، كإمساك جزء من الليل، فهذا يتجه، وإن كان على خلاف ذلك، فقد يحتج له بحديث: مولى القوم منهم، وبقوله ﵇: المرء مع من أحب ... » (١). واستدل لهذه القاعدة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان بقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]. قال الشيخ: «ظاهره أن الإمساك بمعروف إذا بلغن أجلهن مع أنهن إذا بلغن إلى ذلك الحد خرجن من العدة، وانتهى وجه المراجعة، ولكن المراد هنا: إذا قاربن أجلهن، ولم يتجاوزنه، أو يصلن إليه بالفعل، والقاعدة: أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]. ومثل الآية: الحديث في قوله ﷺ : إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، مع أنه عند الإتيان، أو أثنائه لا يحق له أن يقول ذلك، وإنما يقوله إذا قارب دخوله» (٢). «ومن جهة الاعتبار: أن إلحاق ما قارب الشيء به دليل على أن هذا الشيء ليس تحديدًا، بل اجتهادًا مقاربًا، فهو من منزلة العفو، وباب التقديرات الاجتهادية، لا من تحديدات الشرع» (٣).

стр. 2687

الراجح: قول الجمهور ويقال جوابًا على ما ذكره المالكية: إن المدة إذا حددت بالاتفاق يكون الخروج على تلك المدة مخالفًا لما اتفق عليه، فإن الأجل إما أن يعرف بالشرع، فلا يجوز الزيادة عليها؛ لأن ذلك استدراك على الشارع، كتوقيت المسح يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، وكصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وإما أن يعرف ذلك بالاتفاق، فيكون الخروج عن ذلك الاتفاق مخالفًا لمقتضى الشرط، وعلى أضعف تقدير: أن تكون المدة المنصوصة يقينًا دون الزائد، وإنما يؤخذ بالمتيقن، والله أعلم. * * *

стр. 2688

الفرع الخامس في انتهاء خيار الشرط بالجنون والإغماء [م-٥١٦] اختلف الفقهاء في انتهاء خيار الشرط بالجنون والإغماء، إلى أقوال: القول الأول: أن الجنون والإغماء لا يبطل الخيار، فإذا أفاق فهو على خياره، وإن مضت مدة الخيار، ولم يفق فقد لزم البيع. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (١). لأن خيار الشرط مؤقت، ولا يبقى بعد مضي وقته، وقد عجز عن الفسخ في مدته، فيلزم البيع. ولا يثبت الخيار لوليه؛ لأن الرغبة في المبيع وعدمها لا تعلم إلا من جهته. وإن أفاق في مدة الخيار كان على خياره، لإمكان الفسخ والإجازة، وكذا لو بقي نائمًا في آخر مدة الخيار حتى مضت، سقط الخيار. القول الثاني: فرق المالكية بين المغمى عليه، وبين الجنون: فإن جن من له الخيار، فإن السلطان ينظر له، أو يوكل من ورثته من ينظر له في الأصلح من إمضاء أو رد.

стр. 2689

وأما إذا أغمي عليه، فتنتظر إفاقته، فإن طال إغماؤه بعد مضي زمنه بما يحصل به الضرر للآخر، فسخ السلطان البيع، وليس له أن يمضيه (١). وجه التفريق بين الجنون والإغماء: لعل وجه التفريق: أن الجنون يفقد فيه الإنسان الأهلية، فينظر له السلطان في الأصلح نيابة عنه، وأما الإغماء فهو نوع من المرض، لا يفقد فيه الإنسان أهليته، فلا ينوب عنه أحد، ولكن الضرر يزال. القول الثالث: مذهب الشافعية: لا يختلف قول الشافعية في هذه المسألة عنها في خيار المجلس فإذا جن أو أغمي عليه من له الخيار انتقل الخيار إلى الناظر في ماله، فيقوم مقامه (٢). لأن هذا حق مالي، والخيار ثبت لإصلاح المال، وقد تعذر على الإنسان قيامه بذلك حال الجنون والإغماء، فيقوم الناظر في ماله نيابة عنه. الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن مذهب الشافعية هو أعدل الأقوال في هذه المسألة، والحنفية والحنابلة أرادوا طرد قولهم في أن هذا الحق لا ينتقل بالموت إلى الورثة، وإذا كان ذلك كذلك لم ينتقل حال الجنون والإغماء من باب أولى، وقد رجحنا في مسألة الميت انتقال الحق إلى الورثة، فكذلك هنا. والتفريق بين الجنون والإغماء ليس ظاهرًا لي من حيث التكليف، فإن المغمى عليه قد غطي على عقله، ولا يستطيع رفعه، فليس كالنوم، ولذلك الراجح أن من أغمي عليه لا يطالب في قضاء الصلوات حال الإغماء،

стр. 2690

(ث-٨٦) وقد روى مالك عن نافع، عن ابن عمر أنه أغمي فلم يقض الصلاة. وهذا سند صحيح عن ابن عمر ﵁ (١). * * *

стр. 2691

المبحث السابع عشر ضوابط مهمة في خيار الشرط والمجلس في نهاية بحث خيار المجلس وخيار الشرط نذكر بعض الفوائد والضوابط والقواعد المتعلقة بهذا الباب، لتلخص لنا المباحث السابقة. - الخيار يمنع لزوم العقد، ولا يمنع انتقال الملك على الصحيح، وهذا يعني أن ملك المبيع للمشتري، وملك الثمن للبائع زمن الخيار. ويتفرع على ذلك أن ما يحصل من غلات المبيع ونمائه منفصلًا أو متصلًا في مدة الخيار فهو للمشتري. - الخيار الثابت بمقتضى الشرع لا يضر جهالة زمنه، كخيار المجلس، وخيار الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة، بخلاف خيار الشرط، فإنه يتعلق بشرطهما، فاشترط بيانه. - خيار الشرط حق يثبت باشتراط المتعاقدين لهما، أو لأحدهما، أو لغيرهما، يخول من يشترط له إمضاء العقد أو فسخه خلال مدة معلومة، ويسمى الخيار الشرطي. وخيار المجلس حق يثبت بالشرع بمقتضى العقد، لا يتوقف قيامه على اتفاق، أو اشتراط، ويسمى الخيار الحكمي. - اشتراط الخيار المتقدم على العقد كالمقارن للعقد في الحكم، وأما بعد لزوم العقد فهو اتفاق جديد مستأنف لا يلزم إلا بالتراضي. - يتم اشتراط الخيار بكل ما يدل عليه.

стр. 2692

- البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف، وبيع الطعام بالطعام، أو يشترط فيها قبض أحد العوضين كالسلم، لا يجوز فيها خيار الشرط، مع أن خيار المجلس يثبت فيها. - لا يجب تسليم البدلين (المبيع أو الثمن) في عقد البيع بشرط الخيار، ولكن يجوز قيام أحد العاقدين أو كليهما بالتسليم طواعية لا سيما بهدف التجربة والاختبار. - نماء المبيع في مدة الخيار للمشتري إن كان قد دخل في ضمانه. - إذا كان الخيار للمشتري وحده فإن تصرفاته، من بيع وإجارة ونحو ذلك، تصرفات صحيحة ناقلة للملك مسقطة للخيار. - تصرف البائع في الثمن - إذا كان الخيار له وحده - دليل على إجازة البيع، وتصرفه في المبيع دليل على فسخ البيع. وتصرف المشتري في المبيع - إذا كان الخيار له وحده - دليل على إجازة البيع، وتصرفه في الثمن دليل على فسخ البيع. - يسقط الخيار ويصبح العقد باتًا بمجرد انقضاء مدة الخيار إذا لم يصدر من المشتري فسخ العقد أو التصرف في السلعة. - الخيار يسقط بالصريح وبالدلالة على الإسقاط وإن لم يكن صريحًا. - من ثبت له خيار الشرط كان له الفسخ في حضرة صاحبه، وفي غيبته. * * *

стр. 2693

الفصل الثالث من خيارات التروي خيار الرؤية المبحث الأول تعريف خيار الرؤية تعريف خيار الرؤية: سبق لنا تعريف الخيار في أول الباب أما لفظ (خيار الرؤية) فهو من المركب الإضافي، والرؤية، مصدر للفعل رأى يرى ومعناه لغة: النظر بالعين وبالقلب. أما خيار الرؤية اصطلاحا: فهو حق يثبت به للمتملك الفسخ أو الإمضاء عند رؤية محل العقد المعين الذي عقد عليه ولم يره (١). فعلم من هذا أن الخيار هو في شراء شيء معين غائب لم يسبق له رؤية. وقولنا: في شراء شيء معين: المقصود به ما ينعقد العقد على عينه، لا على مثله، أو على وصفه وهو مقابل للدين. فالمبيع الغائب تارة يتعلق بشيء موصوف في الذمة، فيكون من قبيل بيع السلم، حالًا كان أو مؤجلًا، وهذا لا يحق للمشتري أن يفسخ العقد بخيار الرؤية بحجة أن البائع أعطاه شيئًا لم يكن مطابقًا للموصوف؛ لأن المبيع لم يتعين في عين ذلك الشيء المدفوع، وإنما تعلق بذمة البائع، ولم يتعلق بشيء معين، فيبقى العقد قائمًا، ويلزم البائع بدفع سلعة مطابقة للصفة المتفق عليها.

стр. 2694

وتارة يكون المبيع الغائب متعلقًا بشيء معين، فلا يقال له بأنه سلم، ولكن يقال له: غائب، وهذا الغائب: إما أن يكون قد شاهده البائع، ولم يمض على الرؤية وقت يخشى عليه من التغير، فهذا غير مقصود في هذا الباب. وإما أن يكون المبيع المعين موصوفًا لم يره المشتري، وإنما وصف له، وهذا هو المقصود في هذا البحث. ومن هنا يتبين علاقة هذا الخيار بالخلاف في بيع السلعة المعينة الغائبة التي لم يسبق لها رؤية، فالقول بخيار الرؤية إيجابًا ونفيًا مرتبط كل الارتباط بجواز بيع الغائب المعين صحة وفسادًا. فالذين منعوا بيع الشيء المعين إذا كان غائبًا لا يثبتون خيار الرؤية، والذين أجازوه لم يمنعوا من ثبوت هذا الخيار كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والمراد بالرؤية في قولنا: خيار الرؤية، العلم بالمبيع، فإذا حصل له العلم بالمبيع سواء كان ذلك عن طريق الرؤية مما يدرك بالرؤية، أو كان ذلك عن طريق الحواس مما يدرك بالحواس، كالشم، واللمس، والذوق وإن لم يره بعينه، فإذا حصل له العلم بالمبيع بأحد حواسه لم يثبت له خيار عند رؤيته (١)، وقد تكلمنا فيما سبق في شراء الأعمى، ورجحنا صحة شرائه، لكونه قد يحصل له العلم بالمبيع بدون رؤية. كما أن الغائب يشمل ما كان غائبًا عن مجلس العقد، أو حاضرًا فيه لكنه مستور.

стр. 2695

وخرج بقولنا: (لم يسبق له رؤية) ما لو رأى بعضه، وكانت رؤية بعضه تدل على رؤية الباقي كما لو كان مثليًا، فإنه لا يثبت له خيار، لأن العلم به يحصل برؤية بعضه، فإن كان ما رآه لا يفيد العلم بحال الباقي كما لو كان المبيع من أعيان مختلفة فله الخيار؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم ير شيئًا أصلًا (١). وأكثر المذاهب تفصيلًا لهذا الخيار هو مذهب الحنفية، وبالتالي سوف نسوق أحكام هذا الخيار من خلال تفريعات الحنفية، باعتبار أنهم أكثر المذاهب تفصيلًا لهذا الخيار، وتبيانًا له. وجعلنا هذا النوع من الخيار قسمًا من خيار الرؤية باعتبار أن هذا الخيار يثبت بحكم الشرع، فحقيقته عند الحنفية لمطلق التروي، لا لتحاشي الضرر، أو الخلف في الوصف، غايته: أن ينظر المشتري أيصلح له أم لا؟ (٢). * * *

стр. 2696

المبحث الثاني العقود التي يدخلها خيار الرؤية [م-٥١٧] هذا البحث إنما يتأتى على مذهب من يقول بخيار الرؤية كالحنفية، والمالكية، بخلاف مذهب الشافعية والحنابلة الذين لا يقولون بثبوت خيار الرؤية. الأول: مذهب الحنفية: نص الحنفية على أن خيار الرؤية لا يختص بالبيع، بل يجري في كل عقد محتمل للفسخ يتملك به عين كالإجارة، والقسمة، والصلح عن دعوى المال على عين، ونحوها، لذلك قالوا يثبت خيار الرؤية في أربعة أشياء: الأول: يثبت الخيار في البيع الصحيح دون الفاسد فلا يثبت فيه خيار الرؤية، لوجوب فسخه بدون خيار الرؤية (١). فيثبت الخيار للمشتري في صور منها: (أ) أن يشتري الشخص سلعة لم يرها. (ب) ومنها: أن يرى بعض ما اشتراه صفقة واحدة من أشياء متفاوتة، فإن رأى بعض ما اشتراه من أشياء متماثلة لم يكن له خيار؛ لأن رؤية بعضه تغني عن رؤية الباقي. (ج) ومنها: أن يشتري الأعمى شيئًا لا يعرف وصفه. أما البائع فلا يثبت له الخيار إلا إذا كان الثمن عينًا، فإن كان الثمن في الذمة

стр. 2697

كما لو كان دراهم أو دنانير حتى ولو تعينت على القول بأنها تتعين بالتعيين فلا خيار له (١). الثاني: في الإجارة . يثبت خيار الرؤية في إجارة العين إذا لم يسبق لها رؤية. الثالث: في قسمة في غير المثليات . يثبت خيار الرؤية في قسمة غير المثليات سواء كانت القسمة في أجناس مختلفة، أو كانت في نوع واحد كالحيوانات، أما قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات فلا يثبت فيها خيار الرؤية إذا كانت غير معينة، فإن كانت معينة فإنها من الأعيان يجري فيها خيار الرؤية. الرابع: الصلح عن دعوى المال على شيء بعينه (٢). ولا يثبت خيار الرؤية في أمور: أحدها: الديون. الثاني: النقد. الثالث: ما قبل رؤية المبيع. الرابع: إذا رأى المشتري بعض المبيع، وكان مثليًا، أو رأى غرفة من الدار، وكانت غرفها متماثلة، أو كان المبيع مما يعلم باللمس، أو الشم، أو الذوق، بعد لمسه، أو شمه، أو ذوقه. وقد وضع بعض الحنفية ضابطًا لما يدخله خيار الرؤية، فقال: «يثبت خيار الرؤية في كل عين ملكت بعقد، يحتمل الفسخ كالشراء» (٣).

стр. 2698

فقولنا: (في كل عين) أخرج المسلم فيه، فإن وجوبه في الذمة. وقد سبق الكلام عليه. وأما رأس مال السلم فإن كان من الأثمان الخالصة فلا يثبت فيه خيار الرؤية، وإن كان من الأعيان فإنه يثبت فيه الخيار، لأن الأثمان الخالصة، كالدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين على الصحيح فيكون وجوبها بالذمة. وقولهم: (يحتمل الفسخ) أخرج بذلك المهر، وبدل الخلع، والصلح عن القصاص، فإنه لا يدخلها خيار الرؤية، ولو كانت أعيانًا لعدم قبولها الفسخ؛ ولأن الرد لما لم يوجب الانفساخ بقي العقد قائمًا وقيامه يوجب المطالبة بالعين لا بما يقابلها من القيمة فلو كان له أن يرده كان له أن يرده أبدا (١). هذا ملخص مذهب الحنفية في العقود التي يدخلها خيار الرؤية. القول الثاني: مذهب المالكية: لم أقف على نص في كتب المالكية عن العقود التي يثبت فيها خيار الرؤية، وكلام المالكية عن خيار الرؤية إنما ذكروه في عقد البيع إذا بيع بلا وصف، ولا رؤية، وهم لا يثبتون خيار الرؤية إلا إذا كان مشروطًا في صلب العقد، وإذا كان الأمر كذلك فهو عندهم بمنزلة خيار الشرط، لهذا يمكن القول: إن خيار الرؤية حكمه عند المالكية حكم خيار الشرط، وقد سبق بحث العقود التي يدخلها خيار الشرط عند المالكية عند الكلام على خيار الشرط. وقد جاء في منح الجليل: «هل تجوز مساقاة الغائب بلا وصف وبلا رؤية سابقة بشرط خيار العامل بالرؤية كالبيع وهو الظاهر ويؤخذ من تشبيهها فيها بالبيع» (٢).

стр. 2699

فحين أجاز خيار الرؤية في عقد المساقاة للغائب، قال: قياسًا على البيع؛ لأنها تشبه البيع باعتبار ذلك عقد معاوضة. * * *

стр. 2700

المبحث الثالث شروط خيار الرؤية الشرط الأول عدم رؤية المبيع [م-٥١٨] يشترط لثبوت خيار الرؤية عند الحنفية: عدم رؤية المبيع، فإن اشترى المبيع، وهو يراه فلا خيار له؛ لأن الأصل لزوم العقد وانبرامه (١). وقيد الحنفية الرؤية أن تكون بقصد الشراء، فإن رأى شخص مالًا ولم يقصد برؤيته شراءه، ثم اشتراه بعد ذلك ثبت له الخيار، وعللوا ذلك: بأن الرؤية إذا لم تكن بقصد الشراء فلا تستوفى. وكذلك إذا رآه بقصد الشراء، ثم اشتراه، وهو لا يعلم أنه المال الذي رآه، كان مخيرًا، كما لو رأى المشتري سراويل بقصد شرائها، ثم ا شتراها بعد مدة في صوانه الذي يحفظ فيه، ولم يعلم أن هذا هو عين ما رآه، فإن له الخيار (٢). ويشترط المالكية مع عدم الرؤية: شرطين آخرين: ألا يوصف أيضًا، وأن يشترط الخيار في صلب العقد، كما بينا سابقًا في الخلاف في مشروعية خيار الرؤية. فإن كان المشتري لم يره وقت الشراء، ولكن قد رآه قبل ذلك، فإن كان لم يتغير عن حاله التي رآه عليها فلا خيار له؛ لأن العلم بالمبيع قد حصل بالرؤية السابقة.
следующие страницы →