← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

المبحث الثاني العقود التي يدخلها خيار الرؤية [م-٥١٧] هذا البحث إنما يتأتى على مذهب من يقول بخيار الرؤية كالحنفية، والمالكية، بخلاف مذهب الشافعية والحنابلة الذين لا يقولون بثبوت خيار الرؤية. الأول: مذهب الحنفية: نص الحنفية على أن خيار الرؤية لا يختص بالبيع، بل يجري في كل عقد محتمل للفسخ يتملك به عين كالإجارة، والقسمة، والصلح عن دعوى المال على عين، ونحوها، لذلك قالوا يثبت خيار الرؤية في أربعة أشياء: الأول: يثبت الخيار في البيع الصحيح دون الفاسد فلا يثبت فيه خيار الرؤية، لوجوب فسخه بدون خيار الرؤية (١). فيثبت الخيار للمشتري في صور منها: (أ) أن يشتري الشخص سلعة لم يرها. (ب) ومنها: أن يرى بعض ما اشتراه صفقة واحدة من أشياء متفاوتة، فإن رأى بعض ما اشتراه من أشياء متماثلة لم يكن له خيار؛ لأن رؤية بعضه تغني عن رؤية الباقي. (ج) ومنها: أن يشتري الأعمى شيئًا لا يعرف وصفه. أما البائع فلا يثبت له الخيار إلا إذا كان الثمن عينًا، فإن كان الثمن في الذمة

стр. 2697

كما لو كان دراهم أو دنانير حتى ولو تعينت على القول بأنها تتعين بالتعيين فلا خيار له (١). الثاني: في الإجارة . يثبت خيار الرؤية في إجارة العين إذا لم يسبق لها رؤية. الثالث: في قسمة في غير المثليات . يثبت خيار الرؤية في قسمة غير المثليات سواء كانت القسمة في أجناس مختلفة، أو كانت في نوع واحد كالحيوانات، أما قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات فلا يثبت فيها خيار الرؤية إذا كانت غير معينة، فإن كانت معينة فإنها من الأعيان يجري فيها خيار الرؤية. الرابع: الصلح عن دعوى المال على شيء بعينه (٢). ولا يثبت خيار الرؤية في أمور: أحدها: الديون. الثاني: النقد. الثالث: ما قبل رؤية المبيع. الرابع: إذا رأى المشتري بعض المبيع، وكان مثليًا، أو رأى غرفة من الدار، وكانت غرفها متماثلة، أو كان المبيع مما يعلم باللمس، أو الشم، أو الذوق، بعد لمسه، أو شمه، أو ذوقه. وقد وضع بعض الحنفية ضابطًا لما يدخله خيار الرؤية، فقال: «يثبت خيار الرؤية في كل عين ملكت بعقد، يحتمل الفسخ كالشراء» (٣).

стр. 2698

فقولنا: (في كل عين) أخرج المسلم فيه، فإن وجوبه في الذمة. وقد سبق الكلام عليه. وأما رأس مال السلم فإن كان من الأثمان الخالصة فلا يثبت فيه خيار الرؤية، وإن كان من الأعيان فإنه يثبت فيه الخيار، لأن الأثمان الخالصة، كالدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين على الصحيح فيكون وجوبها بالذمة. وقولهم: (يحتمل الفسخ) أخرج بذلك المهر، وبدل الخلع، والصلح عن القصاص، فإنه لا يدخلها خيار الرؤية، ولو كانت أعيانًا لعدم قبولها الفسخ؛ ولأن الرد لما لم يوجب الانفساخ بقي العقد قائمًا وقيامه يوجب المطالبة بالعين لا بما يقابلها من القيمة فلو كان له أن يرده كان له أن يرده أبدا (١). هذا ملخص مذهب الحنفية في العقود التي يدخلها خيار الرؤية. القول الثاني: مذهب المالكية: لم أقف على نص في كتب المالكية عن العقود التي يثبت فيها خيار الرؤية، وكلام المالكية عن خيار الرؤية إنما ذكروه في عقد البيع إذا بيع بلا وصف، ولا رؤية، وهم لا يثبتون خيار الرؤية إلا إذا كان مشروطًا في صلب العقد، وإذا كان الأمر كذلك فهو عندهم بمنزلة خيار الشرط، لهذا يمكن القول: إن خيار الرؤية حكمه عند المالكية حكم خيار الشرط، وقد سبق بحث العقود التي يدخلها خيار الشرط عند المالكية عند الكلام على خيار الشرط. وقد جاء في منح الجليل: «هل تجوز مساقاة الغائب بلا وصف وبلا رؤية سابقة بشرط خيار العامل بالرؤية كالبيع وهو الظاهر ويؤخذ من تشبيهها فيها بالبيع» (٢).

стр. 2699

فحين أجاز خيار الرؤية في عقد المساقاة للغائب، قال: قياسًا على البيع؛ لأنها تشبه البيع باعتبار ذلك عقد معاوضة. * * *

стр. 2700

المبحث الثالث شروط خيار الرؤية الشرط الأول عدم رؤية المبيع [م-٥١٨] يشترط لثبوت خيار الرؤية عند الحنفية: عدم رؤية المبيع، فإن اشترى المبيع، وهو يراه فلا خيار له؛ لأن الأصل لزوم العقد وانبرامه (١). وقيد الحنفية الرؤية أن تكون بقصد الشراء، فإن رأى شخص مالًا ولم يقصد برؤيته شراءه، ثم اشتراه بعد ذلك ثبت له الخيار، وعللوا ذلك: بأن الرؤية إذا لم تكن بقصد الشراء فلا تستوفى. وكذلك إذا رآه بقصد الشراء، ثم اشتراه، وهو لا يعلم أنه المال الذي رآه، كان مخيرًا، كما لو رأى المشتري سراويل بقصد شرائها، ثم ا شتراها بعد مدة في صوانه الذي يحفظ فيه، ولم يعلم أن هذا هو عين ما رآه، فإن له الخيار (٢). ويشترط المالكية مع عدم الرؤية: شرطين آخرين: ألا يوصف أيضًا، وأن يشترط الخيار في صلب العقد، كما بينا سابقًا في الخلاف في مشروعية خيار الرؤية. فإن كان المشتري لم يره وقت الشراء، ولكن قد رآه قبل ذلك، فإن كان لم يتغير عن حاله التي رآه عليها فلا خيار له؛ لأن العلم بالمبيع قد حصل بالرؤية السابقة.

стр. 2701

وإن كان قد تغير عن حاله فله الخيار، لأنه لما تغير عن حاله لم تكن رؤيته السابقة مفيدة للعلم بالمبيع، ولأنه بتغير ذلك المال أصبح بمنزلة مال آخر كأن لم يره. وهذا متفق عليه بين الحنفية والمالكية (١). * * *

стр. 2702

الشرط الثاني أن يكون المبيع مما يتعين بالتعين [م-٥١٩] اشترط الحنفية لثبوت خيار الرؤية أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين. قال الكاساني في بدائع الصنائع: «أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين، فإن كان مما لا يتعين بالتعيين لا يثبت فيه الخيار حتى إنهما لو تبايعا عينًا بعين يثبت الخيار لكل واحد منهما ولو تبايعا دينًا بدين لا يثبت الخيار لواحد منهما. ولو اشترى عينًا بدين فللمشتري الخيار، ولا خيار للبائع وإنما كان كذلك ; لأن المبيع إذا كان مما لا يتعين بالتعيين لا ينفسخ العقد برده; لأنه إذا لم يتعين للعقد لا يتعين للفسخ، فيبقى العقد وقيام العقد يقتضي ثبوت حق المطالبة بمثله فإذا قبض يرده هكذا إلى ما لا نهاية له فلم يكن الرد مفيدًا، بخلاف ما إذا كان عينًا؛ لأن العقد ينفسخ برده ; لأنه يتعين بالعقد فيتعين في الفسخ أيضا فكان الرد مفيدًا ولأن الفسخ إنما يرد على المملوك بالعقد، وما لا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد، وإنما يملك بالقبض، فلا يرد عليه الفسخ ولهذا يثبت خيار الرؤية في الإجارة، والصلح عن دعوى المال، والقسمة، ونحو ذلك ; لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيها خيار الرؤية، ولا يثبت في المهر، وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، ونحو ذلك ; لأن هذه العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال، فصار الأصل أن كل ما ينفسخ العقد فيه برده يثبت فيه خيار الرؤية وما لا فلا» (١).

стр. 2703

وقد زدت هذه المسألة وضوحًا فيما سبق حين كان الكلام على شرح تعريف خيار الرؤية، وعلى بيان العقود التي يدخلها خيار الرؤية، وأن السلعة إذا كانت موصوفة غير معينة، وبيعت بثمن حال فلا يثبت فيها خيار الرؤية، ويسمى هذا العقد بيع السلم حالًا كان أو مؤجلًا، فإن جاء به على الوصف الذي تم به العقد أصبح العقد لازمًا، ولا خيار للمشتري، وإن كان المدفوع لم يكن مطابقًا للصفة التي جرى العقد عليها أصبح البائع مطالبًا بدفع ما هو مطابق للموصوف؛ لأن المبيع لم يتعين في عين ذلك الشيء المدفوع، وإنما تعلق بذمة البائع، ولم يتعلق بشيء معين، فيبقى العقد قائمًا، ويلزم البائع بدفع سلعة مطابقة للصفة المتفق عليها. * * *

стр. 2704

الشرط الثالث كون المعقود عليه مما يقبل الفسخ [م-٥٢٠] الخيار إنما شرع ليتمكن العاقد من الفسخ، فإذا كان العقد مما لا يقبل الفسخ لم يكن هناك فائدة من اشتراط الخيار، ولذلك عقد النكاح لما كان من العقود التي لا تقبل الفسخ على الصحيح لم يكن الخيار فيه مشروعًا. وأخرج بذلك المهر، وبدل الخلع، والصلح عن القصاص، فإنه لا يدخلها خيار الرؤية وقد نص على ذلك الحنفية، حتى ولو كانت أعيانًا لعدم قبولها الفسخ؛ ولأن الرد لما لم يوجب الانفساخ بقي العقد قائمًا وقيامه يوجب المطالبة بالعين لا بما يقابلها من القيمة فلو كان له أن يرده كان له أن يرده أبدا (١). * * *

стр. 2705

المبحث الرابع خلاف العلماء في مشروعية خيار الرؤية [م-٥٢١] اختلف الفقهاء في إثبات خيار الرؤية للمبيع إذا اشترى المشتري شيئًا معينًا لم يره على أربعة أقوال: القول الأول: يثبت خيار الرؤية بحكم الشرع، دون حاجة إلى اشتراط، سواء بيع الغائب بلا وصف ولا رؤية، أو بيع بالوصف فقط، ويحق للعاقد فسخ إذا رأى المبيع، ولو كان المبيع مطابقًا لما وصف له، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن تيمية (٢). القول الثاني: إذا بيع المعين بلا وصف ولا رؤية، لم يصح العقد إلا بشرط خيار الرؤية. وإن بيع الغائب بالوصف صح ولو لم يشترط الخيار، وإن جاء مطابقًا للموصوف فلا خيار للمشتري إلا أن يشترطه، وهذا مذهب المالكية (٣).

стр. 2706

القول الثالث: يثبت الخيار للمشتري إن باعه بالوصف، وله الخيار إذا رآه وإن وجده كما وصف، وهو قول في مذهب الشافعية (١). وعللوا ذلك: بأن الخبر ليس كالمعاينة. القول الرابع: لا يثبت خيار الرؤية مطلقًا، لا بحكم الشرع، ولا عن طريق الاشتراط، وهذا هو القول الراجح في مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، واختاره القاضي أبو محمد البغدادي من المالكية (٤). دليل من قال: يثبت خيار الرؤية بلا شرط: الدليل الأول: (ث-٨٧) ما رواه الطحاوي من طريق هلال بن يحيى بن مسلم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رباح بن أبي معروف المكي، عن ابن أبي مليكة. عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان ابن عفان مالًا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، وكان المال بالكوفة، فقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أر، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أر، فحكم بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان (٥).

стр. 2707

[إسناده ضعيف] (١). وجه الاستدلال: قول طلحة ﵁: (لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره) دليل على أن من اشترى شيئًا لم يره فله الخيار، ولو لم يشترط. ويجاب عنه بأجوبة: الأول: أنه ضعيف الإسناد، والحجة إنما تكون فيما صح إسناده. الثاني: قال النووي: «والجواب عن قصة عثمان وطلحة وجبير بن مطعم أنه لم ينتشر ذلك في الصحابة ﵃، والصواب عندنا أن قول الصحابة ليس بحجة إلا أن ينتشر من غير مخالفة» (٢). ويجاب عن هذا: بأن دعوى أن القول لم ينتشر بين الصحابة تحتاج إلى دليل، فلو صح لكان حجة عند من يرى أن قول الصحابي حجة؛ لأن هؤلاء ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ بينهم عثمان ﵁، وهو خليفة راشد، له سنة متبعة، ولكن ذلك لم يصح. الدليل الثاني: (ح-٤٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش- عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول رفعه، قال: إذا اشترى الرجل الشيء، ولم ينظر إليه غائبًا عنه، فهو بالخيار إذا نظر إليه، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك (٣).

стр. 2708

وجه الاستدلال: أنه جعل الخيار في حق المشتري، ولو لم يشترط إذا اشترى شيئًا لم يره. وأجيب: بأن الأثر لا حجة فيه؛ لأنه مرسل، على ضعف في إسناده (١). قال النووي: «حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وضعفه من وجهين: أحدهما: أنه مرسل؛ لأن مكحولًا تابعي. والثاني: أن أحد رواته ضعيف» (٢). وانظر بقية أدلة المسألة في بيع العين الغائبة بلا صفة ولا رؤية متقدمة، فإن الخلاف في تلك المسألة مرتبط كل الارتباط في الخلاف في هذه المسألة. دليل من قال: له الخيار إذا اشترط . (ث-٨٨) روى الطحاوي من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سالم. أن عبد الله بن عمر ﵁ ركب يومًا مع عبد الله بن بحينة ... وهو من أصحاب النبي ﷺ إلى أرض له بريم، فابتاعها منه عبد الله بن عمر ﵄، على أن ينظر إليها، وريم من المدينة على قريب من ثلاثين ميلًا (٣). [إسناده صحيح]. وجه الاستدلال: أن عبد الله بن عمر قد اشترى ما لم يره، ورأى ذلك جائزًا، وعبد الله ابن عمر ﵁ من فقهاء الصحابة ﵃.

стр. 2709

والأثر صريح بأنه اشترى المال من غير رؤية؛ وإنما صح لاشتراطه خيار الرؤية، ولو كان الخيار ثابتًا له من غير اشتراط لم يشترط ابن عمر الخيار في عقدة البيع. الدليل الثاني: أن السلعة إذا بيعت بلا صفة ولا رؤية متقدمة لم يصح البيع إلا بشرط الخيار؛ لأن بيع مجهول الصفة إذا بيع بدون شرط الخيار أدى ذلك إلى الوقوع في الغرر. وإذا بيعت السلعة بالصفة، ولم يشترط المشتري الخيار، فإن طابق الموصوف صفته لم يثبت فيه خيار الرؤية قياسًا على بيع السلم إذا جاء به البائع على صفته، وإن جاء به مغايرًا للصفة التي وقع العقد عليها كان للمشتري الخيار؛ للخلف في الصفة (١). دليل من قال: لا يصح اشتراط خيار الرؤية . ثبوت خيار الرؤية مبني على صحة بيع الشيء دون صفة أو رؤية متقدمة، و بيع الشيء دون صفة أو رؤية متقدمة لا يجوز، والأدلة على ذلك كثيرة منها: الدليل الأول: (ح-٤٣٣) حديث أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. رواه مسلم (٢). وجه الاستدلال: بيع الشيء بلا رؤية، ولا صفة ينطوي على جهالة وغرر.

стр. 2710

ورد الحنفية: بأن الجهالة في المبيع ليست كلها تؤدي إلى إبطال البيع، فالجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة؛ لأننا نثبت للمشتري الخيار إذا رأى المبيع، فإذا لم يوافقه رده، وإن قبل المبيع بعد رؤيته، لم يكن هناك ضرر عليه (١). الدليل الثاني: (ح-٤٣٤) ما رواه أحمد من طريق يونس، عن يوسف بن ماهك. عن حكيم بن حزام، قال، قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق، فقال: لا تبع ما ليس عندك (٢). [منقطع يوسف لم يسمعه من حكيم] (٣). وجه الاستدلال: بيع الغائب بيع شيء غير موجود عند الإنسان حال العقد، فيكون داخلًا في عموم النهي الوارد به الحديث. ونوقش هذا الاستدلال: سبق أن تكلمت عن حديث حكيم بن حزام، وما المراد منه في مسألة سابقة، وخلاف العلماء في تأويله، فحكيم بن حزام كان يبيع شيئًا معينًا لم يملكه بعد، فقد يحصل عليه في السوق، وقد لا يحصل عليه، فالأمر يتعلق في القدرة على تسليم المبيع، والذي هو شرط من شروط البيع، وأما بيع الغائب فهو في ملك البائع قد استقر ملكه عليه، فافترقا.

стр. 2711

الدليل الثالث: النهي عن بيع المنابذة، والملامسة. (ح-٤٣٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة (١). وجه الاستدلال: نهى الحديث عن بيع الملامسة والمنابذة، وهما بيع للسلعة بمجرد اللمس والنبذ، دون رؤية أو تقليب، فدل على وجوب رؤية المبيع. واعترض على هذا الاستدلال: بأن النهي ليس لعدم رؤية المبيع؛ لأن هذا البيع إنما هو بيع عين حاضرة، وليس من بيع الغائب بشيء، وإنما هذه بيوع كانت في الجاهلية لازمة للمتعاقدين بمجرد اللمس والنبذ، فهو نوع من بيوع القمار، وقد فسره راوي الحديث، وتفسيره أولى بالقبول (ح-٤٣٦) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: اخبرني عامر بن سعد. أن أبا سعيد ﵁ أخبره، أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه، أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه (٢). ليس في ثبوت خيار الرؤية نص من خبر أو أثر يمكن الاحتجاج به، خاصة إذا قلنا: إن خيار الرؤية يثبت بحكم الشرع دون حاجة إلى اشتراط، فيعني هذا أن تكون نصوص الشريعة صحيحة صريحة في ثبوته، ولكن اشتراط خيار الرؤية في

стр. 2712

عقدة البيع يدخل في خيار الشرط، والأصل في خيار الشرط الجواز هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه المسألة على قدر كبير من الأهمية لوقوع التجار فيها، وأحيانًا لو انتظر المشتري؛ ليرى السلعة، فقد تفوته الصفقة؛ لكثرة الطلب عليها، والذي أفضله في المعاملات، خاصة في المسائل التي لم يرد فيها نص صريح، أن ينظر إلى مقاصد الشريعة في إباحتها ومنعها، فمن مقاصد الشريعة في المعاملات: إقامة العدل بين الناس، ومنع الظلم، ودفع الغرر الكثير، وإغلاق كل باب يؤدي إلى التنازع والتباغض، ومفسدة الغرر أخف من مفسدة الربا، فلذلك رخص في الغرر فيما تدعو إليه الحاجة منه، كما رخص في اليسير، وفي الشيء غير المقصود والذي يدخل تبعًا. إذا عرفنا هذا يمكننا أن نقول: إن بيع الغائب إن وقع بلا وصف ولا رؤية فهو بيع جائز فيما أرى، ولكنه غير لازم، فللمشتري الخيار مطلقًا إذا رأى السلعة، وهنا نكون قد حققنا المصلحة لكل من المتعاقدين، مصلحة البائع، ومصلحة المشتري، من غير لحوق ضرر فيهما، ودفعنا خوف الوقوع في الغرر، بكون البيع لا يلزم إلا إذا رأى المبيع. ولابد للمشتري أن يشترط الخيار في العقد؛ لأنه ليس هناك نصوص في ثبوت خيار الرؤية بمجرد العقد، وخوفًا من الاختلاف، أو من قول: إن الخيار لا يثبت إلا بالنص الشرعي كخيار المجلس، أو بالعرف، أو باشتراط، فإذا اشترط المشتري له الخيار انقطع النزاع. وأما إذا اشترى البضاعة بالوصف، فإن كان الوصف مطابقًا لم يكن للمشتري الخيار إلا بعرف، أو شرط، ويكون البيع لازمًا، فإن وجد الصفة غير مطابقة، فللمشتري الخيار بين القبول أو الرد، وإذا تنازعا، فالبائع يدعي أن الصفة مطابقة للموصوف، والمشتري يدعي عدم المطابقة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه الغارم، والله أعلم. * * *

стр. 2713

المبحث الخامس في مبطلات خيار الرؤية [م-٥٢٢] سبق لنا أن أخذنا مبطلات خيار المجلس، وخيار الشرط،، والسؤال في هذا البحث بأي شيء يبطل خيار الرؤية؟ وللجواب على ذلك: نقول هذا البحث لا يتأتى على مذهب الشافعية والحنابلة؛ لأنهم لا يقولون بخيار الرؤية أصلًا. وبقي تحرير مذهب الحنفية والمالكية: الأول: مذهب الحنفية: يسقط خيار الرؤية عند الحنفية بأمور، منها: الأول: إذا تعذر فسخ العقد، كما لو تصرف المشتري بالمبيع تصرفًا لا يقبل الفسخ كالإعتاق والتدبير. أو تصرف تصرفًا يوجب حقًا للغير كالبيع والإجارة، والرهن؛ فإن تعذر الفسخ يوجب لزومه، ويسقط خيار الرؤية، ولا فرق في ذلك كون هذا التصرف قبل الرؤية أو بعدها. وقولنا: (يسقط ... إذا تعذر الفسخ) احترازًا من التصرفات التي لا يتعذر معها الفسخ، كما لو عرضه للبيع قبل الرؤية، أو وهبه قبل الرؤية ولم يتم التسليم، أو عرضه للمساومة قبل الرؤية،؛ فإن هذه التصرفات وإن كانت دالة على الرضا، فإنه لا يسقط بها خيار الرؤية؛ لأن خيار الرؤية لا يسقط بصريح الرضا قبل الرؤية، فكونه لا يسقط بدلالة الرضا من باب أولى (١).

стр. 2714

ولو عرض على البيع بعض المبيع بعد الرؤية بطل خياره عند محمد، ولا يبطل في قول أبي يوسف، كذا في فتاوى قاضي خان، والصحيح قول أبي يوسف كذا في البدائع (١). الثاني: هلاك المبيع أو بعضه. الثالث: إذا تعيب في يد المشتري. الرابع: قبض المبيع، ونقد الثمن بعد الرؤية. الخامس: حصول الزيادة في المبيع، وهو في يد المشتري أو وكيله يسقط خيار الرؤية، سواء أكانت تلك الزيادة متصلة، أو منفصلة (٢). السادس: موت المشتري. خيار الرؤية عند الحنفية لا ينتقل بالموت، ومع اعتبار هذا الخيار يثبت بحكم الشرع، فقد ذهبوا إلى أنه مرتبط بالإرادة من حيث الاستعمال، وإذا كان مرتبطًا بالإرادة لم يورث،، وإنما هو اختيار، فحقيقته لمطلق التروي، لا لتحاشي الضرر، أو الخلف في الوصف، غايته: أن ينظر المشتري أيصلح له أم لا؟ (٣). السابع: الأمور التي تبطل خيار الشرط تبطل خيار الرؤية. (٤). قال في مجمع الأنهر: «غير منعكس، فلا يقال: ما لا يبطل خيار الشرط لا يبطل خيار الرؤية، لانتقاضه بالقبض بعد الرؤية، فإنه يبطل خيار الرؤية والعيب، لا الشرط» (٥).

стр. 2715

ولم يرتض ابن نجيم هذه العبارة من صاحب الكنز، أعني قوله: (ويبطل بما يبطل به خيار الشرط)؛ لأنه يرد عليه الأخذ بالشفعة (١)، والعرض على البيع، والبيع بخياره، والإجارة، والإسكان بلا أجر، فإنها تبطل خيار الشرط، دون الرؤية (٢). قال ابن عابدين «والصواب إسقاط قوله: (والإجارة) فإنها توجب حقًا للغير ... ثم إن ما أورده في البحر احترز عنه الشارح بقوله (ومفيد الرضا بعد الرؤية لا قبلها) فإن هذه الأشياء لا تبطل خيار الرؤية قبل الرؤية؛ لأنها تفيد الرضا، وصريح الرضا قبلها لا يبطله، فلذا قال: بعد الرؤية لا قبلها، لكن يبقى إيراد البحر واردًا على قوله: وهو مبطل خيار الشرط مطلقًا، فإن هذه الأشياء تبطل خيار الشرط، فيتوهم أنها تبطل خيار الرؤية قبلها وبعدها، مع أنها لا تبطله قبلها لما علمت ... » (٣). هذا ملخص ما يبطل خيار الرؤية عند الحنفية. القول الثاني: مذهب المالكية: خيار الرؤية عند المالكية: نوع من خيار التروي، لأنه لا يثبت هذا الخيار عندهم إلا عن طريق الاشتراط، كما بينا في بحث سابق، وكل خيار عند المالكية لا يثبت إلا عن طريق الاشتراط أو العادة فهو من قبيل خيار التروي.

стр. 2716

جاء في الفواكه الدواني: «خيار التروي عندنا إنما يكون بالشرط، كما قال خليل: إنما الخيار بشرط أو عادة» (١). وجاء في القوانين الفقهية: «والخيار المشروط: هو خيار التروي» (٢). وإذا كان يأخذ حكم الشرط في ثبوته، فهو أيضًا يأخذ حكم الشرط في بطلانه، وقد سبق لنا تحرير مذهب المالكية في مبطلات خيار الشرط، فأغنى عن إعادته هنا. الراجح من الخلاف: بينا فيما سبق عند البحث عن مشروعية خيار الرؤية أن هذا الخيار لا يوجد نص أو أثر في ثبوته، وتبقى الحاجة إليه بناء على أن الأصل في المعاملات الإباحة، ومشروعيته متوقفة على اشتراطه لأنه إذا اشترى ما لم ير، ولم يوصف بدون اشتراط الخيار فالبيع لم ينعقد، للجهالة في المبيع، وليس فيه خيار على

стр. 2717

الصحيح؛ لأن الخيار لا يثبت إلا بنص أو شرط أو عرف، وإن اشتراه بشرط أن يكون له الخيار إذا رآه، صح، لأن الخيار يجعل العقد غير لازم، وينتفي معه خوف الغرر. وإن اشتراه موصوفًا صح ولو لم يشترط الخيار، فإن جاء مطابقًا لم يكن له خيار إلا أن يشترطه، فدل على أن هذا الخيار بمنزلة خيار الشرط، فما يبطل خيار الشرط يبطله، والله أعلم. * * *

стр. 2718

المبحث السادس انتهاء خيار الرؤية هذا البحث له علاقة ما بالبحث السابق، أعني: مبطلات خيار الرؤية؛ لأن انتهاء الخيار يعني بطلان سريان مفعوله، وهو: انتقال العقد من الجواز إلى اللزوم، إلا أنه لما كان انتهاء الخيار قد لا يعني بطلانه، وإنما يعني: استنفاذه، سواء كان ذلك بالرضا بالمبيع، أو كان بمضي مدته على القول بأنه خيار مؤقت، أحببت أن أفرده بعنوان مستقل. * * *

стр. 2719

الفرع الأول انتهاء الخيار بالرضا بالمبيع [م-٥٢٣] وعلى هذا نقول: ينتهي خيار الرؤية بأمور، منها: الأول: انتهاء الخيار بإجازة العقد، والرضا به، فإذا وجد من العاقد ما يدل على الرضا بعد رؤية المبيع لا قبلها انتهى الخيار. والرضا نوعان: صريح ودلالة: أما الصريح فكأن يقول: أجزت البيع، أو رضيت، أو اخترت، وما جرى مجراها. والرضا به قبل الرؤية لا يسقط الخيار، وأما بعد الرؤية فيسقطها. وجه التفريق: أن النص جاء بثبوت الخيار عند رؤية المبيع لا قبلها، فلو قيل: إن الرضا قبل الرؤية يسقط الخيار لأدى ذلك إلى إبطال حكم ثبت بالنص، وإذا كان الخيار معلقًا بالرؤية لم يثبت قبلها، بخلاف الرضا بعد الرؤية فهو على مقتضى النص (١). فإن قيل: إن الخيار حق للمشتري فله إسقاطه، أجيب: بأن هذا الحق ليس حقًا صرفًا للمشتري، فإن شراء الشيء بلا رؤية ولا صفة، ولا خيار، فيه غرر وغبن، وبيع الغرر منهي عنه لذاته، حتى ولو رضي العاقدان، وبإمكانه أن يرضى بعد الرؤية، فيتحقق المراد.

стр. 2720

وأما الرضا دلالة، فهو أن يوجد من المشتري تصرف في المبيع بعد الرؤية يدل على الإجازة، كما لو قبضه بعد رؤيته، فإن قبضه بعد رؤيته كالعقد بعد الرؤية يكون العقد لازمًا (١). * * *

стр. 2721

الفرع الثاني انتهاء خيار الرؤية بالفسخ [م-٥٢٤] والفسخ نوعان: اختياري واضطراري. والاختياري: أن يقول: فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحو ذلك. وله الفسخ بعد الرؤية قولًا واحدًا عند من يثبت خيار الرؤية. أما الفسخ قبل الرؤية، ففي مذهب الحنفية قولان: أحدهما: أنه لا يملك الفسخ قبل الرؤية؛ لأنه لا خيار قبل الرؤية، وإذا كانت الإجازة قبل الرؤية لا تجوز، فلا يجوز الفسخ أيضًا قبلها. وأجيب: أن صحة الفسخ لم يكن بسبب الخيار حتى يقال: لا خيار قبل الرؤية، وإنما ثبت الفسخ لعدم لزوم العقد. والثاني: أنه يملك الفسخ قبل الرؤية، وهو الأصح عندهم؛ لأن العقد غير لازم بسبب جهالة المبيع، وما لم يكن لازمًا فللمشتري فسخه؛ ولأن الفسخ كما يملك بالخيار، يملك أيضًا بسبب عدم لزوم البيع كالعارية، والوديعة، والوكالة (١). وأما الفسخ الضروري فله صورة واحدة، وهو أن يهلك المبيع قبل القبض، فينفسخ العقد ضرورة، وينتهي معه خيار الرؤية لفوات المحل (٢).

стр. 2722

ويشترط لصحة الفسخ ثلاثة شروط: الشرط الأول: قيام الخيار؛ لأن الخيار إذا سقط بأحد المسقطات لزم العقد (١). الشرط الثاني: ألا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة على البائع، فإذا أراد المشتري الفسخ فإما أن يفسخ الكل، أو يرد الكل، لا فرق في ذلك بين ما كان قبل القبض، وما كان بعده. واختار أبو يوسف في رواية عنه، أنه إذا هلك بعض المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، فله أن يرد ما بقي، وجهه: أن المشتري لو صرح بإسقاط الخيار قبل الرؤية لم يسقط خياره، فبهلاك البعض أولى ألا يسقط خياره فيما بقي (٢). الشرط الثالث: من شروط صحة الفسخ عند أبي حنيفة ومحمد، أن يعلم البائع بالفسخ. وعند أبي يوسف ليس بشرط، ومع اختلافهم في اشتراط علم البائع فإنهم متفقون على أن الفسخ لا يتوقف على رضا البائع، بل ينفسخ العقد سواء رضي بذلك البائع أو لم يرض. ولا يتوقف ا لفسخ أيضًا على حكم القاضي، بل بمجرد قوله: رددت ينفسخ قبل القبض وبعده (٣).

стр. 2723

وخلافهم في هذه المسألة كالخلاف في الفسخ في خيار الشرط، وقد بينا أدلة الأقوال هناك، والراجح منها، فأغنى عن إعادته هنا، وقول أبي يوسف أقوى من قول الإمام وصاحبه.

стр. 2724

الفرع الثالث انتهاء الخيار باستنفاذ وقته [م-٥٢٥] هل خيار الرؤية مؤقت بوقت بحيث ينتهي الخيار باستنفاذ وقته، أو هو على التراخي فلصاحبه أن يختار الرد متى شاء، أو بعبارة أخرى: هل خيار الرؤية على الفور، أم على التراخي؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: خيار الرؤية غير مؤقت، وهو باق إلى أن يوجد ما يبطله، وهذا هو المختار في مذهب الحنفية (١). القول الثاني: أنه مؤقت بعد الرؤية بقدر ما يتمكن فيه من الفسخ، فإذا تمكن من الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ انتهى خياره، وهذا قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). القول الثالث: يمتد امتداد مجلس الرؤية، وهو الأصح عند الشافعية، والحنابلة على القول بجواز بيع الغائب (٤).

стр. 2725

دليل من قال: إنه غير مؤقت: الدليل الأول: أن النص الذي أثبت هذا الخيار مطلق، ويقصدون بالنص (ح-٤٣٧) ما رواه الدارقطني، من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: قال: من اشترى شيئًا لم يره، فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه. قال الدارقطني: هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف (١). ويجاب: بأن الخيار إذا كان غير مؤقت أضر ذلك بالبائع، لأن بقاء العقد غير لازم في مدة مجهولة يضر بالبائع، حيث لا يمكنه أن يتصرف في الثمن خشية فسخ العقد. الدليل الثاني: أن الرد حق للمشتري فلا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه من قول أو فعل. الدليل الثالث: أن هذا الخيار شرعه الشارع من أجل التروي والنظر، فلو طلب من المشتري الرد فورًا وإلا لزمه المبيع لكان في ذلك إضرار به. ويجاب: بأنه لا يلزم أن يقال: إما إنه على الفور، وإما أنه غير مؤقت أبدًا طيلة عمره،

стр. 2726

فهناك قول وسط، وهو أن له النظر ما دام في مجلس الرؤية، فمجلس الرؤية بمنزلة مجلس العقد. دليل من قال: إنه على الفور: الدليل الأول: أن الأصل في البيع اللزوم، والمصلحة التي شرع الرد لأجلها تتحقق مع البدار، وذلك ممكن، فالتأخير تقصير، فيبطل الخيار بالتأخير بلا عذر. ويناقش: قولكم (الأصل في البيع اللزوم) هذا في العقد المطلق، أما العقد الذي فيه خيار فليس الأصل فيه اللزوم، والقول بأن المصلحة تتحقق مع الفورية غير صحيح؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى تقليب النظر لينظر في الأصلح، وقد لا يخلص إلى الأصلح له مع إلزامه بالفورية. وقولكم: (إن التأخير تقصير) غير مسلم، فالخيار لم يشرع إلا لإعطاء صاحبه مهلة ليتخير. الدليل الثاني: القياس على خيار الشفعة؛ فإنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور. ويناقش: بأن خيار الشفعة ليس محل اتفاق بأنه على الفور، والراجح فيه أنه على التراخي، والأحاديث الواردة في خيار الشفعة بأنه على الفور ضعيفة لا تقوم بها حجة، والأصل أن كل من ثبت له حق شرعي فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه من قول أو فعل.

стр. 2727

دليل من قال: إنه يمتد امتداد مجلس الرؤية: الدليل الأول: القياس على خيار المجلس، بجامع أن كلًا منهما شرع للتروي، والنظر في الأصلح. الدليل الثاني: أن اعتبار المجلس قول وسط بين قول الحنفية الذين يقولون: إنه غير مؤقت مطلقًا، فيتضرر البائع، وبين قول الشافعية الذين يقولون: إنه على الفور، فيتضرر المشتري، فاعتبار مجلس الرؤية يحقق مصلحة كل من البائع والمشتري، وإذا كان الفقهاء قد اعتبروا مجلس العقد في صدور القبول، ولم يلزموا المشتري أن يصدر منه القبول حال صدور الإيجاب، واعتبروا التفرق من المجلس قبل صدور القبول يبطل الإيجاب، فكذلك الشأن هنا، والله أعلم. القول الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال، أجد أن القول بأن خيار الرؤية يمتد امتداد مجلس الرؤية هو قول وسط، يحقق مصلحة كل من البائع والمشتري، والقاعدة الشرعية تقول: لا ضرر، ولا ضرار، فهو الراجح عندي، والله أعلم. * * *

стр. 2728

الباب الثاني في خيار النقيصة الفصل الأول في خيار العيب المبحث الأول تعريف خيار العيب تعريف خيار العيب: كلمة (خيار العيب) مركب إضافي من كلمتي (خيار) و (وعيب). أما كلمة (خيار) فقد سبق تعريفها عند تعريف الخيار بوجه عام وبينا معناها اللغوي والاصطلاحي. وأما تعريف العيب اصطلاحًا (١): فقد اختلف الفقهاء في تعريفهم للعيب، فبعضهم عرفه بتعريف شامل للبيع

стр. 2729

وغيره، وبعضهم قصره على تعريف العيب في البيع، وهو المعنى به في هذا البحث. وسوف نعرض تعريفًا واحدًا لكل مذهب: تعريف الحنفية: عرفه ابن الهمام بقوله: «والعيب ما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما يعد به ناقصًا» (١). شرح التعريف: المراد بالفطرة: الخلقة، التي هي أساس الأصل (٢)، فما طرأ على أصل خلقته مما ينقصه يعتبر عيبًا، أما إذا كان أصل خلقته يعتبر رديئًا لم يكن ذلك عيبًا في الأصل الفقهي، وإن كان يعتبر عيبًا بالمعنى اللغوي. قال في شرح المجلة: «يشترط لثبوت خيار العيب ... أن يكون العيب عارضًا، لا من مقتضى الخلقة الأصلية في الشيء، فمن اشترى حنطة مثلًا فليس له أن يردها بخيار العيب؛ لأنها رديئة؛ لأن الجودة والرداءة من أصل الخلقة، ومن اشترى حلة ليس له أن يردها بخيار العيب لمجرد كونها رديئة؛ لأن الشيء يصنع إما جيدًا، وإما رديئًا، فالرداءة موجودة في أصل الصنعة والخلقة» (٣).

стр. 2730

وقولنا في العيب: هو الطارئ على أصل الخلقة، لا يفهم منه أن العيب لا يعتبر إلا إذا كان عارضًا على الشيء بعد أن سبق له سلامته منه، فالصمم في الدابة، يعتبر عيبًا لأن ذلك يعتبر طارئًا باعتبار أصل الفطرة، فالفطرة السليمة في مثل هذه الدابة ألا تكون صماء، وألا تكون مكسورة، فلو كان الصمم والكسر من أصل خلقتها اعتبر عيبًا باعتبار أن فطرة هذا الجنس من الحيوان سلامته من ذلك العيب. وهذا بين. وقوله (مما يعد به ناقصًا) هذا القيد لا بد منه، وليس المراد به النقص الذي هو في مقابل الزيادة، فالزيادة في المبيع قد تكون عيبًا، فالأصبع الزائدة كالأصبع الناقصة، وإنما المقصود مما يعد به ناقصًا أي عن قيمته لو كان سويًا، عند أرباب المعرفة، ولو كان النقص يسيرًا. قال الكاساني: كل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانًا فاحشًا، أو يسيرًا، فهو عيب يوجب الخيار» (١). تعريف المالكية: العيب: هو وجود ما العادة السلامة منه مما يؤثر في نقص الثمن أو المبيع أو في التصرف أو خوف في العاقبة. فالذي يؤثر في نقص الثمن دون المبيع: كما لو وجده آبقا أو سارقًا. والذي يؤثر في نقص المبيع دون الثمن كالخصاء في العبد. والذي يؤثر في نقص التصرف كالعسر والتخنث. والذي يؤثر في خوف العاقبة كجذام أحد الأبوين (٢).

стр. 2731

مذهب الشافعية: العيب: كل ما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح، إذا غلب في جنس المبيع عدمه (١). وهذا التعريف قريب من تعريف الحنفية. تعريف الحنابلة: العيب: هو ما ينقص قيمة المبيع نقيصة يقتضي العرف سلامة المبيع عنها غالبًا (٢). وعرفه البهوتي بأنه نقص عين المبيع كخصاء، ولو لم تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه (٣). تعريف ابن حزم: عرفه ابن حزم بقوله: «هو ما حط من الثمن الذي اشترى به، أو باع به ما لا يتغابن الناس بمثله» (٤). ونلحظ أن كل التعريفات تقريبًا تتفق على أمرين: الأول: أن النقص الذي يلحق بالمبيع أو بثمنه فهو عيب معتبر، إذا كان الغالب في جنس المبيع عدمه، ونص المالكية والحنابلة بأن نقص العين من العيب، وإن زاد في الثمن كالخصاء. الثاني: لما كانت العيوب لا يمكن إحصاؤها، كان لا بد من وضع ضابط لما

стр. 2732

يعتبر عيبًا مؤثرًا، مما لا يعد كذلك. قال ابن تيمية: «لا يطمع في إحصاء العيوب» (١). لذلك رأى الفقهاء الرجوع إلى عرف التجار في تحديد هل هذا عيب مؤثر، أو غير مؤثر؟ ذكر الحنفية أن المرجع في معرفة العيب عرف أهله (٢). قال الشيرازي: «والعيب الذي يرد به المبيع ما يعده الناس عيبًا، فإن خفي منه شيء، رجع فيه إلى أهل الخبرة بذلك الجنس» (٣). قال النووي في شرحه تعليقًا: «لما كانت الأمثلة لا تنحصر قدم عليها الضابط فيها وما ذكره من الضابط سديد فإن المدرك في ذلك العرف ولولا ذلك واقتضى العرف سلامة المبيع حتى جعل ذلك كالمشروط لما ثبت الرد فلذلك جعل ضابطه راجعا إلى العرف فما عده الناس وأهل العرف عيبا كان عيبا وما لا فلا» (٤). وقال في شرح منتهى الإرادات: «ما عده التجار منقصًا أنيط الحكم به؛ لأنه لم يرد في الشرع نص في كل فرد منه، فرجع فيه إلى أهل الشأن» (٥). وقال القرافي في الفروق: «إذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم ترد

стр. 2733

به وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا» (١). * * *

стр. 2734

المبحث الثاني حكم كتمان العيب الفرع الأول الحكم التكليفي لكتمان العيب [م-٥٢٦] كتمان العيب غش، والغش متفق على تحريمه (١)، فمن علم عيبًا وجب عليه بيانه لمشتر ونحوه ممن يتضرر بكتمانه، فإن لم يفعل فهو غاش، آثم وعاص. قال ابن جزي: العيوب وكتمانها غش محرم بإجماع (٢). قال ابن نجيم: «كتمان عيب السلعة حرام، وفي البزازية وفي الفتاوى: إذا باع سلعة معيبة عليه البيان، وإن لم يبين، قال بعض مشايخنا: يفسق وترد شهادته. قال الصدر: لا نأخذ به» (٣). وقال النووي: «من ملك عينًا، وعلم بها عيبًا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها وهذا الحكم متفق عليه .... لا خلاف فيه بين العلماء، قال الشافعي ﵀ في آخر باب الخراج بالضمان من المختصر: وحرام التدليس» (٤).

стр. 2735

وقال ابن رشد: «لا يحل لامرئ مسلم أن يبيع عبدًا، أو أمة، أو سلعة من السلع، أو دارًا، أو عقارًا، أو ذهبًا، أو فضة، أو شيئًا من الأشياء، وهو يعلم فيه عيبًا، قل أو كثر، حتى يبين ذلك لمبتاعه، ويقفه عليه وقفًا يكون علمه به كعلمه، فإن لم يفعل ذلك وكتمه العيب، وغشه بذلك، لم يزل في مقت الله، ولعنة ملائكة الله .. » (١). وهناك قول في مذهب الحنابلة ذكره أبو الخطاب: أن كتمان العيب يكره، قال في التبصرة: نص عليها أحمد، لكن قال صاحب الإنصاف: مراد الإمام أحمد بالكراهة: التحريم (٢). والأدلة على تحريم الغش وكتمان العيب ووجوب النصيحة كثيرة جدًا، وحكمها معلوم من الشريعة (ح-٤٣٨) من ذلك ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه. إلى حكيم بن حزام ﵁،
следующие страницы →