← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

مذهب الشافعية: العيب: كل ما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح، إذا غلب في جنس المبيع عدمه (١). وهذا التعريف قريب من تعريف الحنفية. تعريف الحنابلة: العيب: هو ما ينقص قيمة المبيع نقيصة يقتضي العرف سلامة المبيع عنها غالبًا (٢). وعرفه البهوتي بأنه نقص عين المبيع كخصاء، ولو لم تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه (٣). تعريف ابن حزم: عرفه ابن حزم بقوله: «هو ما حط من الثمن الذي اشترى به، أو باع به ما لا يتغابن الناس بمثله» (٤). ونلحظ أن كل التعريفات تقريبًا تتفق على أمرين: الأول: أن النقص الذي يلحق بالمبيع أو بثمنه فهو عيب معتبر، إذا كان الغالب في جنس المبيع عدمه، ونص المالكية والحنابلة بأن نقص العين من العيب، وإن زاد في الثمن كالخصاء. الثاني: لما كانت العيوب لا يمكن إحصاؤها، كان لا بد من وضع ضابط لما

стр. 2732

يعتبر عيبًا مؤثرًا، مما لا يعد كذلك. قال ابن تيمية: «لا يطمع في إحصاء العيوب» (١). لذلك رأى الفقهاء الرجوع إلى عرف التجار في تحديد هل هذا عيب مؤثر، أو غير مؤثر؟ ذكر الحنفية أن المرجع في معرفة العيب عرف أهله (٢). قال الشيرازي: «والعيب الذي يرد به المبيع ما يعده الناس عيبًا، فإن خفي منه شيء، رجع فيه إلى أهل الخبرة بذلك الجنس» (٣). قال النووي في شرحه تعليقًا: «لما كانت الأمثلة لا تنحصر قدم عليها الضابط فيها وما ذكره من الضابط سديد فإن المدرك في ذلك العرف ولولا ذلك واقتضى العرف سلامة المبيع حتى جعل ذلك كالمشروط لما ثبت الرد فلذلك جعل ضابطه راجعا إلى العرف فما عده الناس وأهل العرف عيبا كان عيبا وما لا فلا» (٤). وقال في شرح منتهى الإرادات: «ما عده التجار منقصًا أنيط الحكم به؛ لأنه لم يرد في الشرع نص في كل فرد منه، فرجع فيه إلى أهل الشأن» (٥). وقال القرافي في الفروق: «إذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم ترد

стр. 2733

به وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا» (١). * * *

стр. 2734

المبحث الثاني حكم كتمان العيب الفرع الأول الحكم التكليفي لكتمان العيب [م-٥٢٦] كتمان العيب غش، والغش متفق على تحريمه (١)، فمن علم عيبًا وجب عليه بيانه لمشتر ونحوه ممن يتضرر بكتمانه، فإن لم يفعل فهو غاش، آثم وعاص. قال ابن جزي: العيوب وكتمانها غش محرم بإجماع (٢). قال ابن نجيم: «كتمان عيب السلعة حرام، وفي البزازية وفي الفتاوى: إذا باع سلعة معيبة عليه البيان، وإن لم يبين، قال بعض مشايخنا: يفسق وترد شهادته. قال الصدر: لا نأخذ به» (٣). وقال النووي: «من ملك عينًا، وعلم بها عيبًا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها وهذا الحكم متفق عليه .... لا خلاف فيه بين العلماء، قال الشافعي ﵀ في آخر باب الخراج بالضمان من المختصر: وحرام التدليس» (٤).

стр. 2735

وقال ابن رشد: «لا يحل لامرئ مسلم أن يبيع عبدًا، أو أمة، أو سلعة من السلع، أو دارًا، أو عقارًا، أو ذهبًا، أو فضة، أو شيئًا من الأشياء، وهو يعلم فيه عيبًا، قل أو كثر، حتى يبين ذلك لمبتاعه، ويقفه عليه وقفًا يكون علمه به كعلمه، فإن لم يفعل ذلك وكتمه العيب، وغشه بذلك، لم يزل في مقت الله، ولعنة ملائكة الله .. » (١). وهناك قول في مذهب الحنابلة ذكره أبو الخطاب: أن كتمان العيب يكره، قال في التبصرة: نص عليها أحمد، لكن قال صاحب الإنصاف: مراد الإمام أحمد بالكراهة: التحريم (٢). والأدلة على تحريم الغش وكتمان العيب ووجوب النصيحة كثيرة جدًا، وحكمها معلوم من الشريعة (ح-٤٣٨) من ذلك ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث رفعه. إلى حكيم بن حزام ﵁،

стр. 2736

قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما. ومحق البركة عقوبة لا تكون إلا من أمر محرم. الدليل الثاني: (ح-٤٣٩) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال ما هذا يا صاحب الطعام قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني (٢). قال القرافي في الذخيرة: يعاقب الغاش لمعصيته؛ لقوله ﵇: من غشنا فليس منا (٣). وفي هذا الحديث دليل على أن الغش كبيرة من كبائر الذنوب. الدليل الثالث: (ح-٤٤٠) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (٤). * * *

стр. 2737

الفرع الثاني الحكم الوضعي لكتمان العيب [م-٥٢٧] سبق لنا أن كتم العيب في البيع محرم، وهذا حكمه التكليفي، فهل تحريم كتمان العيب يؤثر في صحة العقد، أو أن العقد صحيح، والمحرم هو الكتمان خاصة، اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: البيع صحيح لازم من جهة البائع، ولكنه غير لازم من جهة المشتري. وهذا مذهب جماهير العلماء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن البيع باطل، حكي ذلك عن داود الظاهري (٥)، واختاره بعض الحنابلة (٦).

стр. 2738

الدليل الأول: (ح-٤٤١) من السنة ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١). وجه الاستدلال: ثبوت الخيار للمشتري فرع عن صحة البيع، فلو كان البيع باطلًا لما ثبت فيه الخيار، ولتعين الرد. الدليل الثاني: أن التحريم لا يرجع إلى ذات العقد، وإنما يرجع إلى أمر خارج، وهو الكتمان، والكتمان معنى متعلق بالعاقد، وليس بالعقد، والنهي إذا لم يكن عائدًا إلى العقد صح مع الإثم، فجعل لمن وقع عليه الغش الخيار، إن شاء أمضاه، وإن شاء رده، ولم يجعل الخيار للبائع؛ لأنه لم يقع عليه غش، وإنما يبطل العقد إذا توجه النهي إلى المعقود عليه، وهو ما ليس موجودًا هنا. الدليل الثالث: حكى ابن قدامة الإجماع على صحة البيع، قال: «متى علم بالبيع عيبًا لم يكن عالمًا به فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا» (٢).

стр. 2739

دليل من قال: إن العقد باطل: يستدل لهذا القول بأن الغش محرم، ومنهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. (ح-٤٤٢) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١). ومعنى: رد: أي مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل. ولأن تصحيح البيع، يكون تصحيحًا لما نهى عنه الشارع، وهذا خلاف مقصود الشارع. الراجح: هذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية، وهو هل النهي المطلق يقتضي فساد المنهي عنه، أو لا يقتضي ذلك؟ وهي مسألة خلافية، وقد تم التعرض لها في أول البحث، ورجحت فيها: أن الأصل الشرعي أن النهي المطلق يقتضي فساد المنهي عنه، فقد أمرنا الله باجتناب ما نهى عنه، أو نهى عنه رسوله ﷺ ، ووقوعه منا مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ ، ولكن إذا وجد ما يدل على صحة الفعل بعد وقوعه عمل بذلك، كما أننا نقول: الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم، وإذا ما وجد ما يدل على الاستحباب أو الكراهة عمل به، ومن القرائن الصارفة للنهي عن الفساد أن يكون النهي لا يعود إلى العقد، وإنما يعود إلى أمر خارج عنه، كما

стр. 2740

هو الحال في هذه المسألة، ومثله لو كان النهي لحق الآدمي مثلًا، كتلقي الجلب، وزيادة الناجش، وعقد المصراة ونحوه، فإن الفعل محرم، والعقد صحيح. * * *

стр. 2741

المبحث الثالث العقود التي يدخلها خيار العيب [م-٥٢٨] لم يتكلم في هذه المسألة فيما أعلم إلا الحنفية والمالكية، وحتى يمكن أن نضع ضابطًا للعقود التي يدخلها خيار العيب والتي لا يدخلها، أقول: الأول: لا يثبت خيار العيب إلا في العقود اللازمة، وذلك أن العقود الجائزة يكتفى بجوازها عن المطالبة بالفسخ. الثاني: لا يثبت خيار العيب إلا في العقود التي تقبل الفسخ؛ لأن خيار العيب من أجل تمكين المشتري من فسخ العقد، ورد السلعة بالعيب. يقول السنهوري: «وخيار العيب كخيار الرؤية لا يثبت إلا في العقود التي تحتمل الفسخ، كالبيع، والإجارة، والقسمة، والصلح عن مال على شيء بعينه» (١). وقال الأتاسي في شرح المجلة: «يثبت - يعني خيار العيب - في البيع، والمهر، وبدل الخلع، وبدل الصلح عن دم العمد، وبدل الصلح عن المال، والقسمة، والإجارة ... » (٢). وقال ابن رشد الحفيد: «أما العقود التي يجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف، فهي العقود التي المقصود منها المعاوضة، كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة لا خلاف أيضًا في أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير الثواب، والصدقة، وأما ما بين هذين الصنفين من العقود، أعني: ما جمع قصد

стр. 2742

المكارمة والمعاوضة، مثل هبة الثواب، فالأظهر في المذهب أنه لا حكم فيها بوجود العيب، وقد قيل: يحكم به إذا كان العيب مفسدًا» (١). ويرى الحنفية أن النكاح لا يثبت فيه خيار العيب، فلا ترد المرأة عندهم بعيب ما (٢). وذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى دخول خيار العيب في عقد النكاح. * * *

стр. 2743

المبحث الرابع خيار العيب يثبت بلا اشتراط [م-٥٢٩] معلوم أن الخيار قسمان: خيار يثبت بالشرع، ويسمى خيارًا حكميًا: وهو ما يثبت بمجرد حكم الشارع، فهذا الخيار لا يتوقف على اتفاق أو اشتراط لقيامه بل ينشأ لمجرد وقوع سببه الذي ربط قيامه به، وذلك مثل: خيار العيب. يقول ابن عابدين في حاشيته: «خيار العيب يثبت بلا شرط» (١). وذلك لأن موجب الخيار في العيب ظهور عيب أو استحقاق، فيثبت بفوات أمر مظنون، نشأ الظن فيه من التزام شرعي، أو قضاء عرفي، أو تغرير فعلي، أو ظهور استحقاق في المبيع كتمه البائع (٢). النوع الثاني: الخيار الإرادي: وهو الخيار الذي ينشأ عن إرادة العاقد. مثل خيار الشرط، فلا يثبت إلا باتفاق العاقدين وتراضيهما. وعلى هذا فإن خيار العيب يعتبر حكمي المنشأ، أثبته الشارع رعاية لمصلحة العاقد المحتاج إليه، دون أن يسعى الإنسان للحصول عليه (٣). * * *

стр. 2744

المبحث الخامس خيار العيب لا يمنع وقوع الملك للمشتري [م-٥٣٠] إذا كان الفقهاء قد اختلفوا في الملك زمن الخيارين: خيار المجلس عند القائلين به، وخيار الشرط، فإنهم لم يختلفوا في ثبوت الملك للمشتري زمن خيار العيب. يقول ابن عابدين: «خيار العيب يثبت بلا شرط، ولا يتوقت، ولا يمنع وقوع الملك للمشتري ... » (١). وجاء في الموسوعة الكويتية: «إن وجود خيار العيب في العقد لا أثر له على حكم العقد الذي هو انتقال الملك فملك المبيع يثبت للمشتري حالا وملك الثمن ينتقل إلى البائع في الحال؛ لأن ركن البيع مطلق عن الشرط، والثابت بدلالة النص شرط السلامة لا شرط السبب (كما في خيار الشرط) ولا شرط الحكم (كما في خيار الرؤية) وأثر شرط السلامة يقتصر على منع لزوم العقد، ولا سلطان له على منع أصل حكم العقد» (٢).

стр. 2745

المبحث السادس خيار العيب يورث [م-٥٣١] لم يختلف الفقهاء في خيار العيب بكونه يورث، قال النووي: «كون خيار العيب ينتقل للوارث لا خلاف فيه» (١). وإن اختلف الحنفية مع الجمهور في خيار الشرط هل يورث أو لا يورث؟ وسبب اختلافهم: أن الحنفية يرون أن خيار الشرط: يخير العاقد بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فالخيار لا يخرج عن كونه مشيئة وإرادة، ولا يتصور انتقاله فلا يورث، بخلاف خيار العيب، فإنه حق يلحق العين المملوكة، وهي موروثة، فالعاقد: قد استحق أن يستلم المبيع سليمًا، فكذا الوارث (٢). أما المالكية والشافعية فلم يفرقوا بين حق وحق، فذهبوا إلى أن الحقوق تورث كما يورث المال. كما أن عموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وهذا الحق مما ترك، فوجب أن يكون للوارث. ومن جهة القياس: أن خيار العيب ثبت لإصلاح المال، فوجب أن ينتقل بالموت إلى الوارث (٣). * * *

стр. 2746

المبحث السابع خيار العيب على التراخي [م-٥٣٢] إذا اطلع المشتري على عيب في السلعة، واختار رد السلعة فهل يلزمه أن يكون الرد على الفور بحيث لو تأخر رده للسلعة سقط حقه من الرد، أو يجوز أن يرد السلعة متى شاء؛ لأن تأخيره لا يسقط حقه؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: خيار الرد بالعيب على التراخي، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: خيار الرد بالعيب على الفور، وهو مذهب الشافعية (٣).

стр. 2747

القول الثالث: توسط المالكية، فقالوا: السكوت عن الرد بعد الاطلاع على العيب أكثر من يومين يعتبر رضا إذا كان من غير عذر، فإن طلب الرد بعد اليومين فلا يجاب، ولو أقسم أنه لم يرض. والسكوت يوما أو يومين إذا ادعى فيهما واجد العيب عدم الرضا صدق بيمينه، وفي أقل من يوم يصدق بلا يمين. وإن كان سكوته لعذر، كغياب البائع خارج البلد فله الرد مطلقًا من غير يمين، ولو طال الزمن، ويستحب له أن يشهد أنه غير راض، وأن الذي منعه من رد المبيع هو غياب البائع، فإن كان للبائع وكيل فإن شاء رد المبيع على وكيله، وإن شاء انتظر حضور الأصيل، وإن لم يكن له وكيل، فهو بالخيار إن شاء انتظر حضوره، ورد عليه إذا حضر، وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي. هذا خلاصة مذهب المالكية (١).

стр. 2748

دليل من قال: إنه على التراخي: الدليل الأول: أن هذا الخيار شرع لدفع الضرر المتحقق، فكان على التراخي كخيار القصاص. الدليل الثاني: وجود العيب في السلعة أثبت للمشتري حق الرد بالاتفاق، وما وجب له بالإجماع لا يسقطه إلا نص، أو إجماع متيقن، ولا سبيل إلى وجودهما هنا. الدليل الثالث: ولأنه قد يحتاج إلى التروي للنظر، هل من مصلحته قبول المبيع بعيبه، أو رده وأخذ الثمن، فلو طلب منه أن يرده فورًا وإلا لزمه المبيع لكان ذلك إضررًا به. الدليل الرابع: أن الرسول ﷺ جعل الخيار ثلاثة أيام في بيع المصراة، ولو كان على الفور لم يجعل له الخيار تلك المدة. فقد روى مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر (١). وقد يجاب بأن عيب المصراة لا يمكن كشفه بالحال، فجعل له هذا الأمد ليتحقق من

стр. 2749

وجود هذا العيب، لأن تغير مقدار الحليب قد يكون بسبب آخر غير التصرية، فجعل له هذا الأمد. وجه من قال: خيار الرد بالعيب على الفور: يجب على المشتري الرد حال علمه بالعيب؛ لأن الأصل في البيع اللزوم، فإذا لم يقم المشتري بالرد فورًا بطل حقه بالرد، وبقي العقد على أصله، وهو اللزوم. ولأن خيار العيب ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال، فكان فوريًا كالشفعة. ويناقش: القول بأن المشتري إذا لم يقم بالرد فورًا بطل حقه بالرد هذا الكلام دعوى في محل النزاع، يحتاج ثبوته إلى دليل شرعي. والقياس على حق الشفعة قياس غير صحيح؛ لأن حق الشفعة مختلف فيه، فالمالكية لا يوجبون الفورية في حق الشفعة، وهو الصواب كما بينته والحمد لله في عقد الشفعة، وما اختلف فيه لا يجب الاحتجاج به على المخالف، والله أعلم. دليل من قال: إن تأخر أكثر من يومين سقط حقه في الرد . القاعدة في المذهب عند المالكية أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وأن التأخير يومًا أو يومين لا يعتبر فاصلًا مؤثرًا، ولا يعتبر دليلًا على الرضا بالعيب وإن كان التأخير أكثر من يومين كان ذلك دليلًا على رضاه بالعيب. وقد فصلت أدلة المذهب على هذه القاعدة في خيار الشرط، فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 2750

المبحث الثامن الرد بالعيب يفسخ العقد من أصله، أو من حينه إذا استحق المشتري رد السلعة بسبب عيب، وطلب فسخ العقد، فهل يفسخ العقد من أصله، أو من حينه؟ في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الرد بالعيب يفسخ العقد من حينه، لا من أصله. وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن وهب

стр. 2751

من المالكية (١). واستدل صاحب هذا القول بأدلة منها: الدليل الأول: الإجماع على أن المبيع إذا كان له غلة فإن المشتري لا يردها إذا رد المبيع. قال ابن الجهم كما في إيضاح المسالك: «إذا آجر العبد بإجارة كثيرة، أو زوج الأمة بصداق كثير أو قليل، ثم رد بالعيب فإنه لا يرد ما أخذه من إجارة أو صداق، قال: ولا خلاف بين الناس في هذا، ولم يخالف ذلك إلا شريح وعبيد الله ابن الحسن العنبري في حكاية الجوزي، ونقل المازري» (٢). الدليل الثاني: أن المشتري لو تصرف بالمبيع قبل علمه بالعيب ببيع أو هبة، أو عتق ونحو ذلك، فإنه ينفذ، ويفوت الرد، ولو كان نقضًا للعقد من أصله بطل تصرفه، ولم يفت الرد. جاء في المجموع: «المذهب الصحيح، وبه قال ابن سريج: أن الفسخ يرفع العقد من حينه، لا من أصله؛ لأن العقد لا ينعطف حكمه على ما مضى، فكذلك الفسخ، وبدليل أنه لا يسقط به الشفعة، ولو انفسخ من الأصل لسقطت؛ ولأنه لو باع عبد الجارية، فأعتق الجارية، ثم رد العبد بالعيب، لم يبطل العتق به، ولو كان فسخًا من الأصل لبطل .. » (٣).

стр. 2752

الدليل الثالث: أن المشتري لو أراد الفسخ، ثم تلفت العين في يده قبل وصولها إلى البائع فات الرد، ولو كان فسخًا للعقد من أصله لكان له أن يرد مثلها أو يرد قيمتها؛ لأن وجوبها عليه من باب ضمان المتلف. الدليل الرابع: أن رفع العقد من أصله رفع للواقع في الزمن الماضي، وهو محال. فإن قلت: المرتفع الأحكام المترتبة على لفظ العقد، لا على نفس العقد، قيل: الأحكام واقعة في الزمن الماضي، قبل الرد بالعيب، فإن كان رفع الواقع محالًا فرفعها محال أيضًا. القول الثاني: أن الرد بالعيب يفسخ العقد من أصله، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١). وهذا القول ضعيف، ولذلك قال القرافي في الأمنية: «معنى قولنا في الرد بالعيب: أنه رفع للعقد من أصله، أي يقدر كالمعدوم وإن كان موجودًا، فيعطى حكم المعدوم، ومقتضى هذا أن ترد الغلات للبائع، ولا يبقى أثر من الآثار، لكن الأصحاب لم يقولوا بذلك، ولا إخاله قول أحد من العلماء، بل إنما قدره الأصحاب كالمعدوم من أصله في أمور خاصة، فقالوا: إذا صرح بالرد، فهلك المبيع قبل وصوله ليد البائع ففي ضمانه من البائع أو من المبتاع أقوال، ثالثها: من البائع إن حكم به حاكم، وإلا فمن المبتاع.

стр. 2753

قال الشيخ أبو الطاهر منشأ الخلاف: هل الرد نقض للعقد من أصله، فيكون الضمان من البائع كأنه لم يخرج عنه، أو من حينه فلا يتحقق النقض إلا بوصوله إليه، ونحو هذا» (١). القول الثالث: التفصيل: إن كان الفسخ قبل القبض رفع العقد من أصله، وإلا فمن حينه، وهذا قول في مذهب الشافعية (٢). وعللوا ذلك: بأن العقد قبل القبض ضعيف. وينبني على هذا الخلاف في هذه المسألة الاختلاف في مسائل كثيرة، منها: لو اشترى المسلم عبدًا كافرًا من كافر، ثم أسلم العبد، واطلع المشتري على عيب فيه، هل يكون لمشتريه الرد على بائعه الكافر أم لا. فعلى أن البيع رفع للعقد من أصله يجوز له رده بالعيب، وعلى أنه رفع له من حينه: لا يجوز له رده عليه بالعيب بعدما أسلم. ومنها: مسألة من ابتاع أمة بعبد، فأعتق الأمة، ثم رد العبد عليه بعيب، فعلى أنه رفع له من حينه لا يكون للبائع رد العتق، وإنما له قيمة الأمة، وعلى القول بأنه فسخ للعقد من أصله يرد الأمة. ومنها: إذا رد المبيع بالعيب، فهل له أن يسترد الجعل الذي أخذه السمسار؟ * * *

стр. 2754

المبحث التاسع شروط الرد بالعيب الشرط الأول الجهل بالعيب [م-٥٣٣] يشترط في ثبوت خيار العيب للمشتري أن يكون المشتري غير عالم بالعيب عند العقد، فإن كان عالمًا به فلا خيار له؛ لأن الإقدام على الشراء مع العلم بالعيب دليل على الرضا به معيبًا (١). ولأنه لو لم يعلم بالعيب، ثم علم به، ورضي المبيع على حاله سقط حقه في الرد، فكذلك من باب أولى أن يسقط حقه إذا دخل في ابتداء العقد على بينة، وهو يعلم بالعيب. قال النووي: «إن كان عالمًا - يعني بالعيب - فلا خلاف أنه لا يثبت له الخيار؛ لرضاه بالعيب» (٢). [م-٥٣٤] وهل يشترط حتى يكون له حق الرد أن يكون قد باعه بثمن هو قيمته سليمًا، بحيث لو باعه بثمن هو قيمته معيبًا فلا رد له؟ قال ابن حزم: «إن كان اشترى الشيء بثمن هو قيمته معيبًا أو باعه بثمن هو قيمته معيبا - وهو لا يدري العيب - ثم وجد العيب فلا رد له ; لأنه لم يجد عيبًا. وقد قال قوم: له الرد - وهذا خطأ فاحش ; لأنه ظلم للبائع وعناية ومحاباة للمشتري بلا برهان لا من قرآن ولا سنة» (٣).

стр. 2755

والقول بأن له الرد أقوى؛ لأن الثمن والقيمة لا يشترط في البيع تطابقها، ولأن الأصل سلامة العين من العيب، ونقص الثمن عن القيمة المعتادة لا يعني بكل حال الرضا بعيب غير معين في السلعة؛ لأن العيب نقص في العين أو في الصفة، ولابد من وجود الرضا الصريح من المشتري بهذا النقص، فربما لو علم المشتري بالعيب قبل العقد لم يوافق على الشراء، وقد كان للبائع أن يطلع المشتري على العيب ليخرج من العهدة، فلما كتم العيب استحق المشتري الرد. فرع: [م-٥٣٥] لو علم بالعيب، ولكنه لم يعلم أنه ينقص الثمن، ويوجب الرد، فهل له الرد. قال النووي: «لو كان المشتري قد علم به - يعني العيب- ولكن لم يعلم أنه عيب يوكس الثمن، ويوجب الفسخ، قال الماوردي: لا رد له؛ لأنه قد كان يمكنه عند رؤيته أن يسأل عنه؛ ولأن استحقاق الرد حكم، والجهل بالأحكام لا يسقطها» (١). * * *

стр. 2756

الشرط الثاني كون العيب مؤثرًا [م-٥٣٦] لا بد أن يكون العيب مؤثرًا، وهذا شرط لا بد منه، ولا يختلف الفقهاء في النقص إذا كان كثيرًا، سواء كان ينقص العين، أو ينقص القيمة. واختلفوا في النقص اليسير على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن كان العيب ينقص القيمة أَثَّر ذلك مطلقًا، يسيرًا كان، أو كثيرًا. وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد القولين في مذهب

стр. 2757

الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). قال في بدائع الصنائع: «فكل ما يوجب نقصان الثمن (٣)، في عادة التجار نقصانًا فاحشًا أو يسيرًا، فهو عيب يوجب الخيار» (٤). أضاف ابن الهمام: «وسواء كان ينقص العين، أو لا ينقصها ولا ينقص

стр. 2758

منافعها، بل مجرد النظر إليها كالظفر الأسود الصحيح القوي على العمل ... » (١). القول الثاني: ما ينقص من القيمة إن كان يسيرًا مما يتغابن الناس في مثله، فلا يؤثر، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، واختاره ابن حزم. القول الثالث: النقص اليسير مؤثر مطلقًا، سواء نقص من القيمة، أم لا، اختاره بعض المالكية (٤). تعليل من قال: العيب المؤثر ما أنقص القيمة، ولو يسيرًا وإلا فلا . التعليل الأول: كل ما نقص من قيمة المبيع فقد انتقص من ماليته، فالمبيع إنما صار محلًا للعقد باعتبار صفة المالية فما يوجب نقصًا فيها يكون عيبًا، ولو كان يسيرًا، بخلاف العيب الذي لا ينقص من قيمته، فلا ينقص من ماليته، فلا يكون عيبًا مؤثرًا. التعليل الثاني: العقد المطلق يقتضي سلامة المبيع من العيوب، فكان وصف السلامة

стр. 2759

كالمشروط، فالإخلال به يوجب تخيير المتضرر، وإلزام المشتري بما ليس سالمًا إلزام له بما لم يرض به، وهذا لا يجوز. التعليل الثالث: سلامة المبيع لها ما يقابلها من الثمن، فإذا دخل المبيع نقص في قيمته يكون البائع قد فوت على المشتري جزءًا من المبيع مع أنه قد أخذ ما يقابله باعتبار أنه قد دفعت له قيمة المبيع سليمًا، وهذا لا يجوز. دليل من قال: إذا كان النقص يسيرًا فلا يؤثر . أن النقص اليسير لا ينفك عنه المبيع، ولذلك تجد المقدار اليسير يتغابن الناس فيه عادة، ولا يؤثر مثل ذلك في لزوم العقود وصحتها. دليل من قال: العيب مؤثر مطلقًا، ولو لم ينقص من القيمة . يمكن أن يستدل بأن العقد المطلق يقتضي سلامة المبيع من كل العيوب، فكان وصف السلامة كالمشروط، وبعض العيوب وإن كان ليس له تأثير في الثمن إلا أنه لا يستوي عند الناس عين سالمة من العيوب مطلقًا، وعين أخرى فيها عيب لا يؤثر على ثمنها، فنفاق الأولى أسرع، وتطلع الناس لها أكمل. الراجح: أميل إلى الأخذ بضابط الشافعية أن العيب المؤثر ما فوت غرضًا صحيحًا لأحد العاقدين مع اعتبار نقص القيمة كأحد العيوب المؤثرة، وليس حصر ذلك فيه. يبين ذلك أن الرجل لو اشترى بقرة، فوجدها لا تحلب، فإن كان اشتراها للحليب كان له الرد، وإن اشتراها للحم فلا يرد، وفي الحالين قد تكون القيمة سليمة من النقص.

стр. 2760

وقد رأى بعض الفقهاء أن جار السوء عيب، وهذا لا دخل له في العين أصلًا (١). وذكر بعض الفقهاء بأن الشاة مقطوعة الأذن إن اشتراها للأضحية فله الرد، وإن اشتراها لغير الأضحية فلا، ما لم يعده الناس عيبًا. كما ذكر بعض الفقهاء بأنه لو اشترى ثوبًا أو خفًا فوجده صغيرًا، فإن له الرد، وإن لم يكن ذلك عيبًا في عين المبيع، وإنما اعتبر فوات غرض المشتري عيبًا موجبا للرد، وإن كان لا تأثير له في الثمن. كما أن هناك ما لا يعد عيبًا، وإن كان له تأثير في الثمن، كما في الأمة يشتريها، فيجدها ثيبًا، فليس له الرد إلا أن يشترط أن تكون بكرًا، مع أن كونها ثيبًا ينقص من قيمتها، ومع ذلك لم يعتبر عيبًا. ومثله لو اشترى دابة، فوجدها كبيرة السن، فليس له الرد إلا أن يشترط صغرها، مع أن كبر سنها ينقص من قيمتها. قال ابن عابدين تعليقًا على الأمثلة السابقة:: «يظهر أن قولهم في ضابط العيب ما ينقص الثمن عند التجار مبني على الغالب، وإلا فهو غير جامع وغير مانع. أما الأول: فلأنه لا يشمل مسألة ... الثوب والخف والقلنسوة وشاة الأضحية ; لأن ذلك وإن لم يصلح لهذا المشتري يصلح لغيره، فلا ينقص الثمن مطلقًا.

стр. 2761

وأما الثاني ; فلأنه يدخل فيه مسألة الدابة، والأمة الثيب، فإن ذلك ينقص الثمن مع أنه غير عيب فعلم أنه لا بد من تقييد الضابط بما ذكره الشافعية. والظاهر أنهم لم يقصدوا حصر العيب فيما ذكر ; لأن عبارة الهداية والكنز وما أوجب نقصان الثمن عند التجار فهو عيب فإن هذه العبارة لا تدل على أن غير ذلك لا يسمى عيبًا فاغتنم هذا التحرير» (١). * * *

стр. 2762

الشرط الثالث أن يكون حدوث العيب في وقت ضمان البائع للمبيع [م-٥٣٧] يعبر بعض الفقهاء عن هذا الشرط بأن يكون العيب قديمًا، أي ليس حادثًا عند المشتري، فإن قلت: هل يمكن لنا أن نأخذ من كلام الفقهاء ضابطًا نعرف من خلاله قدم العيب من حدوثه؟ فالجواب: قالوا في ضابط ذلك: أن يحدث العيب مقارنًا للعقد، أو بعده وقبل القبض (١). قال النووي: العيب الطارئ قبل القبض كالمقارن للعقد (٢). وقيل الضابط: ثبوت العيب في زمن ضمان البائع (٣). وهذا الضابط أجود وأدق؛ لأن الضمان قد يكون على المشتري، ولو لم يحصل القبض. وقد يكون على البائع، ولو بعد القبض، فالأول: مثل المبيع إذا لم يكن بحاجة إلى استيفاء، ولم يمنع البائع المشتري من قبضه فضمانه على الصحيح على المشتري ولو لم يقبضه. وأما الثاني فمثل الإجارة، والجائحة، فضمانهما على المؤجر والبائع، ولو كان ذلك بعد القبض على الصحيح.

стр. 2763

إذا تبين هذا فإن معرفة قدم العيب من حدوثه مبني على معرفة مسألة أخرى: متى يكون المبيع من ضمان البائع، ومتى يكون من ضمان المشتري، فإذا عرفنا وقت ضمان المبيع نكون بذلك نعرف قدم العيب من حدوثه. يقول الشيرازي ﵀: «إن ابتاع شيئًا، ولا عيب فيه، ثم حدث به عيب في ملكه، نظرت، فإن كان حدث قبل القبض ثبت له الرد؛ لأن المبيع مضمون على البائع ... » (١). فهو يربط ما بين حق الرد، وما بين ضمان المبيع. وجاء في المجموع «المبيع مضمون قبل القبض على البائع بجملته، فكذا أجزاؤه، وضمان الجزء (يعني المعيب) الذي لا يقابله قسط من الثمن لا يقتضي الفسخ، فأثبت الخيار» (٢). فربط بين خيار العيب، وبين وجوب الضمان على البائع. وقد تعرضنا فيما سبق لبعض المباحث التي لها علاقة في مسألة ضمان المبيع، منها مسألة: التصرف في المبيع قبل قبضه، ومنها مسألة التلف في زمن الخيار، متى يكون من ضمان البائع، ومتى يكون من ضمان المشتري، وتعرضنا للبحث أيضًا لمسائل تلف المبيع وضمانه قبل قبض المبيع وبعد قبض المبيع، وسواء كان التلف بآفة سماوية، أو بفعل فاعل في مباحث مستقلة كشفت لنا حكم هذه المسائل لدى الفقهاء، فأغنى والله الحمد عن إعادتها هنا. وخلاصة هذه المباحث: أن العيب الذي ثبت مقارنًا للعقد من ضمان البائع، ومن باب أولى ما كان قبل العقد.

стр. 2764

وأن العيب الطارئ بعد قبض المشتري للمبيع يعتبر من ضمان المشتري، ويستثنى على قول بعض الفقهاء: العهدة، ووضع الجائحة، وعقد الإجارة. [م-٥٣٨] وأما العيب الحادث بعد العقد، وقبل القبض. فقيل: يعتبر من ضمان البائع مطلقًا حتى يقبض، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واستثنى الحنفية العقار. وقيل: يعتبر من ضمان المشتري إلا إذا كان العيب في مبيع لا ينتقل ضمانه من البائع إلى المشتري إلا بالقبض كما في المبيع إذا كان فيه حق توفية. وهذا مذهب المالكية والحنابلة في الجملة. هذا باختصار ما يتعلق بالضمان، وقد بسطت هذه المباحث، ولله الحمد مع ذكر أدلتها التفصيلية، وبيان الراجح، فارجع إليها إن شئت. * * *

стр. 2765

الشرط الرابع عدم اشتراط البراءة من العيب «معنى البراءة: التزام المشتري للبائع في عقد البيع ألا يطالبه بشيء من سبب عيوب المبيع التي لم يعلم بها، كانت قديمة، أو مشكوكًا فيها» (١). قال ابن عابدين: «ومنه ما تعورف في زماننا فيما إذا باع دارًا مثلًا، فيقول: بعتك هذه الدار على أنها كوم تراب، وفي بيع الدابة يقول: مكسرة محطمة، وفي نحو الثوب يقول: حراق على الزناد، ويريدون بذلك أنه مشتمل على جميع العيوب» (٢). ويقال مثله في عصرنا: أبيعك السيارة على أنها كومة حديد. الغرض من هذا الشرط: غرض البائع من ذلك أن يجعل العقد لازمًا، بحيث لا يحق للمشتري الخيار في رد السلعة إذا ثبت فيها عيب. فإذا عرفنا ذلك، فهل يشترط لثبوت خيار الرد في العيب أن يكون العقد غير مقترن بشرط البراءة منه؟ وللجواب على ذلك نقول: تارة يكون العيب معلومًا للبائع، وتارة يكون العيب غير معلوم للبائع، وفي كل قد اختلف الفقهاء. [م-٥٣٩] فإن كان العيب معلومًا للبائع، فهل له أن يشترط البراءة منه وإن لم يخبر المشتري؟

стр. 2766

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يبرأ البائع مطلقًا إذا باعه بشرط البراءة، سواء كان البائع عالمًا به، أم غير عالم، وهذا مذهب الحنفية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢). القول الثاني: لا يبرأ البائع إذا كان عالمًا بالعيب، وهذا مذهب المالكية (٣)،وأحد قولي الشافعي (٤)، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن تيمية (٥). القول الثالث: لا يبرأ مطلقًا، سواء كان عالمًا أو غير عالم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).

стр. 2767

وقد ذكرنا أدلة كل قول في باب الشروط في البيع، فأغنى عن إعادتها هنا، ولله الحمد. [م-٥٤٠] وأما إن كان العيب أو العيوب مجهولة للبائع، وطلب البراءة من العيوب، فقد اختلف العلماء أيضًا، هل يبرأ البائع أم لا؟ على أربعة أقوال: القول الأول: يبرأ من جميع العيوب، في كل السلع، لا فرق في ذلك بين الحيوان وبين غيره، ولا فرق بين بيع الحاكم، والوارث وبين بيع غيره، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو أحد الأقوال عن مالك (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، وابن القيم (٤). القول الثاني: لا يبرأ إلا في الرقيق خاصة، بشرط أن تطول إقامة الرقيق عنده بحيث يطمئن فيه لسلامته من العيوب التي تؤثر في رغبة الناس في المبيع، ويستثنى من ذلك

стр. 2768

بيع الحاكم (القاضي) لخلاص الديون، أو على المفلس لقضائها، وكذلك بيع الوارث لخلاص الديون، وأما البيع من أجل الاقتسام فقولان، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١). القول الثالث: يبرأ في عيب باطن في الحيوان، عاقلًا كان أو غير عاقل، وهذا أظهر الأقوال عن الشافعي (٢)، وهو قول مالك في الموطأ (٣). القول الرابع: لا يبرأ مطلقًا إلا أن يطلع عليه المشتري، ويسميه له، ويوقفه عليه، وهو قول لمالك (٤)، وقول للشافعي (٥)،

стр. 2769

وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، وبه قال ابن حزم (٢)، وجماعة (٣). فإذًا الأقوال في المسألة أربعة: يبرأ مطلقًا، وهو مذهب الحنفية. لا يبرأ مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة. يبرأ في الحيوان والرقيق، وهو المشهور عند الشافعية. يبرأ في الرقيق خاصة، وهو المشهور من مذهب المالكية. وقد ذكرنا أدلة كل قول في بحث سابق في باب الشروط في البيع، فأغنى عن إعادته هنا. وقد رجحت في هذه المسألة وبينت أن أضعف الأقوال: القول بأن البائع ينفعه شرط البراءة إذا كان المبيع حيوانًا، سواء خص ذلك بالرقيق كما هو المشهور من مذهب المالكية، أو خص ذلك بالحيوان مطلقًا، عاقلًا كان أو غير عاقل كما هو المنصوص عن الشافعي في الأم، لأن شرط البراءة إذا نفع البائع في الحيوان، فغير الحيوان مقيس عليه. ويبقى النظر في القولين المتقابلين: القول بأنه يبرأ مطلقًا كما هو مذهب الحنفية، أو القول بأنه لا يبرأ مطلقًا كما هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي كلا القولين قوة، فالحنفية يرون أنه من باب الإسقاط، فالمشتري يملك حق خيار الرد بالعيب، فإذا أسقط حقه سقط، والإبراء من الحق المجهول جائز،

стр. 2770

والحنابلة يرون أن بعض العيوب قد تلحق ضررًا كبيرًا في المشتري، فلو دار في خلده أن يكون به مثل هذا الجنس من العيوب، أو مثل هذا القدر ما قبل البيع، واكتشاف هذا العيب بهذا الحجم يدل على أن العلم بالمبيع لم يكن متحققًا، وهو شرط في صحة البيع، فإذا لزمته الصفقة مع قيام هذا العيب المؤثر في ثمن السلعة والذي لم يعلم به العاقدان يعرض المشتري للغبن الفاحش، والغرر الكثير، ومثل هذا يؤثر في البيع. هذان التعليلان متقابلان، وأرى أن كلًا من التعليلين له وجه، وإن كنت أميل إلى اعتبار قول الحنابلة لأن القول بعدم لزوم البيع لن يدخل البائع في غبن؛ لأن حقه في المبيع سيعود إليه غير منقوص في الوقت الذي نكون قد جنبنا المشتري من الوقوع في الغبن والضرر، والله أعلم. * * *
следующие страницы →