اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يبرأ البائع مطلقًا إذا باعه بشرط البراءة، سواء كان البائع عالمًا به، أم غير عالم، وهذا مذهب الحنفية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢).
القول الثاني:
لا يبرأ البائع إذا كان عالمًا بالعيب، وهذا مذهب المالكية (٣)،وأحد قولي الشافعي (٤)، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن تيمية (٥).
القول الثالث:
لا يبرأ مطلقًا، سواء كان عالمًا أو غير عالم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 2767
وقد ذكرنا أدلة كل قول في باب الشروط في البيع، فأغنى عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
[م-٥٤٠] وأما إن كان العيب أو العيوب مجهولة للبائع، وطلب البراءة من العيوب، فقد اختلف العلماء أيضًا، هل يبرأ البائع أم لا؟ على أربعة أقوال:
القول الأول:
يبرأ من جميع العيوب، في كل السلع، لا فرق في ذلك بين الحيوان وبين غيره، ولا فرق بين بيع الحاكم، والوارث وبين بيع غيره، وهذا مذهب الحنفية (١)، وهو أحد الأقوال عن مالك (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، وابن القيم (٤).
القول الثاني:
لا يبرأ إلا في الرقيق خاصة، بشرط أن تطول إقامة الرقيق عنده بحيث يطمئن فيه لسلامته من العيوب التي تؤثر في رغبة الناس في المبيع، ويستثنى من ذلك
стр. 2768
بيع الحاكم (القاضي) لخلاص الديون، أو على المفلس لقضائها، وكذلك بيع الوارث لخلاص الديون، وأما البيع من أجل الاقتسام فقولان، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
يبرأ في عيب باطن في الحيوان، عاقلًا كان أو غير عاقل، وهذا أظهر الأقوال عن الشافعي (٢)، وهو قول مالك في الموطأ (٣).
القول الرابع:
لا يبرأ مطلقًا إلا أن يطلع عليه المشتري، ويسميه له، ويوقفه عليه، وهو قول لمالك (٤)، وقول للشافعي (٥)،
стр. 2769
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، وبه قال ابن حزم (٢)، وجماعة (٣).
فإذًا الأقوال في المسألة أربعة:
يبرأ مطلقًا، وهو مذهب الحنفية.
لا يبرأ مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
يبرأ في الحيوان والرقيق، وهو المشهور عند الشافعية.
يبرأ في الرقيق خاصة، وهو المشهور من مذهب المالكية.
وقد ذكرنا أدلة كل قول في بحث سابق في باب الشروط في البيع، فأغنى عن إعادته هنا.
وقد رجحت في هذه المسألة وبينت أن أضعف الأقوال: القول بأن البائع ينفعه شرط البراءة إذا كان المبيع حيوانًا، سواء خص ذلك بالرقيق كما هو المشهور من مذهب المالكية، أو خص ذلك بالحيوان مطلقًا، عاقلًا كان أو غير عاقل كما هو المنصوص عن الشافعي في الأم، لأن شرط البراءة إذا نفع البائع في الحيوان، فغير الحيوان مقيس عليه.
ويبقى النظر في القولين المتقابلين: القول بأنه يبرأ مطلقًا كما هو مذهب الحنفية، أو القول بأنه لا يبرأ مطلقًا كما هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي كلا القولين قوة، فالحنفية يرون أنه من باب الإسقاط، فالمشتري يملك حق خيار الرد بالعيب، فإذا أسقط حقه سقط، والإبراء من الحق المجهول جائز،
стр. 2770
والحنابلة يرون أن بعض العيوب قد تلحق ضررًا كبيرًا في المشتري، فلو دار في خلده أن يكون به مثل هذا الجنس من العيوب، أو مثل هذا القدر ما قبل البيع، واكتشاف هذا العيب بهذا الحجم يدل على أن العلم بالمبيع لم يكن متحققًا، وهو شرط في صحة البيع، فإذا لزمته الصفقة مع قيام هذا العيب المؤثر في ثمن السلعة والذي لم يعلم به العاقدان يعرض المشتري للغبن الفاحش، والغرر الكثير، ومثل هذا يؤثر في البيع.
هذان التعليلان متقابلان، وأرى أن كلًا من التعليلين له وجه، وإن كنت أميل إلى اعتبار قول الحنابلة لأن القول بعدم لزوم البيع لن يدخل البائع في غبن؛ لأن حقه في المبيع سيعود إليه غير منقوص في الوقت الذي نكون قد جنبنا المشتري من الوقوع في الغبن والضرر، والله أعلم.
* * *
стр. 2771
المبحث العاشر
في ثبوت خيار الرد في العيب
من اشترى سلعة معيبة لم يعلم عيبها إلى وقت القبض، ثم وقف على العيب فيها، فإما أن تكون السلعة بحالها لم يطرأ عليها زيادة ولا نقص، أو يتعذر رد السلعة على البائع لكون المشتري قد تصرف فيها.
وهل للمشتري أن يطالب بالأرش مطلقًا، سواء تعذر رد السلعة المعيبة، أو لم يتعذر، وسواء كان ذلك برضا البائع، أو لم يرض.
أو ليس له الأرش إلا برضا البائع، أو عند تعذر رد السلعة.
كل هذه المسائل منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو محل خلاف بينهم، وسوف نعرض لهذه المسائل مسألة مسألة، ونبين الراجح منها إن شاء الله تعالى، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2772
الفرع الأول
أن يتعذر رد السلعة المعيبة
[م-٥٤١] إن كان المشتري قد تصرف في السلعة، أو طرأ عليها زيادة، أو نقصان، فليس للمشتري أن يرد السلعة وقد تغيرت، وله أن يطالب بأرش العيب، باتفاق الأئمة الأربعة في الجملة، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى ضمن المسائل التي تمنع من رد السلعة المعيبة في مسائل مستقلة، ضمن هذا الباب.
والأرش: في اللغة: الفساد، ثم استعمل في نقص الأعيان؛ لأنه فساد فيها، والجمع: أروش، مثل: فَلْس، وفُلُوس، وعرش وعروش.
واصطلاحًا: هو المال الواجب في الجناية على ما دون النفس، وقد يطلق على بدل النفس، وهو الدية.
ثم توسع الفقهاء في إطلاق هذا المصطلح فأرادوا به: الفرق بين قيمة المبيع معيبًا، وبين قيمته سليمًا من الثمن.
يقول الشيرازي: «إذا أراد الرجوع بالأرش: قوم المبيع بلا عيب، فيقال: قيمته مائة، ثم يقوم مع العيب، فيقال: قيمته تسعون، فيعلم أنه قد نقص العشر من بدله، فيرجع على البائع بعشر الثمن» (١).
وقال المرداوي في تعريفه: «هو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن» (٢).
стр. 2773
فلو قوم المبيع صحيحًا بعشرة دراهم، ومعيبًا بثمانية دراهم، وكان الثمن الذي جرى عليه العقد خمسة عشر، فالنقص خمس الثمن (١).
* * *
стр. 2774
الفرع الثاني
أن تكون السلعة المعيبة قائمة بحالها لم تتغير
[م-٥٤٢] إن كان المشتري لم يتصرف في السلعة المعيبة، ولم يطرأ عليها زيادة، ولا نقصان، فإن له أن يرد السلعة، ويأخذ الثمن، وله أن يمسكها، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
قال ابن قدامة: «متى علم - يعني المشتري - بالمبيع عيبًا، لم يكن عالمًا به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم، لا نعلم بين أ هل العلم في هذا خلافًا» (١).
وقال ابن حزم: «واتفقوا على أن من اشترى شيئًا، ولم يبين له البائع بعيب فيه، ولا اشترط المشتري سلامته، ولا اشترط ألا خلابة، ولا بيع منه ببراءة، فوجد فيه عيبًا كان عند البائع، وكان ذلك العيب يمكن للبائع علمه، وكان يحط من الثمن حطًا لا يتغابن الناس بمثله في ذلك المبيع في مثل ذلك الوقت، نعني وقت عقد البيع، ولم تتلف عين المبيع ولا بعضها، ولا تغير اسمه، ولا تغير سوقه، ولا خرج عن ملك المشتري كله ولا بعضه، ولا أحدث المشتري فيه شيئًا، ولا وطئًا، ولا غيره، ولا ارتفع ذلك العيب، وكان المشتري قد نقد فيه جميع الثمن، فإن للمشتري أن يرده، ويأخذ ما أعطى من الثمن، وله أن يمسكه إن أحب، واختلفوا فيما عدا كل ما ذكرنا بما لا سبيل إلى ضم إجماع حائز فيه» (٢).
* * *
стр. 2775
الفرع الثالث
إذا وافق البائع على الأرش مقابل قبول المشتري للسلعة
علمنا من الفصل السابق أن المشتري له أن يرد السلعة المعيبة إذا كانت قائمة بحالها لم تتغير، ولم يتصرف فيها، وله أن يمسكها.
فإن أحب المشتري أن يمسك السلعة المعيبة، ويطالب المشتري البائع بأرش العيب، فإما أن يكون ذلك برضا البائع، أو يكون ذلك بدون رضاه.
[م-٥٤٣] فإن كان ذلك برضاه، فقد ذهب عامة الفقهاء إلى جوازه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (١)، ورجحه ابن تيمية (٢).
قال ابن رشد: «فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته، ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك» (٣).
وقيل: لا يصح، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المذهب عندهم (٤).
стр. 2776
دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول:
قالوا القياس على جواز أخذ الأرش إذا فاتت السلعة المعيبة، كما لو تصرف المشتري بالسلعة ببيع ونحوه وتعذر الرد، أو طرأ على السلعة المعيبة زيادة أو نقصان، فإذا جاز أخذ الأرش في مثل هذه، جاز أخذ الأرش هنا ما دام ذلك بالتراضي بين العاقدين.
الدليل الثاني:
خيار العيب حق للمشتري، وهذا الحق له أن يستوفيه برد السلعة، وله أن يأخذ العوض على هذا المال بشرط أن يكون ذلك بالتراضي بين العاقدين، فإذا تراضيا على دفع عوض مقابل إسقاط هذا الحق جاز.
الدليل الثالث:
يمكن أن يعتبر أخذ العوض على ما فات من عين السلعة أو صفتها بمثابة عقد جديد بناء على فسخ العقد الأول، وإنشاء عقد آخر بثمن جديد اتفقا عليه، بدليل أننا نشترط أن يكون ذلك بالتراضي بين العاقدين وهذا لا يمكن أن يمنع منه أحد.
دليل من قال: لا يجوز:
ثبوت الخيار للمشتري في رد السلعة المعيبة لا يعطيه الحق بالمعاوضة على هذا الحق، فالخيار في العيب حق يمكن صاحبه من فسخ العقد، فهو خيار فسخ فقط، ولا يعتبر من الحقوق المالية التي يجوز بيعها وشراؤها، كالشأن في خيار المجلس وخيار الشرط بجامع أن كلًا منها غير متقوم.
стр. 2777
وأجيب:
بأن قياس خيار العيب على خيار المجلس أو الشرط خيار مع الفارق؛ وذلك لأن خيار الشرط وخيار المجلس لا يوجد لهما بدل، بخلاف خيار العيب فإن المشتري قد يرجع إلى الأرش إذا تعذر رد المبيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن خيار العيب يأخذ العوض في مقابل ما فات من السلعة، ويسقط إلى مال، وهذان معنيان ليسا في خيار المجلس أو الشرط.
قلت: وعلى فرض أن يكون خيار الفسخ ليس حقًا ماليًا فهذا لا يعني تحريم المعاوضة عليه، كالخلع، فإن المرأة تفتدي نفسها بعوض، وإن لم يكن في مقابلة مال، ومثله أيضًا حق النزول عن الوظيفة بمال، فهو جائز، وإن لم يكن في مقابلة مال، والصلح عن دم العمد وغيرها كثير.
فالراجح: أن دفع الأرش يجوز إذا كان ذلك برضا المتعاقدين، وهو بمثابة إنشاء عقد جديد، أو بمنزلة الصلح بمعنى البيع.
* * *
стр. 2778
الفرع الرابع
في إلزام البائع بالأرش ونحوه
[م-٥٤٤] إن أحب المشتري أن يمسك السلعة المعيبة، والتي لم يطرأ عليها زيادة، ولا نقصان، ولم يتصرف في السلعة تصرفًا يمنع من ردها، فهل له أن يلزم البائع بدفع الأرش دون رضاه؟
هذه المسألة قد اختلف فيها العلماء على أربعة أقوال:
القول الأول:
ليس للمشتري أن يطالب البائع بأرش العيب بدون رضاه، فإن شاء رد السلعة، وإن شاء أمسكها بلا أرش، وهذا قول الحنفية (١)، الشافعية (٢)، واختاره بعض المالكية (٣) ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية (٤).
القول الثاني:
إن كان المبيع المعيب حيوانًا فليس له أخذ الأرش، وله رده أو إمساكه.
وإن كان عقارًا، وكان العيب يسيرًا ذا قيمة (٥)، فليس له رده، وله أخذ الأرش.
стр. 2779
وإن كان المبيع عروضًا، فالمشهور أن حكمه حكم الحيوان.
القول الثالث:
حكمه حكم العقار، اختاره ابن رشد الجد وغيره. وهذا التفصيل هو القول المشهور في مذهب مالك (١).
القول الرابع:
يخير المشتري بين الرد، وبين إمساك المبيع مع أخذ الأرش، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، وبه قال إسحاق (٣).
دليل الجمهور على أنه ليس له أن يلزم البائع بالأرش:
الدليل الأول:
(ح-٤٤٣) روى البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج.
قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (٤).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ بين حق المشتري بين الإمساك من غير أرش، وبين رد السلعة، ولو كان الأرش واجبًا لبينه النبي ﷺ .
стр. 2780
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن التصرية من باب التدليس، وليس من قبيل العيب، والتصرية ليس فيها أرش، ولذلك لو امتنع رد المبيع المصَرَّى على البائع لم يملك المشتري المطالبة بالأرش بخلاف العين المعيبة، فإن الفقهاء متفقون بأنه إذا تعذر رد العين المعيبة تعين الأرش.
ورد هذا:
بأن التدليس أقبح من بيع السلعة المعيبة؛ لأن السلعة المعيبة قد يكون عيبها بأصل الخلقة، وقد يكون البائع لم يعلم بالعيب، أو علمه ونسي أن ينبه عليه، بخلاف التدليس فإنه غش وكتمان وخديعة، ولذلك ذهب شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى إلى أن الأرش لا يلزم به البائع إلا إذا تبين أنه دلس في السلعة، فقد قال عن قول ابن تيمية بأن الأرش لا يلزم البائع بأنه قول «وجيه إلا إذا علمنا أن البائع مدلس - أي علم بالعيب ولكنه دلس - فهنا يكون الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد، معاملة بأضيق الأمرين» (١).
الدليل الثاني:
شرط صحة البيع وجود الرضا من المتعاقدين، وإجبار البائع على دفع الأرش إجبار على معاوضة جديدة لم يلتزمها، ولم يقبل بها، فالبائع لم يرض بخروج المبيع عن ملكه إلا بالمسمى بينهما، فإجباره على إخراجه من ملكه بأقل من المسمى إكراه على البيع، وهذا لا يجوز (٢).
стр. 2781
الدليل الثالث:
خيار العيب شرع لأجل دفع الضرر عن المشتري وعن البائع:
فالمشتري يدفع الضرر عن نفسه بالسلعة المعيبة بتمكينه من رد السعلة إلى صاحبها، وأخذ ما دفعه من الثمن، وعدم إلزامه بقبول السلعة المعيبة بالثمن المتفق عليه.
ودفع الضرر عن البائع يكون بعدم إلزامه بدفع أرش العيب، وهو لم يلتزمه، وبهذا يتحقق أنه لا ضرر ولا ضرار.
فإذا ألزمنا البائع بدفع أرش العيب لحق البائع ضرر بذلك؛ لأنه دخل في العقد على أن يحصل له الثمن كاملًا، فإجبار البائع بإخراج المبيع عن ملكه ببعض الثمن من غير رضاه ضرر بين عليه، فالقول العدل الذي يحقق مصلحة كل من البائع والمشتري بأن يخير المشتري بين الإمساك وبين رد السلعة وأخذ الثمن.
دليل من فرق بين العيب اليسير في العقار وبين العيب في الحيوان والعروض:
قالوا: إن العقار لا يخلو من العيب، فلو رد العقار في اليسير والكثير لأضر ذلك بالبائع، ولهذا كانت عادة التجار التساهل في اليسير من العيوب، ولأن العيب اليسير في العقار غالبًا ما يسهل إصلاح عيبه، بحيث لا يبقى منه شيء بخلاف غيره.
وقيل في التفريق: أن العيب في الدور والأصول لا يعيب إلا موضعه، ويتهيأ زواله، وغيرها يعيب جميعه، ولا يتهيأ زواله.
وقيل في التفريق: أن الدور تشترى للقنية بخلاف غيرها (١).
стр. 2782
ويناقش:
بما اعترض به بعض المالكية، حيث ذكر ابن زرقون: بأن مسألة التفريق بين الدور وغيرها ضعيفة، ولذلك احتاج الناس إلى توجيهها (١).
وبأن الأدلة التي أثبتت خيار العيب لم تفرق بين منقول وعقار، وعليه فالتفريق يحتاج إلى دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح، ولا دليل.
دليل الحنابلة على أن المشتري له أن يلزم البائع بدفع الأرش:
الدليل الأول:
قالوا بأن العاقدين بانعقاد البيع قد تراضيا بأن الثمن في مقابل المبيع، فكل جزء من الثمن يقابله جزء من المبيع، ومع ظهور العيب في المبيع فقد فات جزء منه، إما عينًا أو صفة، ومن ثم كان للمشتري أن يرجع على البائع ببدل هذا الجزء الفائت من المبيع، وهو الأرش.
ويناقش:
نحن لا نسلم بأن السلعة المعيبة قد فات جزء منها على المشتري، وإنما الواقع أن المشتري قد اغتر فظن المبيع سليمًا، فإذا بان واتضح العيب ثبت له الخيار.
وعلى التسليم بأنه بثبوت العيب في السلعة يكون قد فات جزء من المبيع على المشتري، فإننا والحالة هذه نكون قد مكنا المشتري من رد السلعة لدفع الغبن عن نفسه، ولكن أن نلزم البائع بأن يخرج المبيع من ملكه بثمن لا يرضاه، ولم يجر الاتفاق عليه فإن هذا من الإكراه على البيع، والإكراه على البيع غير جائز،
стр. 2783
قال تعالى: ﴿لَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فلا بد في صحة العقد من وجود الرضا من المتعاقدين.
الدليل الثاني:
لو حدث في السلعة المعيبة عيب جديد عند المشتري لم يكن للمشتري حق رد السلعة وقد تغيرت عنده، وكان له أخذ الأرش من البائع عند فقهاء الأئمة الأربعة (١)، فكذلك ما نحن فيه بجامع أن كلًا منهما عيب في المبيع.
ومثله لو تلفت السلعة عند المشتري، ثم اطلع على عيب قديم فيها، فإن له الرجوع بالأرش.
ويجاب:
بأن الرجوع إلى الأرش مع تعذر الرد نوع من الاضطرار أكثر منه من الاختيار؛ لأننا إما أن نقول بعدم الأرش، وهنا إضرار بالمشتري، أو نقول بوجوب الرد مع تغير السلعة وهذا إضرار بالبائع، فكان القول بالأرش هنا من باب الاضطرار، ويختلف الحال عنه إذا كانت السلعة قائمة بحالها لم تتغير، فإنه بالإمكان فسخ العقد برد السلعة على البائع، والرجوع بالثمن للمشتري، وهنا لم يتضرر كل من البائع والمشتري.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن القول القوي الذي تؤيده الأدلة أن الأرش لا يلزم البائع إلا برضاه، وأن المشتري له الخيار بين الإمساك وبين الرد، والله أعلم.
* * *
стр. 2784
المبحث الحادي عشر
موانع الرد بالعيب
المانع الأول
الرضا بالعيب
[م-٥٤٥] إذا تبين للمشتري بعد البيع أن السلعة معيبة، ورضي المشتري بالعيب فلا خيار له، كما لو علم بالعيب قبل الشراء، ورضي به.
ولا يكفي اطلاعه على العيب بل لا بد أن يعلم أنه عيب في السلعة، فلو اطلع على العيب ورضي به، ولم يعلم أن مثله يعتبر عيبًا فلا يعتبر اطلاعه عليه رضا.
قال في حاشية ابن عابدين:
«لو رأى بالأمة قرحة، ولم يعلم أنها عيب، فشراها، ثم علم أنها عيب، له ردها؛ لأنه مما يشتبه على الناس، فلا يثبت الرضا بالعيب» (١).
والرضا بالعيب قسمان: صريح وكناية.
فالرضا الصريح: كأن يقول بعد اطلاعه على العيب رضيت به، أو أجزت البيع، أو أبرأت البائع، أو أسقطت خياري، فإذا نطق بالرضا فلا خيار له، وهذا باتفاق الفقهاء (٢).
стр. 2785
لأن الرد حق له، فإذا أسقطه برضاه سقط.
ولأن الرد ثبت دفعًا للضرر عن المشتري، فإذا رضي بالضرر جاز البيع.
قال ابن تيمية: «إذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالا تفاق» (١).
والرضا الضمني أو الكناية:
بأن يصدر من المشتري بعد العلم بالعيب فعل يدل على الرضا به، كما لو استغل المبيع لغير ضرورة ولا تجربة (٢)، أو عرضه للبيع.
فإن حصل مثل ذلك، فقيل: يسقط خياره، وهذا قول عامة أهل العلم (٣).
وقيل: لا يسقط خياره، وهو اختيار ابن حزم (٤).
стр. 2786
دليل الجمهور على سقوط الخيار:
الدليل الأول:
حكى الخرشي من المالكية الاتفاق على سقوط الخيار، قال ﵀: «وأما لبس الثوب، ووطء الأمة فهو رضا باتفاق» (١).
ومع ثبوت الخلاف عن ابن حزم لا يثبت الاتفاق.
الدليل الثاني:
أن التصرف بالمبيع بعد الاطلاع على العيب دليل على رضاه به، ورغبته باستبقاء ملكه عليه، فينزل منزلة التصريح بقبوله إياه.
دليل ابن حزم على أن التصرف لا يسقط الخيار:
بأن الحق الثابت بالنص لا يسقطه إلا نص مثله، أو إجماع، وقد ثبت للمشتري حق الرد بالعيب بالنصوص الصحيحة الصريحة، فلا يسقطه إلا نص أو إجماع متيقن، ولا سبيل إلى وجودهما في هذه المسألة.
والراجح:
ما ذهب إليه الجمهور، وأن التصرف في المبيع واستعماله دليل على رضاه به معيبًا، إذ لو كان يرغب في رده لم يتصرف فيه تصرف الملاك مع كونه من مال الغير، فتصرفه في مال الغير مع رغبته في رده يعتبر من الاعتداء على مال الغير، فحماية لحق البائع اعتبر انتفاعه بمال غيره من قبيل الرضا بالعيب، وأن مثل هذا مسقط لخياره، والله أعلم.
* * *
стр. 2787
الفرع الأول
استعمال المبيع للضرورة هل يمنع الرد
[م-٥٤٦] إذا لبس الرجل ثوبًا، ثم اكتشف به عيبًا، وهو في السوق، وليس معه من الثياب غيره، فهل بقاؤه لابسًا له حتى يكون في مكان يمكنه أن يجد فيه ثوبًا يلبسه، هل يعتبر مثل ذلك مانعًا من رده؟
ومثل ذلك لو أنه ركب الدابة، ثم اطلع على العيب، وهو في الطريق، وليس معه ما يركبه، فهل ركوبه يسقط حقه في الرد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
القول بأن ذلك يمنع من رد السلعة، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)، وهو المفهوم من إطلاق الحنابلة (٣).
وجه ذلك:
أن لبس الثوب وركوب الدابة، وإن كان مضطرًا إليه إذا كان ذلك من أجله هو فهو بمنزلة الرضا، وإن كان من أجل الدابة كما لو ركبها ليعلفها، أو ليسقيها، أو ليردها لم يعتبر ذلك رضا منه.
ولأن اللبس قد ينقص من قيمة المبيع، خاصة إذا طال اللبس، واتسخ الثوب.
стр. 2788
فإن قيل: إنه كان مضطرًا إلى لبس الثوب، أو ركوب الدابة يقال في الجواب: إن اضطراره ألزمه الرضا بالمبيع.
أو يقال: إن اضطراره لا يعطيه حق الفسخ، وإنما يدفع عنه دلالة الرضا بالنقيصة، بحيث يمكنه استرجاع أرش النقيصة إذا طالب به، والله أعلم.
القول الثاني:
لا يمنع ذلك من رد السلعة إذا كان الركوب واللبس للضرورة، وهذا قول في مذهب الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، واختاره ابن حزم (٣).
وجه ذلك:
أن لبس الثوب في مثل هذه الحالة لا يدل على الرضا بالسلعة، وإنما كان لبسه له ضرورة، وهو معذور في لبسه.
ولأن الرد قد وجب له بوجود العيب، فهو على ما وجب له، لا يجوز أن يسقط هذا الحق إلا بنص، أو إجماع متيقن، ولا سبيل إلى وجودهما هنا.
وقيل: في التفريق بين استدامة اللبس فلا يسقط به الرد، وبين استدامة الركوب، فإنه يسقط به الرد، وهذا مذهب الشافعية (٤).
стр. 2789
وجه قولهم: أن نزع الثوب في الطريق غير معتاد، فلا يسقط به الرد، ولأن استدامة لبس الثوب في طريقه للرد لا تؤدي إلى نقصه، واستدامة ركوب الدابة قد يؤدي إلى تعيبها.
وقد يقال في الجواب عن ذلك
إن لبس الثوب قد يخلقه، ويتسخ به، بخلاف ركوب الدابة فإنها قد خلقت لذلك فلا تتأثر، لكن التعليل الأول أن خلع الثوب في الطريق غير معهود، وقد لا يكون معه ثوب غيره، بخلاف الركوب فإنه يمكنه المشي، كما يمكنه أن يستأجر دابة غيرها ليركبها، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن القول بأنه إذا اضطر إلى ركوب الدابة، أو لبس الثوب بعد أن علم بالعيب، واختار الرد أن ذلك لا يسقط حقه من الرد، لأنه لا يعتبر ذلك منه رضا بالبيع، والذي هو ركن من أركان البيع، ولكن يثبت عليه أجرة الركوب واللبس إذا استخدم مال غيره مضطرًا إليه، أو يدفع أرش نقص السلعة بسبب الاستخدام، فإن ركب أو لبس غير مضطر إلى ذلك فإن ذلك يمنع من رد السلعة، والله أعلم.
* * *
стр. 2790
الفرع الثاني
تجربة المبيع بعد العلم بالعيب هل يسقط حق الرد
[م-٥٤٧] اختلف العلماء فيما لو اشترى دابة أو ثوبًا، فوجد عيبًا، ثم ركب الدابة، أو لبس الثوب للتجربة، فهل يسقط حقه في الرد؟
فقيل: إن الركوب واللبس بعد الاطلاع على العيب يسقط حقه من الرد، وهذا مذهب الحنفية (١)، والظاهر من إطلاق المالكية (٢).
قال الكرابيسي: «وإذا اشترى دابةً، أو قميصًا، على أنه بالخيار، فركبها في حاجته لينظر إليها وإلى سيرها أو لبس القميص لينظر إلى قدره عليه فهو على خياره. ولو اشتراها فوجد بها عيبًا، فركبها، أو لبس القميص كان هذا رضا بالعيب، والفرق: أن شرط الخيار للاختبار وهذه الأشياء مما يقع بها الاختبار فلم يكن مختارًا وأما في العيب فليس له أن يختبر.
وجه آخر: أنه خير ليختبر، فلم يكن ركوبه ولبسه للاختبار اختيارًا. وأما في العيب فلم يجعل له أن يختبر، فصار باختباره مختارًا» (٣).
стр. 2791
وقيل: إن ذلك لا يمنع من رد السلعة، وهذا مذهب الحنابلة (١).
وجه ذلك: أن استخدام المبيع إذا كان بقصد التجربة لم يكن ذلك من قبيل الرضا بالمبيع؛ لأن المشتري قد يستخدمه ليتحقق من وجود العيب، أو يتحقق من تأثير العيب على وظائف السلعة، فلا يكون الاستخدام رضا بالعيب.
الراجح:
أن الاستعمال بعد الاطلاع على العيب يسقط حقه من الرد إلا إذا ادعى المشتري أنه قصد من الاستعمال التأكد من وجود العيب فإن ذلك لا يسقط حقه من الرد؛ لأن المشتري لا يمكنه المطالبة برد السلعة إلا إذا تحقق من وجود العيب، ولا يكون ذلك إلا باستعمال المبيع، والله أعلم.
стр. 2792
المانع الثاني
تغير المبيع عند المشتري
إذا تغير المبيع بنقص أو زيادة، أو بتحوله إلى عين أخرى لا يجوز تملكها، وكان هذا التغير حدث عند المشتري، فهل يمنع ذلك من رد المبيع، وللجواب على ذلك يقال:
تغير المبيع بالزيادة فإن الزيادة تكون على قسمين:
إما أن تكون الزيادة متصلة في المبيع. أو تكون الزيادة منفصلة.
ومثله تغير المبيع بالنقص فهو يأتي على ثلاث صور:
الأولى: أن يكون النقص حاصلًا بسبب خروج بعض المبيع من ملك المشتري ببيع، أو وقف، أو هبة ونحو ذلك.
الثانية: أن يكون النقص حاصلًا بسبب لا بد منه للوقوف على عيب المبيع، وذلك كما في حلب المصراة، وكسر ما مأكوله في جوفه، ونحو فتح المعلبات ونحوها للاطلاع على ما فيها.
الثالثة: أن يكون حصول النقص ليس بسبب الوقوف على عيب المبيع، وإنما نتيجة سوء استخدام المشتري للمبيع، وذلك كما لو اشترى دابة، فانكسرت رجلها، أو أصابها عور أو عمى عند المشتري.
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى كل هذه المسائل في مباحث مستقلة، ونبين فيها بحوله وقوته أوجه الاتفاق والخلاف، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2793
الفرع الأول
تغير المبيع بتحوله إلى عين أخرى لا يجوز تملكها
[م-٥٤٨] إذا تغير المبيع بتحوله إلى عين أخرى لا يجوز تملكها، كما لو اشترى رجل مسلم من رجل مسلم عصيرًا معيبًا، فلم يعلم المشتري بعيبه حتى صار خمرًا.
ومثله أن يشتري ذمي خمرًا من ذمي، ثم يسلما، فيجد المشتري في الخمر عيبًا، فإن تحول المبيع إلى عين محرمة لا يجوز تملكها يمنع من رد السلعة المعيبة؛ لأن المسلم لا يصح أن يتملك الخمر بأي سبب من أسباب التملك.
جاء في الفتاوى الهندية: «قال محمد رحمه الله تعالى في الجامع: مسلم اشترى عصيرًا، وقبضه، وتخمر في يده، ثم اطلع على عيب لم يرده، ويرجع بنقصان العيب، فإن قال البائع: أنا آخذ الخمر بعينها فليس له ذلك ; لأن امتناع الرد لحق الشرع ... » (١).
وقال النووي: «لو اشترى عصيرًا حلوًا، فلم يعلم بعيبه حتى صار خمرًا، فله الأرش، وليس له رد الخمر، واسترجاع ثمنه، سواء أرضي البائع بقبوله أم لا؛ لتحريم المعاوضة على الخمر» (٢).
* * *
стр. 2794
الفرع الثاني
تغير المبيع بالزيادة
المسألة الأولى
تغير المبيع بالزيادة المتصلة
[م-٥٤٩] إذا حدث في المبيع زيادة متصلة، كالسمن في البدن، والبرء من المرض، وكصبغ الثوب وخياطته، ثم وجد المشتري به عيبًا، فهل هذه الزيادة تمنع من رده؟ وإذا رده فلمن تكون هذه الزيادة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال منها:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الزيادة المتصلة التي تمنع من رد المبيع بالعيب هي كل زيادة لم تكن متولدة من المبيع، وذلك كالصبغ في الثوب، والخياطة في الثوب، والبناء والغرس في الأرض، فهذه الزيادة تمنع من الرد بالعيب مطلقًا، سواء حدثت قبل القبض أو بعده (١).
وحجتهم:
الدليل الأول:
حكى الكاساني الإجماع على أن الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل تمنع من الرد (٢).
стр. 2795
الدليل الثاني:
أن هذه الزيادة ليست بتابعة، بل هي أصل بنفسها، فلو رد المبيع فإنه لا يخلو: إما أن يرده وحده بدون الزيادة، وهذا لا سبيل إليه لتعذره.
أو يرده مع الزيادة، وهذا أيضًا لا سبيل إليه لكون الزيادة ليست مبيعة، فامتنع أصلًا، والفسخ لا يرد على غير المبيع؛ فلو رده مع الزيادة لزم الربا، فإن الزيادة تكون فضلًا مستحقًا في عقد المعاوضة بلا مقابل، وهو معنى الربا أو شبهته، ولشبهة الربا حكم الربا، فلا يجوز، فامتنع أصلًا، وليس للبائع أن يأخذه وإن رضي المشتري بترك الزيادة؛ لأن الامتناع لم يتمحض لحقه، بل لحقه وحق الشرع بسبب ما ذكرنا من لزوم الربا.
وكون الزيادة مانعة مطلقًا، سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده؛ لأن تصرف المشتري في المبيع قبل القبض بمنزلة القبض، فكأنه قد قبض المبيع (١).
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى أن الزيادة المتصلة لا تمنع من الرد بالعيب، على خلاف فيما بينهم فيمن يستحق هذه الزيادة، هل تكون للبائع، أو تكون للمشتري، أو يكون المشتري شريكًا للبائع في المبيع بقدر تلك الزيادة؟ وإليك تفصيل هذه الأقوال:
فذهب المالكية إلى التفريق بين الزيادة المتولدة من الأصل، وبين ما يحدثه المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ والخياطة:
أما الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل كالسمن، والكبر، والتعليم، فاختلف المالكية على قولين:
стр. 2796
الأول: أن ذلك لا يمنع من الرد بالعيب، وهو مخير بين أن يرد الدابة بحالها، أو يمسك، ولا شيء له.
الثاني: أن ذلك يمنع من الرد بالعيب، وليس له إلا الإمساك، والرجوع بقيمة العيب.
وأما الزيادة التي تكون نتيجة ما يحدثه المشتري في المبيع من صبغ وخياطة، فإنه لا خلاف في المذهب أن ذلك يوجب له الخيار: بين أن يمسك، ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويكون شريكًا بما زاد بما أحدثه من الصبغ وشبهه (١).
وجه ذلك:
أن مال المشتري قد اختلط بمال البائع على وجه لا يمكن فصلهما، فأصبحا شريكين بقدر حصصهما.
وأما الشافعية، والحنابلة فقد ذهبوا إلى أن الزيادة المتصلة لا تمنع من الرد، وترد مع أصلها، ولا شيء للمشتري (٢).
وجه قولهم:
أن هذه الزيادة لا يمكن أن تنفرد عن الأصل في الملك، فمن ملك الأصل ملك هذه الزيادة.
стр. 2797
وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الفوائد المتصلة ترد مع المبيع عند رده بالعيب، وفي دعوى الإجماع نظر (١).
وذهب الإمام أحمد في رواية، اختارها ابن عقيل وابن تيمية إلى أن الزيادة لا تمنع من الرد، وتكون الزيادة من حق المشتري (٢).
стр. 2798
واستدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
الملك ثابت للمشتري في السلعة المعيبة من حين العقد، وكون الخيار له في رد السلعة المعيبة لا ينافي ثبوت الملك، وإذا كان الملك له، كان النماء له أيضًا، لأنه حدث في ملكه.
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٤) روى أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف، وقد ضعفه البخاري وأبو داود، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٢).
الدليل الثالث:
ولأن النماء المتصل قد يكون أنفع من المنفصل وأغلى عند الناس، فإذا فسخ البيع يقوم المبيع حين العقد، ويقوم حين الفسخ، والفرق بين القيمتين تكون للمشتري.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن القول بأن الزيادة لا تمنع من الرد هو القول الراجح لقوة أدلته، وهل يستحق الزيادة البائع، أو المشتري، فإذا كانت
стр. 2799
الزيادة قد حدثت في ملك المشتري فهي من نصيبه، لأن الخراج بالضمان، ولكن لا يجبر البائع على دفع قيمة هذه الزيادة المتصلة؛ لأن إجبار البائع على دفع قيمة الزيادة إجبار على معاوضة لم يردها، والبيع إنما هو عن تراض، فإن شاء البائع أن يدفع قيمة تلك الزيادة، وإلا كان المشتري شريكًا له بقدر تلك الزيادة، هذا ما أميل إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2800
المسألة الثانية
تغير المبيع بالزيادة المنفصلة
المطلب الأول
الزيادة إذا كانت من غير عين المبيع
[م-٥٥٠] الزيادة المنفصلة تارة تكون من عين المبيع كالولد والثمرة.
وتارة تكون من غير عين المبيع، وذلك مثل كسب العبد وخدمته، وأجرته، ونحو ذلك. فإذا كانت الزيادة من غير عين المبيع كما لو اشترى الرجل سيارة يشتغل عليها، ويكسب منها، أو آلة تدر عليه غلة معينة كل يوم، فهل له أن يرد المبيع وقد حدث فيه زيادة منفصلة غير متولدة، أو أن هذه الزيادة تمنع من الرد؟
وللجواب يقال: قد أجمع الفقهاء على أن الزيادة المنفصلة غير المتولدة كالغلة الحاصلة من تأجير المبيع لا تمنع من رد المبيع بالعيب.
جاء في تحفة الفقهاء: «أجمعوا أن الكسب والغلة التي تحدث بعد القبض لا تمنع فسخ العقد» (١).
واتفق عامتهم على أن الزيادة تكون للمشتري (٢).
стр. 2801
وقيل: الزيادة ترد مع المبيع، ونسب هذا القول إلى عثمان البتي، وعبيد الله ابن الحسن (١).
وقد احتج الجمهور بحديث الخراج بالضمان، وقد سبق بحثه (٢).
كما احتج بعضهم بالإجماع، قال ابن قدامة عن كون الزيادة المتولدة من غير عين المبيع للمشتري، قال: «لا نعلم في هذا خلافًا» (٣).
وقال ابن رجب: «لو اشترى شيئًا، فاستغله، ونما عنده، ثم رده بعيب، فإن كان نماؤه كسبًا لم يرده معه، قال كثير من الأصحاب: بغير خلاف ... » (٤).
وأما حجة من قال: الغلة رد على البائع:
لم أقف على حجتهم، وقد قال ابن عبد البر: «أما ...... عثمان البتي وعبيد الله بن الحسن فقد جهلوا السنة المأثورة من نقل أهل المدينة في أن الخراج بالضمان، والغلة بالضمان، وقالوا بالرأي على غير سنة» (٥).
فإن كان رأيهم مبنيًا على أن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله، وكأن المبيع لم ينتقل عن ملك البائع، فإن هذا غير مسوغ لهذا القول، وذلك أن يد المشتري كانت يدًا ضامنة، والغنم بالغرم، والخراج بالضمان فليس القول بأن الرد فسخ للعقد من أصله يجعل الغلة من حق البائع، والله أعلم.
* * *
стр. 2802
المطلب الثاني
الزيادة المنفصلة إذا كانت من عين المبيع
إذا اشترى الرجل دابة، وبعد قبضها ولدت، ثم وقف على عيب فيها، أو اشترى شجرة، فأثمرت عنده، فوقف على عيب فيها، فهل هذه الزيادة تمنع من ردها؟ اختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال:
القول الأول:
تمنع من الرد ما دام أن الزيادة حدثت بعد قبض السلعة، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
لا تمنع ممن الرد، وهذا مذهب الجمهور على خلاف بينهم لمن تكون هذا الزيادة:
القول الثالث:
إن كانت النماء من قبيل الثمار، فالثمار للمشتري، وإن كان من قبيل الولد فهو يرد مع أمه للبائع، وهذا مذهب المالكية (٢).
стр. 2803
القول الرابع:
الزيادة للمشتري من غير فرق بين الثمرة والولد، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
القول الخامس:
الزيادة تكون للبائع، وهو ظاهر قول عثمان البتي، وعبيد الله ابن الحسن (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
دليل من قال: الزيادة تمنع الرد:
استدل الحنفية لمنع الرد بأن القول بالرد يتضمن محظورين؛ لأنها إما أن ترد مع الأصل، أو يرد الأصل بدونها:
فإن ردت مع الأصل ترتب على ذلك إعطاء ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه (٥).
وإن رد الأصل بدونها لزم منه الربا: لأن المشتري يكون أخذ الزيادة بدون مقابل، وذلك هو عين الربا، وما دام أن الفسخ يترتب عليه هذان المحظوران، فإننا نقول: يمتنع الرد، ويتعين الأرش، حتى لا يذهب حق المشتري (٦).
стр. 2804
ويناقش:
بأن المشتري إذا أخذ الزيادة لم يكن ذلك بلا مقابل، بل أخذ ذلك مقابل الضمان، ولذلك لم يعتبر الحنفية الغلة الحاصلة من كسب العبد إذا أخذها المشتري بأنها من قبيل الربا، مع أنها زيادة حاصلة من عين المبيع.
دليل المالكية في التفريق بين ثمرة الشجرة وبين الولد:
أما الدليل على أن ثمرة الشجرة تكون للمشتري، فهو حديث الخراج بالضمان (١).
وأما الدليل على أن الولد يكون للبائع، فإن الولد لا يعتبر خراجًا للمبيع، وإنما هو جزء منه، بمنزلة العضو منه.
ولأن العقد إذا انفسخ، ورجع الملك إلى صاحبه، فالملك قد سرى إلى الأولاد، والرد بالعيب إنما هو فسخ للعقد من أ صله، لا من حين الرد، فيرجع الملك بما أسري إليه، واتصل به.
ويناقش:
بأن التفريق بين الثمرة والولد تفريق ضعيف، فكلاهما نماء للمبيع، وأما الاستدلال بأن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله، فهذه مسألة خلافية، وقد سبق بحثها، وعلى التسليم بذلك فإن الثمرة والولد لم يقع عليهما عقد البيع، لا عند العقد، ولا عند القبض، فلم يكونا جزءًا من الصفقة حتى يكونا جزءًا من المبيع.
دليل من قال: الزيادة للمشتري:
(ح-٤٤٥) استدل بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد
стр. 2805
ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
أن قوله ﷺ : الخراج بالضمان يشمل كل خارج من السلعة، سواء كان هذا الخارج من عين المبيع، أو من غيره، ومن فرق فعليه الدليل، ولا دليل.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن قول الشافعية والحنابلة متفق مع النصوص الشرعية القاضية بأن الخراج بالضمان، وإذا كانت الغلة بالإجماع هي من حق المشتري، فإنه لا فرق بين الغلة وبين الولد إلا أن يكون الولد مما وقع عليه البيع كما لو كان المبيع حاملًا وقت العقد، فهذه مسألة أخرى، أما إذا حصل الحمل عند المشتري، فولدت عنده، فهو له، لأن ضمان المبيع عليه، والله أعلم.
* * *