وقيل: الزيادة ترد مع المبيع، ونسب هذا القول إلى عثمان البتي، وعبيد الله ابن الحسن (١).
وقد احتج الجمهور بحديث الخراج بالضمان، وقد سبق بحثه (٢).
كما احتج بعضهم بالإجماع، قال ابن قدامة عن كون الزيادة المتولدة من غير عين المبيع للمشتري، قال: «لا نعلم في هذا خلافًا» (٣).
وقال ابن رجب: «لو اشترى شيئًا، فاستغله، ونما عنده، ثم رده بعيب، فإن كان نماؤه كسبًا لم يرده معه، قال كثير من الأصحاب: بغير خلاف ... » (٤).
وأما حجة من قال: الغلة رد على البائع:
لم أقف على حجتهم، وقد قال ابن عبد البر: «أما ...... عثمان البتي وعبيد الله بن الحسن فقد جهلوا السنة المأثورة من نقل أهل المدينة في أن الخراج بالضمان، والغلة بالضمان، وقالوا بالرأي على غير سنة» (٥).
فإن كان رأيهم مبنيًا على أن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله، وكأن المبيع لم ينتقل عن ملك البائع، فإن هذا غير مسوغ لهذا القول، وذلك أن يد المشتري كانت يدًا ضامنة، والغنم بالغرم، والخراج بالضمان فليس القول بأن الرد فسخ للعقد من أصله يجعل الغلة من حق البائع، والله أعلم.
* * *
стр. 2802
المطلب الثاني
الزيادة المنفصلة إذا كانت من عين المبيع
إذا اشترى الرجل دابة، وبعد قبضها ولدت، ثم وقف على عيب فيها، أو اشترى شجرة، فأثمرت عنده، فوقف على عيب فيها، فهل هذه الزيادة تمنع من ردها؟ اختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال:
القول الأول:
تمنع من الرد ما دام أن الزيادة حدثت بعد قبض السلعة، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
لا تمنع ممن الرد، وهذا مذهب الجمهور على خلاف بينهم لمن تكون هذا الزيادة:
القول الثالث:
إن كانت النماء من قبيل الثمار، فالثمار للمشتري، وإن كان من قبيل الولد فهو يرد مع أمه للبائع، وهذا مذهب المالكية (٢).
стр. 2803
القول الرابع:
الزيادة للمشتري من غير فرق بين الثمرة والولد، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
القول الخامس:
الزيادة تكون للبائع، وهو ظاهر قول عثمان البتي، وعبيد الله ابن الحسن (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
دليل من قال: الزيادة تمنع الرد:
استدل الحنفية لمنع الرد بأن القول بالرد يتضمن محظورين؛ لأنها إما أن ترد مع الأصل، أو يرد الأصل بدونها:
فإن ردت مع الأصل ترتب على ذلك إعطاء ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه (٥).
وإن رد الأصل بدونها لزم منه الربا: لأن المشتري يكون أخذ الزيادة بدون مقابل، وذلك هو عين الربا، وما دام أن الفسخ يترتب عليه هذان المحظوران، فإننا نقول: يمتنع الرد، ويتعين الأرش، حتى لا يذهب حق المشتري (٦).
стр. 2804
ويناقش:
بأن المشتري إذا أخذ الزيادة لم يكن ذلك بلا مقابل، بل أخذ ذلك مقابل الضمان، ولذلك لم يعتبر الحنفية الغلة الحاصلة من كسب العبد إذا أخذها المشتري بأنها من قبيل الربا، مع أنها زيادة حاصلة من عين المبيع.
دليل المالكية في التفريق بين ثمرة الشجرة وبين الولد:
أما الدليل على أن ثمرة الشجرة تكون للمشتري، فهو حديث الخراج بالضمان (١).
وأما الدليل على أن الولد يكون للبائع، فإن الولد لا يعتبر خراجًا للمبيع، وإنما هو جزء منه، بمنزلة العضو منه.
ولأن العقد إذا انفسخ، ورجع الملك إلى صاحبه، فالملك قد سرى إلى الأولاد، والرد بالعيب إنما هو فسخ للعقد من أ صله، لا من حين الرد، فيرجع الملك بما أسري إليه، واتصل به.
ويناقش:
بأن التفريق بين الثمرة والولد تفريق ضعيف، فكلاهما نماء للمبيع، وأما الاستدلال بأن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله، فهذه مسألة خلافية، وقد سبق بحثها، وعلى التسليم بذلك فإن الثمرة والولد لم يقع عليهما عقد البيع، لا عند العقد، ولا عند القبض، فلم يكونا جزءًا من الصفقة حتى يكونا جزءًا من المبيع.
دليل من قال: الزيادة للمشتري:
(ح-٤٤٥) استدل بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد
стр. 2805
ابن خفاف بن إيماء، عن عروة.
عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: الخراج بالضمان (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
أن قوله ﷺ : الخراج بالضمان يشمل كل خارج من السلعة، سواء كان هذا الخارج من عين المبيع، أو من غيره، ومن فرق فعليه الدليل، ولا دليل.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن قول الشافعية والحنابلة متفق مع النصوص الشرعية القاضية بأن الخراج بالضمان، وإذا كانت الغلة بالإجماع هي من حق المشتري، فإنه لا فرق بين الغلة وبين الولد إلا أن يكون الولد مما وقع عليه البيع كما لو كان المبيع حاملًا وقت العقد، فهذه مسألة أخرى، أما إذا حصل الحمل عند المشتري، فولدت عنده، فهو له، لأن ضمان المبيع عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2806
الفرع الثالث
تغير المبيع بالنقص
نقص المبيع تارة يكون بإخراج بعضه بالبيع، أو بالوقف أو الهبة ونحوها، فهل خروج بعض المبيع من ملك المشتري مانع من رد الباقي المعيب؟
هذه المسألة سوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل، ولكننا في هذا المبحث نعني بالنقص فقط ما يلحق المبيع من نقص عينه، إما بسبب لا بد منه للوقوف على عيب المبيع، وذلك نحو حلب الشاة المصراة، وكسر ما مأكوله في جوفه، وإما بسبب سوء استخدام المشتري للمبيع، فهل مثل هذا النقص يمنع من رد السلعة المعيبة، هذا ما سوف نتطرق إليه إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.
* * *
стр. 2807
المسألة الأولى
أن يكون النقص بسبب لا بد منه للوقوف على عيب المبيع
المطلب الأول
إسقاط الرد بحلب المصراة
[م-٥٥١] اختلف العلماء في حلب الشاة المصراة هل يعتبر ذلك مانعًا من رد السلعة المعيبة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا حلب الشاة المصراة فليس له ردها مطلقًا، لا بسبب التصرية، ولا بغيره من العيوب، ويرجع بنقصان عيب قديم غير التصرية. وهذا مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وقول قديم لأبي يوسف (١).
القول الثاني:
حلب المصراة لا يمنع من الرد إلا إذا زاد ذلك عن المدة المقدرة شرعًا،
стр. 2808
وهي ثلاثة أيام، فإذا حلبها أكثر من ثلاثة أيام فإن ذلك منه يكون رضا بالمبيع، ويمنع من الرد، وهذا هو قول الجمهور (١)، وبه أخذ زفر وابن أبي ليلى والقول الجديد لأبي يوسف (٢).
دليل الحنفية على أن حلب المصراة يمنع رد المبيع:
أما استدلالهم على أن حلب المصراة مانع من رد السلعة بأي عيب ظهر للمشتري، فهو مبني على أن لبن المصراة جزء من المبيع، فاستيفاؤه استيفاء جزء من المبيع، فأخذه يفوت على صاحبه حق الرد؛ لأنه نقص في عين المبيع حدث عند المشتري، كما أن الحلب دليل على الرضا بالمبيع.
وأجيب:
بأن التصرية غش وخداع لا يمكن معرفته والوقوف عليه إلا بالحلب، فكيف يكون الحلب دليلًا على الرضا بالمبيع؟!
وأما استدلالهم على أن التصرية ليست عيبًا:
فقولهم هذا مبني على أساس أن حقيقة العيب ما انعدمت معه صفة السلامة وقلة اللبن لا تنعدم معه صفة السلامة؛ لأن اللبن ثمرة، وبانعدام الثمرة لا تنعدم
стр. 2809
السلامة. وإذا ثبتت صفة السلامة انتفى العيب، وما دام أنه ليس بعيب فإن التدليس به لا يثبت الخيار (١).
ولأن اشتراط غزارة اللبن مفسد للبيع، كشرط الحمل، فإذا كان لا يمكن اشتراطه لم يكن فقده نقصًا في المبيع (٢).
وبأن المشتري مغتر، وليس بمغرر، فهو كما لو علفها، فانتفخت بطنها، وظن المشتري أنها حامل لم يثبت له الخيار فكذلك هنا، وقد كان يمكنه أن يسأل البائع عن لبنها، أو يشترط عدم التصرية، فحين لم يفعل كان ذلك دليلًا على رضاه بعيبها، وبالتالي فهو ليس مغرورًا من قبل البائع، وإنما هو الذي غر نفسه (٣).
ولأن المبيع إذا اختلط بمال المشتري، وزاد زيادة متصلة فإن ذلك يمنع من رد السلعة، فاللبن الذي أخذه المشتري قد كان بعضه في ضرعها وقت وقوع البيع، فهو جزء من المبيع، وبعضه حدث في ضرعها في ملك المشتري بعد وقوع البيع عليها فهو من ملك المشتري، وقد اختلط هذا بهذا، ولم يعرف مقدار واحد منهما، فيفوت الفسخ في المبيع كما لو تصرف في المبيع المعيب بعد قبضه (٤).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى مناقشة مجموع هذه الأدلة واحدًا واحدًا في باب خيار التدليس، فانظره هناك مشكورًا.
стр. 2810
دليل الجمهور على أن حلب المصراة لا يمنع من رد السلعة:
الدليل الأول:
(ح-٤٤٦) ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج.
قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١).
الدليل الثاني:
(ح-٤٤٧) ما رواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه.
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر (٢).
ورواه مسلم أيضًا من طريق قرة، عن محمد، عن أبي هريرة إلا أنه قال: ورد معها صاعًا من طعام لا سمراء.
فيؤخذ من مجموع اللفظين:
ثبوت النهي عن التصرية، وأن المشتري بالخيار حتى بعد الحلب، وأن عليه إن حلبها أن يرد معها صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر، وأن مدة الحلب التي لا تمنع من الرد إلى ثلاثة أيام، فإن حلب بعد الثلاث كان ذلك دليلًا على رضاه بالمصراة، وقد ادعى الحنفية في رد حديث أبي هريرة دعاوى كثيرة كلها لا تقف في مواجهة الحديث الثابت الصحيح، منها ما لا ينبغي ذكره، كالكلام الذي يطال شخص أبي هريرة ﵁، فإن مثل هذا لا يقدر الباحث على ذكره تعاظمًا له واستقباحًا، فيرى بدلا من الجواب عليه تجاهله لافتقاره إلى الموضوعية
стр. 2811
والإنصاف، وأسأل الله أن يغفر لهم ما وقعوا فيه من التعصب الذي أوقعهم في النيل من صحابي جليل كرس حياته لحفظ العلم، وروايته.
ومنها ما يمكن مناقشته والجواب عنه، وسوف نأتي على ذكره إن شاء الله مفصلًا في خيار التدليس، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2812
المطلب الثاني
نقص المبيع بكسر ما مأكوله في جوفه ونحوه
[م-٥٥٢] إذا اشترى إنسان ما مأكوله في جوفه كالبطيخ والرمان، والبيض فوجده فاسدًا:
فإن كان فاسده لا قيمة له فإن للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن كله؛ لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله؛ لأنه بيع ما ليس بمال، وبيع ما ليس بمال لا ينعقد، ولأن من شروط البيع أن يكون المبيع مشتملًا على منفعة دينية أو دنيوية، وبيع ما لا نفع فيه باطل. وهذا قول جمهور الفقهاء (١).
وذهب المالكية في المشهور إلى أن ما لا يمكن الاطلاع على عيبه إلا بتغير في ذات المبيع كسوس الخشب، والجوز واللوز، والبطيخ والمر من القثاء فإنه لا يكون عيبًا، ولا قيمة للمشتري على البائع في نظير ذلك إلا أن يشترط الرد لفظًا أو عرفًا، فيعمل به؛ لأنه شرط فيه غرض، ومالية (٢)، وهذا القول هو رواية في مذهب الحنابلة (٣).
стр. 2813
وجه قول المالكية:
أن البائع لم يجر منه تفريط ولا تدليس، لعدم معرفته بعيبه، وكونه لا يمكنه الوقوف عليه إلا بكسره يجري مجرى البراءة من العيوب.
الراجح:
ما ذهب إليه الجمهور، وكون البائع لا يعلم بالعيب فهذا يرفع عنه الإثم، ولكن بم يأخذ مال أخيه بغير حق، وقد باع عليه ما ليس بمتقوم، ولا يعتبر مالًا؟ والله أعلم.
стр. 2814
المسألة الثانية
أن يكون نقص المبيع بسبب سوء استخدام المشتري
[م-٥٥٣] إذا كان المشتري قد اشترى سلعة معيبة لم يعلم عيبها، وقبل أن يردها حدث فيها عيب جديد من قبله، فهل يمنع حدوث هذا العيب من رد السلعة بالعيب القديم؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ليس له الرد، وله أرش العيب القديم.
وهذا مذهب الحنفية (١)، والقول الجديد للشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، اختارها ابن تيمية (٤).
القول الثاني:
يخير المشتري بين الرد وإعطاء البائع ثمن العيب الحادث، وبين الإمساك وأخذ الأرش من البائع.
стр. 2815
وهذا مذهب المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وهو قول إسحاق (٣).
إلا أن المالكية والحنابلة فرقوا بين المدلس وغيره فإن كان البائع قد دلس العيب فإن للمشتري أن يرد المبيع بذلك العيب، ولا يلزمه أرش العيب الحادث، وله أن يمسك المبيع دون أخذ أرش العيب القديم (٤).
القول الثالث:
للمشتري الإمساك بلا أرش، أو رد السلعة مع دفع أرش العيب الذي حدث
стр. 2816
عنده، وهو قول الثوري، وحكاه عن الشافعي في القديم (١).
هذا ملخص الأقوال في هذه المسألة:
تعليل من قال ليس له الرد، وله أخذ الأرش:
التعليل الأول:
الرد إنما ثبت حقًا للمشتري لإزالة الضرر، وفي الرد هنا إضرار بالبائع، والضرر الخاص لا يزال بالضرر الخاص فتضرر المشتري بالعيب القديم لا يدفع بالإضرار بالبائع بالعيب الجديد، فتعين الرجوع بالنقصان، وهو الأرش.
فكل عيب يوجب الرد على البائع يمنع الرد إذا حدث عند المشتري، ومالا فلا، وما لا يرد به على البائع لا يمنع الرد إذا حدث عند المشتري.
ويمكن مناقشة هذا التعليل:
أن مراعاة حق المشتري أولى من مراعاة حق البائع، وذلك أن البائع ربما كان مفرطًا في عدم اطلاع المشتري على عيب سلعته، ولأن حق المشتري بالرد ثابت قبل حدوث العيب عند المشتري، ولأن الرد فيه جبر لضرر البائع والمشتري، ففيه جبر لضرر البائع بالأرش، وفيه جبر لضرر المشتري بالرد.
التعليل الثاني:
أن من شرط الرد بقاء المبيع على حاله، لأن من حق البائع أن يقول: هذه ليست سلعتي التي أقبضتك.
فإذا تغير المبيع سقط حق الرد، وبقي حق الرجوع بالنقصان، وهو الأرش.
стр. 2817
ويناقش هذا الاستدلال:
بأن القول أن من شرط الرد بقاء المبيع على حاله، إن كان هذا الشرط متفقًا عليه فهو حجة، وإن كان مختلفًا فيه كما هو الواقع فهو استدلال بمحل النزاع، فلا يكون حجة.
وإذا رد المشتري السلعة بالعيب، ورد معها قيمة ما حدث عنده من العيب فكأنه رده بحاله؛ لأنه قد أخذ أرش النقص بالعيب الحادث عند المشتري.
التعليل الثالث:
أن حق المشتري لن يضيع سدى؛ لكون البائع سيدفع أرش العيب القديم.
ويناقش:
قد يكون غرض المشتري سلامة المبيع من هذا النقص، فوجود العيب في المبيع قد يفوت عليه غرضا مشروعًا في المبيع، فإلزامه إمساك سلعة معيبة لم يقصدها بالعقد من الإكراه غير المشروع.
دليل من قال: إن رد المشتري دفع الأرش، وإن أمسك أخذ الأرش:
الدليل الأول:
(ح-٤٤٨) ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج.
قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١).
وجه الاستدلال:
أن لبن المصراة جزء من المبيع، ومع إتلاف المشتري لم يمنع ذلك من الرد،
стр. 2818
وصار مخيرًا بين أن يمسك الشاة، وبين أن يردها ويدفع صاعًا من تمر قيمة لما أتلف.
ويناقش:
بأن حديث المصراة وإن كان قد أعطى المشتري حق الرد، إلا أنه لم يعطه مع الإمساك حق أخذ الأرش، فهو دليل للقول الثالث، وليس دليلًا لهذا القول؛ لأن الحديث خير المشتري بين الإمساك بلا أرش، أو رد السلعة وضمان ما أتلف من لبنها، والله أعلم، وقد اعترض الحنفية على هذا الحديث بعدة اعتراضات ذكرناها، وأجبنا عليها في المسألة السابقة.
الدليل الثاني:
(ث-٨٩) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن ابن سيرين.
عن عثمان، أنه قضى في الثوب يشتريه الرجل، وبه عوار (١) أنه يرده إذا كان قد لبسه (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الدلالة:
في هذا الأثر عن عثمان ﵁ أنه أجاز الرد مع نقصان المبيع، فدل على أن نقصان المبيع لا يمنع من الرد.
دليل من قال له الإمساك بلا أرش، أو رد السلعة مع دفع الأرش:
إذا كنا رجحنا في السلعة يشتريها الرجل، فيقف على عيب فيها أنه مخير بين
стр. 2819
الإمساك بلا أرش، أو الرد، فينبغي أن نستصحب هذا الحكم فيما لو اختار الإمساك، فإذا قلنا: بأنه لا حق له في أخذ الأرش إذا كان المشتري قد حافظ على المبيع، فينبغي ألا يكون له حق في أخذ الأرش إذا لم يحافظ على المبيع من باب أولى، أما إذا اختار الرد فإن عليه دفع ما لحق في السلعة من نقص؛ لأن العيب حدث في زمن كانت السلعة في ضمانه، فيغرم النقص من باب ضمان الإتلاف، كما يضمن ذلك أي شخص يتلف مال غيره، وليست يده يد أمانة حتى يعفى من الضمان، وكما لو أحدث العيب البائع بعد قبض المشتري فإنه يضمن ما أحدث في السلعة من نقص.
قال ابن رشد: «قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب عند المشتري فليس له إلا الرد، فوجب استصحاب حال هذا الحكم وإن حدث عند المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده» (١).
ويتعقب:
بأن هذا الكلام جيد إلا أنهم في الحقيقة لم يجمعوا على أنه إذا لم يحدث عيب عند المشتري فليس له إلا الرد فالحنابلة يرون كما سبق أن له الإمساك مع أخذ الأرش، نعم القول بالرد بدون أرش هو القول الراجح كما قدمنا، ولم تكن المسألة من مسائل الإجماع.
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بأن المشتري مخير بين الإمساك بلا أخذ الأرش، وبين رد السلعة وضمان ما ألحقه فيها من تلف هو القول الراجح؛ لأنه متسق مع القواعد الفقهية، وحديث المصراة دليل قوي له؛ لأن المشتري قد خيره الشارع بين
стр. 2820
الإمساك بدون أخذ الأرش، أو رد السلعة ودفع قيمة ما أتلف من لبنها، وقد قدره الشارع صاعًا من تمر، وتدليس البائع لا يعني عدم حرمة ماله، فالتصرية حرام، وقد حكي الإجماع على التحريم كما سبق ونقلته، ومع ذلك فإن المشتري يغرم قيمة ما أتلف من لبنها، والله أعلم.
* * *
стр. 2821
المانع الثالث
تلف المبيع عند المشتري
[م-٥٥٤] إذا اشترى الرجل السلعة، ثم وقف على عيب فيها، وقبل ردها تلفت عنده، سواء كان تلفها حسًا كالموت للدابة، والأكل للطعام، أو حكمًا كما لو أوقفها، أو وهبها، فهل يكون تلفها مانعًا من خيار الرد بالعيب؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تلف المعقود عليه يسقط خيار العيب، ويمنع من الرد، وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤).
القول الثاني:
تلف المعقود عليه لا يمنع من الرد، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
دليل الجمهور على أن تلف السلعة يمنع من الرد:
أن رد الشيء يستلزم وجود العين المردودة، فإذا ذهبت العين فات الرد لفوات محله، وتعين الأرش.
стр. 2822
قال الكاساني: «ومنها - أي من الموانع التي تمنع الرد - هلاك المبيع؛ لفوات محل الرد» (١).
دليل من قال: هلاك المبيع لا يمنع من الرد:
إذا تعذر رد العين قامت القيمة مقام العين، كما أن ضمان المتلف إذا تعذر المثل، أو كان التالف قيميًا قامت القيمة مقام العين.
الراجح من الخلاف:
أن هلاك العين يمنع من الرد، ويتعين أخذ الأرش، لقوة تعليلهم، ولأن إقامة القيمة مقام العين قد لا يرضي البائع، وقد يتنازعان في مقدار القيمة، والله أعلم.
* * *
стр. 2823
المانع الرابع
زوال العيب عند المشتري
[م-٥٥٥] إذا وجد المشتري عيبًا قديمًا في السلعة، ثم زال هذا العيب:
فإما أن يزول هذا العيب، والسلعة في يد البائع، وقبل أن يقبضها المشتري فإن البيع لازم للمشتري، ولا خيار له (١).
لأن المطلوب سلامة المبيع من العيوب عند التسليم، وقد حصل.
وإما أن يزول العيب بعد رد السلعة، وفسخ البيع، فإن زوال العيب أيضًا لا يؤثر على صحة الفسخ على الصحيح، فلا يكون البيع لازمًا للمشتري بعد فسخ العقد، خاصة إذا كان الفسخ بحكم قاض (٢).
قال ابن نجيم: «لو قضى بفسخ البيع بسبب العيب، ثم زال العيب، لا يعود البيع، وإن زال المقتضي للفسخ» (٣).
ولأن اتفاقهما على رد المبيع بحكم الإقالة، فإذا اتفقا على ذلك فقد ارتفع حكم العقد فلا يعود إلا برضاهما.
وإما أن يزول العيب بعد المطالبة بالفسخ في زمن الخصومة، فهذا قد اختلف فيه الفقهاء:
قال السرخسي: «وزوال العيب قبل الخصومة يسقط حق المشتري في الرد» (٤).
стр. 2824
ومفهومه: أنه لو زال العيب بعد الخصومة لم يسقط حق المشتري في الرد، وهو اختيار أشهب من المالكية الذي أجاز الرد إذا زال العيب بعد المطالبة بالفسخ (١).
واختار ابن القاسم من المالكية، والنووي من الشافعية بأن زوال العيب في زمن الخصام مانع من الرد.
قال النووي: «لا فرق - يعني في كونه يمنع من الرد - بين أن يكون زوال العيب قبل العلم به، أو بعد العلم به، وقبل الرد، في مدة طلب الخصم والقاضي» (٢).
وجاء في الشرح الكبير: «(و) منع من الرد بالعيب (زواله) أي العيب، قبل الرد، سواء زال قبل القيام به، أو بعده، وقبل الحكم عند ابن القاسم» (٣).
قال الدسوقي في حاشيته تعليقًا: «قوله (أو بعده، وقبل الحكم) أي بأن زال في زمن الخصام، قوله (عند ابن القاسم) أي خلافًا لأشهب القائل: إن زواله بعد القيام، وقبل الحكم بالرد لا يمنع من رده» (٤).
فإن زال العيب قبل المطالبة بالفسخ، كما لو اشترى دابة، فوجدها مريضة، ثم إن الدابة تعافت من ذلك المرض قبل أن يطلب فسخ البيع، فهل يبطل خيار الرد بذلك؟
стр. 2825
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
أن زوال العيب يمنع من الرد، مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
واشترط الحنفية والمالكية بألا يبقى أثر للعيب؛ لأن بقاء أثر العيب عيب، والعيب سبب للرد فأثره كذلك.
كما زاد المالكية شرطًا آخر: وهو ألا يكون الغالب عود العيب، فإن كان عوده غالبًا لم يمنع من الرد بالعيب.
стр. 2826
القول الثاني:
أن زوال العيب لا يسقط الخيار بعد ثبوته، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية (١)، واختيار ابن حزم (٢).
وجه هذا القول:
علل ذلك ابن حزم بقوله: «له الرد .... لأنه حين العقد وقع عليه غبن، فله ألا يرضى بالغبن إذا علمه، ولا يوجب سقوطَ ما له من الخيار ... قرآنٌ ولا سنةٌ، وبالله تعالى التوفيق» (٣).
ولأن العيب لما زال في ملك المشتري كان ذلك نعمة حدثت في ملكه، والخلاف الحاصل بالعيب قد قابله جزء من الثمن؛ لأنه إنما بذل الثمن في مقابلة سليم، ولم يحصل (٤).
ويناقش:
بأن الخيار إذا كان قد ثبت لوقوع الغبن عليه، فإن الخيار يسقط بزوال الغبن، وقد زال، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الجمهور بأن زوال العيب قبل المطالبة بالفسخ يمنع من رد السلعة بالعيب بشرط ألا يبقى أثر للعيب، ولا يخشى عود
стр. 2827
العيب إلى السلعة، لأن كلًا منهما يعد عيبًا في السلعة، ومثله: لو أن المشتري حين علم بالعيب حدث عنده عيب جديد، وقلنا: إن حدوث عيب جديد عند المشتري يمنع من الرد، فإن العيب الحادث لو زال سريعًا رجع حق المشتري في رد السلعة، والله أعلم.
* * *
стр. 2828
المانع الخامس
العلم بالعيب بعد زوال ملك المبيع
[م-٥٥٦] إذا اشترى رجل سلعة معيبة، ثم باعها، أو وهبها، فإن كان وقت إخراجها من ملكه عالمًا بالعيب فإنه لا خلاف بين العلماء أن ذلك من المشتري يعتبر قبولًا بعيب السلعة، وقد تكلمت في فصل سابق أن المشتري إذا رضي بالعيب، أو تصرف تصرف الملاك من بيع ونحوه أن ذلك مانع من رد السلعة.
وأما إذا كان وقت إخراجها من ملكه لم يعلم بعيبها، فلا يخلو الأمر من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يخرج المبيع من ملكه، ولا يعود إليه منه شيء.
الحالة الثانية: أن يخرج المبيع من ملكه، ويعود كله إليه.
الحالة الثالثة: أن يخرج المبيع من ملكه، ويعود بعضه إليه.
وسوف نتكلم عن كل حالة على انفرد إن شاء الله تعالى، نسأل الله وحده، عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2829
الحال الأولى
أن يخرج المبيع من ملكه ولا يعود إليه منه شيء
[م-٥٥٧] اتفق الفقهاء على أن المشتري لو لم يعلم بالعيب إلا بعد خروجه من ملكه، أن ذلك مانع من الرد لعجزه عن رده، بسبب زوال ملكه عن المبيع.
واختلفوا هل يستحق المشتري أن يأخذ أرش العيب من البائع؟ على قولين:
القول الأول:
لا يستحق الأرش، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)،
والشافعي (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 2830
القول الثاني:
للمشتري أن يرجع على البائع بأرش العيب، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، واختاره ابن سريج من الشافعية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣).
وجه قول الجمهور على أن المشتري لا يرجع على البائع بشيء:
أن امتناع الرد لم يكن من قبل البائع، وإنما كان بفعل المشتري، لأنه بالبيع صار حابسًا للمبيع، فأشبه ما لو أتلف المبيع.
ولأنه لم ييأس من الرد، فقد يرجع إليه المبيع فيرده على بائعه.
ولا رجوع له بالنقصان: لأنه لولا تصرفه بالبيع لأمكن رد المبيع، وأخذ الثمن.
ولأنه استدرك ظلامته ببيعه، فَغَبَن كما غُبِن، فلم يكن له أرش.
وجه قول الحنابلة:
استدل ابن قدامة للمذهب بقوله: «لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد ولم يوجد منه الرضا به ناقصًا فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه. وقياس المذهب أن له الأرش بكل حال سواء باعه عالمًا بعيبه أو جاهلًا به ; لأننا خيرناه ابتداء بين رده وإمساكه وأخذ الأرش فبيعه والتصرف فيه بمنزلة إمساكه؛ ولأن الأرش عوض الجزء الفائت من المبيع فلم يسقط ببيعه ولا رضاه كما لو باعه عشرة أقفزة وسلم إليه تسعة فباعها المشتري. وقولهم:
стр. 2831
إنه استدرك ظلامته لا يصح، فإن ظلامته من البائع ولم يستدركها منه وإنما ظلم المشتري فلم يسقط حقه بذلك من الظالم له» (١).
وعلل ابن حزم قوله بأن من غبن في بيعه فإنه يرجع بقيمة الغبن (٢).
الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال أجد أن القول الثاني أقوى؛ لأننا نوجب الرد حين تكون السلعة قائمة، فلا نلزم البائع بالأرش مع إمكان رجوع المشتري بالثمن على البائع، أما وقد تعذر ذلك، فإن المشتري يستحق ما أوجبه له العقد، وهو جبر النقص الحاصل بالمبيع، وذلك بأخذ الأرش، والله أعلم.
* * *
стр. 2832
الحال الثانية
أن يخرج المبيع من ملكه، ويعود كله إليه
الفرع الأول
أن يرجع المبيع بسبب جديد كالبيع والهبة
اختلف الفقهاء فيما إذا اشترى رجل سلعة معيبة، ثم خرجت من ملكه ببيع ونحوه غير عالم بالعيب، ثم رجع إليه المبيع كاملًا بسبب جديد كالبيع والهبة ونحوهما، فهل يملك رد السلعة إلى البائع بذلك العيب؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس له أن يرده إلى بائعه الأول، وهذا مذهب الحنفية (١)، وإحدى الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
القول الثاني:
له أن يرد السلعة إلى بائعها الأول، وهذا مذهب المالكية (٣)، والوجه الثاني في مذهب الشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥).
стр. 2833
تعليل قول الحنفية ومن معهم:
التعليل الأول للحنفية:
أن المبيع وإن عاد إلى المشتري إلا أنه عاد إليه بسبب جديد كالبيع والإرث، فكأن ملكه للمبيع مبتدأ، لا علاقة له بالبيع السابق، وصار كأنه لم يملكه من قبل، بخلاف ما لو عاد إليه عن طريق القضاء فإنه يعتبر فسخًا للبيع الثاني، فكأن البيع الثاني لم يكن، فصار من حقه إذا رجع إليه عن طريق حكم القاضي أن يرده إلى البائع.
التعليل الثاني لبعض الشافعية:
أن رد المبيع إنما كان لاستدراك مظلمته من أجل الغبن الذي وقع عليه، فإذا غبن المشتري غيره ببيعه عليه فقد استدرك مظلمته، فإذا رجع إليه بعقد أو بسبب جديدين لم يكن له حق الرد، وذلك أنه قد استدرك مظلمته، بينما لو عاد إليه عن طريق فسخ البيع الثاني بقيت مظلمته، فجاز له رده.
وجه قول المالكية ومن معهم:
أن المانع من الرد هو تعذر رده بزوال ملكه عنه، فإذا عاد إليه بأي سبب من الأسباب فقد تمكن من الرد، فكان ذلك من حقه أن يرده على بائعه الأول.
الراجح من القولين:
إذا نظرنا إلى سبب الاختلاف، رأينا أن من قال: لا يملك رده إذا عاد إليه بسبب جديد أنه نظر إلى أن المانع من الرد: هو استدراك مظلمته ببيعه بعيبه، فإن كان قد غبن على البناء للمجهول، فقد غبن هو غيره، ومن قال: يملك رده نظر إلى أن المانع من الرد: هو تعذر الرد بزوال الملك، فإذا تمكن من الرد فله
стр. 2834
ذلك، وأرى أن هذا التعليل أقوى من التعليل السابق، فإن استدراك مظلمته لم يكن عن طريق البائع الأول حتى يتعذر الرد، وهو معذور عند بيعه دون أن يطلع المشتري الثاني على العيب لكونه لم يعلم بالعيب، والله أعلم.
* * *
стр. 2835
الفرع الثاني
أن يرجع المبيع بسبب فسخ العقد
[م-٥٥٨] إذا اشترى رجل سلعة معيبة، ولم يعلم بعيبها حتى باعها، ثم رجعت إليه السلعة، فإن رجعت إليه قبل أن يقبض المشتري الثاني المبيع فلا خلاف في أن له أن يرد السلعة إلى بائعها الأول.
قال الكاساني: «لو باعه المشتري، ثم رد عليه بعيب، فإن كان قبل القبض له أن يرده على بائعه، سواء كان الرد بقضاء القاضي، أو بالتراضي بالإجماع» (١).
وإن رجعت إليه ببيع جديد، أو إرث، أو هبة، فقد سبق الكلام على ذلك في الفصل السابق.
[م-٥٥٩] وإن رجعت إليه عن طريق القضاء، كما لو حكم القاضي بفسخ العقد، فلا خلاف بين الفقهاء أن للمشتري أن يرد السلعة إلى البائع الأول؛ لأن القاضي قد حكم بفسخ العقد، وإذا فسخ العقد صار كأن لم يكن.
قال الكاساني: «وإن كان - أي رد المشتري الثاني للسلعة المعيبة - بعد القبض، فإن كان بقضاء القاضي له أن يرده على بائعه بلا خلاف» (٢).
[م-٥٦٠] وإن رجعت عن طريق التراضي بين المتعاقدين، فقد اختلف العلماء، هل للمشتري أن يرد السلعة إلى البائع الأول أو ليس له ذلك؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 2836
القول الأول:
ليس له الرد، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
له الرد، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وجه قول الحنفية:
أن الرد إذا كان عن طريق التراضي فهو بمنزلة الإقالة، والإقالة في حق البائع الأول بمنزلة بيع مبتدأ، وإن كانت فسخًا في حقهما (٥).
قال الكاساني: «القبول بغير قضاء فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما فصار كما لو عاد إليه بشراء ولو اشتراه لم يملك الرد على بائعه كذا هذا والدليل على أن القبول بغير قضاء بيع جديد في حق غير العاقدين: أن معنى البيع موجود فكان شبهة الشراء قائمة، فكان الرد عند التراضي بيعًا لوجود معنى البيع فيه، إلا أنه أعطي له حكم الفسخ في حق العاقدين، فبقي بيعًا جديدًا في حق غيرهما، بمنزلة الشراء المبتدأ ولهذا يثبت للشفيع حق الشفعة وحق
стр. 2837
الشفعة إنما يثبت بالبيع بخلاف الرد بقضاء القاضي ; لأنه لم يوجد فيه معنى البيع أصلا ; لانعدام التراضي فكان فسخًا، والفسخ رفع العقد من الأصل، وجعله كأن لم يكن ولهذا لم يثبت للشفيع حق الشفعة» (١).
ويجاب:
بأننا لا نسلم بأن المبيع إذا عاد عن طريق التراضي يكون بيعًا، بل هو فسخ للعقد بتراضيهما، وعلى التنزل فإننا لا نسلم أن المبيع إذا عاد بالبيع ونحوه أن المشتري لا يملك رد المبيع على البائع الأول، وقد ناقشنا ذلك في المسألة السابقة، وذكرنا أن المانع من الرد هو تعذر الرد، فإذا تمكن من الرد برجوع المبيع إليه بأي سبب كان، فله أن يرفع الظلم عن نفسه، والله أعلم.
وجه قول الجمهور:
أن المانع من الرد هو تعذر رده بزوال ملكه عنه، فإذا عاد إليه بأي سبب من الأسباب فقد تمكن من الرد، فكان ذلك من حقه أن يرده على بائعه الأول.
الراجح:
الذي أميل إليه هو قول الجمهور، بأن المبيع إذا عاد إلى البائع الأول، ولم يتغير، فإن له رده على صاحبه، والرجوع بالثمن، والله أعلم.
* * *
стр. 2838
الحال الثالثة
أن يخرج بعض المبيع من ملك المشتري ويبقي بعضه
[م-٥٦١] إذا اشترى رجل سلعة معيبة لم يعلم بعيبها، حتى خرج بعضها من ملكه، ثم علم بعد ذلك، فهل خروج بعض المبيع من ملكه مانع من رد السلعة، أو له أن يرد بعض السلعة المعيبة؟
وللجواب على ذلك يقال:
إن كان لا يلحق البائع ضرر في تفريق الصفقة عليه، ولا ينقص ذلك من ثمن المبيع، فإن له أن يرد الجزء المعيب من السلعة، كما لو اشترى رجل شاتين، وكانت قيمتهما سواء، فوجد في أحدهما عيبًا، كان له رد ما وجد معيبًا بحصته؛ لأنه لا ضرر على المشتري حينئذ في تفريق الصفقة، وهذا قول الحنفية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة رجحها ابن قدامة (١).
واشترط الحنفية أن يكون تفريق الصفقة بعد تمام القبض، فلو قبض بعض المبيع، ثم وجد في بعضه عيبًا رده كله.
стр. 2839
واختار الشافعية المنع من تفريق الصفقة إن كان الباقي باقيًا في ملكه، والمنع كذلك من تفريق الصفقة في أصح القولين إن كان الباقي زائلًا عن ملكه.
قال النووي: «وليس له رد بعضه إن كان الباقي باقيًا في ملكه، لما فيه من التشقيص على البائع .... وإن كان الباقي زائلًا عن ملكه، بأن عرف العيب بعد بيع بعض المبيع، ففي رد الباقي طريقان:
أحدهما: على قولي تفريق الصفقة.
وأصحهما: القطع بالمنع كما لو كان باقيًا في ملكه» (١).
وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
[م-٥٦٢] وإن كان التفريق يلحق بالبائع ضررًا، كما لو كان المبيع مكيلًا أو موزونًا، فإنه إذا أمسك الجيد، ورد المعيب قد يلحق البائع ضرر من ذلك، فهل له أن يرد المعيب فقط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس له الرد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة،
стр. 2840
رجحه ابن قدامة (١).
القول الثاني:
له الرد، وهو مذهب المالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة، اختاره الخرقي (٤).
واشترط المالكية ثلاثة شروط للرد:
الأول: ألا يكون المعيب أكثر الصفقة، بأن ينوبه من الثمن أكثر من النصف، ولو يسيرًا، فإن كان المعيب أكثر الصفقة فإما أن يمسك الجميع، أو يرد الجميع؛ لأنه لا يجوز التمسك بالأقل إذا عيب الأكثر.
الشرط الثاني: ألا يكون بعض المبيع لا يستغني عن الآخر إما حقيقة كالخفين، والنعلين، والمصراعين، أو حكمًا كالقرطين، والسوارين، فإذا كان المعيب أحد مزدوجين فليس له رد المعيب بحصته من الثمن، والتمسك بالسليم، ولو تراضيا على ذلك؛ لما في ذلك من الفساد الذي منع الشرع منه.
الشرط الثالث: ألا يترتب على التفريق محذور شرعي، كما لو كان المعيب أُمًّا وولدها، فإذا وجد العيب بأحدهما، وجب ردهما معًا، أو التمسك بهما معًا (٥).