القول الأول:
ليس له الرد، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
له الرد، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وجه قول الحنفية:
أن الرد إذا كان عن طريق التراضي فهو بمنزلة الإقالة، والإقالة في حق البائع الأول بمنزلة بيع مبتدأ، وإن كانت فسخًا في حقهما (٥).
قال الكاساني: «القبول بغير قضاء فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما فصار كما لو عاد إليه بشراء ولو اشتراه لم يملك الرد على بائعه كذا هذا والدليل على أن القبول بغير قضاء بيع جديد في حق غير العاقدين: أن معنى البيع موجود فكان شبهة الشراء قائمة، فكان الرد عند التراضي بيعًا لوجود معنى البيع فيه، إلا أنه أعطي له حكم الفسخ في حق العاقدين، فبقي بيعًا جديدًا في حق غيرهما، بمنزلة الشراء المبتدأ ولهذا يثبت للشفيع حق الشفعة وحق
стр. 2837
الشفعة إنما يثبت بالبيع بخلاف الرد بقضاء القاضي ; لأنه لم يوجد فيه معنى البيع أصلا ; لانعدام التراضي فكان فسخًا، والفسخ رفع العقد من الأصل، وجعله كأن لم يكن ولهذا لم يثبت للشفيع حق الشفعة» (١).
ويجاب:
بأننا لا نسلم بأن المبيع إذا عاد عن طريق التراضي يكون بيعًا، بل هو فسخ للعقد بتراضيهما، وعلى التنزل فإننا لا نسلم أن المبيع إذا عاد بالبيع ونحوه أن المشتري لا يملك رد المبيع على البائع الأول، وقد ناقشنا ذلك في المسألة السابقة، وذكرنا أن المانع من الرد هو تعذر الرد، فإذا تمكن من الرد برجوع المبيع إليه بأي سبب كان، فله أن يرفع الظلم عن نفسه، والله أعلم.
وجه قول الجمهور:
أن المانع من الرد هو تعذر رده بزوال ملكه عنه، فإذا عاد إليه بأي سبب من الأسباب فقد تمكن من الرد، فكان ذلك من حقه أن يرده على بائعه الأول.
الراجح:
الذي أميل إليه هو قول الجمهور، بأن المبيع إذا عاد إلى البائع الأول، ولم يتغير، فإن له رده على صاحبه، والرجوع بالثمن، والله أعلم.
* * *
стр. 2838
الحال الثالثة
أن يخرج بعض المبيع من ملك المشتري ويبقي بعضه
[م-٥٦١] إذا اشترى رجل سلعة معيبة لم يعلم بعيبها، حتى خرج بعضها من ملكه، ثم علم بعد ذلك، فهل خروج بعض المبيع من ملكه مانع من رد السلعة، أو له أن يرد بعض السلعة المعيبة؟
وللجواب على ذلك يقال:
إن كان لا يلحق البائع ضرر في تفريق الصفقة عليه، ولا ينقص ذلك من ثمن المبيع، فإن له أن يرد الجزء المعيب من السلعة، كما لو اشترى رجل شاتين، وكانت قيمتهما سواء، فوجد في أحدهما عيبًا، كان له رد ما وجد معيبًا بحصته؛ لأنه لا ضرر على المشتري حينئذ في تفريق الصفقة، وهذا قول الحنفية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة رجحها ابن قدامة (١).
واشترط الحنفية أن يكون تفريق الصفقة بعد تمام القبض، فلو قبض بعض المبيع، ثم وجد في بعضه عيبًا رده كله.
стр. 2839
واختار الشافعية المنع من تفريق الصفقة إن كان الباقي باقيًا في ملكه، والمنع كذلك من تفريق الصفقة في أصح القولين إن كان الباقي زائلًا عن ملكه.
قال النووي: «وليس له رد بعضه إن كان الباقي باقيًا في ملكه، لما فيه من التشقيص على البائع .... وإن كان الباقي زائلًا عن ملكه، بأن عرف العيب بعد بيع بعض المبيع، ففي رد الباقي طريقان:
أحدهما: على قولي تفريق الصفقة.
وأصحهما: القطع بالمنع كما لو كان باقيًا في ملكه» (١).
وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
[م-٥٦٢] وإن كان التفريق يلحق بالبائع ضررًا، كما لو كان المبيع مكيلًا أو موزونًا، فإنه إذا أمسك الجيد، ورد المعيب قد يلحق البائع ضرر من ذلك، فهل له أن يرد المعيب فقط؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس له الرد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة،
стр. 2840
رجحه ابن قدامة (١).
القول الثاني:
له الرد، وهو مذهب المالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة، اختاره الخرقي (٤).
واشترط المالكية ثلاثة شروط للرد:
الأول: ألا يكون المعيب أكثر الصفقة، بأن ينوبه من الثمن أكثر من النصف، ولو يسيرًا، فإن كان المعيب أكثر الصفقة فإما أن يمسك الجميع، أو يرد الجميع؛ لأنه لا يجوز التمسك بالأقل إذا عيب الأكثر.
الشرط الثاني: ألا يكون بعض المبيع لا يستغني عن الآخر إما حقيقة كالخفين، والنعلين، والمصراعين، أو حكمًا كالقرطين، والسوارين، فإذا كان المعيب أحد مزدوجين فليس له رد المعيب بحصته من الثمن، والتمسك بالسليم، ولو تراضيا على ذلك؛ لما في ذلك من الفساد الذي منع الشرع منه.
الشرط الثالث: ألا يترتب على التفريق محذور شرعي، كما لو كان المعيب أُمًّا وولدها، فإذا وجد العيب بأحدهما، وجب ردهما معًا، أو التمسك بهما معًا (٥).
стр. 2841
وجه قول من قال: ليس له حق الرد:
أن البائع يتضرر برجوع بعض المبيع إليه، وذلك أنه إذا أمسك الجيد، ورد المعيب فإن الرديء قد لا يجد من يشتريه؛ أو يشتريه بأقل من ثمنه؛ وهذا ضرر عليه، والضرر مرفوع في الشريعة، ولأن من عادة التجار أن الجيد يسوِّق الرديء، فإذا رد الرديء وحده حصل له من الضرر ما ذكرنا، والله أعلم.
وجه قول من قال: له رد المعيب وحده:
أن العيب قد اختص بأحدهما، فجاز أن يفرده بالرد.
ولأن خيار العيب إنما شرع لاستدراك الضرر الذي قد يحصل للمشتري من تعيب المبيع، فإذا قلنا: إن الرد يفوت على المشتري في هذه الحالة حصل له ضرر بذلك.
الترجيح:
بعد استعراض القولين، أجد أن القول بعدم الرد إذا ترتب على تفريق الصفقة ضرر على البائع هو الأقوى حجة، وذلك أن الضرر لا يمكن أن يزال بالضرر، وما يقال عن ضرر المشتري فإنه يمكن دفعه بتقدير الأرش، والله أعلم.
* * *
стр. 2842
فرع
إذا تعدد العاقد مع اتحاد الصفقة
[م-٥٦٣] إذا اشترى رجلان أو أكثر من واحد عينًا، فظهر بها عيب، فأراد أحدهم رد حصته، بينما أراد الآخر إمساك حصته، فهل اختلافهما يمنع من رد السلعة المعيبة على البائع؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا ينفرد أحدهما بالرد دون صاحبه، وهذا قول أبي حنيفة (١)، وأحد القولين في مذهب مالك (٢)، والقول القديم للشافعي (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
القول الثاني:
ينفرد المستحق بالرد دون صاحبه، وبهذا القول أخذ أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وابن أبي ليلى (٥)، وهو الراجح في مذهب المالكية (٦)،
стр. 2843
وأظهر القولين في مذهب الشافعية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، ورجحه ابن حزم (٣).
وجه قول من قال: لا ينفرد بالرد:
أن المبيع خرج من ملك البائع دفعة واحدة، غير متشقص، فإذا رد أحدهما نصيبه رد المبيع ناقصًا، وتفريق الصفقة يلحق الضرر بالبائع، وحق الرد بالعيب إنما ثبت لهما على وجه لا يتضرر به البائع، وفي رد أحدهما نصيبه إضرار بالبائع، إذ المبيع خرج من ملكه غير متعيب بعيب الشركة، فلو رده أحدهما لرده معيبًا بها (٤).
ولأن خيار الرد بالعيب تصرف يحتاج فيه إلى الرأي، كالبيع، والخلع، ونحوهما، وكل ما هو كذلك إذا فوض إلى رجلين لا يستقل واحد منهما فيه، كالوكالة، فإنه إذا وكل رجلين بالبيع ونحوه لا يقدر أحدهما على التصرف بدون الآخر؛ لأن الموكل رضي برأيهما، لا رأي أحدهما.
وجه قول من قال: له أن ينفرد بالرد:
ثبوت خيار العيب لهما يعني ثبوته لكل واحد منهما؛ لأنه شرع لدفع الغبن، وكل واحد منهما محتاج إلى دفعه عن نفسه، فلو بطل هذا بإبطال الآخر خياره لم يحصل مقصوده، ويلحقه به ضرر.
стр. 2844
ولأنه إذا رد أحدهما نصيبه فقد رد جميع ما ملك، وملكه مستقل عن ملك صاحبه، فصفقة كل واحد منهما غير صفقة الآخر.
الراجح:
الخلاف في المسألة مبني على القول بتفريق الصفقة، وتفريق الصفقة إذا كان في تفريقها ضرر على البائع، فإنه لا يدفع الضرر عن المشتري بارتكاب الضرر على البائع، خاصة أن ضرر المشتري يمكن دفعه بتقدير الأرش، وإذا لم يكن هناك ضرر في تفريق الصفقة، فالقول بأن لأحدهما أن ينفرد بالرد له قوة، والله أعلم.
* * *
стр. 2845
الفصل الثاني
خيار فوات الوصف أو الشرط
المبحث الأول
تعريف خيار فوات الوصف أو الشرط
خيار فوات الوصف أو الشرط يعتبر من خيار النقيصة وليس من خيار التروي.
وقد قيل في تعريفه:
هو حق الفسخ لتخلف شرط صحيح، أو وصف مرغوب فيه اشترطه العاقد في المعقود عليه.
مثال فوات الشرط: أن يبيعه بشرط الأجل، أو الرهن، أو الكفيل.
ومثال فوات الوصف: أن يشتري دابة بشرط أن تكون صغيرة، أو حصانًا بشرط أن يكون عربيًا، أو كلبًا بشرط أن يكون معلمًا.
وقد ذكرت هذا الخيار بعد خيار العيب لوجود شبه بينهما، وإن كان فوات الوصف والشرط لا يعتبر عيبًا.
ولكن لما كان العيب: هو نقص في المعقود عليه، وفوات ما التزم به بالشرط أو بالوصف في المعقود عليه يعتبر نقصًا في المعقود عليه، فكان بينهما شبه من هذه الناحية، أو يقال: إن وجود العيب هو من باب فوات صفة مشروطة في العقد دلالة، وهي صفة السلامة من العيب؛ لأن العقد المطلق يقتضي السلامة من العيب، ولهذا ثبت خيار الرد في فوات الشرط والصفة كما ثبت في خيار
стр. 2846
العيب، بل إن ثبوت الخيار في فوات الشرط أو الصفة أولى منه في خيار العيب، ولذلك قال القرافي وهو يبين سبب خيار النقيصة: خيار «الشرط - يعني: فواته يوجب الخيار- وهو الأصل؛ لأنه تصريح، وما عداه - يعني من العيوب والتغرير - ملحق به، تنزيلًا للسان الحال منزلة لسان المقال» (١).
وقال الغزالي فيما نقله السبكي عنه، قال: «الالتزام الشرطي هو الأصل، وما عداه - يعني من خيار العيب والتصرية - ملحق به» (٢).
والقول بخيار فوات الوصف أوسع من القول بخيار فوات الشرط؛ وذلك لأن هناك من المذاهب من ضيق الشروط في البيع، وتبنى نظرية النهي عن بيع وشرط، ولذلك عند بحث خيار فوات الشرط، نقول ونحن نستعرض رأي المذاهب الفقهية أن ذلك متصور فقط في شرط يكون اشتراطه مقبولًا لدى الفقهاء بالاتفاق كما لو اشترط الأجل، أو الرهن، أو الكفيل، ونحو ذلك من الشروط التي لا نزاع في اشتراطها لدى سائر الفقهاء، بخلاف الشروط المختلف فيها، فإننا لا نمثل لها هنا.
* * *
стр. 2847
المبحث الثاني
شروط الوصف المعتبر اشتراطه
[م-٥٦٤] يشترط في الوصف الذي يعتبر فواته موجبًا للخيار شروط، منها:
الشرط الأول:
أن يكون المطلوب وجوده وصفًا، وقد عرفه ابن عابدين، بأن الوصف ما يدخل تحت المبيع بلا ذكر، كالجودة، وذلك لأن المشروط صفة محضة للمعقود عليه، أما لو كان ملكية عين أخرى، أو منفعة، ونحو ذلك مما هو ليس من قبيل الأوصاف، فليس من باب فوات الوصف، وإنما هو من باب الشروط، ولهذا التعليل ذهب الحنفية إلى فساد اشتراط كون الشاة حاملًا؛ لأن ذلك ليس بوصف، بل اشتراط مقدار من البيع مجهول، وضم المعلوم إلى المجهول يجعل الكل مجهولًا.
وقد سبق لنا ذكر الخلاف في اشتراط الحمل في الدابة، فأغنى عن إعادته هنا.
الشرط الثاني:
أن يكون الوصف من الأوصاف المباحة في الشرع، فاشتراط وصف غير معتبر شرط لاغٍ، كما لو اشترط أن يكون الكبش نطاحًا، أو الديك صائلًا (١).
الشرط الثالث:
أن يكون الوصف منضبطًا، بحيث يمكن معرفته، والتحقق من وجوده إذا
стр. 2848
وجد، والحكم بتخلفه إذا لم يوجد، فلا يصح أن يشترط في الديك أن يوقظه للصلاة، وهكذا كل وصف يكون في اشتراطه غرر، أو الوقوف عليه غير ممكن فاشتراطه يفسد البيع (١).
الشرط الرابع:
أن يشترط ما له فيه غرض صحيح، وله مالية يصح التزامها، فهذا يثبت الخيار بتخلفها بالاتفاق، فإن اشترط ما لا غرض فيه ولا مالية كما لو اشترط أن يكون مشوه الخلقة، لم يثبت له الخيار بفواته لعدم الفائدة.
وإن اشترط ما فيه غرض، ولكن ليس له مالية، كالثيابة في الجارية، والكفر في العبد، فقولان في مذهب المالكية والشافعية، والصحيح أن فواته يوجب له الخيار؛ لأن الأصل في الشروط الصحة، فإذا التزم العاقد للآخر شرطًا له فيه غرض صحيح، وجب التزامه، كما لو قال: اشترطت أن تكون ثيبًا ليمين في ذمتي ألا أطأ بكرًا، أو قال: اشترطت كفره بقصد أن أزوجه أمة كافرة.
وإن ظهر المبيع أعلى مما اشترط فلا خيار للمشتري، كما لو اشترط أن يكون العبد أميًا، فبان كاتبًا، إلا أن يتعلق بشرطه غرض متجه (٢).
* * *
стр. 2849
المبحث الثالث
في صحة خيار فوات الوصف أو الشرط
[م-٥٦٥] ذهب عامة الفقهاء إلى أن فوات الشرط الصحيح يجعل الخيار لصاحب الشرط، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخ.
قال في الهداية: «فوات الشرط بمنزلة العيب» (١).
وإذا كان فواته بمنزلة العيب أصبح يوجب فواته ما يوجبه وجود العيب من ثبوت الخيار لصاحبه.
وقد نص الحنفية والشافعية والحنابلة على أن البائع لو اشترط على المشتري رهنًا، فامتنع المشتري، فإن البائع بالخيار إن شاء رضي بترك الرهن، وإن شاء فسخ البيع، ولا يجبر من شرط عليه ذلك القيام بما شرط لزوال الضرر بالفسخ (٢).
وقال المالكية: توقف السلعة حتى يقبض الرهن (٣).
وأما فوات الوصف المرغوب فإن الفقهاء كلهم متفقون على ثبوت الخيار إذا فات على صاحبه.
قال ابن قدامة: «إذا اشترط المشتري في المبيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده
стр. 2850
عيبًا صح اشتراطه، وصارت مستحقة، يثبت له خيار الفسخ عند عدمها، فمتى بان خلاف ما اشترطه فله الخيار في الفسخ، والرجوع بالثمن، أو الرضا به، لا نعلم بينهم في هذا خلافًا؛ لأنه شرط وصفًا مرغوبًا فيه، فصار بالشرط مستحقًا» (١).
قال ابن عابدين: «لو اشترى دابة، فوجدها كبيرة السن ليس له الرد، إلا إذا اشترط صغرها .... فله الرد؛ لفقد الوصف المرغوب» (٢).
وقال الكرابيسي: «فوت الصفة في المبيع يوجب خيارًا، ولا يوجب غرمًا» (٣).
وقال القرافي: «مهما شرط وصفًا يتعلق بفواته نقصان مالية ثبت الخيار بفواته» (٤).
وقال في نهاية الزين: «إذا شرط العاقد وصفًا مقصودًا، ككون العبد كاتبًا، وكون الأمة حاملًا، أو ذات لبن .. فيصح العقد مع ذلك الشرط؛ لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد، وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض، ويثبت لمشتر الخيار فورًا إذا لم يوجد الشرط الذي شرطه» (٥).
وأما النقل عن الحنابلة فقد سبق لنا أن نقلنا كلام ابن قدامة، وأن الفقهاء متفقون على أن من شرط وصفًا مرغوبًا فيه، فإن له الخيار متى بان خلاف ما اشترطه.
* * *
стр. 2851
المبحث الرابع
أحكام خيار فوات الشرط أو الصفة المقصودة
لا تختلف أحكام الخيار في فوات الشرط أو الصفة عن أحكامه في خيار العيب، فما اتفقوا عليه هناك اتفقوا عليه هنا، وما اختلفوا فيه هناك اختلفوا فيه هنا.
[م-٥٦٦] فقد أجمعوا على أن الخيار هنا يورث كما أجمعوا على ذلك في خيار العيب؛ لأن فوات الشرط أو الصفة يعني فوات جزء من المال مستحق للمشتري بالعقد، فإذا استحقه المشتري موصوفًا بذلك الوصف فالوارث يخلف المشتري في ملك ذلك الجزء الفائت (١).
[م-٥٦٧] واختلفوا هل هذا الخيار على الفور، أو هو على التراخي كاختلافهم في خيار العيب (٢).
[م-٥٦٨] واختلفوا هل له أخذ الأرش مع الإمساك (٣)، كاختلافهم في خيار العيب.
стр. 2852
وهكذا القول بسائر الأحكام فما يسقط به خيار العيب يسقط به خيار فوات الشرط أو الصفة.
ولذلك قال في الهداية: «فوات الشرط بمنزلة العيب» (١).
[م-٥٦٩] وإن كان هناك اختلاف فربما أن خيار العيب يثبت بلا اشتراط، وأما الشرط أو الصفة فلا يستحقهما المشتري إلا إذا كان هناك شرط، فإذا لم يكن هناك شرط لم يكن هناك خيار؛ لأن فوات الشرط أو الصفة لا يعتبر عيبًا، فيحتاج العاقد إلى اشتراطهما لوجوب استحقاقهما.
ولذلك قال ابن عابدين: «لو كانت الدابة بطيئة السير لا ترد إلا إذا اشترط أنها عجول؛ لأن بطء السير ليس الغالب عدمه ... ولو اشترى دابة، فوجدها كبيرة ليس له الرد إلا إذا اشترط صغرها .... فله الرد لفقد الوصف المرغوب» (٢).
* * *
стр. 2853
المبحث الخامس
حد الفوات في الشرط أو الصفة
[م-٥٧٠] يكفي أن يوجد من الصفة المذكورة ما ينطلق عليه الاسم، ولا يشترط النهاية فيها.
فإذا اشترط أن يكون الكلب صائدًا، فوصف الصيد له مفهوم، وهو الاستجابة للدعوة إلى الانقضاض على الصيد والائتمار بأمر مرسله، بحيث يرجع إن استدعاه، وينطلق إذا أغراه، فمتى وجد هذا الوصف، ولو لم يكن بالصورة المثلى التي يندر معها إفلات الفريسة منه لم يكن له حق الرد (١).
стр. 2854
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد السابع
стр. 2855
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 2856
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٧)
стр. 2857
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،،
فهذا هو المجلد السابع من عقد البيع، وقد استكملت فيه مباحث خيار النقيصة، وتناولت في هذا المجلد خيار الغبن، وخيار التدليس، وخيار الخيانة في بيوع الأمانات، وخيار اختلاف المتعاقدين، وتعرضت من خلال هذا الخيار صور اختلاف المتعاقدين، ابتداء من الخلاف في أصل العقد إلى الاختلاف في جنسه، أو في لزومه، أو في صحته، أو الاختلاف في عين المبيع والثمن، أو في جنسهما أو في قدرهما، والاختلاف في أجل أو شرط، أو الاختلاف في البداءة بالتسليم إلى آخر صور اختلاف المتعاقدين، فلله الحمد والفضل.
وقد انتظمت بحوث هذا المجلد في الخطة التالية:
الفصل الثالث: خيار الغبن.
المبحث الأول: تعريف الغبن.
المبحث الثاني: حكم الغبن في البيع.
المبحث الثالث: المعيار في تقدير الغبن.
المبحث الرابع: البيوع المنهي عنها لارتباطها بالغبن.
المبحث الخامس: خلاف العلماء في ثبوت خيار الغبن.
المبحث السادس: الغبن في بيع المزايدة.
المبحث السابع: ثبوت خيار الغبن في القسمة.
المبحث الثامن: مسقطات خيار الغبن.
стр. 2858
الفصل الرابع: خيار التدليس.
المبحث الأول: في تعريف التدليس.
المبحث الثاني: في الحكم التكليفي للتدليس.
المبحث الثالث: الحكم الوضعي للتدليس.
الفصل الخامس: خيار في البيع لظهور الخيانة في بيوع الأمانة.
المبحث الأول: ظهور الخيانة في بيع المرابحة.
الفرع الأول: ظهور الخيانة في صفة الثمن.
الفرع الثاني: ظهور الخيانة في بيع المرابحة في قدر الثمن.
المبحث الثاني: ظهور الخيانة في بيع التولية والشركة والوضعية.
الباب الثالث: خيار لاختلاف المتبايعين.
تمهيد.
الفصل الأول: الاختلاف في عقد البيع.
المبحث الأول: الاختلاف على أصل العقد.
المبحث الثاني: الاختلاف في جنس العقد.
المبحث الثالث: الاختلاف في صفة العقد.
الفرع الأول: الاختلاف على لزوم العقد.
الفرع الثاني: الاختلاف في شرط العقد كاشتراط الأجل.
المطلب الأول: الخلاف في وجود الأجل.
المطلب الثاني: إذا اتفقا على اشتراط الأجل واختلفا في قدره.
стр. 2859
المطلب الثالث: إذا اختلفا في انتهاء الأجل.
الفرع الثالث: الاختلاف في صحة العقد وفساده.
الفصل الثاني: الاختلاف في المبيع.
المبحث الأول: الاختلاف في تعيين المبيع.
المبحث الثاني: الاختلاف في صفة المبيع.
الفرع الأول: الاختلاف في اشتراط وصف في المبيع.
الفرع الثاني: من الاختلاف في صفة المبيع الاختلاف في عيبه.
المسألة الأولى: اختلاف المتبايعين في العلم بالعيب.
المسألة الثانية: اختلاف المتبايعين في وقت حدوث العيب.
فرع: صفة اليمين هل هي على البت أو على نفي العلم.
المسألة الثالثة: اختلاف المتبايعين في عين السلعة المعيبة.
المسألة الرابعة: الاختلاف في تغير المبيع بعد رؤيته.
المبحث الثالث: الاختلاف في قدر المبيع.
الفرع الأول: إذا اختلف المتبايعان في قدر المبيع.
الفرع الثاني: إذا اختلف المتبايعان في قدر المبيع والمبيع تالف.
المبحث الرابع: الاختلاف في قبض المبيع.
المبحث الخامس: الاختلاف في البداءة بتسليم المبيع والثمن.
الفرع الأول: أن يكون الثمن عينًا.
الفرع الثاني: إذا اختلفا في التسليم وكان الثمن في الذمة.
стр. 2860
المسألة الأولى: أن يكون الثمن مؤجلا.
المسألة الثانية أن يكون الثمن حالًا.
الفصل الثالث: الاختلاف في الثمن.
المبحث الأول: الاختلاف في قدر الثمن.
الفرع الأول: الاختلاف في قدر الثمن والسلعة قائمة.
المسألة الأولى: من يبدأ بالحلف.
المسألة الثانية: في صفة اليمين.
المسألة الثالثة: إذا تحالفا فهل ينفسخ العقد أو يحتاج إلى فسخ القاضي.
المسألة الرابعة: في نفاذ الفسخ ظاهرا وباطنًا.
الفرع الثاني: الاختلاف في قدر الثمن والسلعة تالفة.
الفرع الثالث: الاختلاف في قيمة السلعة الهالكة.
الفرع الرابع: وقت اعتبار القيمة.
في فسخ العقد وانفساخه.
تمهيد: ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في الشروط العامة للفسخ.
المبحث الثاني: في موانع الفسخ.
الباب الأول: في أسباب انفساخ العقد.
الفصل الأول: انفساخ العقد لقيام المانع الشرعي.
فرع: انفساخ البيع بسبب فساد العقد.
стр. 2861
الفصل الثاني: انفساخ العقد بسبب فوات المحل المعقود عليه قبل القبض.
المبحث الأول: هلاك المعقود عليه قبل القبض.
الفرع الأول: هلاك المبيع بآفة سماويه.
الفرع الثاني: هلاك المبيع بفعل البائع.
الفرع الثالث: هلاك الثمن المعين قبل قبضه.
المبحث الثالث: في انفساخ البيع بسبب الجوائح.
المبحث الرابع: انفساخ العقد بسبب موت أحد العاقدين.
المبحث الخامس: انفساخ العقد بسبب ظهور استحقاق في المبيع.
الفرع الأول: انفساخ العقد عند استحقاق المبيع كله.
الفرع الثاني: استحقاق بعض المبيع.
المبحث السادس: في استحقاق الثمن.
المبحث السابع: في انفساخ البيع بسبب كساد الثمن.
المبحث الثامن: في انفساخ العقد بسبب اختلاط المبيع بغيره.
المبحث التاسع: انفساخ العقد بسبب التعذر في تنفيذ العقد.
الفرع الأول: عجز العاقد عن المضي في العقد.
الفرع الثاني: تعذر التنفيذ بسبب فوات العين المستأجرة.
الفرع الثالث: تعذر التنفيذ بسبب الإفلاس.
المسألة الأولى: الإفلاس قبل قبض المفلس للمبيع.
المسألة الثانية: الإفلاس بعد قبض المفلس للمبيع.
стр. 2862
مطلب: في شروط الرجوع في عين مال البائع عند المفلس.
الشرط الأول: أن لا يتعلق بالمبيع حق للغير.
الشرط الثاني: في اشتراط كون المشتري لم ينقد من ثمنها شيء.
الشرط الثالث: هل يشترط أن يكون المفلس حيًا.
الشرط الرابع: أن تكون السلعة بحالها لم تتغير.
المسألة الأولى: أن تتغير السلعة بتحويلها إلى عين أخرى.
المسألة الثانية: أن تتغير السلعة بخلطها بعين أخرى.
المسألة الثالثة: أن يتغير المبيع بحصول زيادة فيه.
الباب الثاني: في الفسخ الاختياري للعقد.
الفصل الأول: فسخ العقد بسبب فوات شرط من شروط البيع.
المبحث الأول: فسخ العقد لفوات شرط الرضا.
المبحث الثاني: فسخ العقد لفوات شرط الملك للمعقود عليه.
الفرع الأول: فسخ عقد الفضولي لفوات الأذن بالتصرف.
الفرع الثاني: فسخ عقد الصبي المميز لفوات الإذن بالتصرف.
المبحث الثالث: فسخ العقد لفوات شرط العلم بالمعقود عليه.
الفصل الثاني: فسخ البيع بسبب عدم لزوم العقد.
المبحث الأول: فسخ العقد بسبب وجود خيار في العقد.
المبحث الثاني: الفسخ بسبب كون العقد من العقود الجائزة.
الفصل الثالث: فسخ البيع بسبب الاختلاف بين المتعاقدين.
стр. 2863
الفصل الرابع: فسخ العقد بسبب ثبوت النهي عنه.
المبحث الأول: فسخ العقد بسبب بيع الرجل على بيع أخيه.
المبحث الثاني: فسخ العقد بسبب ببيع الحاضر للبادي.
المبحث الثالث: فسخ العقد بسبب النجش.
المبحث الرابع: فسخ العقد بسبب البيع بعد نداء الجمعة الثاني.
الباب الثالث: انفساخ العقد بالإقالة.
تمهيد: تعريف الإقالة.
الفصل الأول: في مشروعية الإقالة.
الفصل الثاني: في حقيقة الإقالة.
المبحث الأول: ثمرة الخلاف في حقيقة الإقالة.
المبحث الثاني: الإقالة هل هي رفع للعقد من أصله أ و من حينه.
المبحث الثالث: خيار المجلس في الإقالة.
المبحث الرابع: البيع بلفظ الإقالة.
المبحث الخامس: الإقالة قبل قبض المبيع.
المبحث السادس: الأخذ بالشفعة.
المبحث السابع: اشتراط العلم في المقال فيه.
المبحث الثامن: الإقالة بعد نداء الجمعة الثاني.
المبحث التاسع: الإقالة مع تعيب المبيع عند المشتري.
المبحث العاشر: الإقالة مع تلف المبيع.
стр. 2864
المبحث الحادي عشر: الإقالة بزيادة أو بنقص أو بغير جنس الثمن.
المبحث الثاني عشر: الإقالة بعد أن نما المبيع.
الفصل الثالث: في أركان الإقالة.
الفصل الرابع: في شروط الإقالة.
المبحث الأول: في الشروط المتفق عليها.
الشرط الأول: رضا المتقالين.
الشرط الثاني: اتحاد المجلس.
المبحث الثاني: في شروط الإقالة المختلف فيها.
الشرط الأول: اشتراط أن تكون الإقالة بمثل الثمن الأول.
الشرط الثاني: اشتراط العلم بالمقال فيه، والقدرة على تسليمه.
الفصل الخامس: في صيغ الإقالة.
المبحث الأول: الصيغة القولية.
الفرع الأول: الإقالة بغير لفظ الإقالة.
الفرع الثاني: الإقالة بصيغة الماضي.
الفرع الثالث: الإقالة بلفظ المضارع.
الفرع الرابع: الإقالة بصيغة الأمر.
المبحث الثاني: الإقالة بالصيغة الفعلية.
الفصل السادس: في محل الإقالة.
المبحث الأول: في العقود التي تقبل الإقالة.
стр. 2865
المبحث الثاني: إذا تقايلا وقد تعلق في المبيع حق للغير.
المبحث الثالث: في مؤنة الرد في الإقالة.
المبحث الرابع: في الإقالة من الإقالة.
وبهذا البحث أكون قد انتهيت من عقد البيع، فقد بدأت هذا العقد في تعريف البيع، ودراسة المال وبيان أنواعه باعتباره هو محل التعاقد، ثم درست شروط العاقدين، وشروط المعقود عليه، ثم تناولت الشروط الجعلية التي يشترطها أحد العاقدين، ثم لما استكملت الشروط أتيت إلى موانع البيع، فإن الشيء لا يتم إلا بتوفر شروطه، وانتفاء موانعه، ثم عرضت لأنواع الخيار التي قد تثبت في عقد البيع، سواء كان هذا الخيار يثبت بالعقد أو يثبت عن طريق الشرط، ثم تعرضت لأحكام اختلاف المتعاقدين التي قد تطرأ أثناء وبعد عقد العقد، فلما استجمع العقد أركانه وشروطه وانتفت موانعه ختمت هذه البحوث في أحكام فسخ العقد، سواء كان هذا انفساخًا أو كان فسخًا بإرادة المتعاقدين، وعرضت في أحكام الفسخ حكم الإقالة، وقد كان عقد البيع هو أطول عقود المعاوضات لأنه أسها التي تقوم عليه.
وسوف أثني بعد عقد البيع بعقد السلم إن شاء الله تعالى، لأنه نوع من أنواع البيوع، وهو أولى من عقد الربا؛ لأن عقد الربا نفى الله عنه اسم البيع، فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
* * *
стр. 2866
الفصل الثالث
خيار الغبن
المبحث الأول
تعريف الغبن
يعتبر خيار الغبن من خيار النقيصة.
وقد قيل في تعريف الغبن اصطلاحًا (١):
بأنه «عبارة عن بيع السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله، أو اشتراها كذلك» (٢).
وعرفه ابن ميارة الفاسي: «الغبن: هو أن يشتري بأكثر من القيمة بكثير، فيغبن المشتري، أو يبيع بأقل من القيمة بكثير، فيغبن البائع» (٣).
وعرفه الشافعية: الغبن الفاحش: وهو ما لا يحتمل غالبًا (٤).
стр. 2867
المبحث الثاني
في حكم الغبن في البيع
[م-٥٧١] الغبن إما أن يكون يسيرًا، وإما أن يكون فاحشًا.
فإن كان يسيرًا فلا يؤثر في صحة المعاملة؛ لأن معاملات المسلمين لا تخلو منه في الغالب؛ ولأن اليسير يتسامح فيه عادة.
وإن كان فاحشًا فإن الغبن محرم؛ لأن فيه ظلمًا.
قال ابن العربي: «الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدنيا؛ إذ هو من باب الخداع المحرم شرعًا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد، فمضى في البيوع؛ إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدًا؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرًا أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به» (١).
قال ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته» (٢).
ومفهومه: أنه إن كان فاحشًا فإنه يؤثر في صحته.
* * *
стр. 2868
المبحث الثالث
المعيار في تقدير الغبن
كل ما لم يأت تقديره من الشرع فالمرجع فيه إلى العرف والعادة (١).
ما كان ضرره يسيرًا، ولا يمكن التحرز منه تدخله المسامحة (٢).
[م-٥٧٢] اختلف الفقهاء في تحديد المعيار للغبن الفاحش إلى أقوال.
القول الأول:
الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، أو تقدير الخبراء العارفين بأسعار الأشياء السالمين من الغرض. وهذا مذهب الحنفية، قال في حاشية ابن عابدين: وهو الأصح (٣)، وكذا قال ابن نجيم (٤).
فلو اشترى إنسان سلعة بمائة، ثم ادعي فيها الغبن، وعرضت السلعة على الخبراء، فقومها عدل بمائة وعشرة، وقومها عدل آخر بتسعين، وثالث بثمانين، فإن المائة قد دخلت تحت تقويم المتقومين فإن ما بين الثمانين إلى مائة وعشرة قد دخل تحت تقويم المتقومين.
ولو كان تقويم المتقومين من السبعين إلى التسعين، وكانت السلعة بمائة لم تدخل تحت تقويم المتقومين، هذا معنى كلامهم (٥).
стр. 2869
واختارت مجلة الأحكام العدلية بأن الغبن الفاحش: ما كان على قدر نصف العشر في العروض، والعشر في الحيوانات، والخمس في العقار أو زيادة، وربع العشر في الدراهم (١).
القول الثاني:
الغبن الفاحش: ما خرج عن المعتاد (٢).
بأن يبيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة أو يشتريها كذلك، وأما ما جرت به العادة فلا يعتبر غبنًا.
قال ابن رشد المالكي: هذا هو ظاهر المذهب (٣)، والمشهور عند الحنابلة (٤).
القول الثالث:
الغبن الكثير ما كان بمقدار الثلث، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 2870
القول الرابع:
الغبن الفاحش: ما زاد على الثلث، وهو قول آخر في مذهب المالكية (١).
وقيل: يقدر بالربع، وقيل بالسدس وهذا قول خامس وسادس في المسألة ذكر ذلك صاحب الإنصاف (٢).
هذه مجمل الأقوال التي اطلعت عليها في تحديد الغبن الفاحش.
تعليل من قال: إذا خرج عن تقويم المتقومين فهو غبن فاحش .
عللوا ذلك: بأن القيمة تعرف بالحرز والظن بعد الاجتهاد، فما كان داخلًا في ظن المتقومين فهو يسير لا يمكن الاحتراز منه، وما كان خارجًا عن تقويمهم بعد اجتهادهم فلا يعذر فيه؛ لفحشه، ولإمكان الاحتراز عنه؛ لأنه لا يقع في مثله عادة إلا عمدًا (٣).
دليل من فرق بين الدراهم والعروض والحيوان والعقار .
ذكرت مجلة الأحكام العدلية هذا القول، وذكر شارح المجلة بأن وجه
стр. 2871
اختلاف مقدار الغبن باختلاف الأموال ناشئ عن مقدار التصرف بتلك الأموال، فما كان التصرف بها كثيرًا قَلَّ المقدار الذي يعد فيها غبنًا فاحشًا، وما كان التصرف بها قليلًا كثر فيه ذلك المقدار (١).
ولعل مستند هذا التحديد هو اعتبار العرف الجاري وقت صدور المجلة، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمان، الله أعلم.
دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش في العرف والعادة:
هذا القول أخذ بالقاعدة التي تقول: إن كل ما لم يأت تقديره من الشرع فالمرجع فيه إلى العرف والعادة.
دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش بالثلث .
قوله ﷺ في مقدار الوصية: «الثلث والثلث كثير» (٢).
دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش بما زاد على الثلث .
لما جازت الوصية بالثلث، ومنع الشارع من الزيادة على الثلث كان الثلث حدًا بين الجائز والممنوع، فالثلث جائز، والممنوع الزيادة عليه.
دليل من حد الشيء بالربع والسدس:
لا أعرف لهم مستندًا من نص إلا أن يكون ذلك في زمانهم من الكثير عرفًا، والله أعلم.
وأجد أقوى الأقوال في هذا هو القول بأن مرجع ذلك إلى عرف التجار، فما عد من الغبن الفاحش، فهو كثير، وما لا فلا، والله أعلم.
* * *
стр. 2872
المبحث الرابع
البيوع المنهي عنها لارتباطها بالغبن
[م-٥٧٣] هناك بيوع كثيرة نهي عنها لارتباطها بالغبن، من ذلك:
الأول: الاحتكار .
فالمحتكر يطلب غلاء السلعة وقلتها من السوق، وهذا فيه غبن للناس، ولذلك اختار كثير من الفقهاء أنه يحرم عليه أن يستغل حاجة الناس فيبيعها بأكثر من ثمن المثل.
قال ابن تيمية: «لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره» (١).
الثاني: النجش .
من البيوع التي نهي عنها لارتباطها بالغبن البيع إذا دخله نجش.
(ح-٤٤٩) وقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن النجش (٢).
(ح-٤٥٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد.
عن
стр. 2873
أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يبع حاضر لباد، ولا تناجشوا ... الحديث (١).
وقد ساق ابن عبد البر الإجماع على تحريم النجش.
قال ﵀: النجش «مكر وخداع، لا يجوز عند أحد من أهل العلم، لنهي الرسول ﷺ عن النجش، وقوله: لا تناجشوا. وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالمًا» (٢).
الثالث: تلقي الجلب .
من البيوع التي نهي عنها لارتباطها بالغبن تلقي الركبان،
(ح-٤٥١) فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة، قال:
نهى رسول الله ﷺ أن نتلقى الجلب، فمن تلقى، فاشتراه منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار (٣).
فأثبت الشرع الخيار للبائع وحده، حماية له من الغبن الذي قد يتعرض له من المتلقي، والله أعلم.
وفي المغني: «روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق فربما غبنوهم غبنًا بينًا فيضرونهم وربما أضروا بأهل البلد; لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم والذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعًا ويتربصون بها السعر فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي ﷺ عن ذلك .. » (٤).
стр. 2874
وكل هذه البيوع سبق لنا أن ذكرنا ما يقترن بها من أحكام تفصيلية في مباحث مستقلة عند الكلام على موانع البيع (البيوع المنهي عنها)، فأغنى عن إعادة الكلام عليها هنا.
الرابع: التدليس .
من البيوع التي نهي عنها دفعًا للغبن التدليس كالتصرية، وسنتكلم عنه في خيار التدليس إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 2875
المبحث الخامس
خلاف العلماء في ثبوت خيار الغبن
قال القرطبي: المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير ... إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب (١).
قلت: خرج بالمالك الوكيل والوصي فلا يجوز لهما هذا.
قال الباجي: لا تنفذ خلابة الخالب على مغبون مستسلم (٢).
[م-٥٧٤] إذا وقع الإنسان في الغبن الفاحش، فإن كان العاقد قد دخل على بينة، ولم يقع تحت تغرير الآخر فليس له الحق في المطالبة في إبطال العقد أو تغييره بحجة الغبن، كما لو اشترى شخص شيئًا أعجبه بثمن يعادل ضعف قيمته من شخص لا يقبل أن يبيعه إلا بهذا الثمن. وذلك لأن الغبن قد رضي به المشتري ولم يقع تحت تغرير البائع، والمشتري نفسه هو الذي أغرى البائع بدفع هذا العوض الكبير ليرضى بالبيع مقابل هذا العوض، والبائع لم يفكر في البيع إلا مع كون البيع فيه غبطة كبيرة له؛ ولأن المشتري إذا كان عالمًا بثمن السلعة، وزاد البائع على قيمتها فهو كالواهب لما زاد، وهذا لا يبطل البيع، وقد حكى القرطبي الإجماع على جواز مثل ذلك.
قال القرطبي: «والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة ألف، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح