← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

اختلاف مقدار الغبن باختلاف الأموال ناشئ عن مقدار التصرف بتلك الأموال، فما كان التصرف بها كثيرًا قَلَّ المقدار الذي يعد فيها غبنًا فاحشًا، وما كان التصرف بها قليلًا كثر فيه ذلك المقدار (١). ولعل مستند هذا التحديد هو اعتبار العرف الجاري وقت صدور المجلة، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمان، الله أعلم. دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش في العرف والعادة: هذا القول أخذ بالقاعدة التي تقول: إن كل ما لم يأت تقديره من الشرع فالمرجع فيه إلى العرف والعادة. دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش بالثلث . قوله ﷺ في مقدار الوصية: «الثلث والثلث كثير» (٢). دليل من قال: يقدر الغبن الفاحش بما زاد على الثلث . لما جازت الوصية بالثلث، ومنع الشارع من الزيادة على الثلث كان الثلث حدًا بين الجائز والممنوع، فالثلث جائز، والممنوع الزيادة عليه. دليل من حد الشيء بالربع والسدس: لا أعرف لهم مستندًا من نص إلا أن يكون ذلك في زمانهم من الكثير عرفًا، والله أعلم. وأجد أقوى الأقوال في هذا هو القول بأن مرجع ذلك إلى عرف التجار، فما عد من الغبن الفاحش، فهو كثير، وما لا فلا، والله أعلم. * * *

стр. 2872

المبحث الرابع البيوع المنهي عنها لارتباطها بالغبن [م-٥٧٣] هناك بيوع كثيرة نهي عنها لارتباطها بالغبن، من ذلك: الأول: الاحتكار . فالمحتكر يطلب غلاء السلعة وقلتها من السوق، وهذا فيه غبن للناس، ولذلك اختار كثير من الفقهاء أنه يحرم عليه أن يستغل حاجة الناس فيبيعها بأكثر من ثمن المثل. قال ابن تيمية: «لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره» (١). الثاني: النجش . من البيوع التي نهي عنها لارتباطها بالغبن البيع إذا دخله نجش. (ح-٤٤٩) وقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع. عن ابن عمر ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن النجش (٢). (ح-٤٥٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد. عن

стр. 2873

أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا يبع حاضر لباد، ولا تناجشوا ... الحديث (١). وقد ساق ابن عبد البر الإجماع على تحريم النجش. قال ﵀: النجش «مكر وخداع، لا يجوز عند أحد من أهل العلم، لنهي الرسول ﷺ عن النجش، وقوله: لا تناجشوا. وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالمًا» (٢). الثالث: تلقي الجلب . من البيوع التي نهي عنها لارتباطها بالغبن تلقي الركبان، (ح-٤٥١) فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نتلقى الجلب، فمن تلقى، فاشتراه منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار (٣). فأثبت الشرع الخيار للبائع وحده، حماية له من الغبن الذي قد يتعرض له من المتلقي، والله أعلم. وفي المغني: «روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق فربما غبنوهم غبنًا بينًا فيضرونهم وربما أضروا بأهل البلد; لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم والذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعًا ويتربصون بها السعر فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي ﷺ عن ذلك .. » (٤).

стр. 2874

وكل هذه البيوع سبق لنا أن ذكرنا ما يقترن بها من أحكام تفصيلية في مباحث مستقلة عند الكلام على موانع البيع (البيوع المنهي عنها)، فأغنى عن إعادة الكلام عليها هنا. الرابع: التدليس . من البيوع التي نهي عنها دفعًا للغبن التدليس كالتصرية، وسنتكلم عنه في خيار التدليس إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2875

المبحث الخامس خلاف العلماء في ثبوت خيار الغبن قال القرطبي: المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير ... إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب (١). قلت: خرج بالمالك الوكيل والوصي فلا يجوز لهما هذا. قال الباجي: لا تنفذ خلابة الخالب على مغبون مستسلم (٢). [م-٥٧٤] إذا وقع الإنسان في الغبن الفاحش، فإن كان العاقد قد دخل على بينة، ولم يقع تحت تغرير الآخر فليس له الحق في المطالبة في إبطال العقد أو تغييره بحجة الغبن، كما لو اشترى شخص شيئًا أعجبه بثمن يعادل ضعف قيمته من شخص لا يقبل أن يبيعه إلا بهذا الثمن. وذلك لأن الغبن قد رضي به المشتري ولم يقع تحت تغرير البائع، والمشتري نفسه هو الذي أغرى البائع بدفع هذا العوض الكبير ليرضى بالبيع مقابل هذا العوض، والبائع لم يفكر في البيع إلا مع كون البيع فيه غبطة كبيرة له؛ ولأن المشتري إذا كان عالمًا بثمن السلعة، وزاد البائع على قيمتها فهو كالواهب لما زاد، وهذا لا يبطل البيع، وقد حكى القرطبي الإجماع على جواز مثل ذلك. قال القرطبي: «والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة ألف، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح

стр. 2876

الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب» (١). جاء في البحر الرائق: «اختار عماد الدين الرد بالغبن الفاحش إذا لم يعلم به المشتري ..... وقال الإمام جمال الدين جدي إن غره فله الرد، وإلا فلا» (٢). وجاء في التاج والإكليل «حكى ابن القصار أن مذهب مالك: للمغبون الرد إذا كان فاحشًا، وهذا إذا كان المغبون جاهلًا بالقيم» (٣). ومعناه: إذا لم يكن جاهلًا في القيمة، وعلم أنه مغبون فيها، ودخل على بينة فلا رد بدعوى الغبن. وقال ابن حزم: «ولا يحل بيع شيء بأكثر مما يساوي ولا بأقل مما يساوي ..... إلا بمعرفة البائع والمشتري معًا بمقدار الغبن في ذلك، ورضاهما به» (٤). أما إذا كان الغبن لم يقع تحت رضا المشتري، فهل يثبت للمشتري الخيار إذا ثبت أنه قد غبن في البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على ستة أقوال: القول الأول: له الخيار مطلقًا، وبه يفتى في مذهب الحنفية (٥)، واختاره البغداديون من

стр. 2877

المالكية (١)، وقول في مذهب الحنابلة. استدل من قال: له الخيار مطلقًا بالأدلة التالية: الدليل الأول: من الكتاب، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وجه الاستدلال: أن المغبون لم يرض أن يؤخذ منه ما أخذ عن طريق الغبن، والرضا شرط في صحة البيع. ونوقش هذا: بأن البيع بالغبن هو بيع تجارة فيكون جائزًا بمقتضى الآية، ولم يكن البيع بين المتعاقدين بشرط القيمة بحيث لا يزيد عليها، ولا ينقص منها، ولم يكن بشرط عدم الغبن، فقوله ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩] قد تحقق في بيع المغبون، فقد باع عليه السلعة بما اتفقا عليها دون إكراه، ولم يَدَّعِ المشتري جهلًا بالقيمة، ولم يدع البائع أنه يبيع بسعر السوق، وتراضيا على ذلك. الدليل الثاني: (ح-٤٥٢) ما أخرجه الشيخان من طريق ابن علية، عن خالد الحذاء، عن

стр. 2878

ابن أشوع، عن الشعبي، حدثني كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب لي بشيء سمعته من النبي ﷺ ، فكتب إليه: سمعت النبي ﷺ يقول: إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (١). وجه الاستدلال: ثبت في هذا الحديث النهي عن إضاعة المال، فمن باع ما يساوي عشرة دنانير بدرهم، فقد أضاع ماله، كما أن من اشترى ما يساوي درهما بعشرة دنانير فقد أضاع ماله (٢). ونوقش هذا: بأن المقصود في النهي عن إضاعة المال بحيث لا يكون في مقابلة شيء، بحيث يضيع المال بغير عوض، أو بما هو مفسدة محققة، أما في بيع الغبن فما ضاع لأحد المتبايعين قد انتفع به الآخر فلم يتحقق ضياع المال (٣). والدليل على عدم دخول بيع الغبن في الحديث، أنه لو علم المشتري بالغبن، واشتراه بما هو أضعاف قيمته، ورضي بذلك جاز البيع إجماعًا كما تقدم، فلو كان داخلًا في إضاعة المال لما جاز البيع في هذه الحالة، لإطلاق الحديث، وعدم تفريقه بين العالم وغير العالم، ولكان النهي عن إضاعة المال يشمل أيضًا ما يعطيه الإنسان لأخيه على وجه الهبة والهدية؛ لأنه في غير مقابل. الدليل الثالث: (ح-٤٥٣) ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه. عن

стр. 2879

أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني (١). (ح-٤٥٤) وروى مسلم أيضًا من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا (٢). فالغبن في البيع نوع من أنواع الغش. ويجاب: بأن هناك فرقًا بين الغبن والغش، فالغش خداع وكذب، والغابن لا يكذب على المغبون، ولم يخدعه، فهو الذي خدع نفسه. الدليل الرابع: ذكر ابن حزم ﵀ أثرًا عن ابن عمر، قال: (ث-٩٠) روينا من طريق حماد بن زيد، أخبرنا أيوب وهشام - هو ابن حسان- كلهم. عن محمد بن سيرين، أن رجلًا قدم المدينة، فنزل على ابن عمر، فذكر الحديث، وفيه: أنه باع جارية من ابن جعفر، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم، فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر، فقال: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال ابن جعفر: بل نعطيها إياه.

стр. 2880

قال ابن حزم: فهذا ابن جعفر وابن عمر قد رأيا رد البيع من الغبن في القيمة (١). [ساقه ابن حزم معلقًا، وما ظهر من إسناده فرجاله ثقات، ويبقى النظر في الإسناد المطوي ولم أقف عليه، ويعارضه ما ساقه البخاري معلقًا بسند صحيح عن ابن عمر وسيأتي ذكره إن شاء الله في أدلة المجوزين]. القول الثاني: ليس له الخيار مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية. قال النووي في المجموع: «قال أصحابنا: لا يثبت الخيار بالغبن، سواء أتفاحش أم لا» (٢). دليل من قال: ليس له الخيار مطلقًا . الدليل الأول: (ح-٤٥٥) رواه البخاري من طريق عبد الله بن دينار. عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة (٣). (ح-٤٥٦) ورواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد، عن قتادة. عن أنس: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع، وكان في عقدته - يعني

стр. 2881

عقله - ضعف، فأتى أهله النبي ﷺ ، فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان؛ فإنه يبتاع، وفي عقدته ضعف، فدعاه النبي ﷺ ، فنهاه عن البيع، فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال ﷺ : إن كنت غير تارك البيع، فقل هاء وهاء، ولا خلابة (١). [إسناده حسن] (٢). وجه الاستدلال: الحديث يدل على أن الغبن لا يفسد البيع من وجهين: الأول: أن الخيار لو كان يثبت للمغبون بمجرد الغبن لبين النبي ﷺ أن الرجل إذا تعرض للغبن كان له حق الرد، فلما لم يبين النبي ﷺ ذلك علم أن الغبن بمجرده لا يعطي للمغبون حق الرد. الثاني: لو كان الغبن يعطي المغبون حق الرد لم يكن الأمر بحاجة إلى اشتراط الخيار، فلما كان الخيار لا يثبت بالغبن إلا بالاشتراط علم أن الغبن وحده غير كاف في ثبوت الخيار لصاحبه. والله أعلم (٣). ونوقش هذا الاستدلال: قال الباجي في المنتقى: «الخلابة الخداع وليس من الخداع أن يبيع البائع بالغلاء، أو يشتري المشتري برخص وإنما الخلابة أن يكتمه عيبًا فيها ويقول: إنها تساوي أكثر من قيمتها وأنه قد أعطي فيها الأكثر مما أعطى بها» (٤).

стр. 2882

الدليل الثاني: (ح-٤٥٧) ما رواه البيهقي من طريق محمد بن عبيد المحاربي، عن موسى ابن عمير، عن مكحول. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : من استرسل إلى مؤمن، فغبنه، كان غبنه ذلك ربا (١). ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق أبي توبة، عن موسى بن عمير به، بلفظ: غبن المسترسل حرام. [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 2883

وجه الاستدلال: قوله: (غبن المسترسل ربا)، وفي لفظ (غبن المسترسل حرام) دليل على أنه لا غبن في غير المسترسل، وأن غبن غيره حلال. الدليل الثالث: (ح-٤٥٨) ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير. عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض بيان لعلة النهي عن بيع الحاضر للباد، فالحاضر إذا باع لأهل البادية باع بسعر السوق، فيضيق مجال الربح بخلاف أهل البادية، فإنه سيستعجل البيع ليرجع إلى مضاربه، فلا يستقصي الثمن، وقد فسر النهي ابن عباس عندما سئل عن معنى ذلك، فقال: لا يكن له سمسارًا، وفي ذلك دليل على جواز الغبن في البيع، لأن الحديث لم يشترط أن يكون البيع بما يتغابن الناس بمثله في العادة. الدليل الرابع: (ح-٤٥٩) ما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ﷺ ، فقال: لا

стр. 2884

تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه (١). فقوله: «وإن أعطاكه بدرهم» دليل على جواز شراء النفيس بثمن قليل. فإن قيل: إن الحديث سيق بقصد المبالغة، فما الجواب عن قول عمر في الحديث: «وظننت أنه يبيعه برخص» فإن فيه دليلًا على جواز أن يشتري المشتري برخص، وهذا يلزم منه أن يقع البائع تحت طائلة الغبن. الدليل الخامس: (ح-٤٦٠) ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله. عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، قال عبد الله: فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال. [صحيح] (٢).

стр. 2885

الدليل السادس: التجارة مبنية على الربح والخسارة، والتاجر معرض لهما، فقد يربح في بضاعة أضعاف ما يربحه في بضاعة أخرى، وقد يخسر، ولو منع التغابن لأدى ذلك إلى زهد التجار في العمل. وفي عصرنا قد حدثني بعض تجار الطيب (دهن العود) بأن صاحب التجارة يربح فيها ما يقارب ثلاث مئة بالمئة أو يزيد، وربما لو نقص عن هذا لحمل الناس على الشك في البضاعة، وأنها ربما تكون مغشوشة. ونوقش هذا: بأن احتمال الربح والخسارة في التجارة محمول على ما يسمح به عرف التجار، أو بما يجري فيه التغابن عادة، أما الربح إذا خرج عن ذلك فهو غير محتمل، ومن أكل أموال الناس بالباطل، وما سيق في عمل الناس اليوم في التجارة في الطيب ليس بحجة، وإنما الحجة والبرهان في الدليل الشرعي الخالي من النزاع. الدليل السابع: العقد الذي وجد فيه الغبن قد توفرت فيه أركان البيع وشروطه، فيكون بيعًا صحيحًا، وعدم الغبن ليس ركنًا من أركان البيع، ولا يعتبر شرطًا من شروطه بحيث تتوقف صحته على توفره.

стр. 2886

وأجيب: أولًا: لو سلمنا أن عدم الغبن ليس ركنًا ولا شرطًا فإن هذا لا يعني أن البيع صحيح، فإن الغبن يعتبر مانعًا من موانع الصحة، والبيع حتى يكون صحيحًا لا بد من توفر شروطه وانتفاء موانعه. ثانيًا: أن المغبون لا يعتبر راضيًا بما وقع عليه من غبن، وإذا لم يكن راضيًا فإن الرضا شرط من شروط صحة البيع، فكيف يقال: إن عدم الغبن لا يعتبر شرطًا. الدليل الثامن: حكى ابن عبد البر وابن رشد الإجماع على أن بيع المغبون في غير المسترسل لازم، وسوف ننقل نصه وما يمكن مناقشته عند الكلام على أدلة المالكية. الدليل التاسع: الرد بالغبن يؤدي إلى عدم اطمئنان الناس على تعاقدهم، وعدم استقرار السوق، وكلما تغيرت الأسعار هبوطًا أو صعودًا أدى ذلك إلى فتح باب الخصومات، وكثرة المنازعات، وإشغال القضاء، وإذا كان المغبون هو المسؤول عن غبنه لم يسرع في التعاقد إلا بعد ترو ومشورة واطلاع على أحوال السوق، وإذا غبن مرة وذاق مرارة التسرع أدى ذلك إلى عدم تكرار ذلك. القول الثالث: ليس له خيار إذا غبن إلا إذا وجد تغرير من البائع، أو كان الغبن في مال اليتيم، أو مال الوقف. وحكم بيت المال حكم مال اليتيم.

стр. 2887

قال ابن نجيم الحنفي: وهو جواب ظاهر الرواية (١)، وهو قول في مذهب المالكية (٢). وجه هذا القول: البيع مع الغبن بيع صحيح لا يوجد في البيع بحد ذاته خلل، فلا يجب الخيار لمجرد الغبن، وإنما ثبت الخيار إذا كان فيه تغرير من أجل الخداع والتدليس لا من أجل الغبن. وأما ثبوت الخيار إذا كان الغبن في مال اليتيم أو مال الوقف فلأن المتصرف في العقد لهما إما الوصي وإما ناظر الوقف، وإذا كان الإنسان يتصرف لغيره كان الإذن له بالتصرف بحسب المصلحة، فلا يدخل فيه الشراء بأكثر من ثمن المثل، ولا البيع بأقل من ثمن المثل، فكان ثبوت الخيار من أجل هذا لا من أجل الغبن، والله أعلم. القول الرابع: ليس له خيار إلا في صورتين في بيع الاستئمان والاسترسال، أو يكون البائع بالغبن أو المشتري به وكيلًا أو وصيًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).

стр. 2888

والاستئمان والاسترسال: هما شيء واحد، كما ذكر العدوي في حاشيته على الخرشي (١). وهو أن يقول البائع: أنا لا أعلم قيمة سلعتي فاشتر سلعتي كما تشتري من غيري، أو يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة السلعة فبعني كما تبيع غيري، فيغبنه الآخر (٢). القول الخامس: ليس له خيار إلا في ثلاث صور: الصورة الأولى: في بيع المسترسل: وهو الجاهل بقيمة السلعة من بائع أو مشتر، ولا يحسن المماكسة إذا غبن في ذلك. الصورة الثانية: زيادة الناجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليضر المشتري. الصورة الثالثة: تلقي الجلب: إذا اشترى منهم، أو باع لهم، فلهم ا لخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة (٣). والفرق بين الاسترسال عند المالكية والحنابلة: الاسترسال عند المالكية: أن يطلب المشتري أو البائع من الآخر أن يكون

стр. 2889

البيع بسعر السوق، فيكذب فيه، فموجب الرد بالغبن عندهم: جهل المشتري أو البائع بالقيمة، وكذب الآخر (١). وأما الاسترسال عند الحنابلة: أن يكون جاهلًا بالقيمة، ولا يحسن المماكسة، ولو لم يحصل كذب صريح من الطرف الآخر، ويثبت جهله إما بالبينة، وإما بقوله مع يمينه (٢). دليل من قال: الغبن لا يؤثر إلا في بيع الاستئمان والاسترسال . أما أدلتهم على أن الغبن لا يؤثر في سائر البيوع عدا بيع الاستئمان والاسترسال فهي أدلة من قال: المغبون ليس له الرد، ولا حاجة إلى إعادتها، إلا دليلًا لم نذكره هناك فنذكره هنا. وأما أدلتهم على أن غبن المسترسل مؤثر فهو مبني على أن المسترسل قد أعلن عن جهله بالقيمة للبائع، وأن البائع قد كذب عليه في سعر البضاعة، وإذا ثبت كذب البائع فهو قد غرر المشتري بكذبه، فتكون العهدة عليه، ويمكن إدخال ذلك في الكذب في بيع الأمانة كما لو باعه برأس ماله فقط أو برأس ماله مع ربح معلوم أو نقص معلوم وكذب عليه، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها في مباحث مستقلة. ومن أدلتهم التي لم نذكرها سابقًا ما حكاه بعض العلماء من إجماع على أن بيع المغبون في غير الاستئمان والاسترسال لازم. قال أبو عمر: «الغبن في بيع المستسلم المستنصح يوجب للمغبون الخيار

стр. 2890

فيه. وبيع غيره المالك أمر نفسه لا أعلم في لزومه خلافًا ولو كان بأضعاف القيمة» (١). وحكى الإجماع فيه ابن رشد أيضًا (٢). ونوقش هذا: بأن الخلاف محفوظ حتى عند المالكية، فهؤلاء البغداديون من أصحاب مالك نقلت عنهم في الأقوال أن المغبون له الرد مطلقًا، سواء كان مسترسلًا أو غير مسترسل، وهؤلاء الحنابلة يردون بالغبن عن طريق تلقي الجلب، أو زيادة الناجش مما يضعف حكاية الإجماع، والله أعلم. أدلة الحنابلة على أن ثبوت الخيار للمغبون في الصور الثلاث . الدليل على ثبوت الخيار في زيادة الناجش، ما ثبت في الصحيح من النهي عنه. (ح-٤٦١) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النجش (٣). «قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع ... » (٤). وقال النووي: «النجش ... أن يزيد في ثمن السلعة لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره ليزيد، ويشتريها، وهذا حرام بالإجماع، والبيع صحيح» (٥).

стр. 2891

ولما كان النهي عائدًا إلى أمر خارج عن البيع، وكان لحفظ حق المشتري كان الراجح أن النهي لا يبطل البيع، وإنما جعل للمشتري الخيار. وأما النهي عن تلقي الجلب . (ح-٤٦٢) فقد رواه مسلم من طريق هشام القردوسي، عن ابن سيرين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار (١). وهو في البخاري بالنهي عن التلقي دون ذكر الخيار (٢). وأما الدليل على ثبوت الخيار في حال المسترسل عند الحنابلة، فهو من قبيل التعليل، ولم أقف لهم على دليل من الكتاب أو السنة، فقالوا: إن الغبن إذا كان نتيجة لجهله بقيمة المبيع، ولا يحسن أن يماكس ليصل إلى سعر المبيع فله الخيار، لأن البائع استغل جهله، وأما العالم بقيمة السلعة أو من كان يحسن المماكسة لو توقف لعرف ذلك فإذا استعجل في ذلك، فغبن، فلا خيار له؛ لأنه أتي من باب تقصيره وتفريطه (٣). القول السادس: الغبن يبطل العقد من أصله، وهو قول داود الظاهري (٤).

стр. 2892

استدل الظاهرية بما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١). ومعنى رد: أي مردود عليه. وأن الأصل في النهي يقتضي فساد المنهي عنه. والله أعلم. هذا ملخص الأقوال في المسألة، وأدلتها، ومن قال: له الخيار، يعني: إما أن يمسك السلعة أو يردها، وليس له المطالبة بالأرش مع الإمساك، كما ذهب إلى ذلك الحنابلة في خيار العيب (٢). الراجح: القول بعدم ثبوت الخيار قول قوي جدًا إلا أن القول بثبوت الخيار أقوى، لأن البيع قائم على العدل، والعدل ألا يقع البائع والمشتري تحت طائلة الاستغلال، وإذا ثبت الخيار في تلقي الجلب وفي زيادة الناجش كانت الغاية من ذلك حتى لا يقع الجالب ونحوه تحت طائلة استغلال المشتري لجهل الجالب بسعر السوق، وإذا ثبت الخيار في تلقي الجلب كان الغبن في غيره مقيسًا عليه، ولا فرق، وإذا كان اشتراط عدم الغبن يمنع من صحة البيع إذا كان هناك غبن،

стр. 2893

فإن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فإن كل متعاقدين لا يرضى أحدهما أن يكون مغبونًا، ولو علم بالغبن لما أجرى العقد، وإذا لم يكن راضيًا بالغبن لم يتحقق شرط البيع: وهو التراضي بين المتعاقدين (١). * * *

стр. 2894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2895

المبحث السادس الغبن في بيع المزايدة [م-٥٧٥] اختلف الفقهاء في دخول الغبن بيع المزايدة على قولين: القول الأول: المشهور من مذهب المالكية أن بيع المزايدة لا يتصور فيه الغبن. قال الونشريسي: «أما بيع المزايدة فلا يتصور فيها غبن» (١). وعلل المالكية عدم سماع دعوى الغبن في بيع المزايدة لما يتوفر فيه من الإشهار، وحضور المتزايدين. وعلل بعضهم بأنه لا يتصور الغبن فيها لكون قيمة الشيء هي ما وقفت عليه (٢). ويناقش: حضور المتزايدين لا يمنع من وقوع الغبن، فقد يتواطأ الحاضرون على عدم الزيادة، وقد يزيد بعضهم وهو لا يريد الشراء كما في الناجش، فيتضرر المشتري.

стр. 2896

وقولهم: إن ما وقفت عليه السلعة هي القيمة الحقيقية لا يسلم؛ فالقيمة الحقيقية ما يقومه به أهل معرفته، لأن بعض الناس قد يزيد في السلعة بأكثر من ثمنها سواء كان ذلك لحاجته، أو كان ذلك من باب النجش. القول الثاني: أن خيار الغبن يثبت في بيع المزايدة كما يثبت في بيع المساومة. اختاره بعض المالكية (١). وجه هذا القول: أن بيع المزايدة بيع من البيوع، فإذا ثبت خيار الغبن في بيع المساومة ثبت في بيع المزايدة، ولا فرق، ومن استثنى بيع المزايدة فعليه الدليل. الراجح: أن الغبن في بيع المزايدة إن جاء عن طريق النجش، حيث يطرح بعض الأشخاص سعرًا، وليس في نيته الشراء، وإنما في نيته نفع البائع أو الإضرار بالمشتري، فإذا ثبت مثل ذلك في بيع المزايدة ثبت للمشتري الخيار. وكذلك إذا ثبت أن أهل السوق قد اتفقوا على عدم الزيادة في السلعة ليتشاركوا فيها، حرم ذلك، واستحق البائع الخيار. قال ابن تيمية: «إذا اتفق أهل السوق ألا يزيدوا في سلعة لهم فيها غرض ليشتريها أحدهم، ويتقاسموها، فهذا يضر بالمسلمين أكثر من تلقي الركبان» (٢).

стр. 2897

وإن كان الغبن جاء من رجل زاد في السلعة رغبة فيها، فحمل ذلك المشتري على الزيادة بأكثر من ثمنها ليحوز السلعة فهو قد دخل على بصيرة، فلا يثبت له خيار، خاصة أن البائع يتضرر في فسخ البيع بعد انفضاض الناس عن سوق المزاد، ولا يدفع الضرر عن المشتري إذا كان فيه ضرر على البائع، وأحيانًا يتطلب المزاد إعلانات تجارية لجمع الراغبين، فإذا ادعى الغبن بعد انصراف الناس كان في ذلك كلفة ومشقة على البائع، والله أعلم. * * *

стр. 2898

المبحث السابع ثبوت خيار الغبن في القسمة قال ابن قدامة: كل قسمة غير واجبة إذا تراضيا بها فهي بيع، حكمها حكم البيع (١). [م-٥٧٦] اختلف الفقهاء في ثبوت خيار الغبن في القسمة على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن القسمة إن ظهر فيها غبن فإن كان يسيرًا بحيث يدخل تحت تقويم المتقومين لا تسمع دعواه، ولا تقبل بينته، وإن كان الغبن فاحشًا بحيث لا يدخل تحت تقويم المتقومين، فإن كانت القسمة بقضاء بطلت اتفاقًا في المذهب؛ لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل، ولم يوجد. وإن وقعت بالتراضي ففيها قولان في المذهب، أصحهما أنها تفسخ أيضًا؛ لأن شرط جوازها العدل، ولم يوجد، فوجب نقضها. وقيل: لا تفسخ؛ لأن القسمة نظير البيع، والبيع لا يمتنع جوازه بسبب الغبن، فكذلك القسمة (٢). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن القسمة إذا كانت من قبيل تمييز الحق لم تكن بيعًا، ويجبر عليها من يأباها وترد بالغبن.

стр. 2899

وما كانت من قبيل البيع لم يجبر عليها من يأباها؛ لأن البيع لا بد فيه من الرضا، ولم ترد بالغبن؛ لأن البيع لا يرد بالغبن عندهم، لهذا قسم المالكية القسمة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسمة قرعة، وهي تمييز حق، وليست بيعًا، وهذه القسمة ترد بالغبن؛ ويجبر عليها من يأباها؛ لأنها ليست بيعًا. القسمة الثانية: قسمة المراضاة، إذا قامت على التعديل والتقويم، سواء أدخلا مقومًا، أو قوما لأنفسهما إذا ظهر فيها غبن ردت، لأنها لما قامت على التقويم والتعديل لم يدخلوا فيها إلا على التساوي، فإذا وقع غبن في التقويم لم تتحقق المساواة، وإلحاقًا لها بالقرعة. القسمة الثالثة: قسمة المراضاة إذا لم يدخلا فيها مقومًا، كأن يقول: خذ هذه الدار، وهذا العبد من غير أن يكون هناك تقويم، وكانت القسمة بالتراضي لم تفسخ بالغبن؛ لأنها بيع من البيوع (١). القول الثالث: اختار الشافعية أن قسمة الإجبار تبطل بظهور الغبن فيها، لتبين فساد الإفراز، وأما قسمة التراضي فإن الراجح عندهم أنها لا تفسخ بالغبن، وإن تحقق وجوده؛ لأنه رضي بترك الزيادة له، فصار كما لو اشترى شيئًا بغبن (٢).

стр. 2900

ولأنهم لا يثبتون في البيع خيار الغبن، فلا يثبت في قسمة التراضي أيضًا على الصحيح في المذهب. القول الرابع: القسمة عند الحنابلة نوعان: قسمة إجبار، يجبر عليها من يأباها، وهي إفراز حق، وليست بيعًا، فإن ظهر فيها غبن فاحش بطلت لتبين فساد الإفراز. وقسمة تراض، وهذه لا يجبر عليها من يأباها، وهي تأخذ حكم البيع، فإن ظهر فيها غبن صحت القسمة، وثبت الخيار للمغبون (١). جاء في قواعد ابن رجب: «لو ظهر في القسمة غبن فاحش، فإن قلنا: هي إفراز، لم يصح؛ لتبين فساد الإفراز، وإن قلنا: بيع، صحت، وثبت فيها خيار الغبن، ذكره في الترغيب والبلغة» (٢). الراجح من الأقوال: الراجح أن المال قسمان: قسم كبير وواسع، لا تميز بين أجزائه، كالدور الكبار، والبستان والأرض الواسعة، فهذه تجب قسمتها إذا طلب أحد الشريكين؛ لأنه لا ضرر في قسمتها، وتسمى هذه قسمة إجبار، وهي إفراز لا بيع، فإذا ظهر فيها غبن بطلت القسمة لفساد الإفراز. القسم الثاني: عقار صغير: كحمام، ودكان ضيق، وهذه لو قسمت لم يعد

стр. 2901

كل قسم صالحًا للانتفاع والبيع، فلا تقسم مثل هذه إلا برضا الشريكين، أو الشركاء جميعًا لوجود الضرر في قسمتها. وضابط ذلك: أنه إذا كانت الأرض تنقسم بدون ضرر، ولا رد عوض، فالقسمة إجبارية، وإذا كانت لا تنقسم إلا بضرر، أو رد عوض، فالقسمة اختيارية، وهذه القسمة تأخذ حكم البيع، فإذا ظهر فيها غبن صحت القسمة، وثبت الخيار فيها للمغبون، والله أعلم. * * *

стр. 2902

المبحث الثامن مسقطات خيار الغبن [م-٥٧٧] ينبغي أن تكون مسقطات خيار الغبن، هي مسقطات خيار العيب، فإن الخيار في المبيع إذا كان مبيعًا إنما شرع لدفع الغبن عن المشتري الذي وقع عليه الضرر، فما يسقط الخيار هناك يسقط الخيار هنا، وما لا فلا، وأما إذا طلبنا مسقطات خيار الغبن بالنص عليه في كتب المذاهب، فمن المعلوم أن خيار الغبن قد اختلف الفقهاء في إثباته كما مر معنا في مبحث سابق، فهناك من لم يثبت خيار الغبن مطلقًا كالشافعية، وهناك من أثبته بشرط أن يوجد تغرير من البائع كالحنفية، وهناك من أثبته في بعض العقود دون بعض كالمالكية والحنابلة، لذلك لم يفصل الفقهاء مسقطات الخيار كما فصلوا ذلك في خيار العيب، وذلك أن خيار العيب متفق على ثبوته دون خيار الغبن. وقد تكلم الحنفية والحنابلة على مسقطات خيار الغبن، وتكلم المالكية في بعض صور الغبن، فننقل ما نجده عنهم في كتبهم، وما لم ينص عليه هنا يقاس على خيار العيب، والله أعلم. ذكر الحنفية مسقطات خيار الغبن، فذكروا منها: الأول: هلاك المبيع يمنع الرد؛ لأن الفسخ لا يرد إلا على عين ما ورد عليه العقد، فإذا هلك ما ورد عليه العقد فقد تعذر الرد. الثاني: استهلاك المبيع، للعلة نفسها. الثالث: التصرف في المبيع بعد العلم بالغبن؛ لأن هذا التصرف هو رضا بالغبن.

стр. 2903

الرابع: إذا حدث عيب في المبيع عند المشتري، لأن في الرد إضرارًا بالبائع، لكون المبيع خرج من ملكه سليمًا من العيب، فيتضرر برده إليه معيبًا. الخامس: أن يحصل في المبيع زيادة متصلة غير متولدة، إذ لا يمكن رده بدون الزيادة؛ لأنها لا تنفك عنه، ولا وجه للرد مع الزيادة؛ لأن الزيادة تكون فضلًا مستحقًا في عقد معاوضة، بلا مقابل، وهذا نوع من الربا (١). وقد ناقشنا كل ذلك في خيار العيب، وبينا الراجح من هذه المسقطات، والمرجوح منها، فارجع إليه غير مأمور. مسقطات خيار الغبن عند المالكية: نص المالكية على أن التصرف في المبيع، وكذلك ذهاب عينه ببيع أو تلف، وهو ما يسميه المالكية بالفوات، بأنه يسقط حقه بالرد، لتعذره (٢). كما قالوا مثل ذلك في القسمة، جاء في مواهب الجليل «قال في معين الحكام أيضًا: وإذا ثبت الغبن في القسمة انتقضت ما لم تفت الأملاك ببناء، أو هدم، أو غير ذلك من وجوه الفوات، فإن فاتت الأملاك بما ذكرنا رجعا في ذلك إلى القيمة يقتسمونها، وإن فات بعضه وبقي سائره على حاله اقتسم ما لم يفت مع قيمة ما فات» (٣). مسقطات خيار الغبن عند الحنابلة: وإذا علم المغبون بالغبن فرضي، أو تصرف في المبيع تصرفًا دالًا على

стр. 2904

الرضى سقط خياره (١). وأما تعيب المبيع عند المشتري فلا يمنع الفسخ، وعلى المشتري الأرش. كما أن تلف المبيع لا يمنع الفسخ كذلك، وعلى المشتري قيمته لبائعه، وظاهره، ولو كان مثليًا (٢). وأما الشافعية فلا يثبتون خيار الغبن، والله أعلم. * * *

стр. 2905

الفصل الرابع خيار التدليس المبحث الأول في تعريف التدليس خيار التدليس يعد نوعًا من خيار النقيصة. تعريف التدليس اصطلاحًا (١): عرفه الحنفية: بأنه كتمان عيب السلعة عن المشتري (٢). وعرفه الشافعية كما في كتاب الزاهر: «أن يكون في السلعة عيب باطن، فلا يخبر البائع المشتري لها بذلك العيب الباطن، ويكتمه إياه» (٣). بينما وسع المالكية والحنابلة مفهوم التدليس ليشمل كتمان العيب، وإظهار السلعة بصفة الكمال كاذبًا.

стр. 2906

فعرفه الرصاع المالكي في شرح حدود ابن عرفة بقوله: «هو إبداء البائع ما يوهم كمالًا في مبيعه كاذبًا، أو كتم عيبه» (١). وهذا أكمل من تعريف الحنفية والشافعية، والذي حصر التدليس في كتمان العيب، فهو يشمل ما يفعله البائع بستر العيب حتى يظهر في صورة السالم منه. ويشمل ما يظهر كمالًا في المبيع وإن لم يكن فيه عيب، كصبغ الثوب القديم ليظهر أنه جديد (٢). ومنه ما يفعل في عصرنا من طلاء السيارات القديمة لتظهر بأنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة لتظهر بأنها قليلة الاستعمال. وجاء في كشاف القناع: «التدليس ضربان: أحدهما: كتمان العيب. والثاني: فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيبًا، كتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وتجعيده» (٣). وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: «التدليس فعل ما يتوهم به المشتري أن في المبيع صفة توجب زيادة الثمن، أو كتمان العيب» (٤).

стр. 2907

المبحث الثاني في الحكم التكليفي للتدليس [م-٥٧٨] التدليس حرام بالإجماع. قال الشافعي: «وحرام التدليس، ولا يُنْتَقض به البيع» (١). وقال الترمذي: «والعمل على هذا - أي تحريم التصرية - عند أهل العلم» (٢). وقال في إحكام الأحكام «لا خلاف أن التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه، مع علم تحريم الخديعة قطعًا» (٣). وقال النووي: «من ملك عينًا، وعلم بها عيبًا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها وهذا الحكم متفق عليه .... لا خلاف فيه بين العلماء، قال الشافعي ﵀ في آخر باب الخراج بالضمان من المختصر: وحرام التدليس» (٤). وقال ابن هبيرة في الإفصاح: «واتفقوا على أنه لا يجوز تصرية الإبل والبقر والغنم للبيع تدليسًا على المشتري» (٥). وقال في كشاف القناع: «ويحرم التدليس» لحديث من غشنا فليس منا (٦).

стр. 2908

وقال في حواشي الشرواني: «وينبغي أن يكون كبيرة، لقوله ﷺ : من غشنا فليس منا» (١). هذا هو بيان الحكم التكليفي للتدليس، وأما في الحكم الوضعي فسوف نبينه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2909

المبحث الثالث الحكم الوضعي للتدليس قال الماوردي: تدليس العيوب في العقود يوجب الخيار، ولا يوجب الفسخ (١). قال ابن قدامة: كل تدليس بما يختلف به الثمن يثبت خيار الرد (٢). [م-٥٧٩] عرفنا في المبحث السابق الحكم التكليفي للتدليس، وأنه حرام، فإذا دلس البائع فهل يبطل البيع بالتدليس؟ الأصل في تحريم التدليس حديث أبي هريرة في التصرية: (ح-٤٦٣) فقد روى البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج. قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (٣). وقد اختلف الفقهاء ﵏ في الموقف من هذا الحديث على أقوال. القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله إلى أنه لا خيار للمشتري بسبب التصرية، وهو قول أشهب من المالكية (٤).

стр. 2910

وهل يرجع المشتري على البائع بالنقصان؟ روايتان: أحدهما: لا يرجع بشيء، وهي رواية الكرخي (١). الثانية: يرجع، وهي رواية الطحاوي، وذلك لفوات وصف مرغوب فيه، قال في الدر المختار: وهو المختار (٢). القول الثاني: ذهب عامة أهل العلم إلى أن البيع لا يبطل بالتدليس، وأن العقد صحيح مع الإثم، وللمشتري الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رده، وإن اختار الإمساك أمسكه بلا أرش (٣).
следующие страницы →