← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واختيار ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢). وقيل: لا يعتد بالإشارة من الأخرس إلا إذا كان عاجزًا عن الكتابة، اختاره بعض الحنفية (٣)، والمتولي من الشافعية (٤)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٥). تعليل من قال: لا تعتبر الإشارة إلا من أخرس . التعليل الأول: الإشارة لا تسمى كلامًا، ولذلك لم تحنث مريم عليها الصلاة والسلام عندما

стр. 317

نذرت عدم الكلام مع تعبيرها بالإشارة، ولو كانت كلامًا لما قامت بالإشارة، وإذا لم تكن كلامًا لا يمكن أن تكون الإشارة تعبيرًا عن الرضا إلا للعاجز عن الكلام. ويناقش: بأن التعبير عن الإرادة غير محصور في الكلام، ولذلك يقع البيع بالمعاطاة عند الحنفية والحنابلة مع القدرة على الكلام. التعليل الثاني: الإشارة لا تخلو من احتمال، وتحول الملكية وغيرها من الآثار المترتبة على البيع لا يمكن أن يثبت بما فيه احتمال إلا مع الضرورة، ولا ضرورة للقادر على النطق. ويناقش: بأن المقصود بالإشارة المفهومة الواضحة المعبرة عن المراد، وسيأتي في أدلة القائلين بصحة الإيجاب والقبول بالإشارة أن الإشارة قبلت ليس في البيع والشراء، بل وفي باب الجنايات والإقرارات ونحوهما، وهما أبلغ. التعليل الثالث: الإشارة لا تقوم مقام العبارة إلا عند الضرورة، وذلك أن الإشارة لا يتبين بها حروف منظومة، فيبقى مجرد قصد الإيقاع، وقصد الإيقاع ليس إيقاعًا، ولذلك كان القادر على النطق لو أشار لم يقع شيء من التصرفات بإشارته (١).

стр. 318

التعليل الرابع: من لزمته القراءة في العبادة، مع القدرة عليها لم تقم الإشارة مقام النطق، فكذلك سائر المعاملات. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين العبادة والعادة، فالمقصود في العبادة قيام القارئ بالنطق بالعبارة، وهذا لم يتحقق بخلاف العادة فإن العبارة ليست مقصودة لذاتها. التعليل الخامس: لو لم نجعل إشارة الأخرس كعبارة الناطق لأدى ذلك إلى أن يموت الأخرس جوعًا، ولا يوجد ضرورة في حق الناطق. تعليل من قال: لا تقبل الإشارة من معتقل اللسان . الإشارة إنما تقوم مقام العبارة إذا صارت معهودة، وذلك في الأخرس دون معتقل اللسان، ولذلك قلنا: إذا امتد به ذلك، وصارت له إشارة معلومة كان بمنزلة الأخرس الأصلي (١). تعليل من قال: لا فرق بين الأخرس الأصلي ومعتقل اللسان . إذا عجز عن الكلام لم يكن هناك فرق بين الأخرس ومعتقل اللسان، فالواجب اللفظ مع القدرة عليه، فإذا عجز قامت الإشارة مقام العبارة، كما أنه لا فرق بين الوحشي الأصلي والمتوحش في حق الذكاة.

стр. 319

دليل من قال: تقبل الإشارة المفهومة مطلقًا من الأخرس وغيره . الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، مع قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وجه الاستدلال: سمى الله الإشارة قولًا، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها. قال ابن كثير: «المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فلن أكلم اليوم إنسيا» (١). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد فهم القوم إشارة مريم، وأجابوها بقولهم: كيف نكلم من كان في المهد صبيًا، ولم يعترضوا عليها بأنهم لم يفهموا ما تريده منهم. فنزلت الإشارة منزلة الكلام حتى من القادر على النطق. الدليل الثاني: (ح-٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا المسعودي، عن عون، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة. فقال لها: من

стр. 320

أنا؟ فأشارت بإصبعها إلى رسول الله ﷺ ، وإلى السماء: أي أنت رسول الله، فقال: أعتقها (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 321

وجه الاستدلال: قال الشنقيطي «جعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات، وهو الذي يعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار» (١). الدليل الثالث: (ح-٢٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم حدثنا شعبة، حدثنا الأسود ابن قيس، حدثنا سعيد بن عمرو، أنه سمع ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: إنا

стр. 322

أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. رواه البخاري (١). وجه الاستدلال: نزل الرسول ﷺ إشارته بأصبعه الشريفة منزلة نطقه، ودلت إشارته إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، وقد يكون ثلاثين. الدليل الرابع: (ح-٢٤) ما رواه البخاري من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم .... الحديث (٢). فاستخدم الرسول ﷺ إشارته في معرض التبليغ للأمة، وكانت مفهومة حيث حصل بها البلاغ مع قدرته على النطق. الدليل الخامس: (ح-٢٥) ما رواه البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان هو ابن موهب، قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن

стр. 323

رسول الله ﷺ خرج حاجًا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم - فيهم أبو قتادة - فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم .... وفي الحديث: قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلنا، فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها (١). وجه الاستدلال: قوله: (أو أشار إليها) حيث جعل الإشارة إلى الصيد وهو محرم في حكم من قام بالصيد حال الإحرام في تحريم الأكل. الدليل السادس: (ح-٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا، شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس ﵁ أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ ، وبها رمق، فقال: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية: فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة، فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي ﷺ بحجرين (٢). والأحاديث في استعمال الإشارة في الخطاب النبوي كثيرة جدًا، وهي في مقام البلاغ، ولم يدع أحد أن الإشارة ليست مفهومة، ولا يحصل بها البلاغ الواجب.

стр. 324

الدليل الثامن: لا يوجد نص صريح على اشتراط لفظ معين في عقد البيع، وإنما المطلوب ما يدل على الرضا بين الطرفين، من قول أو فعل أو إشارة، ومناط ذلك العرف الذي يحكم بأن هذا اللفظ أو الإشارة أو الفعل يدل على الرضا أو لا، فإذا كان الأمر كذلك فالعرف جار بين المسلمين على أن الإشارة المفهومة يحصل منها الرضا. الراجح: مذهب المالكية هو أرجح الأقوال وأقواها، وأسلمها من المعارضة، ولأن الإشارة المبينة عن إرادة صاحبها تقوم مقام نطقه، وسيأتي ذكر أدلة أخرى للقول الراجح زيادة على ما ذكره المالكية في آخر بحث ألفاظ الإيجاب والقبول إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 325

الفرع الثاني في الإيجاب والقبول عن طريق الكتابة قال الزيلعي: «الكتاب كالخطاب» (١). وعند الحنفية: أن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر (٢). وقال السرخسي: الكتاب أحد اللسانين (٣). وقال أيضًا: «الكتاب قد يزور، والخط يشبه الخط ... » (٤). والكتابة أعم من اللفظ ومن الإشارة، وذلك أن جميع المعلومات إنما تعرف بالدلالة عليها بأحد أمور ثلاثة: بـ (الإشارة واللفظ والخط). والإشارة تتوقف على المشاهد. واللفظ يتوقف على حضور المخاطب، وسماعه. وأما الخط فلا يتوقف على شيء، فهو أعمها نفعًا، وأشرفها، ولاشك أنه بالخط والقراءة ظهرت خاصة النوع الإنساني، وامتاز الإنسان عن سائر الحيوان، وضبطت الأقوال، وحفظت العلوم، وانتقلت من زمان إلى زمان (٥)، فلولا الله ثم الكتابة لم نتمكن من قراءة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ولكنا نسمع بالعلماء ولا نشاهد آثارهم، وإنما بقيت دعوة الأنبياء والرسل والمصلحين في العالم حية في قلوب الناس بفضل ما كتب من آثارهم وعلومهم.

стр. 326

[م - ٥٢] والذي يخصنا هنا في هذا الباب، ما مدى دلالة الكتابة على الرضا في العقود؟ فلو كان التعبير عن الإيجاب عن طريق الكتابة بأي شكل من أشكالها، أو كان التعبير عن القبول عن طريق الكتابة، فهل ينعقد البيع؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم. فقيل: ينعقد البيع بالكتابة مطلقًا. وهذا مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢). وقيل: لا ينعقد البيع بها مطلقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورجحه الشيرازي (٣).

стр. 327

وقيل: ينعقد البيع بالكتابة بالنسبة للغائب فقط دون الحاضر، وهو ظاهر مذهب الحنفية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، وظاهر مذهب الحنابلة (٣). دليل من قال: ينعقد البيع بالكتابة مطلقًا . الدليل الأول: كان النبي ﷺ مأمورًا بتبليغ رسالته، فحصل ذلك بالقول تارة، وبالكتابة تارة، وبالرسول ثالثًا، وقامت الحجة على الجميع، حيث كان التبليغ بالكتاب والرسول كالتبليغ بالخطاب، فدل على أن الكتاب يقوم مقام قول الكاتب.

стр. 328

الدليل الثاني: إذا كانت الكتابة وسيلة لإثبات الحقوق، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فما كان وسيلة لإثبات الحق جاز أن يكون صالحًا لانعقاده. الدليل الثالث: القياس على كتاب القاضي حيث يقوم كتاب القاضي مقام لفظه في إثبات الديون والحقوق. الدليل الرابع: المطلوب في ألفاظ البيع ما يدل على الرضا، وليس لهذا الأمر شكل معين، والكتابة لا شك أنها تعبر عن إرادة صاحبها، فإذا علم الرضا انعقد البيع سواء كان باللفظ أو بالإشارة أو بالكتابة أو بغيرها مما تعارف عليه الناس. الدليل الخامس: المعاملات اليوم بين الناس توسعت، وأصبحت تعتمد على الاستيراد والتصدير، وبين المصدر والمستهلك مسافات بعيدة جدًا، وقد يتعذر اشتراط اللفظ، فلا تقوم مصالح السوق، ومصالح الناس إلا بقبول الكتابة. تعليل من قال: لا ينعقد البيع بالكتابة . التعليل الأول: الأصل أن التعبير يكون باللفظ وحده، وإنما قبلنا الإشارة في حق الأخرس للضرورة لعجزه عن النطق، فأما القادر على النطق فلا يقبل منه التعبير بالكتابة كما لا يقبل منه التعبير بالإشارة.

стр. 329

ويناقش هذا: القول بأن القادر على النطق لا يقبل منه الكتابة، هذه دعوى في محل النزاع، فتحتاج إلى دليل، فأين النص من الشارع الذي ينهى القادر على النطق من عقد البيع عن طريق الكتابة. التعليل الثاني: انعقاد البيوع على وقت النبي ﷺ جاءت عن طريق الألفاظ، ولم يشتهر في عصر النبي ﷺ انعقاد البيوع عن طريق الكتابة مع إمكان ذلك، فيجب الوقوف عند حد اللفظ فقط. ويناقش هذا: بأن البيع ليس من قبيل العبادات التي يحتاج الأمر فيها إلى توقيف، وإنما من قبيل العادات والمباحات، فالأصل فيها الحل إلا ما ود النهي عنه، ولم يأت نهي من الشارع ينهى عن عقد البيع عن طريق الكتابة. التعليل الثالث: الكتابة يتطرق إليها الاحتمالات، فقد يكتب اللفظ ويريد به تجربة القلم، أو تحسين الخط، كما يدخل الخط التزوير والتقليد، وما تطرق إليه الاحتمال وجب الانتقال إلى غيره مما لا يتطرق إليه الاحتمال، والله أعلم. ويناقش: بأن هذه الاحتمالات بعيدة، وعلى التنزل فإننا نقول بقبول الكتابة إذا لم يتطرق إليها احتمال، فيوجد اليوم طرق كثيرة لحماية الخط من التزوير، ولو كان هذا الاحتمال وجيهًا لما تعامل الناس اليوم بالشيكات، وهي تحمل مبالغ كثيرة جدًا، وتعتمد على توقيع صاحبها مع إمكان التزوير والتقليد فيه.

стр. 330

دليل من فرق بين الحاضر والغائب . قالوا: الأصل انعقاد البيع باللفظ، واحتيج إلى الكتابة مع عدم حضور المتعاقدين، فيرخص للغائب دون الحاضر القادر على النطق، حيث لا يوجد مانع من المشافهة والمخاطبة. ويناقش هذا: بأن يقال: إما أن تصلح الكتابة في التعبير عن إرادة المتعاقدين، وحصول الرضا الذي هو شرط لانعقاد البيع، أو لا تصلح، فإن كشفت الكتابة وأفصحت عن إرادة المتعاقدين وعن حصول الرضا المطلوب لانعقاد البيع لم يكن لاشتراط الحضور معنى، بل إن عقد البيع عن طريق اللفظ إذا خلا من الإشهاد يستطيع المتعاقد أن يدعي أنه ما قال ذلك، أو يدعي أنه قال قولًا غير ما يدعيه المشتري، ولا يستطيع أن يدعي مثل ذلك في الكتابة. القول الراجح: ما ذهب إليه المالكية هو القول الصحيح، لقوة أدلته وسلامتها من الاعتراض، وسيأتي في آخر البحث ما يدعم هذا إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 331

مسألة زمان العقد ومكانه في بيع المكاتبة والمراسلة البيع بالمكاتبة أو بالمراسلة أو بالهاتف، يجب أن نبحث عن أمرين هامين: وهما: زمان العقد ومكانه. ما يميز العقد بين المتعاقدين الحاضرين وبين الغائبين، هو وجود فاصل من الزمن بين صدور القبول، وعلم الموجب به، ففي التعاقد بين حاضرين يعلم الموجب بالقبول في الوقت الذي يصدر فيه، وأما في التعاقد بين الغائبين فإن الإيجاب يصدر، ثم تمضي فترة من الزمن هي المدة اللازمة لوصول القبول إلى علم الموجب، ومن ثم يختلف وقت صدور القبول عن وقت العلم به. وهذا يجعلنا نسأل عن زمان انعقاد العقد ومكانه في حال البيع بالمكاتبة أو بالمراسلة، فما دام أن هناك فترة من الزمن تفصل ما بين صدور القبول والعلم به، فيجب التساؤل: متى يتم العقد؟ هل هو وقت صدور القبول، أو هو وقت علم الموجب به؟ هل نقول إن العقد قد تم في الزمان والمكان الذي صدر فيهما القبول. وتسمى عند فقهاء القانون نظرية الإعلان. أي إن العقد قد تم بمكان وزمان إعلان القبول. أو نقول: إن العقد قد تم في الزمان والمكان اللذين وصل فيهما القبول إلى علم الموجب. وتسمى عند فقهاء القانون بنظرية العلم. أي: إن العقد قد تم في وقت ومكان علم الموجب بالقبول. وهل يختلف الحكم في المسألتين؟

стр. 332

الجواب نعم، ينبني على هذا الخلاف أحكام شرعية ومالية مؤثرة بين القولين، من ذلك. ° أولًا: للمشتري ثمر البيع ونماؤه المتصل والمنفصل منذ انعقاد العقد . ففي هذه الحال، إذا قيل: العقد قد انعقد منذ صدور القبول يختلف الحكم فيما لو قيل: العقد ينعقد عند علم الموجب بالقبول. ° ثانيًا: في هلاك المبيع قبل القبض وبعد العقد . معلوم أن بعض السلع إذا هلكت تكون من ضمان المشتري، وبعضها من ضمان البائع، وقد ناقشت هذه المسألة بشيء من التفصيل فيما تقدم. فنحتاج إلى معرفة وقت انعقاد العقد لكي نعرف هل فات المبيع على المشتري أو على البائع؟ فإذا هلك المبيع بعد صدور القبول فطبقًا لنظرية الإعلان يكون من ضمان المشتري. وطبقًا لنظرية العلم فإنه يفوت على البائع. ° ثالثًا: في وقت رجوع الموجب عن إيجابه، والقابل عن قبوله . إذا صدر القبول من القابل وقام من مجلسه، أو اشتغل بأجنبي فطبقًا لنظرية الإعلان لم يكن للموجب الرجوع عن إيجابه، ولا القابل عن قبوله أما إذا قلنا بنظرية العلم، فلو عدل القابل عن قبوله قبل أن يصل القبول إلى الموجب فله ذلك، كما له أن يلغي إرسال القبول بعد صدوره، وله أن يسحب القبول من البريد أو من الرسول قبل وصوله، كما يمكنه أن يستخدم وسيلة أسرع من البريد ليبلغ عدوله عن القبول قبل وصول القبول إلى علم الموجب، فإذا عدل لم يتم العقد، وإذا حدد الموجب وقتًا لإيجابه، فإن الإيجاب يسقط بانتهاء

стр. 333

هذه المهلة، فلو تأخر وصول القبول إلى الموجب بسبب خارج عن إرادة القابل بعد الوقت الذي حدده، فإن العقد لا يتم طبقًا لنظرية العلم، ويتم طبقًا لنظرية الإعلان. ° رابعًا: إذا مات القابل أو فقد أهليته إذا مات القابل أو فقد أهليته بعد صدور القبول، وقبل وصوله إلى الموجب، فإن العقد لا يتم طبقًا لنظرية العلم، ويتم طبقًا لنظرية الإعلان. إذا عرفنا ذلك، فما هو الاتجاه الفقهي، ° هل ينعقد البيع بصدور القبول، أو ببلوغ القبول للموجب . [م-٥٣] في المسألة قولان: القول الأول: ظاهر كلام الفقهاء أن العقد ينعقد بصدور القبول، ولا يشترط علم الموجب (١).

стр. 334

القول الثاني: سماع كل من المتعاقدين كلام الآخر شرط لانعقاد البيع، وهذا يعني أن البيع لا ينعقد حتى يسمع الموجب قبول المشتري، وهو قول في مذهب الحنفية (١).

стр. 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 338

حجة من يقول: يلزم البيع بصدور القبول . الدليل الأول: يقول الشيخ علي قره داغي: «لا يوجد نص في جميع المذاهب التي اطلعنا على آرائهم ما يدل على اشتراط علم الموجب بالقبول في التعاقد بين الغائبين ليتم العقد، بل بالعكس وجدنا نصوصهم تتظاهر على تثبيت هذه القاعدة، وهي أن العقد يتم بركنيه، وهما الإيجاب والقبول، فإذا توفر فقد تم العقد، وأما اشتراط علم الموجب بعد تحققهما فهذا اعتراف ضمني بعدم كفاية الإيجاب والقبول في انعقاد العقد، وترتيب الأثر» (١). الدليل الثاني: أن في اشتراط علم الموجب للقبول فيه تأخير كبير لآثار العقد لا يتفق مع متطلبات العصر الحديث من سرعة إنهاء المعاملات، كما أن ذلك يؤدي إلى

стр. 339

زعزعة الثقة وعدم اطمئنان القابل من فعالية قبوله، حيث إن للموجب الحق في رفض التعاقد بعد القبول وقبل وصوله إلى علمه. الدليل الثالث: أن الموجب حينما بعث بإيجابه إلى الآخر عن طريق الكتابة أو الرسول، فقد تصور العقد والمعقود عليه، وانتهى من كل شيء من جانبه، فالأمر موكول إلى الآخر، فإذا قبله فقد تم العقد، فما الجدوى في تأخير انعقاد العقد إلى حين علم الموجب؟ (١). الدليل الرابع: «إذا كنتم تقولون: إن الوقوف عند وقت صدور القبول في التعاقد ما بين الغائبين يلقي الموجب في حيرة، فهو لا يعلم متى تم العقد، ولكن هذا القول مردود بأن الوقوف عند وقت العلم بالقبول هو أيضًا من شأنه أن يوقع القابل في حيرة، إذ هو لا يدري متى وصل القبول إلى علم الموجب، فلا يعلم متى تم العقد، ونرى من ذلك أن اعتبار وقت صدور القبول من شأنه أن لا يطمئن الموجب واعتبار وقت العلم بالقبول من شأنه أن لا يطمئن القابل، فلا ميزة لقول على آخر من حيث اطمئنان المتعاقدين» (٢). ويناقش هذا: بأن هناك فرقًا بين البائع والمشتري، فالبائع لو قلنا بنظرية الإعلان تبقى يده معلقة من التصرف في المبيع في الوقت الذي لا يعلم هل قبل القابل أم لا، فيكون في ذلك ضرر بين عليه في حالة ما إذا كان القابل قد رفض الشراء، أما

стр. 340

المشتري فإن الثمن غالبًا ما يكون وجوبه في ذمته، فله حق التصرف في عين ماله، فالأخذ بنظرية إعلان القبول هو من باب تحقيق مصلحة له، لا أكثر، وإذا اجتمع دفع المفسدة وجلب المصلحة كان دفع المفسدة مقدمًا على جلب المصلحة. حجة من يقول: يشترط العلم بالقبول . الدليل الأول: يذكر الحنفية في شروط انعقاد البيع سماع كل من المتعاقدين لصاحبه في البيع بين الحاضرين، حتى نقل بعضهم أن السماع شرط لانعقاد البيع بالإجماع، وهذا يدل على أنه شرط في البيع بين الغائبين كذلك. جاء في البحر الرائق: «إذا قبل المشتري فلم يسمعه البائع لم ينعقد، فسماع المتعاقدين كلاهما في البيع شرط للانعقاد إجماعًا فإن سمع أهل المجلس كلام المشتري والبائع يقول لم أسمع ولا وقر في أذنه لم يصدق قضاء» (١). وجاء في الفتاوى الهندية في معرض الكلام على شروط انعقاد البيع: «ومنها سماع المتعاقدين كلامهما، وهو شرط انعقاد البيع بالإجماع ... » (٢). وجاء في مجمع الأنهر: «وفي المحيط سماع المتعاقدين الإيجاب والقبول شرط الانعقاد» (٣). وفي شرح مجلة الأحكام: «يشترط في انعقاد البيع ..... سماع كل من المتعاقدين كلام الآخر» (٤).

стр. 341

وفي مذهب الشافعية جاء في الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي: «وسئل: بما لفظه تبايعا، وبينهما حائل يمنع رؤية الأشخاص لأسماع الأصوات هل يصح أو لا؟ فأجاب بقوله: نعم يصح؛ لأنهم لم يشترطوا إلا سماع كل كلام صاحبه، بل صرحوا بصحة بيع الأعمى وشرائه لما رآه قبل العمى ولنفسه، وبصحة تبايع الغائبين، نعم إن كان وراء الحائل جماعة اشترط تسمية المشتري حتى يتميز منهم» (١). الدليل الثاني: في قواعد المذهب الحنفي كانوا يقيسون الكتابة على اللفظ، ولذلك كان من قواعد الحنفية: «الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر». فما ثبت للأصل ثبت للفرع، فإذا كنا نشترط السماع في اللفظ، فلنثبت اشتراط العلم القائم مقام السماع للكتابة. الدليل الثالث: اشتراط السماع ليس مطلوبًا لذاته، وإنما هو وسيلة للعلم بالرضا الذي هو شرط، فليس في القرآن ولا في السنة إناطة العقود بالكلام، ولا بالنطق، وإنما الذي جاء فيهما إناطة العقود بالتراضي، وقد أجمع الفقهاء على أن العلة الحقيقية هي الرضا، ولكن لما كان أمرًا خفيًا لا يطلع عليه أقيم مقامه ما يدل عليه من سبب ظاهر، كاللفظ وغيره، فإذا كان سبب العدول عن الرضا النفسي إلى ما يدل عليه هو الاطلاع، وإذا كان الكلام الذي لا يسمع يستوي مع الرضا النفسي في عدم الاطلاع عليه، كان لا بد من السماع حتى يمكن الاطلاع عليه.

стр. 342

الدليل الرابع: إذا كان سماع القابل للإيجاب أمرًا لا يصح أن ينازع فيه، لأن من وجه إليه الإيجاب لا يمكن أن يرضى إلا إذا علم بالإيجاب؛ لأن الرضا لا يكون بدون علم، فكذلك يجب سماع القبول؛ لأن الإعلان عن الرضا لا فائدة منه إلا بالاطلاع عليه، فإذا لم يسمع القبول فإنه يستوي حينئذ بالرضا المستكن في النفس الذي أجمعوا على عدم تأثيره في عقود المبادلات المالية، فإذا سمع الموجب فقد تحقق السماع والعلم (١). الدليل الخامس: إذا لم نشترط علم الموجب للقبول، فقد يحرم الموجب من فرصة التعاقد مع قابل آخر قد يعرض ثمنًا أفضل، لظنه أن المشتري يحتمل أن يكون قد قبل عرضه، وقد يعتقد مع تأخر وصول القبول أن إيجابه مرفوض، فيتعاقد مع شخص آخر ظنًا منه بأن إيجابه لم يقبل، فيكون عرضة لضياع مصلحته أو مصلحة القابل، وكل ذلك يدل على عيب في الاكتفاء بنظرية الإعلان فقط. مناقشة كل من النظريتين: بالنظر إلى أدلة كل قول يتكشف لنا عيوب القول المقابل: فالعيوب التي تتوجه إلى نظرية العلم: منها أن في اشتراط علم الموجب للقبول تأخيرًا كبيرًا لآثار العقد لا يتفق مع متطلبات العصر الحديث من سرعة إنهاء المعاملات، كما أن ذلك يؤدي إلى

стр. 343

زعزعة الثقة وعدم اطمئنان القابل من فعالية قبوله، حيث إن للموجب الحق في رفض التعاقد بعد القبول وقبل وصوله إلى علمه. والعيوب التي تتوجه إلى نظرية الإعلان: تكاد السلع في أيامنا تتعرض في كثير من الأحيان إلى ارتفاع حاد، أو هبوط مفاجئ، ومع تهاون الناس في التزاماتهم الشرعية، وقلة الأمانة لدى كثير من المتعاملين في السوق، وكثرة الحيل في المعاملات المالية فإنهم سوف يسعون في حالة هبوط السلع إلى عدم لزوم البيع، وفي حالة ارتفاع السلع سيكون الموقف بالعكس، فإذا تم تبني نظرية إعلان القبول فإن إثبات وقت صدور القبول يشكل صعوبة كبيرة إلى درجة أنه قد يستحيل الإثبات في غالب الأحيان، فالقابل يسعه أن يغير مضمون القبول أو يبطله ما لم يرسله إلى الموجب. كما أن الموجب الذي ليس على علم بذلك قد يعتبر إيجابه ساقطًا، وقد يتعاقد مع شخص آخر ظنًا منه بأن إيجابه لم يقبله المرسل إليه، وفي مقابل ذلك يكون القابل في هذه الفترة على ثقة من انعقاد العقد، وينظم أموره حسب ذلك (١). ولوجود عيوب في نظرية الإعلان والقبول تفرعت قيود على هاتين النظريتين مما نتج عنه نظريتان أخريان، أعطيتا مصطلاحات خاصة، منها: الأولى: نظرية تصدير القبول (نظرية الإرسال) . الفرق بين نظرية إعلان القبول، ونظرية تصدير القبول. أن نظرية الإعلان تقول: إذا قبل من وجه إليه الإيجاب تم العقد دون حاجة

стр. 344

إلى تأخير ذلك إلى وقت لاحق، ويعيب هذه النظرية أن الموجب ستمضي عليه فترة عدم استقرار، لا يعلم فيها إذا كان العقد قد انعقد أم لا. وأما نظرية تصدير القبول: فهي تتفق مع النظرية الأولى في أساسها، ولكنها تختلف عنها في اشتراط أن يكون القبول نهائيًا، والقبول لا يكون نهائيًا في رأي أصحابها إلا إذا استحال على القابل الرجوع فيه، وهذا لا يتأتى إلا إذا صَدَّر القبول فعلًا بالبريد أو البرق؛ لأنه قبل تصديره يكون في استطاعة القابل الرجوع فيه بإهمال تصدير الكتاب الذي يتضمنه أو بإعدامه، وهو ما قد يحدث لو تغيرت الظروف، وأصبحت الصفقة غير مربحة له (١). الثانية: نظرية استلام القبول (نظرية التسليم) . هذه النظرية تقول بانعقاد العقد عندما يتسلم المرسل (الموجب) جواب الطرف القابل، ولو قبل الاطلاع على مضمونه. وتخالف نظرية العلم بالقبول بأن العقد في القول باشتراط العلم بالقبول لا ينعقد إلا بعد الاطلاع على مضمون الخطاب، فلو أقام الدليل على أنه لم يعلم بالقبول بالرغم من وصوله لم ينعقد العقد (٢).

стр. 345

وقد تبنى اتفاق فيينا نظرية استلام القبول في مادتيه (٢٣) و (٢٤): يقول الشيخ إبراهيم كافي: «نشير هنا إلى موقف اتفاق فيينا في هذه القضية- ذلك الاتفاق الذي يعتبر ممثلًا لأخر ما توصل إليه معظم الحقوقيين في العالم في هذا المضمار - وهو الانحياز إلى نظرية استلام القبول» (١). الراجح من هذه الأقوال: هذه المسألة كما يقول عنها الشيخ الدكتور إبراهيم كافي بعد أن قدم بحثًا مميزًا في هذا الموضوع، يقول: «لا يمكن أن ننكر أن الموضوع يحتمل أكثر من وجه، ويوقع المرء في حيرة لا محالة» (٢). وإذا كانت هذه المسألة من الصعوبة بمكان لعدم وجود أثر يقطع النزاع، فتبقى المسألة محل نظر واجتهاد وتلمس للحكم الشرعي بما يحفظ مصلحة البائع والمشتري، وبما يوافق القواعد العامة للشريعة، فالترجيح مني في مثل هذه الحال سيكون مجرد ميل واستحسان لقول على آخر، لا أكثر، فإذا رأينا أن

стр. 346

الأصل عدم وقوع البيع حتى نتيقن أو يغلب على الظن وقوعه، وأن الأصل بقاء ما كان على ماكان، وأن القبول لا فائدة منه إلا بعد الاطلاع عليه. وأن القول بنظرية الإعلان سوف يتضرر البائع دون المشتري، فالمشتري يده مطلقة في الثمن، بينما البائع لا يمكنه التصرف في المبيع حتى يعلم بالرفض، وقد يتأخر وصول هذا العلم كثيرًا، ويترتب على ذلك أضرار كبيرة، فأرى أن القول باشتراط العلم بالقبول أرفق بالبائع، وأكثر رعاية لمصالحه، هو أولى بالمراعاة من المشتري؛ لأن البيع إخراج للمبيع من ملكه، فيجب أن تكون الإرادة المفروضة مطابقة لمصلحة البائع عند عدم الاتفاق، كما أن الراجح فيما لو اختلف المتبايعان في عين المبيع فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان، فراعى هنا مصلحة البائع؛ لأن في ذلك إخراجًا للمبيع من ملكه بغير رضاه، فكذلك هنا نراعي مصلحة البائع، ونقول لا بد من علمه بالقبول لينتج للعقد أثره المترتب عليه، على أن استلام القبول قرينة على الاطلاع عليه إلا أن يثبت عكسه من سفر أو مرض لم يتمكن بسببه من الاطلاع، وإذا كانت القاعدة الشرعية أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن القول باشتراط العلم بالقبول فيه دفع للمفسدة الواقعة على البائع، بينما الأخذ بنظرية الإعلان فيه جلب مصلحة للمشتري، في الوقت الذي قد يتضرر البائع، فإن قيل: تأخير القبول قد يلحق ضررًا بالمشتري. قيل في الجواب عن ذلك الأصل عدم وقوع الشراء، والثمن غالبًا ما يكون متعلقًا في الذمة، فلا أحد يملك أن يقيد يده من التصرف، بخلاف البائع فإن القول بالاكتفاء بالقبول يكف يد البائع عن التصرف في المبيع إلى حين يعلم هل قبل أو رفض المشتري، وفي ذلك ضرر بين، وإن كنت أنصح في مثل هذه العقود أن يشترط البائع أن يكون

стр. 347

الإيجاب موقتًا بوقت إذا لم يصل إليه القبول في خلاله يكون في حل من إيجابه، كما هو مذهب المالكية فهذا يحل الإشكال من أساسه، ولا يجعل البائع معلقًا لا يتمكن أن يستغل المبيع انتظارًا لقبول قد يقع وقد لا يقع، وقد يفوت عليه عروضًا كثيرة ربما تكون أهم من العرض الذي قدمه للمشتري. وقد استعرض مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة وقدمت خلال دورته بحوث قيمة ناقشت هذه المسألة بإسهاب، واختلفت أراء أصحاب البحوث فيها كحال مسائل الخلاف، وكان قرار المجلس قد أخذ بنظرية الإعلان، وإليك نص القرار. إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، ونظرًا إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال وجريان العمل بها في إبرام العقود، لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات، وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب والكتابة وبالإشارة وبالرسول .... قرر: ١ - إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة، أو السفارة (الرسول) وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس، وشاشات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله. ٢ - إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين

стр. 348

حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة. ٣ - إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه. ٤ - إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال. ٥ - ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد للإثبات (١). * * *

стр. 349

المبحث الخامس الإيجاب والقبول بالوسائل الحديثة قال ابن تيمية: «كل ما عده الناس بيعًا وإجارة فهو بيع وإجارة، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال ...... وليس لذلك حد مستمر، لا في شرع، ولا في لغة» (١). وذكر المالكية بأن البيع ينعقد بما دل على الرضا من قول، أو إشارة، أو كتابة من الجانبين، أو معاطاة (٢). والإيجاب والقبول بالوسائل الحديثة مركب من صيغة لفظية وفعلية، ولذا أدرجتها في الصيغ الفعلية، وإن كانت تقبل أن تدرج في الصيغة اللفظية. والمقصود بالوسائل الحديثة: الهاتف، والبرق، والتلكس، والفاكس ونحوها. هذه الوسائل ليست على شكل واحد، فبعضها يأخذ حكم الكتابة، وبعضها يأخذ حكم اللفظ. فهي إن عبرت هذه الوسائل عن ملفوظ فهي في حكم الكلام، وذلك مثل البيع عن طريق الهاتف والراديو، ونحوها.

стр. 350

وإن عبرت هذه الوسائل عن مكتوب فهي في حكم الكتابة، فالبرق مثل الكتاب، إلا أن الكتاب يصل إلى المرسل إليه بخط يده، في حين أن البرق تعبير عما كتبه، أو تلفظ به، والفاكس يقدم صورة عما كتبه الموجب، وقد سبق لنا مناقشة حكم البيع عن طريق الكتابة، وتوصلنا أن الكتاب في حكم الخطاب، فأغنى عن إعادته هنا. ويبقى البيع بالهاتف . [ن-٥] فالبيع عن طريق الهاتف أصبح يمارس اليوم على نطاق واسع في محيط التعامل بين المشتغلين بأمور التجارة، ولذا يجب بسط الكلام فيه، خاصة أن الفقهاء قديمًا لم يتعرضوا لحكمه لعدم وجود الهاتف في عصرهم، ولكن يوجد من عموم كلامهم ما يستدل به على حكم البيع بالهاتف. فقد صرح الحنفية والشافعية من أن المتعاقدين لا يشترط فيهما قرب المكان ولا رؤية بعضهما في صحة العقد. فهذا ابن نجيم في البحر الرائق يصحح البيع، ولو كان بين البائع والمشتري نهر عظيم تجري فيه السفن، ثم قال: «وقد تقرر رأي في أمثال هذه الصورة على أنه إن كان البعد بحال يوجب التباس ما يقول كل واحد منهما لصاحبه يمنع، وإلا فلا، فعلى هذا الستر بينهما الذي لا يمنع الفهم والسماع لا يمنع» (١). وجاء في الفتاوى الهندية: «والبعد إن كان بحال يوجب الالتباس بقول كل واحد منهما يمنع، وإلا فلا» (٢). جاء في المجموع: «لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع» (٣).

стр. 351

ويقول الشيخ أحمد إبراهيم: «وأما العقد بالتلفون فالذي يظهر أنه كالعقد مشافهة، مهما طالت الشقة بينهما، ويعتبر العاقدان كأنهما في مجلس واحد، إذ المعنى المفهوم من اتحاد المجلس أن يسمع أحدهما كلام الآخر، ويتبينه، وهذا حاصل في الكلام بالتلفون، كما هو مشاهد لنا، غاية الأمر أنه يحتمل الكذب، وتصنع صوت الغير، لكن هذا قد يحصل في الرسالة والكتابة أيضًا» (١). ويقول الأستاذ علي الخفيف: «إذا استعملا التلفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد، وبطل بذلك الإيجاب» (٢). وقد تبين لنا في بحث ألفاظ الإيجاب والقبول أن الشرع يعتبر الرضا هو الأساس في صحة العقود، لهذا أجاز الفقهاء التعاقد بالرسالة والكتابة وبالإشارة والمعاطاة، بل أجاز البيع بكل ما يدل على الرضا عرفًا، فكل ما عده الناس بيعًا فهو بيع، ومنه البيع عن طريق الهاتف. يقول الحطاب: «واحتج المالكية بما تقدم من أن الأفعال، وإن انتفت منها الدلالة الوضعية، ففيها دلالة عرفية، وهي كافية، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منكما، فتكفي دلالة العرف في ذلك على طيب النفس والرضا بقول أو فعل» (٣). واختار النووي والمتولي والبغوي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة انعقاد

стр. 352

البيع بكل ما يعده الناس بيعًا (١). وفي القانون المدني المصري: «يعتبر التعاقد بالتلفون أو بأية طريقة مماثلة كأنه تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان، وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان» (٢). والذي قد يحتاج إلى توضيح في البيع بالهاتف ونحوه، الكلام في مسائل منها: المسألة الأولى: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول . يذكر الفقهاء لصيغة العقد شروطًا من أهمها شرطان: الأول: موافقة القبول للإيجاب، وسيأتي الكلام عليه بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى. الثاني: اتصال القبول بالإيجاب.، ويشترط لاتصال القبول بالإيجاب ثلاثة شروط: - أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه. - ألا يرجع الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول. فما الذي يقصده الفقهاء بقولهم: اتحاد مجلس العقد، أو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد؟ ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كون المتعاقدين في

стр. 353

مكان واحد، لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر كما مر علينا في البيع عن طريق المكاتبة أو المراسلة، وإنما المراد باتحاد المجلس: الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد. فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، ما لم يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل أجنبي يعتبر إبطالًا للإيجاب، كرجوع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو إعراض القابل عن هذا الإيجاب باشتغاله بشيء آخر غير العقد، فإذا لم يوجد شيء من ذلك صح القبول الصادر منه مهما طال الوقت. وبناء عليه يكون اتحاد المجلس في العقد عن طريق الهاتف: هو زمن الاتصال، فما دامت المحادثة في شأن العقد قائمة اعتبر المجلس قائمًا، وإذا انتقلا إلى حديث آخر اعتبر المجلس منتهيًا (١). المسألة الثانية: هل يثبت خيار ما يسمى (خيار المجلس) في البيع بالهاتف عند القائلين به، وهما الشافعية والحنابلة، وإذا قلنا بثبوته فكيف نكيفه؟ قال النووي: «لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع، وأما الخيار: فقال إمام الحرمين: يحتمل أن يقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته. قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه

стр. 354

احتمالان للإمام، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه، ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا، حصل التفرق، وسقط الخيار، هذا كلامه، والأصح في الجملة ثبوت الخيار، وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه، وينقطع بذلك خيارهما جميعًا. وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء، أو ساحة، أو كانا في بيتين من دار، أو في صحن، وصفة، صرح به المتولي، والله أعلم» (١). وفي بيع الهاتف اختلف الفقهاء المعاصرون في ثبوت خيار المجلس في الهاتف. فقيل: لا يوجد خيار مجلس في الهاتف؛ لأن قوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» إذا حملنا التفرق على تفرق الأبدان، وهو الصحيح، فإن الأبدان قد تفرقا بهما، فأحدهما في المشرق، والآخر في المغرب، فقضية خيار المجلس ينبغي ألا يحدث لأن الوسائل الحديثة أحدثت لنا طريقة أو وضعًا غير موجود في حديث الخيار، ولا يدل عليه الحديث إلا بتمحص وتكلف وقياسات لا يدل عليها الحديث، فتحقيق المناط غير متحقق في هذا». وذهب آخرون إلى أنه يمكن لنا أن نحدد مجلس العقد في بيع الهاتف. يقول الأستاذ علي الخفيف ﵀: «إذا استعملا التلفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد ... » (٢).

стр. 355

وحتى نعرف القول الراجح لا بد لنا من معرفة مقصد الشارع من تشريع ما يسمى بخيار المجلس، هل قصد احترام المجلس (مكان التبايع) لذات المجلس، أو قصد أن يكون هناك فترة من الزمن بعد الإيجاب والقبول يتروى فيها كل من المتعاقدين خشية أن يكون تسرع في الصفقة، لأن البيع قد يقع فجأة من غير ترو ولا نظر، فجعل الشارع هذا الخيار ليحق له الرجوع، وإذا كان المقصود بالمفارقة هو مفارقة مكان التبايع فالمكان قائم في كل صفقة، فالحكم يتعلق بمكانهما إن كانا حاضرين، أو تعلق الحكم باتصالهما إن كانا غائبين، وليس من شرط قيامه اتحاد المكان، وقد ناقشت فيما سبق المكان في حالة البيع بالمكاتبة والمراسلة، فهنا المكان هو مكان الاتصال، فإذا انقطع الاتصال بين المتصلين فقد افترقا. المسألة الثالثة: البيع بالتلفون لا يصح فيما يشترط فيه القبض الفوري إلا إذا تم القبض بعد انتهاء المكالمة مباشرة، كأن يكون لكل واحد منهما عند الآخر وكيل بالقبض مثلًا، أو نحو ذلك، فالعقود في الأموال الربوية لا يتم فيها العقد بالهاتف إلا مع هذا الضابط.
следующие страницы →