← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

فعرفه الرصاع المالكي في شرح حدود ابن عرفة بقوله: «هو إبداء البائع ما يوهم كمالًا في مبيعه كاذبًا، أو كتم عيبه» (١). وهذا أكمل من تعريف الحنفية والشافعية، والذي حصر التدليس في كتمان العيب، فهو يشمل ما يفعله البائع بستر العيب حتى يظهر في صورة السالم منه. ويشمل ما يظهر كمالًا في المبيع وإن لم يكن فيه عيب، كصبغ الثوب القديم ليظهر أنه جديد (٢). ومنه ما يفعل في عصرنا من طلاء السيارات القديمة لتظهر بأنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة لتظهر بأنها قليلة الاستعمال. وجاء في كشاف القناع: «التدليس ضربان: أحدهما: كتمان العيب. والثاني: فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيبًا، كتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وتجعيده» (٣). وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: «التدليس فعل ما يتوهم به المشتري أن في المبيع صفة توجب زيادة الثمن، أو كتمان العيب» (٤).

стр. 2907

المبحث الثاني في الحكم التكليفي للتدليس [م-٥٧٨] التدليس حرام بالإجماع. قال الشافعي: «وحرام التدليس، ولا يُنْتَقض به البيع» (١). وقال الترمذي: «والعمل على هذا - أي تحريم التصرية - عند أهل العلم» (٢). وقال في إحكام الأحكام «لا خلاف أن التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه، مع علم تحريم الخديعة قطعًا» (٣). وقال النووي: «من ملك عينًا، وعلم بها عيبًا لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها وهذا الحكم متفق عليه .... لا خلاف فيه بين العلماء، قال الشافعي ﵀ في آخر باب الخراج بالضمان من المختصر: وحرام التدليس» (٤). وقال ابن هبيرة في الإفصاح: «واتفقوا على أنه لا يجوز تصرية الإبل والبقر والغنم للبيع تدليسًا على المشتري» (٥). وقال في كشاف القناع: «ويحرم التدليس» لحديث من غشنا فليس منا (٦).

стр. 2908

وقال في حواشي الشرواني: «وينبغي أن يكون كبيرة، لقوله ﷺ : من غشنا فليس منا» (١). هذا هو بيان الحكم التكليفي للتدليس، وأما في الحكم الوضعي فسوف نبينه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2909

المبحث الثالث الحكم الوضعي للتدليس قال الماوردي: تدليس العيوب في العقود يوجب الخيار، ولا يوجب الفسخ (١). قال ابن قدامة: كل تدليس بما يختلف به الثمن يثبت خيار الرد (٢). [م-٥٧٩] عرفنا في المبحث السابق الحكم التكليفي للتدليس، وأنه حرام، فإذا دلس البائع فهل يبطل البيع بالتدليس؟ الأصل في تحريم التدليس حديث أبي هريرة في التصرية: (ح-٤٦٣) فقد روى البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج. قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (٣). وقد اختلف الفقهاء ﵏ في الموقف من هذا الحديث على أقوال. القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله إلى أنه لا خيار للمشتري بسبب التصرية، وهو قول أشهب من المالكية (٤).

стр. 2910

وهل يرجع المشتري على البائع بالنقصان؟ روايتان: أحدهما: لا يرجع بشيء، وهي رواية الكرخي (١). الثانية: يرجع، وهي رواية الطحاوي، وذلك لفوات وصف مرغوب فيه، قال في الدر المختار: وهو المختار (٢). القول الثاني: ذهب عامة أهل العلم إلى أن البيع لا يبطل بالتدليس، وأن العقد صحيح مع الإثم، وللمشتري الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رده، وإن اختار الإمساك أمسكه بلا أرش (٣).

стр. 2911

القول الثالث: ذهب داوود الظاهري إلى أن البيع باطل بالتدليس (١). دليل الجمهور على ثبوت الخيار: الدليل الأول: (ح-٤٦٤) من السنة ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (٢). وجه الاستدلال: ثبوت الخيار للمشتري فرع عن صحة البيع، فلو كان البيع باطلًا لما ثبت فيه الخيار، ولتعين الرد. الدليل الثاني: أن التحريم لا يرجع إلى ذات العقد، وإنما يرجع إلى أمر خارج، والنهي إذا لم

стр. 2912

يكن عائدًا إلى ذات الشيء صح مع الإثم، فجعل لمن وقع عليه الغش الخيار، إن شاء أمضاه، وإن شاء رده، ولم يجعل الخيار للبائع؛ لأنه لم يقع عليه غش. الدليل الثالث: حكى ابن قدامة الإجماع على صحة البيع، قال: «متى علم بالبيع عيبًا لم يكن عالمًا به فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا» (١). وناقش الحنفية: بأن الرد بالعيب محل اتفاق، ولا نسلم أن التصرية عيب، كما سيأتي بيانه في أدلتهم. الدليل الرابع: (ح-٤٦٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، ثنا المسعودي، عن جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق. عن عبد الله قال: ثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم (٢). [إسناده ضعيف، والمعروف وقفه] (٣).

стр. 2913

وجه الاستدلال: الخلابة: هي الغش والخديعة، وإذا ثبت أن التصرية غش وخديعة ثبت للمشتري حق الرجوع؛ لأن الرضا لم يتحقق كاملًا بحيث لو أدرك المشتري حقيقة المعقود عليه لما أقدم على العقد، ولئن كان المرفوع ضعيفًا فإن الموقوف صحيح، وقول ابن مسعود حجة إذا لم يخالف نصًا، أو يخالف صحابيًا آخر، كيف وهو موافق للحديث المرفوع: لا تصروا الإبل والغنم السابق ذكره؟ (ث-٩١) وقد روى ابن أبي شيبة عن قيس بن أبي حازم بإسناد صحيح أنه قال: التصرية خلابة (١). الدليل الخامس: حديث ثبوت الخيار بالتصرية مع أنه حديث صحيح في أعلى درجات

стр. 2914

الصحة، وكان ذلك كافيًا في حق الفقيه، فهو موافق للقواعد، فإن الرضا شرط لصحة البيع، وفقده يؤثر في العقد، وإلزام الناس به يكون من أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والمشتري لم يقبل المبيع، ولم يرض أن يبذل الثمن إلا لظنه أن المباع كثير اللبن، وقد فعل البائع ما أوقع المشتري في التغرير من التصرية المنهي عنها بالإجماع كما سبق ذكره، فأفقد ذلك لزوم البيع في حق المشتري، وكان له الخيار ليتحقق الرضا، والذي هو شرط من شروط صحة البيع. دليل أبي حنيفة على عدم ثبوت الخيار بالتصرية: الدليل الأول: قالوا: إن التصرية ليست عيبًا، بدليل أنه لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنًا من أمثالها لم يملك ردها بالاتفاق؛ لأن قلة اللبن ليست عيبًا، والبيع إنما يقتضي سلامة المبيع، وبقلة اللبن لا تنعدم صفة السلامة؛ لأن اللبن ثمرة، وبعدم الثمرة لا تنعدم السلامة. وإذا ثبتت صفة السلامة انتفى العيب، وما دام أنه ليس بعيب فالتدليس به لا يوجب الخيار (١). ويجاب: لو سلمنا أن قلة اللبن ليست عيبًا، فإن كثرة اللبن صفة كمال مطلوبة للمشتري، وقد اشترى الدابة بناء على وجود هذه الصفة، فتبين عدم وجودها فاستحق الخيار لفوات الصفة المرغوبة، خاصة أن هذه الصفة تزيد في قيمة الدابة.

стр. 2915

الدليل الثاني: أن المشتري مغتر، وليس بمغرور، فهو كما لو علفها فانتفخت بطنها، وظن المشتري أنها حامل لم يثبت له الخيار فكذلك هنا، وانتفاخ الضرع قد يكون بسبب كثرة اللبن، وقد يكون بالتحفيل، وعلى ما ظهر من عادات الناس احتمال التحفيل فيه أظهر، فيكون هو مغترًا، وقد كان يمكنه أن يسأل البائع ليبني على النص الذي يسمع منه، أو يشترط عدم التصرية، فحين لم يفعل كان ذلك دليلًا على رضاه بعيبها، وبالتالي فهو ليس مغرورًا من قبل البائع، وإنما هو الذي غر نفسه (١). ويجاب عن ذلك: لا نسلم أن الغالب في امتلاء الضرع أن يكون عن تصرية؛ لأن الأصل في معاملة المسلم عدم الغش والتدليس، وكونه لم يسأل بناء على هذا الأصل، والمشتري إذا رأى في السلعة صفة مرغوبة قد يحمله ذلك على المبادرة على الشراء حتى لا تفوته، فيلهيه ذلك عن السؤال، ويكون الاغترار ناتجًا عن التغرير. الدليل الثالث: اشتراط غزارة اللبن مفسد للبيع كشرط الحمل، فإذا كان لا يمكن اشتراطه لم يكن فقده نقصًا في المبيع (٢). وأجيب: لا نسلم أن اشتراط الحمل مفسد للبيع، وإنما الممنوع أن يشترط مقدارًا أو

стр. 2916

وصفًا في الحمل فهذا لا يصح قطعا; لأنه لا سبيل إلى معرفته، وأما اشتراط أصل الحمل فهذا يصح على الأصح; لأنه معلوم موجود وعليه أمارات ظاهرة يعرفها أهل الخبرة (١). وعلى التسليم بأن اشتراط الحمل لا يجوز فإن القياس عليه قياس مع الفارق، فإن الحمل مجهول الجنس، ولا يمكن الاطلاع عليه إلا بعد الولادة، وذلك لا يعرف موعده بسهولة، وأما اللبن فيمكن استخراجه من الضرع في الحال. الدليل الرابع: ما فعله البائع من التصرية في المبيع بمنزلة خبر يخبر به المشتري، وليس شرطًا مشروطًا في العقد فلا يلزم منه الضمان، كما لو أخبر شخص آخر بأن الطريق آمن، فسار فيه، فوجد فيه لصوصًا فأخذوا ماله، فإنه لا يضمن له ما أخذ منه (٢). ويجاب: بأن المشتري لما رأى الضرع مملوءًا لبنًا ظن أنه عادة لها، فكأن البائع شرط له ذلك، فتبين الأمر بخلافه، فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي؛ لأن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر المبيع على صفة فبان الأمر بخلافها، كان قد دلس عليه، فشرع له الخيار، وهذا هو محض القياس، ومقتضى العدل ... وقد أثبت الشارع الخيار للركبان إذا تلقوا واشتري منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر، وليس هناك عيب، ولا خلف في شرط، ولكن لما فيه من الغش والتدليس (٣).

стр. 2917

الدليل الخامس: أن اللبن الذي أخذه المشتري قد كان بعضه في ضرعها وقت وقوع البيع، فهو جزء من المبيع، وبعضه حدث في ضرعها في ملك المشتري بعد وقوع البيع عليها فهو من ملك المشتري، فلما لم يمكن رد اللبن بكماله على البائع؛ لأن بعضه مما يملكه المشتري. ولم يمكن أن يجعل كله للمشتري، لأن بعضه جزء من المبيع، وقد اختلط هذا بهذا، ولم يعرف مقدار واحد منهما، فيفوت الفسخ في المبيع كما لو تصرف المشتري في المبيع المعيب بعد قبضه (١). ويجاب: بأن الشرع قد قضى في هذا النزاع، ونص على رد صاع من تمر بدلًا من اللبن المجهول الكمية، فوجب المصير إليه. موقف الحنفية من حديث أبي هريرة في النهي عن التصرية . ادعى الحنفية في رد حديث أبي هريرة دعاوى كثيرة، كلها لا تقف في مواجهة الحديث الثابت الصحيح، منها ما لا ينبغي ذكره، كالكلام الذي يطال شخص الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، فإن مثل هذا لا يقدر الباحث على ذكره تعاظمًا له واستقباحًا، فيرى بدلا من الجواب عليه تجاهله؛ لافتقاره إلى الموضوعية والإنصاف، وأسأل الله أن يغفر لهم ما وقعوا فيه من التعصب الذي أوقعهم في النيل من صحابي جليل كرس حياته لحفظ العلم، وروايته. ومنها ما يمكن مناقشته والجواب عنه كقولهم: إن هذا الحديث مخالف للكتاب والسنة والأصول من وجوه عندهم:

стр. 2918

أحدها: أن ضمان المتلفات يتقدر بالمثل بالكتاب والسنة، وفيما لا مثل له بالقيمة فإن كان اللبن من ذوات الأمثال فالواجب المثل، والقول قول المشتري في مقداره، وإن لم يكن من ذوات الأمثال فالواجب القيمة فأما إيجاب التمر مكان اللبن فهذا مخالف لما ثبت بالكتاب والسنة. وثانيها: الأصل أنه إذا قل المتلف قل الضمان وإذا كثر المتلف كثر الضمان وهنا الواجب صاع من التمر قل اللبن أو كثر. وثالثها: أن حديث المصراة قد خالف الأصول في توقيت خيار العيب بثلاث، مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث (١). ورابعها: أن لبن المصراة دين في ذمة المشتري، وإذا أوجبنا في ذمته صاعًا من تمر، كان الطعام بالطعام نسيئة، ودينًا بدين، وهذا ممنوع (٢). وخامسها: أنه معارض لحديث الخراج بالضمان، وهو أصل متفق عليه (٣). (ح-٤٦٦) فقد روى أحمد من طريق ابن أبي ذئب، قال: حدثني مخلد ابن خفاف بن إيماء، عن عروة. عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: الخراج بالضمان (٤). [إسناده ضعيف، وضعفه البخاري وأبو داود، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم] (٥).

стр. 2919

وجه الدلالة: أن معنى قوله: (الخراج بالضمان) الخراج: يراد به ما يخرج ويحصل من غلة العين، وذلك بأن يشتري المشتري حيوانًا أو سلعة فيستغلها زمنًا، ثم يعثر على عيب فيها، فله رد العين المعيبة، وأخذ الثمن، ويطيب للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو تلف في يده لكان عليه ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، والباء في

стр. 2920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2921

قوله: (بالضمان) سببية، أي الخراج مستحق بسبب الضمان (١). وإذا كان الخراج بالضمان لم يكن اللبن مضمونًا على المشتري في حال التصرية. ويجاب عن ذلك: أما رد الحديث لمخالفته الأصول، فيقال: الحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلًا بنفسه، كما أن غيره أصل بنفسه، وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض، كما نهى رسول الله ﷺ عن أن يضرب

стр. 2922

كتاب الله بعضه ببعض بل يجب اتباعها كلها، ويقر كل منها على أصله وموضعه، فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه (١). قال ابن عبد البر: «هذا الحديث مجمع على صحته، وثبوته من جهة النقل، وهذا مما يعد وينقم على أبي حنيفة من السنن التي ردها برأيه، وهذا ما عيب عليه، ولا معنى لإنكارهم ما أنكروه من ذلك؛ لأن هذا الحديث أصل في نفسه» (٢). وقال النووي: «أجمع أهل العلم بالحديث على صحته وثبوته من حديث أبي هريرة، رواه عنه الأعرج، ومحمد بن سيرين، وأبو صالح السمان، وهمام ابن منبه، وثابت مولى عبد الرحمن، وقد تقدمت روايتهم، ومحمد بن زياد، ورواياته في جامع الترمذي ... وموسى بن يسار ... ومجاهد وأبو إسحاق، ويزيد ابن عبد الرحمن بن أذينة وغيرهم، ورواه عن هؤلاء وعمن بعدهم خلائق لا يحصون، حتى ادعى بعضهم أنه صار إلى التواتر» (٣). ودعوى أن الحديث معارض للقياس، فيقال: الأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله وكلام رسوله ﷺ وما عداهما فمردود إليهما; فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع؟ فالحديث أقوى من القياس، وهو مقدم على القياس من حيث رتبته في التشريع، فلا يعارض الأقوى بالأدنى، وقد قال أحمد: إنما القياس أن نقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى أصل، فتهدمه، ثم تقيس عليه، فعلى أي شيء تقيس» (٤).

стр. 2923

وقال ابن السمعاني: «لا يرد الخبر بالقياس باتفاق، فالسنة مقدمة عليه بلا خلاف» (١). أما الجواب على الاعتراض بكون الضمان من غير اللبن: أما الاعتراض على الحديث بكونه جبر لبن المصراة بالتمر، مع أن جبر الأعيان إما بالمثل أو بالقيمة. فيقال: لم يعرف مقدار اللبن حتى يمكن رد مثله أو قيمته، وما كان مجهول الوصف والقدر جاز الرجوع فيه إلى بدل مقدر في الشرع من غير الرجوع إلى مثله أو قيمته، كالغرة في الجنين يستوي فيه الذكر والأنثى، وإن اختلفت دياتهما. وكذلك الموضحة حكم الشارع في صغيرها وكبيرها بحكم واحد، تستوي فيه دية ما كبر منها وما صغر (٢). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اللبن الذي في المصراة لا يمكن تضمينه بمثله، وذلك لأن اللبن الذي في الضرع محفوظ غير معرض للفساد، فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده. وأما الاعتراض بكون الرد صاعًا مطلقًا لا فرق بين قليله وكثيره. فالجواب عنه أن يقال: إن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد والذي هو للبائع قد اختلط به لبن حادث بعد العقد يملكه المشتري، ولا سبيل إلى معرفة مقدار اللبن القديم من اللبن الحادث، فإن جُعِل تقدير ذلك إلى المتعاقدين

стр. 2924

أفضى ذلك إلى التنازع والخصومات، لذلك تولى الشرع تقديره قطعًا للنزاع (١). فلما تعذر معرفة مقدار الحق شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق، ولذلك تجد الشارع يأمر أحيانًا بالخرص إذا تعذر الكيل أو الوزن، إقامة للظن مقام العلم عند تعذر العلم، ويأمر بالاستيهام لتعيين المستحق عند كمال الإيهام، وتارة يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق، ورد المشتري للصاع بدل ما أخذ من هذا الباب (٢). وأما معارضة الحديث بحديث الخرج بالضمان . فيقول ابن القيم ﵀: «حديث المصراة أصح منه باتفاق أهل الحديث قاطبة ... مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله؟ فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجًا، وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس، فإن الخراج لم يكن موجودًا حال البيع، وإنما حدث بعد القبض، وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودًا حال العقد، فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض العدل والقياس» (٣). وعلى التسليم بأن حديث المصراة مخالف للأصول، فإن الواجب مع صحة

стр. 2925

الحديث أن يستثنى هذا من هذه الأصول كلها لموضع صحة الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب، وإنما هو حكم خاص (١). الراجح من الخلاف: الراجح الذي يتعين القول به أن التدليس حرام، ويثبت الخيار لمن دلس عليه، وأن البيع صحيح مع التدليس فلا يفسد أصل البيع، وأن الخيار لمن وقع عليه التدليس، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رد البيع، وأن السنة الصحيحة الثابتة لا تعارض بالعقل والقياس، فالموقف هو التسليم للحديث الصحيح، والقول بمقتضاه، والله أعلم. * * *

стр. 2926

الفصل الخامس خيار في البيع لظهور الخيانة في بيوع الأمانة من خيارات النقيصة خيار في البيع لظهور الخيانة في بيوع الأمانة، وقد تكلمنا في أحكام الثمن عن بيوع الأمانة وذلك عند الكلام على تحديد الثمن، وتناولنا أنواع بيوع الأمانة من مرابحة، ومواضعة، وتولية، وشركة، ونتناول في هذه المباحث ما لو ظهر من البائع خيانة للمشتري في هذه البيوع، فهل يثبت له الخيار أو لا يثبت؟ هذا ما سوف نتكلم عليه في هذه المباحث إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2927

المبحث الأول ظهور الخيانة في بيع المرابحة الفرع الأول ظهور الخيانة في صفة الثمن الثمن يزاد لأجل الأجل، فيعتبر الأجل مالًا في المرابحة (١). قال ابن قدامة: الأجل يقتضي جزءًا من العوض (٢). [م-٥٨٠] إذا ظهرت الخيانة في صفة الثمن، كما لو اشترى شيئًا مؤجلًا، وباعه مرابحة حالًا، ولم يبين ذلك، فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: له الخيار بين الإمساك والرد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥)، حتى حكي في ذلك الإجماع (٦).

стр. 2928

القول الثاني: للمشتري أن يرد المبيع، ولا يصح أن يأخذه بالثمن مؤجلًا. وإن رضي المشتري به نقدًا فقولان: أقواهما الصحة؛ لأنه حق لمخلوق، وهذا مذهب المالكية (١)، ورواية في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 2929

القول الثالث: يأخذه المشتري مؤجلًا، ولا خيار له، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، قال صاحب الفروع: اختاره الأكثر (١). القول الرابع: يحط عن المشتري مقدار التفاوت بين المؤجل والحال، والفرق يأخذه المشتري، ولا خيار. اختاره بعض فقهاء الشافعية (٢). وجه من قال له الخيار: الوجه الأول: أن الإنسان في العادة يشتري الشيء مؤجلًا بأكثر مما يشتريه حالًا، فإذا باعه تولية أو مرابحة حالًا ولم يخبر المشتري فكأنه باعه بأكثر مما اشتراه به، وهذا غش للمشتري يوجب له الخيار. الوجه الثاني: سبق لنا أن التدليس يوجب أمرين: الأول صحة العقد، والثاني: ثبوت الخيار لمن وقع عليه التدليس، كما في حديث المصراة، وهذا منه حيث اشتراه مؤجلًا ولم يبين، فلم نبطل العقد، وجعلنا الخيار للمشتري. وجه من قال: يأخذه المشتري مؤجلًا: إذا كان المشتري الأول قد أخذه مؤجلًا، فيجب أن يأخذه المشتري الثاني

стр. 2930

على صفته، وكون البائع لا يرضى بذلك، فقد عقد البيع على أنه من بيوع الأمانة، وهو اعتبار الثمن الأول في قدره وصفته، فيلزمه ذلك. وجه من قال: يحرم أن يأخذه المشتري مؤجلًا: قالوا: «لما كان له رد السلعة إذ هي قائمة، صار التأخير بالثمن إنما اتفقا عليه من أجل ترك القيام الذي كان له أن يفعله، فهو من باب السلف الذي يجر نفعًا، كمن وجد عيبًا في سلعة، فقال البائع: لا تردها، وأنا أؤخرها بالثمن إلى أجل، أن ذلك سلف جر نفعًا» (١). ويناقش: بأن هذا من احتياط المالكية في باب سد الذرائع في بيوع الآجال، وكثير منها لا يكون المنع قويًا، وهذا منه. وجه من قال: يحط التفاوت بين المؤجل والحال: لعل من قال ذلك: رأى أن العقد لما وقع حالًا، بينما العقد في الثمن الأول كان مؤجلًا رأى أن يدفع التغرير الواقع على المشتري بخصم قيمة التأجيل من الثمن، ونكون بذلك قد راعينا كلًا من البائع والمشتري. الراجح: أجد أن قول الجمهور: وهو أن البيع صحيح، وأن المشتري مخير بين الإمساك أو الرد هو أقوى الأقوال حجة، والله أعلم. أما قول المالكية: إن المشتري لا يحق له أن يأخذه بالأجل، وأن ذلك من باب السلف الذي يجر نفعًا فهو من باب الاحتياط وسد الذرائع، ولا يظهر لي

стр. 2931

قوته، لأن الأجل تبين أنه مستحق من العقد، وليس بعد ثبوت الدين حيث إن العقد وقع بالثمن الأول، وهذا يعني أنه باعه بالثمن الأول قدرًا وصفة، والتأجيل صفة، وكونه كتمها لا يعني ذلك أنها غير مستحقة، والله أعلم. * * *

стр. 2932

الفرع الثاني ظهور الخيانة في بيع المرابحة في قدر الثمن فوات صدق البائع يوجب الخيار كفوات السلامة من العيب (١). [م-٥٨١] إذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة بقدر الثمن، كما لو باع رجل سلعة مرابحة، ثم تبين أن رأس مالها الأول أقل مما ذكره البائع إما بإقرار البائع، أو بقيام البينة، وكانت السلعة قائمة لم تتغير، ولم يتعذر ردها على البائع، فقد اختلف الفقهاء في هذا على قولين: القول الأول: البيع صحيح، وهذا قول عامة الفقهاء الذين قالوا بثبوت الخيار، أو قالوا: يجب حط الزائد؛ لأن ثبوت الخيار، أو وجوب حط الزائد فرع عن صحة البيع، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. القول الثاني: البيع باطل، حكاه وجهًا أبو حامد من الشافعية، وهو ضعيف (٢). والقائلون بأن العقد صحيح اختلفوا في الواجب: القول الأول: المشتري بالخيار بين أخذ المبيع بجميع الثمن، وبين رده على صاحبه. وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وهو المعتمد في المذهب (٣)، وقول في

стр. 2933

مذهب الشافعية (١). القول الثاني: المشتري بالخيار بين أخذ المبيع برأس ماله الصحيح، وما يقابله من الربح، وبين رده على صاحبه. وهذا قول مخرج عند الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد اختارها بعض الحنابلة (٣). والفرق بين هذا القول والقول السابق أنهما اتفقا على أن المشتري يملك حق الرد، واختلفوا هل له أن يأخذه بالثمن الحقيقي الذي كتمه البائع، أو ليس له أن يأخذه إلا بجميع الثمن الذي اتفقا عليه، وتراضيا عليه. القول الثالث: إن حط البائع الزيادة وما يقابلها من الربح فلا خيار للمشتري، وإن لم يفعل فالمشتري بالخيار بين الإمساك والرد. وهذا مذهب الإمام مالك (٤). القول الرابع: يجب حط الزائد مع قسطه من الربح، ولا خيار لهما، اختاره أبو يوسف من

стр. 2934

الحنفية (١)، وهو الأظهر عند الشافعية (٢)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣). القول الخامس: إن باعه، وأخبره أنه اشترى السلعة بكذا وكذا، وأنه لا يربح فيها إلا كذا وكذا، فوجده كاذبًا، فالبيع صحيح، وكذبه لا يضر البيع شيئًا، ولا رجوع للمشتري على البائع بشيء إلا من عيب في المبيع أو غبن ظاهر كسائر البيوع، والكاذب آثم لكذبه، وهذا اختيار ابن حزم (٤). وجه من قال: المشتري بالخيار إن شاء أخذه بكل الثمن، وإن شاء رده: الوجه الأول: قياس عقد المرابحة على عقد السلعة المعيبة، فإن عقد المرابحة مبني على

стр. 2935

الصدق والأمانة، وفوات الأمانة يوجب الخيار كفوات السلامة من العيب، بجامع أن كلًا منهما مشروط دلالة. وإذا كان على المشتري أن يأخذ السلعة المعيبة بكامل الثمن أو يتركها دون أخذ الأرش على الصحيح، فكذلك عقد المرابحة، إن شاء أخذها بالثمن الذي اتفقا عليه أو يترك السلعة؛ لأن الثمن الحقيقي ليس محل وفاق بين العاقدين حتى يمكن الرجوع إليه عند ظهور الخيانة في الثمن، فكان مقتضى العدل بين البائع والمشتري أن يعطى الخيار للمشتري دفعًا للخيانة، فلا نلزمه بالعقد، ولا نلزم البائع بالثمن الأصلي لأنه في الحقيقة لم يرضه. وكونه كذب بالثمن هذا لا يجعلنا نظلمه فنأخذ منه ماله بما لم يبع به. ونوقش: بأن القياس على السلعة المعيبة قياس مع الفارق، فإن بائع السلعة المعيبة لم يرض بإخراج السلعة إلا بالثمن المسمى المتفق عليه، بخلاف البائع في عقد المرابحة فإنه قد رضي أن يكون البيع برأس المال، وربح معلوم، فإذا تبين زيادة في رأس المال حطت الزيادة وما يقابلها من الربح، وهذا هو ما وقع عليه العقد حقيقة. ورد هذا الاعتراض: بأن العقد قد عقد على الثمن المسمى، هو الثمن المعلوم، ولذلك بذله المشتري، وأما ذكر المرابحة مع تسمية الثمن فهو صفة ترويجية، فإذا ظهرت الخيانة أوجب ذلك الخيار للمشتري، ولا يعني هذا تغيير الثمن المسمى إلى ثمن لا يرضاه البائع كما يثبت الخيار لفوات السلامة من العيب، ولا يعني هذا تغيير الثمن مع أن وجود العيب قد أنقص القيمة.

стр. 2936

الوجه الثاني: القياس على الخيانة في صفة الثمن، فإذا كان البائع إذا باع مرابحة حالًا ما اشتراه نسيئة، ولم يبين، فالمشتري بالخيار على الصحيح، ولا نقول له: اقبلها مؤجلة، فكذلك الشأن إذا خان في مقدار الثمن. الوجه الثالث: قد لا يطمئن المشتري إلى البائع إذا تبين له أنه قد خانه في بيع الأمانة؛ لأن من خان في الخبر الأول فلا يؤمن أن يخون في الخبر الثاني، وربما خاف أن يخونه في أمور لا يدري عنها، فاحتاج الأمر إلى أن يترك الأمر إلى اختيار المشتري، ولا يلزم بالمبيع. تعليل المالكية بأنه إذا حط البائع الزيادة وما يقابلها من الربح فلا خيار: إلزام البائع بحط الزيادة إجبار على البيع بما لم يرض، ومن ثم شرع الخيار للمشتري دفعًا للخيانة، فإذا حط البائع الزيادة من قبل نفسه وحط ما يقابلها من الربح، فقد اندفع الضرر عن المشتري، ومن ثم فلا وجه لمشروعية الخيار للمشتري بعد حط الزيادة؛ لأن الأصل في العقد اللزوم. وبهذا نكون قد راعينا مصلحة كل واحد من المتعاقدين بحيث لم نجبر البائع على حط الزيادة وما يقابلها، ولم نلزم المشتري بالمبيع بالثمن المسمى، وبهذا تتحقق قاعدة: لا ضرر، ولا ضرار. وجه من قال: يحط الزائد وما يقابله من الربح، ولا خيار لهما: الوجه الأول: رأس المال الحقيقي هو الأصل في بيع المرابحة؛ لأن العقد مبني عليه، فإذا

стр. 2937

فسدت التسمية بسبب الخيانة بطلت التسمية، وبقي العقد لازمًا بالثمن الحقيقي وما يقابله من الربح. الوجه الثاني: أن المشتري إذا حط عنه الزيادة وما يقابلها من الربح فقد ازداد خيرًا، وإذا كان قد رضي بالثمن الأكثر فهو سيرضى بالأقل من باب أولى، فلا وجه للخيار، لأن الخيار إنما شرع لدفع الضرر، أو جبر النقص، ولا ضرر هنا، ولا نقص؛ لأن من رضي بمئة وعشرة مثلًا سيرضى بتسعة وتسعين من باب أولى. الوجه الثالث: القياس على عقد الشفعة، إذا أخذت بما أخبر به المشتري ثم تبين كذب المشتري، فإن الشفيع يأخذ الشفعة بالثمن الصحيح، فكذلك عقد المرابحة إذا تبين كذب البائع في الثمن، فإن المشتري يأخذها بالثمن الصحيح. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين عقد الشفعة وعقد البيع، فعقد الشفعة هو استحقاق الشريك حصة شريكه بسبب الشفعة، فينتزع الشريك الملك من المشتري بالثمن الصحيح، غير معتبر رضا المشتري، فلا يمكنه إبطاله ولا تغييره، وبالخيانة يكون قد قصد تغييره فيرد عليه، بينما عقد المرابحة قد يقال: إن العاقدين لم يتراضيا إلا على المسمى، والكذب فيه يجعل الخيار للمشتري، ولا يلزم البائع أن يخرج ملكه بأقل مما سمى في عقد البيع، والله أعلم. وجه من قال: البيع صحيح، ولا خيار مع الإثم: رأى ابن حزم ﵀ أن البيع إذا سلم من الغرر، والجهالة، والعيب فقد وقع

стр. 2938

صحيحًا كما أمر الله تعالى، وكذب البائع معصية لله تعالى، ليست معقودًا عليها، فهو كزناه لو زنى، أو شربه الخمر لو شرب، ولا فرق (١). الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال أجد أن القول بأن المشتري بالخيار إلا أن يرضى البائع بحط الزائد وما يقابله من الربح، ولا أرى إلزام البائع بحط الزائد خوفًا من أن نكون أكرهناه على إخراج ماله بغير الثمن الذي ارتضاه، فإذا أسقطه من قبل نفسه فلا حاجة إلى خيار المشتري؛ لأنه لا ضرر عليه والحالة هذه؛ ولأن القول بالخيار والحالة هذه قد يتخذها المشتري وسيلة للتخلص من المبيع الذي لزمه خاصة إذا كانت قيمة السلع قد نقصت في السوق، فيستغل هذا ليتخلص من التزاماته، ويقع ضرر على البائع دون حاجة إلى ذلك، والله أعلم. تنبيه: إذا اشترى سلعة مرابحة، فعلم المشتري أن البائع كذب في رأس المال، فرضي المشتري بالسلعة، ثم أراد أن يبيعها مرابحة، فذكر في المدونة أنه لا يبيعها مرابحة حتى يبين (٢). * * *

стр. 2939

المبحث الثاني ظهور الخيانة في بيع التولية والشركة والوضعية [م-٥٨٢] الأصل أن كلًا من المرابحة والتولية والشركة والوضيعة كلها من بيوع الأمانات، فالحكم في واحد منها لا يختلف عن الحكم في سائرها، والذي حملني على فصل الخيانة في عقد المرابحة عن غيرها أن أبا حنيفة وبعض الشافعية اختلف حكمهم في المرابحة عن حكمهم في التولية والشركة والوضيعة، فاحتاج الأمر إلى فصل المرابحة عن باقي بيوع الأمانة. فإذا ظهرت الخيانة في عقد التولية، والشركة، والوضيعة فقد اختلف الفقهاء فيها على أقوال: القول الأول: يحط القدر الزائد، ولا خيار للمشتري. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة (١)، وأبو يوسف (٢)، وهو القول الأظهر عند الشافعية (٣)، والصحيح في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 2940

القول الثاني: المشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وهذا اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: المشتري بالخيار بعد حط مقدار الخيانة في الثمن وما يقابلها من الربح، وهو قول للشافعية (٣)، وقول للحنابلة (٤). القول الرابع: إن حط البائع الزيادة فلا خيار للمشتري، وإن لم يفعل فالمشتري بالخيار بين الإمساك والرد. وهذا مذهب الإمام مالك (٥). دليل أبي حنيفة على وجوب حط الزائد في التولية دون المرابحة: إذا خان البائع في عقد التولية، فلو أخذه المشتري بالثمن المسمى لم يكن

стр. 2941

تولية، بل يصير به البيع مرابحة لا تولية، فلما صرحا بالتولية كان ذلك منهما نفيًا لمقدار الخيانة، بخلاف الخيانة في بيع المرابحة فإننا إذا أثبتنا جميع المسمى لا يتغير به العقد عن كونه مرابحة، غاية ما هنالك أن يكون الربح أكثر مما ظنه المشتري، والبائع دلس عليه بجعل بعض الربح من رأس المال، فكان ذلك يثبت الخيار للمشتري، ولم يجب حط الزائد. دليل الشافعية والحنابلة على أن الزائد يحط في الجميع: سبق ذكر أدلتهم في الخيانة في بيع المرابحة، فأدلتهم واحدة، فهم لا يفرقون بين بيع المرابحة، وبين التولية، والشركة، والوضيعة. دليل المالكية على أن المشتري بالخيار إلا إذا حط البائع القدر الزائد: سبق ذكر أدلتهم في الخيانة في بيع المرابحة، فأدلتهم واحدة، فهم لا يفرقون بين بيع المرابحة، وبين التولية، والشركة، والوضيعة. دليل من قال: المشتري بالخيار بعد حط الزيادة وما يقابلها: أن المشتري لا يأمن الخيانة في هذا البيع أيضًا، ولأن المشتري ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه وكيلًا، أو عليه يمين أو نحو ذلك. وقد يقال: إن احتمال أن يكون وكيلًا، أو عليه يمين أمر نادر الوقوع، ومع ذلك فالوكيل له أن يشتري بأقل مما وكله صاحبه، لأنه زيادة خير له، بخلاف ما لو كان يلزمه أن يشتري بأكثر مما وكله به، فربما هنا يتوقف الأمر على إجازته، والله أعلم. الراجح من الخلاف: ما رجحناه في الخيانة في أمر المرابحة نرجحه هنا، فالشأن واحد،

стр. 2942

فالمشتري بالخيار إلا أن يضع عنه البائع برضاه مقدار ما غرر به وخانه، والله أعلم. * * *

стр. 2943

الباب الثالث خيار لاختلاف المتبايعين تمهيد ذكرنا في الباب الأول من كتاب الخيار: خيار التروي، وذكرنا في الباب الثاني خيار النقيصة، وهذا الباب من الخيار هو قسم ثالث، لا يلحق لا بهذا ولا بذاك، ويسمى خيار لاختلاف المتبايعين، وهذا الخلاف يأخذ أشكالًا مختلفة، وقد ذكر صاحب تهذيب الفروق ثمانية عشر نوعًا من الاختلاف بين المتعاقدين (١): من اختلاف في أصل العقد، واختلاف في عين المبيع، واختلاف في قدر الثمن، واختلاف في صفته، واختلاف في أجل أو شرط، واختلاف في التسليم، واختلاف في دعوى فساد العقد لاختلال شرط، أو وجود مانع، واختلاف في دعوى تغير المبيع إذا بيع بصفة أو رؤية متقدمة، واختلاف عند من حدث العيب، إلى غير ذلك، وربما كان الحكم مختلفًا بين كل مسألة وأخرى، فبعضها قد يعطي العاقدين الخيار، وبعضها قد لا يعطي العاقدين الخيار، وسوف أتكلم إن شاء الله تعالى على كل مسألة وأبين خلاف العلماء فيها. أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. وهذا الباب عظيم الشأن؛ وذلك لأن الخلاف يقع كثيرًا بين المتبايعين، والعناية به من أهم الأمور؛ لأن الإسلام حريص على سد أبواب النزاع بين المسلمين، وحريص على إقامة العدل بينهم، ولا يتأتى هذا إلا مع العناية

стр. 2944

الشديدة في هذا الباب، وعلى طالب العلم أن يعنى به لمعرفة من المقدم قوله، ولتحديد المدعي من المدعى عليه، ولهذا أفرد الفقهاء في مصنفاتهم فصولًا خاصة في اختلاف المتبايعين، وكان الأليق بهذا الكتاب أن يذكر في باب الأقضية، لعلاقته الشديدة بذلك، ومع ذلك فكثير من الفقهاء تكلموا فيه في باب البيوع، وقد تابعتهم على ذلك تأسيًا بهم. والكلام في اختلاف المتعاقدين المقصود به عند عدم البينة كما أشار إلى ذلك الفقهاء (١)، فإن كان لأحدهما بينة قضي بها بلا نزاع. (ح-٤٦٧) لعموم قوله ﷺ للحضرمي: (ألك بينة) قال لا. قال: (فلك يمينه) (٢). (ح-٤٦٨) ولما روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٣). * * *

стр. 2945

الفصل الأول الاختلاف في عقد البيع الاختلاف في عقد البيع يأتي على أكثر من وجه، فقد يختلف المتعاقدان في وجود عقد البيع، سواء اختلفا في أصل العقد، كأن يدعي أحدهما البيع، والآخر ينكره، أو اختلفا في جنس العقد كأن يدعي أحدهما أن العقد عقد معاوضة كالبيع مثلًا، ويدعي الآخر أن العقد عقد هبة، أو عارية، ففي المسألتين الخلاف واقع على وجود عقد البيع. وقد يختلفان في صفة العقد، كأن يدعي أحدهما لزوم العقد ويدعي أحدهما وجود خيار فيه، أو اختلفا في صحة العقد وبطلانه، كأن يدعي أحدهما فسادًا في العقد بسبب اختلال شرط في صحته، كالجهل في الثمن، أو عدم القبض في بيع يعتبر القبض شرطًا لصحة العقد كالصرف، ونحو ذلك، والآخر يدعي سلامته من ذلك المفسد، وفي هاتين المسألتين الخلاف واقع على صفة العقد، وسوف نتعرض إن شاء الله تعالى لكل مسألة من هذه المسائل مع ذكر خلاف أهل العلم، وبيان الراجح منها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *
следующие страницы →