← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

تولية، بل يصير به البيع مرابحة لا تولية، فلما صرحا بالتولية كان ذلك منهما نفيًا لمقدار الخيانة، بخلاف الخيانة في بيع المرابحة فإننا إذا أثبتنا جميع المسمى لا يتغير به العقد عن كونه مرابحة، غاية ما هنالك أن يكون الربح أكثر مما ظنه المشتري، والبائع دلس عليه بجعل بعض الربح من رأس المال، فكان ذلك يثبت الخيار للمشتري، ولم يجب حط الزائد. دليل الشافعية والحنابلة على أن الزائد يحط في الجميع: سبق ذكر أدلتهم في الخيانة في بيع المرابحة، فأدلتهم واحدة، فهم لا يفرقون بين بيع المرابحة، وبين التولية، والشركة، والوضيعة. دليل المالكية على أن المشتري بالخيار إلا إذا حط البائع القدر الزائد: سبق ذكر أدلتهم في الخيانة في بيع المرابحة، فأدلتهم واحدة، فهم لا يفرقون بين بيع المرابحة، وبين التولية، والشركة، والوضيعة. دليل من قال: المشتري بالخيار بعد حط الزيادة وما يقابلها: أن المشتري لا يأمن الخيانة في هذا البيع أيضًا، ولأن المشتري ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه وكيلًا، أو عليه يمين أو نحو ذلك. وقد يقال: إن احتمال أن يكون وكيلًا، أو عليه يمين أمر نادر الوقوع، ومع ذلك فالوكيل له أن يشتري بأقل مما وكله صاحبه، لأنه زيادة خير له، بخلاف ما لو كان يلزمه أن يشتري بأكثر مما وكله به، فربما هنا يتوقف الأمر على إجازته، والله أعلم. الراجح من الخلاف: ما رجحناه في الخيانة في أمر المرابحة نرجحه هنا، فالشأن واحد،

стр. 2942

فالمشتري بالخيار إلا أن يضع عنه البائع برضاه مقدار ما غرر به وخانه، والله أعلم. * * *

стр. 2943

الباب الثالث خيار لاختلاف المتبايعين تمهيد ذكرنا في الباب الأول من كتاب الخيار: خيار التروي، وذكرنا في الباب الثاني خيار النقيصة، وهذا الباب من الخيار هو قسم ثالث، لا يلحق لا بهذا ولا بذاك، ويسمى خيار لاختلاف المتبايعين، وهذا الخلاف يأخذ أشكالًا مختلفة، وقد ذكر صاحب تهذيب الفروق ثمانية عشر نوعًا من الاختلاف بين المتعاقدين (١): من اختلاف في أصل العقد، واختلاف في عين المبيع، واختلاف في قدر الثمن، واختلاف في صفته، واختلاف في أجل أو شرط، واختلاف في التسليم، واختلاف في دعوى فساد العقد لاختلال شرط، أو وجود مانع، واختلاف في دعوى تغير المبيع إذا بيع بصفة أو رؤية متقدمة، واختلاف عند من حدث العيب، إلى غير ذلك، وربما كان الحكم مختلفًا بين كل مسألة وأخرى، فبعضها قد يعطي العاقدين الخيار، وبعضها قد لا يعطي العاقدين الخيار، وسوف أتكلم إن شاء الله تعالى على كل مسألة وأبين خلاف العلماء فيها. أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. وهذا الباب عظيم الشأن؛ وذلك لأن الخلاف يقع كثيرًا بين المتبايعين، والعناية به من أهم الأمور؛ لأن الإسلام حريص على سد أبواب النزاع بين المسلمين، وحريص على إقامة العدل بينهم، ولا يتأتى هذا إلا مع العناية

стр. 2944

الشديدة في هذا الباب، وعلى طالب العلم أن يعنى به لمعرفة من المقدم قوله، ولتحديد المدعي من المدعى عليه، ولهذا أفرد الفقهاء في مصنفاتهم فصولًا خاصة في اختلاف المتبايعين، وكان الأليق بهذا الكتاب أن يذكر في باب الأقضية، لعلاقته الشديدة بذلك، ومع ذلك فكثير من الفقهاء تكلموا فيه في باب البيوع، وقد تابعتهم على ذلك تأسيًا بهم. والكلام في اختلاف المتعاقدين المقصود به عند عدم البينة كما أشار إلى ذلك الفقهاء (١)، فإن كان لأحدهما بينة قضي بها بلا نزاع. (ح-٤٦٧) لعموم قوله ﷺ للحضرمي: (ألك بينة) قال لا. قال: (فلك يمينه) (٢). (ح-٤٦٨) ولما روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٣). * * *

стр. 2945

الفصل الأول الاختلاف في عقد البيع الاختلاف في عقد البيع يأتي على أكثر من وجه، فقد يختلف المتعاقدان في وجود عقد البيع، سواء اختلفا في أصل العقد، كأن يدعي أحدهما البيع، والآخر ينكره، أو اختلفا في جنس العقد كأن يدعي أحدهما أن العقد عقد معاوضة كالبيع مثلًا، ويدعي الآخر أن العقد عقد هبة، أو عارية، ففي المسألتين الخلاف واقع على وجود عقد البيع. وقد يختلفان في صفة العقد، كأن يدعي أحدهما لزوم العقد ويدعي أحدهما وجود خيار فيه، أو اختلفا في صحة العقد وبطلانه، كأن يدعي أحدهما فسادًا في العقد بسبب اختلال شرط في صحته، كالجهل في الثمن، أو عدم القبض في بيع يعتبر القبض شرطًا لصحة العقد كالصرف، ونحو ذلك، والآخر يدعي سلامته من ذلك المفسد، وفي هاتين المسألتين الخلاف واقع على صفة العقد، وسوف نتعرض إن شاء الله تعالى لكل مسألة من هذه المسائل مع ذكر خلاف أهل العلم، وبيان الراجح منها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 2946

المبحث الأول الاختلاف على أصل العقد قال القرافي: الأصل بقاء الأملاك على ملك أربابها والنقل والانتقال على خلاف الأصل (١). وقال ابن قدامة: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت زواله (٢). وقال السيوطي: الأصل العدم وبراءة الذمة (٣). [م-٥٨٣] إذا اختلف العاقدان على أصل العقد، مثل أن يقول البائع: بعتك هذا الشيء بألف، فيقول الآخر: ما اشتريت. أو يقول المشتري: اشتريت منك هذه السلعة بألف، فيقول المالك: ما بعت. فإذا أنكر أحدهما وجود بيع بينهما، فالقول قول منكر العقد مع يمينه بائعًا كان أو مشتريًا، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. قال القرافي: «الاختلاف في وقوع العقد، فيصدق منكره مع يمينه إجماعًا» (٤).

стр. 2947

لكن قال ابن فرحون: «لا يمين على المدعى عليه، إذا كانت السلعة بيد صاحبها» (١). والأول أصح. (ح-٤٦٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة. عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٢). (ح-٤٧٠) ولما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل. عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (٣). قال القرطبي: «قوله للحضرمي: (ألك بينة) ... دليل على أن المدعي يلزمه إقامة البينة، فإن لم يقمها حلف المدعى عليه، وهو أمر متفق عليه» (٤). ولأن الأصل عدم وجود العقد حتى يقوم الدليل على وجوده. ولأن الأصل أيضًا براءة ذمة الإنسان من حق الغير حتى يثبت العكس. * * *

стр. 2948

المبحث الثاني الاختلاف في جنس العقد إذا ادعى أحد المتعاقدين عقدًا خلاف ما يدعيه الآخر فالأصل عدم ثبوت ما يدعيه كل واحد منهما. [م-٥٨٤] إذا أقر المتعاقدان بوجود علاقة تعاقدية بينهما، لكن أحدهما يدعي البيع، والآخر ينفي البيع، ويدعي العارية، أو القرض، أو الرهن، أو نحو ذلك، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: القول قول البائع مع يمينه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (١)، واختيار الشيخ أبي حامد من الشافعية (٢)، ووجه عند الحنابلة (٣) تعليل من قال: القول قول البائع مع يمينه: التعليل الأول: الأصل أن الإنسان لا يبذل ماله إلا بعوض، فالأملاك لا تنتقل عن يد أربابها إلا بمقابل، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت خلافه. التعليل الثاني: أن الأصل بقاء ملك من يدعي البيع، فيكون القول قوله (٤).

стр. 2949

ويناقش: سلمنا أن الأصل بقاء الملك، لكنه يدعي الآن ما هو خلاف الأصل، وهو انتقال الملك، والأصل عدمه، والآخر ينكر انتقال الملك بالبيع، والقول قول المنكر. القول الثاني: يتحالفان، ثم لا يقبل قول واحد منهما على الآخر، وهو قول محمد ابن الحسن من الحنفية (١) والأصح عند الشافعية (٢) وهو المذهب عند الحنابلة (٣).

стр. 2950

دليل من قال: يتحالفان ثم تبطل دعوى كل واحد منهما: الدليل الأول: كل واحد منهما مدَّعٍ، ومدَّعَى عليه، فالمالك يدعي البيع وينكر الهبة، والآخر يدعي الهبة، وينكر البيع، فلما لم تكن هناك بينة للمدعي، كانت اليمين في حق المدعى عليه، ولما كان كل واحد منهما يعتبر مدعى عليه، كان على كل واحد منهما أن يحلف. (ح-٤٧١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة. عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١). (ح-٤٧٢) ولما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل. عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (٢). فيقال للبائع: أنت تدعي البيع، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قال: لك يمين صاحبك، ويقال للطرف الآخر: أنت تدعي الهبة، أو القرض، أو العارية: ألك بينة؟ فإن قال: لا. قيل له: لك يمين صاحبك، وعلى هذا كل واحد منهما عليه أن يحلف على نفي ما ادعاه صاحبه كما هو مذهب الشافعية، أو يحلف على إثبات ما ادعاه، ونفي ما ادعاه صاحبه، كما هو الشأن في صفة حلف المتبايعين إذا اختلفا، وسيأتي بحث صفة اليمين في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.

стр. 2951

الدليل الثاني: الأصل عدم ثبوت ما يدعيه كل واحد منهما، فلا يثبت عقد البيع، كما لا يثبت عقد الهبة. الدليل الثالث: لما كان كل واحد منهما يدعي عقدًا يختلف عما يدعيه خصمه، كان النظر ألا يصدق واحد منهما على الآخر. القول الثالث: إذا اختلف المتعاقدان فأحدهما يدعي البيع، والآخر يدعي القرض، أو العارية، أو الوكالة فالقول قول مدعي هذه العقود على قول مدعي البيع. وهذا مذهب المالكية (١)، وقول للشافعية (٢)، ووجه للحنابلة (٣). واستدل أصحاب هذا القول بالآتي: قدمنا مدعي العارية أو الوكالة على مدعي البيع؛ لأن البائع يدعي نقل الملك بعوض، والآخر ينفي ذلك، والأصل أن الأملاك باقية على ملك أصحابها حتى يثبت. وقدمنا مدعي القرض على مدعي البيع؛ لأن الذي يدعي البيع يدعي على

стр. 2952

صاحبه ثمن مبيع، والمدعى عليه يعترف بأن في ذمته دينًا بمثل ما قبض، والأصل أن عليه أن يرد عين ما أخذ، أو مثله، فكان كالعارية والرهن. وقدمنا من يدعي عقد الوكالة على مدعي البيع؛ لأن السلعة إن كانت في يده فالحل أن يردها، وإن ادعى أنها تلفت فالقول قوله؛ لأنه الوكالة من عقود الأمانات والبيع من عقود الضمان، فيقدم قول من يدعي الوكالة؛ لأنه غارم (١). وقدمنا مدعي الهبة على مدعي البيع، لأن مدعي الهبة يملك العين باتفاقهما، وصاحبه يدعي عليه ثمنها، والأصل براءة ذمته (٢). ويناقش: لا نسلم أن مدعي الهبة مالك باتفاقهما؛ لأن صفة التمليك مختلف فيها، إذ مدعي البيع يدعي التمليك بعوض، والآخر يدعي التمليك بغير عوض، وليس قول أحدهما بأولى من قول الآخر (٣). الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن قول من قال: يتحالفان، ثم تسقط دعوى كل منهما هو القول الراجح لاحتجاجه بنصوص شرعية، بينما الأقوال الأخرى قائمة على تعليلات لا تصلح أن تكون معارضة للنصوص الواردة.

стр. 2953

المبحث الثالث الاختلاف في صفة العقد الفرع الأول الاختلاف على لزوم العقد الصفات من خيار أو رهن أو أجل أو غيرها لا تثبت إلا بالشرط، والأصل عدم الاشتراط. إذا اختلفا في أجل أو رهن، أو خيار، أو ضمين فالقول قول من ينفيه؛ لأن الأصل عدمه (١). الأصل في البيع اللزوم (٢). [م-٥٨٥] إذا اختلف المتعاقدان في صفة العقد، كأن يدعي أحدهما أن العقد على البت واللزوم، ويدعي الآخر أن العقد فيه خيار، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: القول قول المنكر مع يمينه، وهذا القول هو مذهب الحنفية (٣)،

стр. 2954

والمالكية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). تعليل من قال: القول قول من ينكر الخيار: التعليل الأول: مقتضى العقد اللزوم، ومدعي الخيار يدعي خلافه، فكان القول قول المنكر لأنه هو مقتضى العقد. ولأن المشتري مقر بالبيع، مدع لما يرفعه، ولا بينة معه، فكان القول قول المنكر؛ لأن اليمين على المدعى عليه كما في حديث ابن عباس المتفق عليه. التعليل الثاني: الأصل عدم الخيار؛ لأنه لا يثبت إلا بالشرط، والأصل عدم الاشتراط، فكان القول قول من ينكره. القول الثاني: يتحالفان، ثم يفسخ البيع، وهو مذهب الشافعية (٣)،

стр. 2955

ورواية أحمد (١). تعليل من قال: يتحالفان: القياس على الاختلاف في الثمن والمثمن، فإذا كان الاختلاف في الثمن أو في المثمن يوجب التحالف فكذلك الاختلاف في صفة العقد؛ لأن صفات العقد ملحقة بأصله فوجب أن يكون حكمها في التحالف كحكم الاختلاف في تقدير الثمن أو تقدير المثمن، ولأن هذه كلها قد تأخذ من الثمن قسطًا؛ لأن الثمن قد يزيد وينقص بعدمها، فصارت في الحكم كأجزاء الثمن والمثمن. وأجاب الحنفية عن ذلك: بأن الاختلاف في شرط الخيار اختلاف في غير المعقود عليه؛ لأن العقد لا يختل بعدمه، بخلاف الاختلاف في قدر الثمن؛ لأنه لا بقاء للعقد بدونه، وبخلاف الاختلاف في وصف الثمن وجنسه حيث يكون بمنزلة الاختلاف في القدر، لأنه يرجع إلى نفس الثمن؛ لأنه يعرف بالوصف لا غير. ألا ترى أنه لو شهد أحدهما أنه باعه بشرط الخيار ثلاثة أيام، وشهد الآخر أنه باعه، ولم يذكر الخيار فإنه إذا لم يثبت ما ادعاه لم يرجع الاختلاف إلى صحة البيع، لاتفاقهما على البيع، بخلاف ما إذا وقع الاختلاف في الثمن أو المثمن، وتحالفا فإنه عندما لا يثبت ما يدعياه يبقى الثمن أو المثمن مجهولًا، فيرجع الاختلاف إلى بطلان البيع. وعندي أن جواب الحنفية ليس بسديد، لأمرين: الأول: أن القول بالتحالف إذا اختلفا في تقدير الثمن أو المثمن فيه

стр. 2956

نزاع، والراجح أن القول قول البائع مع يمينه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الثاني: يرد على قول الحنفية الاختلاف في أصل العقد فإن القول للمنكر مع يمينه بالإجماع، ومع ذلك لا يتحالفان، مع أن الاختلاف فيه يؤدي إلى عدم قيام العقد. فالجواب الصحيح أن يقال: إنما يتحالفان إذا كان كل واحد منهما يصدق عليه أنه مدع ومدعى عليه، كما لو اختلفا في جنس العقد، فأحدهما يقول: هو عقد بيع، والآخر يقول: هبة، فإذا لم يكن لأحد منهما بينة باعتبار أن كل واحد منهما مدع، طلب من كل واحد منهما اليمين باعتبار أنه مدعى عليه أما في مسألتنا هذه فالمدعي هو مدعي الخيار لا غير، واليمين إنما هي في جانب المنكر. القول الثالث: القول قول مدعي الخيار، وهذا قول أشهب من المالكية (١). تعليل هذا القول: التعليل الأول: الأصل عدم انتقال الملك، فالبائع يدعي انتقال الملك، والمشتري ينكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: هذا القول مبني على أن الملك في زمن الخيار للبائع كما هو مذهب

стр. 2957

المالكية، فإن قيل: إن الملك في زمن الخيار للمشتري، وهو الصواب لم يكن المشتري ينكر انتقال الملك، بل هو يدعيه. الوجه الثاني: البيع هو الذي ينقل الملك، وهو في نفسه لم يختلف عليه، فكل منهما مقر بوقوعه، والخلاف في اشتراط الخيار، فالمشتري يدعي الخيار، وهو أمر زائد على البيع، لا يثبت إلا بالشرط، فالأصل عدمه حتى يثبت العكس. التعليل الثاني: أن منكر الخيار يدعي لزوم العقد، ومدعيه ينكر اللزوم، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم اللزوم (١) ويناقش: بأن لزوم العقد لا يحتاج إلى دعوى، فالعقد بمجرده يقتضيه، فعقد البيع من العقود اللازمة بنفسه، ولذلك احتاج العاقدان إذا أرادا أو أحدهما أن يكون العقد عقدًا جائزًا أن يشترطا ذلك في صلب العقد، ولمدة معلومة، فلو كان الأصل عدم اللزوم كما قيل لما احتاج الأمر إلى اشتراط ذلك في صلب العقد، ولمدة معلومة. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن القول الأول هو القول الراجح، وأن القول قول من ينكر الخيار؛ وكل من قيل: إن القول قوله فالمراد مع يمينه، والله أعلم. * * *

стр. 2958

الفرع الثاني الاختلاف في شرط العقد كاشتراط الأجل [م-٥٨٦] من الاختلاف في صفة العقد الاختلاف في وجود شرط تقييدي في صلب العقد، وقد مر معنا في باب: (الشروط في البيع) الكلام على الشروط الجعلية، وما يصح اشتراطه منها، وما لا يصح، فإذا اختلف العاقدان على شرط العقد، كأن يقول أحدهما: الثمن مؤجل، والآخر يقول: بل هو حال، وهذا اختلاف في وجود الأجل، وقد يقر كل واحد منهما بالأجل، ولكن يختلفان في قدره، وقد يتفقان على مدته، ولكن يدعي أحدهما انتهاءه والآخر بقاءه، ومثل الخلاف في اشتراط الأجل الخلاف في اشتراط رهن أو كفيل، وهذه الشروط كلها شروط ترجع إلى العقد، ولا دخل لها في المبيع، ولذلك جعلناها في هذا المبحث، وقد يكون الشرط الجعلي يرجع إلى صفة المبيع، كما لو اشترط أن تكون السلعة المبيعة ذات لبن، فهذا شرط يعود إلى صفة المبيع، فذكرناه هناك، وألحقناه في الاختلاف على صفة المبيع. فإذا اختلف البيعان، فأحدهما يدعي وجود شرط إضافي (جعلي تقييدي) والآخر ينكره، فمن المقدم قوله؟ هذا ما سوف نستكشف أقوال العلماء فيه في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 2959

المطلب الأول الخلاف في وجود الأجل الأصل عدم التأجيل؛ لأن التأجيل لا يثبت إلا بالشرط، والأصل عدم الاشتراط (١). [م-٥٨٧] إذا اختلف المتبايعان في اشتراط الأجل، فأحدهما يدعي أن الثمن مؤجل، والآخر يقول: بل حال، فقد اختلف الفقهاء من المقدم قوله على أقوال: القول الأول: قالوا: إن القول قول من ينفيه، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣). تعليلات هذا القول: التعليل الأول: الأصل عدم اشتراط الأجل؛ لأن الأصل في البيع انعقاده خاليًا من أي شرط إضافي، فالأجل لا يثبت إلا بالشرط، والأصل عدم الاشتراط، ولذلك كان القول قول من يتمسك بالأصل: وهو خلو العقد من الشروط الجعلية.

стр. 2960

وقد يناقش: بأن الأصل إذا تعارض مع الظاهر قدم الظاهر، فالظاهر كثرة اشتراط الأجل في عقود الناس خاصة مع قلة السيولة في أيدي الناس. التعليل الثاني: أن أحد المتبايعين يدعي الأجل، والآخر ينكره، والقاعدة أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فكانت اليمين في حق من ينفي الأجل؛ لأنه مدعى عليه. التعليل الثالث: القياس على الاختلاف في أصل العقد، فإذا كان المتبايعان إذا اختلفا في أصل العقد كان القول قول من ينكره بالإجماع، فكذلك الاختلاف في صفات العقد كالأجل، فإن صفة العقد ملحقة بأصله فوجب أن يكون حكمها في التحالف كحكمه. القول الثاني: يتحالفان، ثم يفسخ البيع، وهو مذهب الشافعية (١)، وقول زفر من الحنفية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).

стр. 2961

دليل من قال: يتحالفان ويفسخان: الدليل الأول: القياس على الاختلاف في قدر الثمن والمثمن، فإذا كان الاختلاف في الثمن أو في المثمن يوجب التحالف فكذلك الاختلاف في الأجل، وذلك أن ادعاء المشتري الأجل دليل على أن المشتري قد زاد في الثمن في مقابل انتفاعه بالتأجيل، أو التقسيط، فكانت الدعوى في الأجل كالدعوى في قدر الثمن. ويجاب: بأن الزيادة في الثمن مقابل اشتراط الأجل قول صحيح، إلا أن القول بالتحالف عند الاختلاف في الثمن والمثمن قول مرجوح كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند الكلام على اختلاف المتبايعين في الثمن، فلم يصح القياس. وأجاب الحنفية بجواب آخر: وهو أن الاختلاف في شرط الأجل اختلاف في غير المعقود عليه؛ لأن العقد لا يختل بعدمه، بخلاف الاختلاف في قدر الثمن؛ لأنه لا بقاء للعقد بدونه. وعندي أن جواب الحنفية ليس بسديد، لأمرين سبق أن ذكرتهما في المسألة السابقة: الأول: أن القول بالتحالف إذا اختلفا في تقدير الثمن أو المثمن فيه نزاع، والراجح أن القول قول البائع مع يمينه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الثاني: يرد على قول الحنفية الاختلاف في أصل العقد فإن القول للمنكر مع يمينه بالإجماع، ومع ذلك لا يتحالفان، مع أن الاختلاف فيه يؤدي إلى عدم قيام العقد.

стр. 2962

فالجواب الصحيح أن يقال: إنما يتحالفان إذا كان كل واحد منهما يصدق عليه أنه مدع ومدعى عليه، كما لو اختلفا في جنس العقد، فأحدهما يقول: هو عقد بيع، والآخر يقول هو هبة، فإذا لم يكن لأحد منهما بينة باعتبار أن كل واحد منهما مدع، طلب من كل واحد منهما اليمين باعتبار أنه مدعى عليه أما في مسألتنا هذه فالمدعي هو مدعي الأجل لا غير، واليمين إنما هي في جانب المنكر، والله أ علم. الدليل الثاني: اشتراط الأجل في عقد البيع مقصود للعاقد، بدليل اشتراطه في العقد، وإذا كان كذلك فإنه لا يكون قول أحدهما مقدمًا على قول الآخر، فيتحالفان، ويتفاسخان. ويناقش: ليس الموجب للتحالف أن يكون الشرط مقصودًا أو غير مقصود، فإنه ما من شرط في البيع إلا وهو مقصود لمن اشترطه، ولكن القاعدة الشرعية التي دلت عليها النصوص أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (المنكر)، فالعاقدان يقران بالبيع، ويختلفان في اشتراط الأجل، فالمشتري يدعيه، والبائع ينفيه، والقول قول المنكر. القول الثالث: ذهب إلى التفصيل: إن اختلفا والسلعة قائمة، سواء كانت بيد البائع أو بيد المشتري فإنهما يتحالفان ويتفاسخان. وإن فاتت السلعة صدق المشتري بيمينه إن ادعى أمدًا قريبًا لا يتهم فيه، فإن ادعى أمدًا بعيدًا صدق البائع بيمينه، ما لم يكن هناك عرف، فإن كان هناك عرف

стр. 2963

قدم قول من يشهد له العرف، فالعرف في السلع، كاللحوم، والبقول والأبزار، والثياب الحلول. والعرف في العقار التأجيل، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١). دليل من فرق بين كون السلعة قائمة فيتحالفان، أو فائتة فيحلف المشتري . الدليل الأول: أن المتبايعين في حال قيام السلعة يمكن ردهما إلى حالة ما قبل التعاقد، فالواجب أن يتفاسخا بعد أن يتحالفا، وذلك أن الشرط الجعلي (اشتراط لأجل ونحوه) يكون المشتري قد زاد في الثمن الذي سيشتري به في مقابل انتفاعه بالتأجيل أو التقسيط، وبالتالي تكون الدعوى فيه كالدعوى في الثمن ذاته. أما في حال فوات السلعة فلا يمكن ردهما إلى ما قبل التعاقد، ولهذا قلنا: القول قول المشتري إن ادعى أجلًا قريبًا، والمالكية يطردون هذا في كل شيء قريب، فمثلًا: إذا اشترط الخيار لمدة معلومة، فرد المبيع بعد انتهاء الخيار بيوم أو يومين، فإنهم يجيزون ذلك باعتبار أن الموعد وإن تأخر عن الحد المتفق عليه، فهو قريب، وليس بعيدًا (٢)، وكذلك لما أجمع العلماء على أن عقد السلم

стр. 2964

لا بد فيه من تقديم رأس المال (الثمن) أجاز المالكية تأخير التسليم يومًا أو يومين؛ ولم يروا في ذلك مخالفة للإجماع على وجوب تسليم الثمن، لأن أجل التأخير قريب، فإذا كان الأجل الذي يدعيه المشتري قريبًا فإنه في حكم الحال عندهم، فيقبل قول المشتري. ويستدل المالكية لعموم قاعدتهم هذه بالقاعدة التي تقول: «ما قارب الشيء له حكمه» (١). قال ابن رشد: «هذه القاعدة كثيرًا ما يذكرها الفقهاء، ولم أجد دليلًا يشهد لعينها، فأما إعطاؤه حكم نفسه، فهو الأصل، وأما إعطاؤه حكم ما قاربه، فإن

стр. 2965

كان مما لا يتم إلا به، كإمساك جزء من الليل، فهذا يتجه، وإن كان على خلاف ذلك، فقد يحتج له بحديث: مولى القوم منهم، وبقوله ﵇: المرء مع من أحب ... » (١). واستدل لهذه القاعدة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ [الطلاق:٢]. قال الشيخ: «ظاهره أن الإمساك بمعروف إذا بلغن أجلهن مع أنهن إذا بلغن إلى ذلك الحد خرجن من العدة، وانتهى وجه المراجعة، ولكن المراد هنا: إذا قاربن أجلهن، ولم يتجاوزنه، أو يصلن إليه بالفعل، والقاعدة: أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل:٩٨]. ومثل الآية: الحديث في قوله ﷺ : إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، مع أنه عند الإتيان، أو أثنائه لا يحق له أن يقول ذلك، وإنما يقوله إذا قارب دخوله» (٢). «ومن جهة الاعتبار: أن إلحاق ما قارب الشيء به دليل على أن هذا الشيء ليس تحديدًا، بل اجتهاد مقارب، فهو من منزلة العفو، وباب التقديرات الاجتهادية، لا من تحديدات الشرع» (٣). الدليل الثاني: (ح-٤٧٣) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).

стр. 2966

ففرق بين قيام السلعة وبين فواتها. قال الطحاوي: «وجدنا أهل العلم قد احتجوا بهذا الحديث - يعني حديث حميد بن أخت صفوان بن أمية، عن صفوان في التصدق بردائه على سارقه- قال الطحاوي: فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﷺ عندهم: «لا وصية لوارث»، وكما وقفنا على صحة قوله عندهم: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة، تحالفا وترادا البيع)، وإن كان ذلك كله لا يقوم من جهة الإسناد، فغنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له» (١). وقال الخطيب البغدادي في الاستدلال بصحة الأحاديث التي لا تثبت من جهة الإسناد، إذا تلقيت بالقبول، قال: «وقوله: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا، وتراد البيع) ... وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ... » (٢). ويجاب عن ذلك: أن كلام العلماء ﵏ إنما هو في حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين، وفي إسناده ضعف على اختلاف في لفظه كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، والمعروف في لفظه: إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.

стр. 2967

وأما لفظ التحالف فلا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (١)، وابن حزم (٢)، وغيرهما، وكون الخطيب البغدادي نص على ذلك، ونقل عنه ابن القيم ومن تبعه ذلك النص فربما كان ذلك سهوًا منهم رحمهم الله تعالى. وأما لفظ (والسلعة قائمة) فقد انفرد بهذه الزيادة ابن أبي ليلى، وهو ضعيف، سيئ الحفظ، ضعفه الإمام أحمد وغيره. الراجح من الخلاف: إذا اختلف المتبايعان، فالبائع يدعي أنه حال، والمشتري يدعي أنه مؤجل، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التأجيل، ولحديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين: أن القول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان، وسوف نذكر تخريجه قريبًا إن شاء الله تعالى. ولأن المشتري يدعي الأجل، والبائع ينكره، والقول قول المنكر (المدعى عليه). والاختلاف في اشتراط الأجل كالاختلاف في اشتراط رهن، أو كفيل؛ بجامع أن كلًا منها شروط جعلية، لا تثبت إلا بالاشتراط، ولا يتوقف عليها صحة العقد.

стр. 2968

قال ابن قدامة: «إن اختلفا في أجل، أو رهن أو في قدرهما أو في شرط خيار أو ضمين، أو غير ذلك من الشروط الصحيحة ففيه روايتان: إحداهما: يتحالفان، وهو قول الشافعي؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسًا على الاختلاف في الثمن. والثانية: القول قول من ينفي ذلك مع يمينه. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر والقول قول المنكر» (١). فجمع ابن قدامة ﵀ مسألة الخلف في الأجل مع مسألة الخلف في الرهن والكفيل، وساق أقوال العلماء فيها جميعًا بدون أن يفصل مسألة عن أخرى، لأن القول فيهما واحد، ولم ينفرد بذلك ابن قدامة بل صنع ذلك غيره من فقهاء المذاهب (٢). والذي أميل إليه أن القول قول من ينفي الأجل، لأن العاقدين متفقان على حصول البيع، مختلفان في اشتراط الأجل، فالمشتري يدعيه، والبائع ينكره، والقول قول المنكر (المدعى عليه)؛ لحديث ابن عباس أن اليمين على المدعى عليه، والله أعلم. * * *

стр. 2969

المطلب الثاني إذا اتفقا على اشتراط الأجل واختلفا في قدره الاختلاف في قدر الأجل كالاختلاف في أصل الأجل، فالقول قول من ينفيه؛ لأن الأصل عدمه، ولأنه منكر، والقول قول المنكر. [م-٥٨٨] قد يتفق البائعان على البيع، ويتفقان على أن الثمن مؤجل، ولكن يختلفان في قدر الأجل، فالبائع يقول: الأجل لمدة شهر، والمشتري يقول: بل شهران، فمن المقدم قوله؟ وللجواب على ذلك نقول: لم يختلف قول الحنفية، والحنابلة، والشافعية في مسألة الخلاف في أصل الأجل عن الخلاف في قدر الأجل، فالقول عندهم واحد في المسألتين: فقيل: القول قول من ينكر الأجل، كما هو مذهب الحنفية. وقيل: يتحالفان، ويتفاسخان، كما هو مذهب الشافعية. وكلا القولين هما روايتان في مذهب الحنابلة، والمذهب عندهم ما يوافق قول الحنفية. قال ابن عابدين: «أطلق الاختلاف في الأجل، فشمل الاختلاف في أصله، وقدره فالقول لمنكر الزائد» (١).

стр. 2970

وجاء في العناية شرح الهداية: «إذا اختلفا في الأجل في أصله، أو قدره، أو في شرط الخيار ... فلا تحالف بينهما، والقول قول البائع» (١). قال ابن قدامة: «إن اختلفا في أجل أو رهن أو في قدرهما أو في شرط خيار أو ضمين أو غير ذلك من الشروط الصحيحة ففيه روايتان: إحداهما: يتحالفان، وهو قول الشافعي؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسًا على الاختلاف في الثمن. والثانية: القول قول من ينفي ذلك مع يمينه. وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر والقول قول المنكر» (٢). وأدلتهم في المسألتين واحدة، وقد ذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة فأغنى عن إعادتها هنا. وأما مذهب المالكية فقد اختلف القول عند بعضهم، ولهم في المسألة ثلاثة أقوال. القول الأول: إن كانت السلعة قائمة تحالفا، وتفاسخا، وإن كانت فاتت بيد المشتري فالقول قوله مع يمينه إن ادعى أمدًا قريبًا، وإن ادعى أمدًا بعيدًا صدق البائع. وهذا القول مطابق لقولهم في الاختلاف في أصل الأجل. القول الثاني: يصدق قول المشتري مع يمينه مطلقًا؛ لأن كلًا منهما مقر بالأجل، والبائع

стр. 2971

يدعي حلوله، فالمشتري هو المدعى عليه، فالقول قوله بيمينه؛ لأن الأصل عدم الحلول. القول الثالث: إن كانت السلعة تالفة فالقول لمن أشبه قوله عادة الناس في الأجل، أي من تشهد له القرينة، فإن لم تشهد لأحد منهما تحالفا. والعمل بالقرينة عند وجودها جيد، لكنه قد يقال: إذا كان العمل للقرينة، فما الفرق بين فوات السلعة وقيامها، فلماذا لا يعمل بالقرينة مطلقًا، قامت السلعة أو فاتت؟ (١). الترجيح: ما رجحته في مسألة الخلاف في أصل الأجل أرجحه هنا لعدم الفارق بين المسألتين، والله أعلم. * * *

стр. 2972

المطلب الثالث إذا اختلفا في انتهاء الأجل إذا اتفقا على الأجل، واختلفا في بقائه، فالأصل بقاؤه، لأن البائع يدعي انتهاءه والمشتري ينكر، والقول قول المنكر. [م-٥٨٩] إذا اتفق البائع والمشتري على الأجل، وعلى مقداره، واختلفا في انتهائه؛ لاختلافهما في ابتدائه. كما لو اتفق البائع والمشتري على أن الأجل لمدة شهر فقال البائع: قد ابتدأ الأجل من مطلع شهر شعبان، وقال المشتري: قد ابتداء الأجل من منتصف شهر شعبان، فمن يؤخذ بقوله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن القول قول من ينكر انتهاء الأجل (١). تعليل الجمهور على بقاء الأجل: التعليل الأول: أن العاقدين بتصادقهما على الأجل أصبح الأجل حقًا للمشتري، وهو ينكر استيفاءه، والقول قول المنكر مع يمينه عند عدم البينة، لحديث ابن عباس المتفق عليه (واليمين على المدعى عليه) يعني: المنكر (٢).

стр. 2973

التعليل الثاني: أنهما اتفقا على الأجل، واختلفا في بقائه والأصل البقاء. القول الثاني: إن كانت السلعة قائمة تحالفا، وإن كانت السلعة قد فاتت، فالقول قول من ينكر انتهاء الأجل، وهو المشتري، إلا أن يكون قول البائع أشبه وهذا مذهب المالكية (١). وجه قول المالكية في التفريق بين فوات السلعة وقيامها: أن المتبايعين في حال قيام السلعة يمكن ردهما إلى حالة ما قبل التعاقد، فالواجب أن يتفاسخا بعد أن يتحالفا، وذلك أن الشرط الجعلي (كاشتراط الأجل ونحوه) يكون المشتري قد زاد في الثمن الذي سيشتري به في مقابل انتفاعه بالتأجيل، أو التقسيط، وبالتالي تكون الدعوى فيه كالدعوى في الثمن ذاته. أما في حال فوات السلعة فلا يمكن ردهما إلى ما قبل التعاقد، فكان القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن البائع والمشتري مقران بالأجل، إلا أن البائع يدعي انتهاءه، والمشتري ينكره، والقول قول المنكر.

стр. 2974

الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الجمهور أقوى من حيث الاستدلال، وأنه لا فرق بين قيام السلعة وبين فواتها، فإن السلعة إن كانت قائمة فالحمد لله، وإن كانت فائتة، فإن كانت مثلية قام مثلها مكانها، وإلا قومت، فالراجح أن القول قول المشتري ما دام أن الأصل بقاء الأجل، وأن البائع يدعي انتهاءه، والمشتري ينكره، والقول قول المنكر. والله أعلم. * * *

стр. 2975

الفرع الثالث الاختلاف في صحة العقد وفساده الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين الصحة حتى يقوم دليل الفساد (١). الفساد طارئ على العقد، والأصل عدمه. [م-٥٩٠] من الاختلاف في صفة العقد الاختلاف على أمر يترتب عليه صحة العقد وفساده، كما لو ادعى أحدهما الجهل بالمبيع، ونفى الآخر، أو ادعى أحدهما عدم القبض فيما يعتبر القبض شرطًا في صحته كالصرف، وادعى الآخر حصول القبض، أو ادعى أحدهما أنه عقد مكرهًا على العقد، وقال الآخر: بل عقد مختارًا، فمن المعتبر قوله في هذه المسالة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا اختلف المتبايعان، فادعى أحدهما صحة العقد وادعى الآخر ما يفسد معه العقد، فالقول قول مدعي الصحة. وإذا اختلف المتبايعان، فادعى أحدهما صحة العقد، وادعى الآخر ما يبطل به العقد فالقول قول مدعي البطلان. وهذا مذهب الحنفية، وقد انفرد الحنفية في تقسيم العقد إلى صحيح وفاسد وباطل (٢).

стр. 2976

وجه الفرق بين المسألتين: أن مدعي البطلان: منكر للعقد، فيقدم قوله؛ لأن الأصل عدم البيع. وأما مدعي الفساد فهو لا ينكر العقد، بل يدعي أمرًا زائدًا، وهو المفسد، ومدعي الصحة ينكره، والقول قول المنكر. القول الثاني: أن القول لمدعي الصحة، وهذا مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، قال المالكية: ما لم يغلب الفساد، فيقدم قول مدعي الفساد.

стр. 2977

وجه من قال: القول لمدعي الصحة: الوجه الأول: أن الأصل في المسلم تعاطي العقد الصحيح؛ لأن تعاطي المسلمين للعقود الصحيحة أكثر من تعاطيهم للعقود الفاسدة. ولأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة، فأصبح الأصل والظاهر يؤيد قول مدعي الصحة. الوجه الثاني: أن كلا من العاقدين قد اتفقا على حصول العقد، واختلفا فيما يفسده، فأحدهما يدعي فساده، ولا بينة له، والآخر ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنه هو المدعى عليه، (ح-٤٧٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة. عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١). القول الثالث: أن السلعة إن كانت قائمة، فإنهما يتحالفان، ويتفاسخان، وإن كانت فائتة فالقول لمدعي الصحة، اختاره بعض المالكية (٢). وجه ذلك: أن المتبايعين في حال قيام السلعة يمكن ردهما إلى حالة ما قبل التعاقد، فالواجب أن يتفاسخا بعد أن يتحالفا.

стр. 2978

أما في حال فوات السلعة فلا يمكن ردهما إلى ما قبل التعاقد، فيكون القول قول مدعي الصحة؛ لأنه هو المدعى عليه، كما في حديث ابن عباس المتقدم (ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه (١). القول الرابع: أن القول لمدعي الفساد، وهو قول للشافعية (٢) وقول للحنابلة (٣) وجهه: أن الأصل عدم انتقال الملك، فمدعي الصحة يدعي انتقاله، ومدعي الفساد ينكره، والقول قول المنكر (٤). ويناقش: يقال: الأصل عدم انتقال الملك لو أنهما اختلفا في أصل العقد، أحدهما يدعي البيع والآخر ينفيه، أما وهما مقران بأن البيع قد وقع، فليس الأصل عدم انتقال الملك، بل الأصل أن البيع ينقل الملك، والأصل في معاملات المسلمين الصحة، وليس الأصل أن تكون معاملات المسلمين فاسدة، فالفساد عارض، فمدعي الفساد يدعي حصوله، والآخر ينفيه، والقول قول المنكر. هذا هو التوجيه الصحيح. قال الجصاص: «كل متعاقدين دخلا في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير مصدق بعد العقد واحد منهما على نفي موجبه; ومن أجل ذلك قلنا: إن ذلك يقتضي اعترافًا منهما بصحته; إذ كان ذلك

стр. 2979

مضمنًا للزوم حقوقه وفي تصديقه على فساده نفي ما لزمه بظاهر العقد; ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن مدعي الفساد منهما بعد وقوع العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدق عليه، وأن القول قول مدعي الصحة منهما» (١). الترجيح: الذي أميل إليه أن الأصل في معاملات المسلمين الصحة، والأصل في البيع أنه ينقل ملك المبيع إلى المشتري، وينقل ملك الثمن إلى البائع، فمن يدعي خلاف هذا الأصل فعليه البينة، فإن لم تكن بينة فالقول قول منكر الفساد، أي قول مدعي الصحة، والله أعلم. وهذه القاعدة تختلف عن مسألة: هل الأصل في العقود الجواز والصحة، أو التحريم؟ والفرق بين المسألتين كالتالي: أن معنى قولنا: الأصل في العقود الجواز والصحة: أن العقد إذا لم يرد عن الشارع ما يدل على تحريمه فهو صحيح جائز. وأما القول: بأن الأصل في العقود حملها على الصحة، فمعنى هذا لو وقع نزاع بين المتعاقدين هل العقد صحيح أو فاسد، وليس ثمت ما يدل على قول أحدهما فالقول قول مدعي الصحة؛ لأنه الأصل في العقود، والفساد طارئ على العقد، ولأن الأصل في العقود الجارية بين المسلمين الصحة. وأمثلة هذه القاعدة غير محصورة. منها: ما جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لو ادعى أحد وقوع هذه

стр. 2980

الإجارة بغبن فاحش، فلا يحكم بوقوعها بمجرد القول والادعاء؛ لأن الأصل في العقود الصحة» (١). ومنها ما ذكره ابن حجر الهيتمي فيما لو اختلف المتعاقدان في رؤية المبيع، فالقول قول مثبتها، وعلل ذلك: بأنه الموافق لقاعدة أن القول قول مدعي الصحة، ولأن إقدام المنكر على العقد اعتراف منه بصحته، ففيه تكذيب لدعواه، ولأن الأصل في العقود الجارية بين المسلمين الصحة كما صرحوا به (٢). ومنها ما ذكره في شرح منتهى الإرادات: إذا ادعى أحدهما ما يفسد العقد من سفه أو صغر أو إكراه ... وأنكره الآخر، فقول المنكر؛ لأن الأصل في العقود الصحة (٣). * * *
следующие страницы →