وجه الفرق بين المسألتين:
أن مدعي البطلان: منكر للعقد، فيقدم قوله؛ لأن الأصل عدم البيع.
وأما مدعي الفساد فهو لا ينكر العقد، بل يدعي أمرًا زائدًا، وهو المفسد، ومدعي الصحة ينكره، والقول قول المنكر.
القول الثاني:
أن القول لمدعي الصحة، وهذا مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، قال المالكية: ما لم يغلب الفساد، فيقدم قول مدعي الفساد.
стр. 2977
وجه من قال: القول لمدعي الصحة:
الوجه الأول:
أن الأصل في المسلم تعاطي العقد الصحيح؛ لأن تعاطي المسلمين للعقود الصحيحة أكثر من تعاطيهم للعقود الفاسدة.
ولأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة، فأصبح الأصل والظاهر يؤيد قول مدعي الصحة.
الوجه الثاني:
أن كلا من العاقدين قد اتفقا على حصول العقد، واختلفا فيما يفسده، فأحدهما يدعي فساده، ولا بينة له، والآخر ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنه هو المدعى عليه،
(ح-٤٧٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة.
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١).
القول الثالث:
أن السلعة إن كانت قائمة، فإنهما يتحالفان، ويتفاسخان، وإن كانت فائتة فالقول لمدعي الصحة، اختاره بعض المالكية (٢).
وجه ذلك:
أن المتبايعين في حال قيام السلعة يمكن ردهما إلى حالة ما قبل التعاقد، فالواجب أن يتفاسخا بعد أن يتحالفا.
стр. 2978
أما في حال فوات السلعة فلا يمكن ردهما إلى ما قبل التعاقد، فيكون القول قول مدعي الصحة؛ لأنه هو المدعى عليه، كما في حديث ابن عباس المتقدم (ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه (١).
القول الرابع:
أن القول لمدعي الفساد، وهو قول للشافعية (٢) وقول للحنابلة (٣)
وجهه: أن الأصل عدم انتقال الملك، فمدعي الصحة يدعي انتقاله، ومدعي الفساد ينكره، والقول قول المنكر (٤).
ويناقش:
يقال: الأصل عدم انتقال الملك لو أنهما اختلفا في أصل العقد، أحدهما يدعي البيع والآخر ينفيه، أما وهما مقران بأن البيع قد وقع، فليس الأصل عدم انتقال الملك، بل الأصل أن البيع ينقل الملك، والأصل في معاملات المسلمين الصحة، وليس الأصل أن تكون معاملات المسلمين فاسدة، فالفساد عارض، فمدعي الفساد يدعي حصوله، والآخر ينفيه، والقول قول المنكر. هذا هو التوجيه الصحيح.
قال الجصاص: «كل متعاقدين دخلا في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير مصدق بعد العقد واحد منهما على نفي موجبه; ومن أجل ذلك قلنا: إن ذلك يقتضي اعترافًا منهما بصحته; إذ كان ذلك
стр. 2979
مضمنًا للزوم حقوقه وفي تصديقه على فساده نفي ما لزمه بظاهر العقد; ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن مدعي الفساد منهما بعد وقوع العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدق عليه، وأن القول قول مدعي الصحة منهما» (١).
الترجيح:
الذي أميل إليه أن الأصل في معاملات المسلمين الصحة، والأصل في البيع أنه ينقل ملك المبيع إلى المشتري، وينقل ملك الثمن إلى البائع، فمن يدعي خلاف هذا الأصل فعليه البينة، فإن لم تكن بينة فالقول قول منكر الفساد، أي قول مدعي الصحة، والله أعلم.
وهذه القاعدة تختلف عن مسألة: هل الأصل في العقود الجواز والصحة، أو التحريم؟
والفرق بين المسألتين كالتالي:
أن معنى قولنا: الأصل في العقود الجواز والصحة: أن العقد إذا لم يرد عن الشارع ما يدل على تحريمه فهو صحيح جائز.
وأما القول: بأن الأصل في العقود حملها على الصحة، فمعنى هذا لو وقع نزاع بين المتعاقدين هل العقد صحيح أو فاسد، وليس ثمت ما يدل على قول أحدهما فالقول قول مدعي الصحة؛ لأنه الأصل في العقود، والفساد طارئ على العقد، ولأن الأصل في العقود الجارية بين المسلمين الصحة.
وأمثلة هذه القاعدة غير محصورة.
منها: ما جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لو ادعى أحد وقوع هذه
стр. 2980
الإجارة بغبن فاحش، فلا يحكم بوقوعها بمجرد القول والادعاء؛ لأن الأصل في العقود الصحة» (١).
ومنها ما ذكره ابن حجر الهيتمي فيما لو اختلف المتعاقدان في رؤية المبيع، فالقول قول مثبتها، وعلل ذلك: بأنه الموافق لقاعدة أن القول قول مدعي الصحة، ولأن إقدام المنكر على العقد اعتراف منه بصحته، ففيه تكذيب لدعواه، ولأن الأصل في العقود الجارية بين المسلمين الصحة كما صرحوا به (٢).
ومنها ما ذكره في شرح منتهى الإرادات: إذا ادعى أحدهما ما يفسد العقد من سفه أو صغر أو إكراه ... وأنكره الآخر، فقول المنكر؛ لأن الأصل في العقود الصحة (٣).
* * *
стр. 2981
الفصل الثاني
الاختلاف في المبيع
انتهينا في الفصل السابق من الاختلاف في العقد، سواء أكان الاختلاف في أصله، أم في جنسه، أم في وصفه.
وفي هذا الفصل نتكلم عن الاختلاف في المبيع، ورغم أنه لا يختلف كثيرًا عن الاختلاف في الثمن؛ لأن كلًا من المبيع والثمن معقود عليه إلا أنني فضلت أن أفصل هذا عن ذاك لوجود بعض الاختلاف، ولو يسيرًا عند بعض العلماء، وسنبحث إن شاء الله تعالى في مباحث الاختلاف في المبيع: الاختلاف في تعيين المبيع، والاختلاف في صفات المبيع، والاختلاف في قبض المبيع، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 2982
المبحث الأول
الاختلاف في تعيين المبيع
إذا اختلف المتعاقدان وكان كل منهما مدعيًا ومدعى عليه تحالفا.
[م-٥٩١] قد يختلف البائع والمشتري في تعيين المبيع، سواء أكان الاختلاف في تعيين جنسه، كما لو قال: بعتني هذه السيارة، قال: بل هذا الحيوان، أم كان الاختلاف في تعيين نوعه، كالاختلاف بين الجيد والرديء، أم كان الاختلاف في تعيين عينه، كبعتك هذه السيارة، قال: بل هذه السيارة.
فإذا اختلف البائعان في ذلك، وكانت السلعة قائمة لم تتغير فقد اختلف العلماء في هذا على قولين:
القول الأول:
يتحالفان، ويتفاسخان، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)
стр. 2983
وقول للحنابلة (١).
دليل من قال: يتحالفان:
الدليل الأول:
كل واحد منهما مدَّع، ومدَّعَى عليه، فالبائع يدعي أن البيع وقع على تلك العين، وينكر أن يكون البيع وقع على ما يدعيه المشتري، والمشتري يدعي أن البيع وقع على عين أخرى، وينكر أن يكون البيع وقع على ما يدعيه البائع، فلما لم تكن هناك بينة للمدعي، كانت اليمين في حق المدعى عليه، ولما كان كل واحد منهما يعتبر مدعى عليه، كان على كل واحد منهما أن يحلف.
(ح-٤٧٥) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٢).
(ح-٤٧٦) ولما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل.
عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه:
стр. 2984
فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (١).
فيقال للبائع: أنت تدعي أن البيع وقع على هذه العين، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قال: لك يمين صاحبك، ويقال للمشتري: أنت تدعي أن البيع وقع على هذه العين، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قيل له: لك يمين صاحبك، وعلى هذا كل واحد منهما عليه أن يحلف باعتباره مدعى عليه.
الدليل الثاني:
(ح-٤٧٧) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
وقد رأى الطحاوي والخطيب البغدادي وابن القيم وغيرهم الاحتجاج بهذا اللفظ لتلقي العلماء له، واحتجاجهم به، وإن كان الحديث لا يثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقاه الكافة عن الكافة غنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له، وقد نقلنا كلامهم في بحث سابق (٢).
ويجاب عن ذلك:
أن كلام العلماء ﵏ إنما هو في حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين، وفي إسناده ضعف على اختلاف في لفظه كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، والمعروف في لفظه: إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
стр. 2985
وأما لفظ التحالف فلا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (١)، وابن حزم (٢)، وغيرهما، وكون الخطيب البغدادي نص على ذلك، ونقله عنه ابن القيم ومن تبعه على ذلك فربما كان ذلك سهوًا منهم رحمهم الله تعالى.
القول الثاني:
القول قول البائع، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (٣).
دليل من قال: القول قول البائع:
الدليل الأول:
(ح-٤٧٨) ما رواه أبو داود من طريق أبي عميس، عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه،
عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس، من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
الدليل الثاني:
أن البائع غارم فهو الذي ستؤخذ منه السلعة، فلا يغرم غير ما أقر به، ولا ينزع ماله منه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري ما يقوله رب السلعة، أو يترك السلعة لصاحبها.
стр. 2994
ونوقش:
بأن المشتري غارم أيضًا من جهة أن البائع يريد إعطاءه سلعة أقل أو أردأ فيكون غارمًا أيضًا.
ويجاب:
على تقدير أن المشتري غارم أيضًا، فيجتمعان أن كلًا منهما غارم، فدفع الغرم عن المشتري بألا يلزم بقول البائع، كما أن دفع الغرم عن البائع ألا يلزم بإخراج ملكه منه إلا بثمن يرتضيه، فنكون بهذا قد حققنا العدل بينهما، فتحقيق العدل ليس بالتحالف، وليس بإلزام المشتري بما يقول البائع، بل يقال: القول قول البائع مع يمينه بمعنى أن يقدم قول البائع، ثم المشتري بالخيار إن شاء أن يأخذ بما قال البائع، أو يترك السلعة، وليس معنى أن القول قول البائع، أننا نلزم المشتري بقول البائع مع أن البائع لا بينة له.
الدليل الثالث:
أن الأصل بقاء ملكه على ملكه فلا يترك هذا الأصل بمجرد دعوى المشتري.
الترجيح:
أرى أن القول بالتحالف أقوى، لأنه ليس فيه تقديم لأحد العاقدين على الآخر، ولأن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه.
وأما حديث ابن مسعود فلا يعارض به حديث ابن عباس المتفق عليه، بقوله ﷺ : ولكن اليمين على المدعى عليه.
ولا يعارض به أيضًا حديث مسلم عن علقمة بن وائل،
عن أبيه، في قصة
стр. 2995
الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (١).
وإذا كانت اليمين في حق المدعى عليه، فإن كل واحد منهما مدعى عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 2996
المبحث الثاني
الاختلاف في صفة المبيع
الفرع الأول
الاختلاف في اشتراط وصف في المبيع
الجودة لا تستحق بالعقد إلا بالشرط، والأصل عدم الاشتراط (١).
[م-٥٩٢] إذا اختلف المتبايعان في اشتراط صفة في المبيع لا تدخل في المبيع إلا بالشرط، كاشتراط جودة معينة، أو اشتراط اللبن في الدابة، ونحو ذلك، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول قول البائع، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول للشافعية (٣) ورواية عن أحمد (٤).
стр. 2997
وبه قال المالكية إلا أنهم اشترطوا أن يكون البائع قد انتقد الثمن، فإن لم يكن انتقد الثمن فالقول قول المشتري (١).
دليل من قال: القول قول البائع:
الدليل الأول:
أن البائع والمشتري متفقان على العقد، والمشتري يدعي صفة في المبيع لا تثبت إلا بالشرط وليس معه بينة، والبائع ينكرها، والقول قول المنكر مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه، وقد قال ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
стр. 2998
الدليل الثاني:
(ح-٤٧٩) ما رواه أبو داود من طريق أبي عميس، عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، عن ابن مسعود، وفيه:
قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
[حسن بمجموع طرقه] (١).
الدليل الثالث:
الأصل عدم اشتراط وصف في المبيع، فيكون القول قول من ينفيه ..
القول الثاني:
يتحالفان، ثم يفسخ البيع، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)
دليل من قال: يتحالفان:
الدليل الأول:
أن كل واحد منهما مدَّع، ومدَّعَى عليه، فالبائع يدعي أن البيع وقع على صفة، وينكر أن يكون البيع وقع على ما يدعيه المشتري، والمشتري يدعي أن البيع وقع على صفة أخرى، وينكر أن يكون البيع وقع على ما يدعيه البائع، فلما
стр. 2999
لم تكن هناك بينة للمدعي، كانت اليمين في حق المدعى عليه، ولما كان كل واحد منهما يعتبر مدعى عليه، كان على كل واحد منهما أن يحلف.
(ح-٤٨٠) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة.
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١).
فيقال للبائع: أنت تدعي أن البيع وقع على هذه الصفة، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قال: لك يمين صاحبك، ويقال للمشتري: أنت تدعي أن البيع وقع على تلك الصفة، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قيل له: لك يمين صاحبك، وعلى هذا كل واحد منهما عليه أن يحلف باعتباره مدعى عليه.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
المنع من أن يكون كل منهما مدعى عليه، فالبائع والمشتري يتفقان على وقوع البيع، والمشتري يدعي أنه اشترط صفة في المبيع، فهو المدعي، والبائع ينكر وجود هذا الشرط، فهو المنكر، فاليمين في جانبه.
الوجه الثاني:
لو سلمنا أن كلا منهما مدعى عليه، فإن حديث ابن عباس (ولكن اليمين على المدعى عليه) عام يشمل اختلاف المتبايعين وغيرهما، وحديث ابن مسعود (إذا اختلف البيعان، ولا بينة لهما، فالقول قول البائع، أو يترادان) (٢) خاص،
стр. 3000
والخاص مقدم على العام، فيكون عموم حديث ابن عباس قد خص منه اختلاف المتبايعين، فعلى هذا يكون القول قول البائع، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٤٨١) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
وقد رأى الطحاوي والخطيب البغدادي وابن القيم وغيرهم الاحتجاج بهذا اللفظ لتلقي العلماء له، واحتجاجهم به، وإن كان الحديث لا يثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقاه الكافة عن الكافة غنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له، وقد نقلنا كلامهم في بحث سابق (١).
وتقدم الجواب عن هذا الدليل في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا.
القول الثالث:
القول قول مشتر بيمينه، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (٢).
تعليل من قال: القول قول المشتري:
علل الحنابلة ذلك بأن المشتري غارم، والقول قول الغارم مع يمينه.
стр. 3001
ويجاب:
لا نسلم أن المشتري غارم، بل الغارم البائع، لأن المشتري يطالبه بزيادة الصفة في المبيع التي لا تثبت بمجرد العقد، وإنما تثبت بالشرط، والأصل عدم الاشتراط.
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن قول من قال: إن المقدم قول البائع مع يمينه هو الأقوى، يؤيده بذلك نص وتعليل، أما النص فحديث ابن عباس، وحديث ابن مسعود وأما التعليل، فلأن البائع هو المدعى عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 3002
الفرع الثاني
من الاختلاف في صفة المبيع الاختلاف في عيبه
[م-٥٩٣] العيب صفة في المبيع، فالخلاف فيه يدخل ضمن الاختلاف في صفة المبيع، والخلاف في العيب بين البائع والمشتري يأخذ وجوهًا كثيرة، منها:
اختلاف المتبايعين في وجود العيب.
واختلافهما في العلم بالعيب، كما لو كان البائع يدعي أن المشتري قد رضي بالعيب، وعلم به قبل الشراء، والمشتري ينكر ذلك.
واختلافهما في وقت حدوث العيب، فالبائع يدعي أن العيب حادث عند المشتري ليكون ضمانه عليه، والمشتري يدعي أن العيب قديم ليكون ضمانه على البائع.
ومنه اختلاف المتبايعين في كون العيب مؤثرًا في قيمة المبيع، وسوف نتكلم على بعض هذه المسائل إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 3003
المسألة الأولى
اختلاف المتبايعين في العلم بالعيب
قال ابن قدامة: «إذا اختلفا في العلم - يعني في العلم بالعيب - فالقول قول من ينكره؛ لأن الأصل عدمه» (١).
[م-٥٩٤] سبق لنا في خيار العيب أن من شروط الرد بالعيب أن يكون المشتري جاهلًا بالعيب عند العقد والقبض، فإن كان عالمًا به عند أحدهما فلا خيار له؛ لأن الإقدام على الشراء مع العلم بالعيب رضا به دلالة، فإن اختلف المتبايعان، فقال البائع: بعته بعد أن علم بالعيب، وقال المشتري: اشتريته، وأنا جاهل بوجود العيب فيه، فمن يؤخذ بقوله؟
ذهب عامة الفقهاء إلى أن القول قول المشتري (٢).
قال الجمهور: مع يمينه.
وقال المالكية: بلا يمين.
جاء في الفتاوى الهندية: «أن يدعي البائع سقوط حق المشتري في الرد - يعني رد السلعة المعيبة - بالرضا أو غيره، ويكون القول قول المشتري فيه مع يمينه كذا في المحيط» (٣).
وقال الدسوقي في حاشيته: «المشتري إذا ا طلع على عيب قديم، وأراد
стр. 3004
الرد، فقال له البائع: أنت رأيته وقت الشراء، وأنكر رؤيته، فطلب البائع يمينه، فإن المشتري لا يلزمه يمين، ويرد المبيع بلا يمين ... » (١).
وقال النووي في روضة الطالبين: «ولو ادعى البائع علم المشتري بالعيب أو تقصيره في الرد، فالقول قول المشتري» (٢).
وقال ابن قدامة: «إذا اختلفا في العلم - يعني في العلم بالعيب - فالقول قول من ينكره؛ لأن الأصل عدمه» (٣).
وجه هذا القول:
أن الأصل عدم العلم بالعيب، فكان القول قول من ينفيه.
ولأن البائع هو المدعي، حيث يدعي أن المشتري قد اطلع على العيب، ولا بينة له، والمشتري ينكر ذلك، فهو المدعى عليه، وقد جاء في حديث ابن عباس المتفق عليه، (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٤).
ولم أقف على خلاف في المسألة، والأدلة التي ساقها الفقهاء قوية جدًا، إلا أن يكون هناك قرينة تشهد لصدق قول البائع، كما لو كان ثمن المبيع قد روعي فيه وجود العيب، بحيث لو كانت السلعة سليمة لكانت قيمتها أغلى بكثير من الثمن المتفق عليه، فهنا قد يتجه القول بتقديم قول البائع مع يمينه لدلالة القرينة على صدقه، والله أعلم.
* * *
стр. 3005
المسألة الثانية
اختلاف المتبايعين في وقت حدوث العيب
الأصل سلامة المبيع من عيب قديم. والقول قول من يدعي الأصل.
المشتري يدعي ما يوجب الفسخ، والبائع ينكر، والقول قول المنكر.
[م-٥٩٥] إذا اختلف العاقدان في العيب، هل كان في المبيع قبل العقد، أو حدث عند المشتري، لم يخل الأمر من قسمين:
القسم الأول:
ما علم تقدمه يقينًا، فيقبل قول المشتري في الأصبع الزائدة، والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها عند المشتري.
ويقبل قول البائع في الجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديمًا.
وهذا جلي وواضح؛ لأننا نعلم صدق المشتري وكذب البائع في المثالين الأولين، وصدق البائع وكذب المشتري في المثال الثالث.
وهل يقبل بدون يمين، أو لا بد من اليمين، قولان (١).
القسم الثاني:
أن يحتمل قول كل واحد منهما، كالخرق في الثوب، والكسر في الإناء.
فهذا قد اختلف العلماء فيمن يقبل قوله على أربعة أ قوال:
стр. 3006
القول الأول:
القول قول البائع، وهو مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) ورواية الإمام أحمد (٤).
وجه من قال: القول قول البائع:
الوجه الأول:
الأصل سلامة المبيع من عيب قديم. والقول قول من يدعي الأصل.
стр. 3007
الوجه الثاني:
أن المشتري يدعي قدم العيب فهو المدعي، ولا بينة له، والبائع ينكر، فهو المدعى عليه، والقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم تكن بينة للمدعي، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١).
واعترض عليه:
بأن المشتري ينكر حق القبض في الجزء الفائت بالعيب فالقول قوله.
ويجاب:
بأن الأصل أن المسئولية تقع على اليد، فالسلعة في يد المشتري، فإما أن يقدم بينة على أن يده غير مسئولة، وإلا كان الضمان عليه.
الوجه الثالث:
الأصل لزوم العقد، والمشتري يدعي حق الفسخ، فالقول قول المنكر، والمنكر هنا هو البائع.
الوجه الرابع:
أن طروء العيب متيقن، وقدمه مشكوك فيه، والحكم باليقين أولى من الحكم بالشك (٢).
وقد يجاب:
بأن يقال: التعارض ليس بين حدوث العيب وقدمه، حتى يقال: إن حدوث
стр. 3008
العيب يقين، وقدمه مشكوك فيه، وإنما التعارض بين حدوثه قبل العقد أو بعد العقد، وكلاهما مشكوك فيه، فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا ببينة.
القول الثاني:
القول قول المشتري بيمينه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وجه من قال: القول قول المشتري:
الوجه الأول:
الأصل عدم القبض في الجزء الفائت (المعيب) وعدم استحقاق ما يقابله من الثمن، فكان القول قول من ينفي القبض، كما لو اختلفا في قبض المبيع (٢).
ويجاب:
الخلاف في قبض المبيع خلاف في أصل القبض، والأصل عدمه، والخلاف في حدوث العيب خلاف في أمر حادث طارئ، والأصل السلامة منه، فافترقا.
القول الثالث:
يتحالفان وهو قول في مذهب الشافعية رجحه النووي (٣) وقول لبعض الحنابلة (٤).
стр. 3009
دليل من قال: يتحالفان:
الدليل الأول:
(ح-٤٨٢) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا اللفظ لتلقي العلماء له، واحتجاجهم به، وإن كان الحديث لا يثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقاه الكافة عن الكافة غنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له، وقد نقلنا كلامهم في بحث سابق (١).
ويجاب عن ذلك:
بما ذكرناه سابقًا بأن كلام العلماء ﵏ إنما هو في حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين، وفي إسناده ضعف على اختلاف في لفظه وقد سبق تخريجه، والحمد لله، والمعروف في لفظه: إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
وأما لفظ التحالف فلا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (٢)، وابن حزم (٣)، وغيرهما.
стр. 3010
الدليل الثاني:
أن كلا من البائع والمشتري مدع ومدعى عليه، فالبائع يدعي أن العيب حدث عند المشتري، والمشتري يدعي أن العيب حدث عند البائع، وإذا صح أن كلًا منهما مدعى عليه فإنهما يتحالفان، لحديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١).
ويجاب:
لا نسلم أن المشتري مدعى عليه؛ بدليل أن المشتري لو ترك دعواه لترك، وهذا يدل على حصر الدعوى في جانبه فقط.
القول الرابع:
بالتفريق بين أن يكون المبيع عينًا معينة أو في الذمة، فإن كان في الذمة فالقول قول القابض (أي المشتري) وجهًا واحدًا.
وجه القول بذلك: أن الأصل اشتغال ذمة البائع، فلم تثبت براءتها (٢).
الترجيح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن من يقول: إن القول قول البائع أقوى من حيث الاستدلال، والله أعلم.
* * *
стр. 3011
فرع
صفة اليمين هل هي على البت أو على نفي العلم
[م-٥٩٦] إذا قيل إن القول قول البائع مع يمينه، فهل يمينه على البت (القطع والجزم)، أو على نفي العلم بالعيب؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
اليمين علي البت مطلقًا، لا على نفي العلم، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
وجه من قال: إن اليمين على البت:
لا ينتفي حق الرد للمشتري إلا إذا كانت اليمين على البت والقطع إلا أن يكون النفي على فعل الغير، فإنه يقبل أن تكون على نفي العلم.
القول الثاني:
اليمين على نفي العلم مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 3012
دليل من قال: إن اليمين على نفي العلم .
لا يمكن له أن يحلف على البت، فلعل العيب كان موجودًا ولم يعلم به، فليحلف على نفي العلم.
القول الثالث:
يحلف البائع على البت في الظاهر من العيوب، وعلى نفي العلم بالخفي منها، وهذا مذهب المالكية (١).
دليل من فرق بين العيب الظاهر والعيب الخفي:
أن العيب الظاهر يمكن للبائع أن يحلف على البت، لإمكان العلم بعدم وجوده، بخلاف العيب الخفي، فإنه لا يمكن أن يحلف على البت، فلعله كان موجودًا ولم يعلم به.
الراجح:
أرى أن مذهب المالكية قول وسط بين القولين، وحجته قوية، والله أعلم.
* * *
стр. 3013
المسألة الثالثة
اختلاف المتبايعين في عين السلعة المعيبة
[م-٥٩٧] من وجوه الاختلاف في صفة المبيع أن يريد المشتري رد العين على البائع بدعوى وجود عيب فيها، فيقول البائع: ليس هذا هو المبيع.
فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن القول في هذه المسألة قول البائع مع يمينه، بشرط ألا يكون البيع فيه خيار شرط.
واشترط الشافعية والحنابلة في قول شرطًا آخر، وهو أن يكون المبيع معينًا في العقد، فإن كان عينه بعد ما وجب في ذمته فالقول قول المشتري.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا أراد المشتري رد المبيع، فقال البائع: ليس هذا هو المبيع، وقال المشتري: بل هو، فالقول للبائع مع يمينه» (١).
وجه ذلك:
أن المشتري هو المدعي، والبائع هو المدعى عليه؛ لأنه ينكر أن تكون هذه سلعته، والقول قول المدعى عليه مع يمينه، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (و لكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
стр. 3014
كما أن الأصل لزوم العقد، وعدم استحقاق الفسخ.
وأما المبيع إذا كان فيه شرط خيار، فإن القول قول المشتري:
وعلل الحنفية ذلك بأن المشترى في خيار الشرط ينفسخ العقد بلا توقف على رضا الآخر، وإذا انفسخ يكون الاختلاف بعد ذلك اختلافًا في المقبوض، فالقول فيه قول القابض بخلاف الفسخ بالعيب، لا ينفرد المشتري بفسخه، ولكنه يدعي ثبوت حق الفسخ في الذي أحضره، والبائع ينكره (١).
وعلل الحنابلة ذلك: بأن المبيع إذا كان فيه خيار الشرط، فقد اتفقا على استحقاق الفسخ، بخلاف التي قبلها (٢).
ومثل ذلك عند الحنابلة ما لو اعترف البائع بوجود عيب في المبيع، ففسخ المشتري البيع، ثم أنكر البائع أن المبيع هو المردود، فإن القول قول المشتري؛ لأنهما اتفقا على استحقاق الفسخ لوجود العيب (٣).
* * *
стр. 3015
المسألة الرابعة
الاختلاف في تغير المبيع بعد رؤيته
التغير حادث والأصل عدم التغير (١).
[م-٥٩٨] من الاختلاف في صفة المبيع أن يشتري الرجل السلعة بناء على رؤية سابقة.
فإذا ادعى المشتري أن المبيع تغير عن رؤيته السابقة، وأنكر البائع، فمن القول قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول قول البائع، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ووجه عند