فرع
صفة اليمين هل هي على البت أو على نفي العلم
[م-٥٩٦] إذا قيل إن القول قول البائع مع يمينه، فهل يمينه على البت (القطع والجزم)، أو على نفي العلم بالعيب؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
اليمين علي البت مطلقًا، لا على نفي العلم، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).
وجه من قال: إن اليمين على البت:
لا ينتفي حق الرد للمشتري إلا إذا كانت اليمين على البت والقطع إلا أن يكون النفي على فعل الغير، فإنه يقبل أن تكون على نفي العلم.
القول الثاني:
اليمين على نفي العلم مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 3012
دليل من قال: إن اليمين على نفي العلم .
لا يمكن له أن يحلف على البت، فلعل العيب كان موجودًا ولم يعلم به، فليحلف على نفي العلم.
القول الثالث:
يحلف البائع على البت في الظاهر من العيوب، وعلى نفي العلم بالخفي منها، وهذا مذهب المالكية (١).
دليل من فرق بين العيب الظاهر والعيب الخفي:
أن العيب الظاهر يمكن للبائع أن يحلف على البت، لإمكان العلم بعدم وجوده، بخلاف العيب الخفي، فإنه لا يمكن أن يحلف على البت، فلعله كان موجودًا ولم يعلم به.
الراجح:
أرى أن مذهب المالكية قول وسط بين القولين، وحجته قوية، والله أعلم.
* * *
стр. 3013
المسألة الثالثة
اختلاف المتبايعين في عين السلعة المعيبة
[م-٥٩٧] من وجوه الاختلاف في صفة المبيع أن يريد المشتري رد العين على البائع بدعوى وجود عيب فيها، فيقول البائع: ليس هذا هو المبيع.
فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن القول في هذه المسألة قول البائع مع يمينه، بشرط ألا يكون البيع فيه خيار شرط.
واشترط الشافعية والحنابلة في قول شرطًا آخر، وهو أن يكون المبيع معينًا في العقد، فإن كان عينه بعد ما وجب في ذمته فالقول قول المشتري.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا أراد المشتري رد المبيع، فقال البائع: ليس هذا هو المبيع، وقال المشتري: بل هو، فالقول للبائع مع يمينه» (١).
وجه ذلك:
أن المشتري هو المدعي، والبائع هو المدعى عليه؛ لأنه ينكر أن تكون هذه سلعته، والقول قول المدعى عليه مع يمينه، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (و لكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
стр. 3014
كما أن الأصل لزوم العقد، وعدم استحقاق الفسخ.
وأما المبيع إذا كان فيه شرط خيار، فإن القول قول المشتري:
وعلل الحنفية ذلك بأن المشترى في خيار الشرط ينفسخ العقد بلا توقف على رضا الآخر، وإذا انفسخ يكون الاختلاف بعد ذلك اختلافًا في المقبوض، فالقول فيه قول القابض بخلاف الفسخ بالعيب، لا ينفرد المشتري بفسخه، ولكنه يدعي ثبوت حق الفسخ في الذي أحضره، والبائع ينكره (١).
وعلل الحنابلة ذلك: بأن المبيع إذا كان فيه خيار الشرط، فقد اتفقا على استحقاق الفسخ، بخلاف التي قبلها (٢).
ومثل ذلك عند الحنابلة ما لو اعترف البائع بوجود عيب في المبيع، ففسخ المشتري البيع، ثم أنكر البائع أن المبيع هو المردود، فإن القول قول المشتري؛ لأنهما اتفقا على استحقاق الفسخ لوجود العيب (٣).
* * *
стр. 3015
المسألة الرابعة
الاختلاف في تغير المبيع بعد رؤيته
التغير حادث والأصل عدم التغير (١).
[م-٥٩٨] من الاختلاف في صفة المبيع أن يشتري الرجل السلعة بناء على رؤية سابقة.
فإذا ادعى المشتري أن المبيع تغير عن رؤيته السابقة، وأنكر البائع، فمن القول قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول قول البائع، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ووجه عند
стр. 3016
الشافعية (١) ورواية عن الإمام أحمد (٢).
وجه من قال: القول قول البائع:
الوجه الأول:
أن الأصل عدم تغير المبيع عن رؤيته المتقدمة؛ لأن التغير حادث، والأصل عدم التغير.
الوجه الثاني:
أن المشتري يدعي أن المبيع قد تغير، والبائع ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٣).
ونوقش:
بأن المدعي هو البائع، وجه ذلك أن البائع يدعي على المشتري أنه قد رآه بهذه الصفة الموجودة الآن، ورضي به، والمشتري ينكر ذلك (٤).
ورد هذا النقاش:
لا نسلم أن البائع هو المدعي بدليل أن المشتري لو ترك دعواه لتم البيع، وهذا يدل على حصر الدعوى في جانبه فقط.
стр. 3017
القول الثاني:
القول قول المشتري، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، وقول أشهب من المالكية (٣).
وجه من قال: القول قول المشتري:
لما كان الثمن يلزم المشتري، فلا يلزمه إلا ما اعترف به، ولا ينتزع منه الثمن إلا بما يرضى به (٤).
وعلل البهوتي بقوله: القول قول المشتري؛ لأن الأصل براءة ذمته من الثمن (٥).
ويجاب:
بأن البيع قد انعقد بين المتبايعين بناء على تلك الرؤية السابقة، فاستقر الثمن في الذمة، والمشتري يدعي بأن المبيع قد تغير، والأصل عدم التغير، ولو فتح الباب للمشتري أن تقبل دعواه بلا بينة، لأبطل كثير من العقود، والأصل لزوم عقد البيع، فلا ينفسخ إلا بما يوجب الفسخ، وذلك إما بإقرار البائع بأن المبيع قد تغير، أو أن يقدم المشتري بينة بأن التغير قد حصل بعد الرؤية، وما عدا ذلك فالأصل لزوم البيع، والله أعلم.
стр. 3018
القول الثالث:
يتحالفان وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
وجه قول من قال: يتحالفان:
الوجه الأول:
(ح-٤٨٣) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
احتج به بعضهم بناء على دعوى أنه متلقى بالقبول فأغنى ذلك عن صحته وطلب الإسناد له، وقد نقلنا كلامهم في بحث سابق (٢).
وقد سبق الجواب عن هذا الحديث، وبينا أن لفظ التحالف لا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (٣)، وابن حزم (٤)، وغيرهما، وأن كلام أهل العلم إنما يتجه في حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين، وفي إسناده ضعف على اختلاف في لفظه كما سبق تخريجه، والمعروف في لفظه: إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
الوجه الثاني:
أن كل واحد منهما مدع ومدَّعَى عليه، فالبائع يدعي بقاء المبيع على ما كان
стр. 3019
عليه، وينكر تغيره. والمشتري يدعي تغيره، وينكر بقاءه على ما كان عليه، فلما لم تكن هناك بينة للمدعي، كانت اليمين في حق المدعى عليه، ولما كان كل واحد منهما يعتبر مدعى عليه، كان على كل واحد منهما أن يحلف.
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد القول الأول أقوى الأقوال الثلاثة، وذلك أنه يستند إلى حديث ابن عباس المتفق عليه في كون اليمين على المدعى عليه، ولأن الأصل عدم تغير المبيع، والأصل لزوم البيع، فلا يفسخ العقد إلا ببينة تقوم على أن المبيع قد تغير، والله أعلم.
* * *
стр. 3020
المبحث الثالث
الاختلاف في قدر المبيع
الفرع الأول
إذا اختلف المتبايعان في قدر المبيع والسعلة قائمة
[م-٥٩٩] إذا اختلف المتبايعان في مقدار المبيع، وكان المبيع قائمًا فمن يؤخذ بقوله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يتحالفان، ثم يفسخ البيع إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه (٤).
стр. 3021
دليل من قال: يتحالفان:
الدليل الأول:
أن كلًا منهما منكر لما يدعيه صاحبه، وقد قال الرسول ﷺ كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١)، (٢).
الدليل الثاني:
استدلوا بما يروى عن النبي ﷺ : إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة تحالفا، وترادا (٣).
هذا الحديث لا أصل له، وسبق بيان ذلك.
الدليل الثالث:
القياس على الاختلاف في الثمن، بجامع أن كلًا منها أحد عوضي العقد (٤).
القول الثاني:
القول قول البائع، وهذا مذهب الحنابلة (٥).
دليل من قال: القول قول البائع:
أن المشتري يدعي زيادة في قدر المبيع، والبائع ينكره، والقول قول المنكر
стр. 3022
بيمينه، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١).
وأجيب:
لا نسلم أن البائع هو المنكر وحده حتى يقال: إن القول قوله، بل المشتري منكر أيضًا، حيث ينكر وقوع العقد على القدر الذي يدعيه البائع.
ورد:
بأن المدعي هو المطالِب، ولو ترك دعواه لبطلت الدعوى، هذا هو ما يحدد المدعي والمدعى عليه، فالمدعي هو المشتري حيث يدعي قدرًا زائدًا في المبيع، والبائع ينكره؛ ولأن الغارم هنا هو البائع، والقول قول الغارم.
الترجيح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الحنابلة أقوى من حيث موافقته لحديث ابن عباس المتفق عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 3023
الفرع الثاني
إذا اختلف المتبايعان في قدر المبيع والمبيع تالف
[م-٦٠٠] لم يفرق الجمهور بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها، فالقول عندهم لا يختلف فيما لو كانت السلعة قائمة، أو كانت السلعة تالفة.
فالمالكية والشافعية ورواية عن أحمد أنهما يتحالفان.
وقول الحنابلة: أن القول قول البائع، وقد تقدم ذكر أدلتهم، فأغنى عن إعادتها هنا.
وأما الحنفية فقد اختلفوا فيما بينهم:
فذهب أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف إلى التفريق بين كون السلعة قائمة، وبين كون السلعة تالفة.
فإن كانت السلعة قائمة، فقد تقدم أنهما يتحالفان.
وإن كانت السلعة تالفة فالقول قول المشتري (١).
وذهب محمد بن الحسن إلى أنه لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها، فيتحالفان، ويتفاسخان (٢).
دليل أبي حنيفة وأبي يوسف على الفرق بين المسألتين:
(ح-٤٨٤) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
стр. 3024
ففرق بين قيام السلعة وبين فواتها.
قال الطحاوي: «وقفنا على صحة قوله عندهم: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة، تحالفا وترادا البيع)، وإن كان ذلك كله لا يقوم من جهة الإسناد، فغنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له» (١).
وجه الاستدلال:
قوله (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة) دليل على أن التحالف يشترط له أن تكون السلعة قائمة، ولأنه بالتحالف يفسخ العقد، ولا فسخ للعقد مع فوات المبيع؛ لعدم إمكان رد المبيع.
ويجاب عن ذلك:
أن لفظ والسلعة قائمة لم يرد في نص أثري مع لفظ التحالف.
فكلمة (والسلعة قائمة) انفرد فيها محمد بن أبي ليلى، وليس في هذا الأثر النص على التحالف.
(ح-٤٨٥) وهذا لفظ محمد بن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه.
عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: إذا اختلف البيعان والبيع قائم بعينه، وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع (٢).
فالحديث يقول: إذا كانت السلعة قائمة فالقول قول البائع، وأنتم تقولون: إذا كانت السلعة قائمة تحالفا، فلم يكن الحديث حجة لقولكم لو صح مع أن كلمة (والسلعة قائمة) قد انفرد فيها محمد بن أبي ليلى، ولم يذكرها كل من روى حديث ابن مسعود في اختلاف البيعين، فلا يصح الاحتجاج بها.
стр. 3025
وأما لفظ التحالف فقد بينت أنه لا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (١)، وابن حزم (٢)، وغيرهما، وقد سبق الجواب عن كلام الطحاوي ومن وافقه في كلام سابق.
دليل محمد بن الحسن على أنه لا فرق بين كون السلعة قائمة أو فائتة:
ذكرنا دليل من قال إذا اختلف المتبايعان في قدر المبيع يتحالفان، ولم يفرقوا بين كون السلعة قائمة، وبين كون السلعة فائتة في المسألة السابقة.
جواب محمد بن الحسن على دليل أبي حنيفة وأبي يوسف:
أن المتبايعين إذا كانا يتحالفان مع قيام السلعة، والقدرة على إمكان تمييز الصادق من الكاذب، وذلك عن طريق تحكيم قيمتها في الحال، ومعرفة أشبه القولين بالقيمة، فإذا كان يجري التحالف بينهما مع إمكان الوقوف على قيمة السلعة، فأولى أن يجري ذلك عند عدم إمكان ذلك كما لو تلفت السلعة.
ولأن كل واحد منهما يدعي عقدا غير العقد الذي يدعيه صاحبه، فكان عليهما التحالف (٣).
الراجح:
ما رجحته في المسألة السابقة، نرجحه هنا لعدم الفرق بين كون السلعة تالفة، أو قائمة، والله أعلم.
* * *
стр. 3026
المبحث الرابع
الاختلاف في قبض المبيع
إذا اختلفا في قبض المبيع فالأصل عدم القبض (١).
[م-٦٠١] إذا اختلف البائع والمشتري، فادعى البائع أن المشتري قد قبض كل المبيع أو بعضه، وأنكر المشتري القبض، فإن القول قول المشتري في قول عامة أهل العلم؛ لأنه منكر.
وقيد المالكية ذلك بأمرين:
أحدهما: ألا يشهد عرف لأحدهما، فمن شهد له العرف كان القول قوله.
الثاني: أن يبين المشتري بالمبيع أي ينفصل به، فإن لم يبن به، وكان النزاع بالحضرة، فإن القول قول البائع؛ لأن المشتري اعترف بعمارة ذمته بقبض المبيع، فادعاؤه أنه دفع الثمن لا يبرئه حتى يثبت.
جاء في بدائع الصنائع: «ولو اختلف البائع والمشتري في قبض المبيع، فقال البائع: قبضته، وقال المشتري: لم أقبضه، فالقول قول المشتري» (٢)
стр. 3027
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن البائع هو المدعي، حيث يدعي وجود القبض وتقرر الثمن، والمشتري ينكر، فهو المدعى عليه، وقد قال ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١).
الوجه الثاني:
حكي الإجماع على أن القول قول المشتري، جاء في تبيين الحقائق: «ولو قال: إني اشتريت منه مبيعًا إلا أني لم أقبضه، كان القول قوله بالإجماع» (٢).
الوجه الثالث:
أن الأصل عدم القبض حتى يثبت، ولم يثبت القبض.
* * *
стр. 3028
المبحث الخامس
الاختلاف في البداءة بتسليم المبيع والثمن
[م-٦٠٢] إذا تنازع المتبايعان في أيهما يسلم قبل الآخر، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أستلم الثمن، ورأى أن من حقه حبس المبيع حتى يستلم عوضه، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أتسلم المبيع، وقال: من حقي حبس الثمن حتى أستلم المبيع، فإذا كان كل واحد منهما مطالبًا بكسر اللام، ومطالبًا بفتحها، فمن يجب عليه أولًا بتقديم ما في يده، هذا هو ما سوف نبحثه الآن إن شاء الله تعالى، والفقهاء يقسمون المسألة إلى مسألتين: أن يكون الثمن عينًا. أو يكون الثمن في الذمة.
* * *
стр. 3029
الفرع الأول
أن يكون الثمن عينًا
[م-٦٠٣] إذا اختلف المتبايعان في التسليم، والثمن عين، فقد اختلف الفقهاء فيمن يسلم أولًا على خمسة أقوال:
القول الأول:
يسلمان معًا، وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه من قال: يسلمان معًا:
لما كان الثمن عينًا لم يكن هناك فرق بين المبيع والثمن، فليس أحدهما بتقديم التسليم أولى من الآخر، فكان مقتضى المساواة بين المتبايعين التسليم معًا.
القول الثاني:
لا يجبر أي واحد منهما، ويتركان حتى يصطلحا، فإذا سلم أحدهما أجبر الآخر، وهذا قول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣).
стр. 3030
وجه هذا القول:
لا يوجد ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فيتركا حتى يصطلحا، أو يتبرع أحدهما بالتسليم فيجبر الآخر.
القول الثالث:
يجعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما.
وهذا قول في مذهب المالكية (١)، والأصح عند الشافعية (٢) والمذهب عند الحنابلة (٣).
وجه هذا القول:
بأنه لما وجب لكل واحد من المتعاقدين على الآخر ما قد استحق قبضه
стр. 3031
بموجب العقد، فالبائع يستحق تسلم الثمن، والمشتري يستحق تسلم المبيع، وليس هناك أحد أولى من الآخر بالتسليم، ولم يتراضيا على البداءة بالتسليم، فيجبر كل واحد منهما على قضاء صاحبه حقه عن طريق العدل الذي ينصب لهذه المهمة.
القول الرابع:
يجبر البائع على دفع السلعة، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢) ورواية عن الإمام أحمد (٣).
وجه من قال: يجبر البائع:
استدل له ابن قدامة بدليلين:
أحدهما: أن الذي يتعلق به استقرار البيع وتمامه هو المبيع، فوجب تقديمه.
الثاني: أن الثمن لا يتعين بالتعيين، فأشبه غير المعين (٤).
القول الخامس:
يجبر المشتري أولًا على دفع الثمن، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وجه من قال: يجبر المشتري:
ذكر هذا القول ابن القصار من المالكية كما نقلناه عنه في معرض الأقوال، ولم يذكر دليله، وقد يقال في وجه ذلك: أن المشتري عادة هو من يطلب الشراء من البائع، فلا يحق له المطالبة بأخذ المبيع حتى يسلم عوضه.
стр. 3032
الترجيح:
بعد ذكر الأقوال وأدلتها أجد أن أقوى الأقوال من يرى المساواة بين البائع والمشتري؛ لأنه لا يوجد فرق بين المبيع والثمن، فكلاهما عين، فلا يوجد مبرر في تقديم أحدهما على الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 3033
الفرع الثاني
إذا اختلفا في التسليم وكان الثمن في الذمة
[م-٦٠٤] إذا اختلف العاقدان في التسليم، فقال البائع: لا أسلم حتى أستلم الثمن، وقال المشتري: لا أسلم حتى أستلم المبيع، وكان الثمن في الذمة، كما لو باعه بدراهم غير معينة، أو معينة على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين، أو باعه عينًا بدين.
فهنا إما أن يكون الثمن مؤجلًا، أو يكون الثمن حالًا.
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى كلام الفقهاء على كل مسألة على انفراد.
* * *
стр. 3034
المسألة الأولى
أن يكون الثمن مؤجلا
لا يحبس المبيع والثمن مؤجل (١).
[م-٦٠٥] إذا باع الرجل سلعته بثمن مؤجل، وتم العقد على هذا، فهل يجب على البائع تسليم المبيع؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يجب على البائع تسلم المبيع إلى المشتري أولًا، ولا يحق له أن يطالب بتسليم الثمن قبل حلول الأجل، وليس له الحق في حبس المبيع. وهذا قول أكثر أهل العلم (٢).
وجه القول بذلك:
أن البائع لما وافق على البيع بثمن مؤجل فقد أسقط حقه بقبض الثمن حالًا وإذا أسقط حقه ذلك برضاه لم يسقط حق المشتري في قبض المبيع.
القول الثاني:
للبائع حبس المبيع إلى حلول الأجل، وهو قول ضعيف في مذهب الحنابلة (٣). والراجح الأول.
стр. 3035
المسألة الثانية
أن يكون الثمن حالًا
قال الفقهاء: ما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة (١).
[م-٦٠٦] إذا اختلف العاقدان في التسليم، وكان الثمن حالًا في الذمة، فقد اختلف العلماء فيمن يجبر على التسليم أولًا على أربعة أقوال.
القول الأول:
يجبر المشتري على التسليم أولًا، ثم يلزم البائع بتسليم المبيع، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وقول للشافعية (٤).
وجه من قال: يجبر المشتري أولًا:
عقد البيع عقد معاوضة والمساواة في عقود المعاوضة مطلوبة للمتعاوضين وتحقيق المساواة هنا أن نجعل الثمن يتعين كما تعين المبيع، فإذا كان المبيع قد تعين بمجرد العقد، فإن الثمن لا يتعين إلا بالقبض، فيجبر المشتري على التسليم أولًا ليتعين الثمن كما تعين المبيع، هذا هو مقتضى المساواة بين المتعاوضين.
стр. 3036
ونوقش هذا:
القول بأن الثمن لا يتعين إلا بالقبض ليس محل اتفاق، وعلى التسليم بأنه لا يتعين إلا بالقبض لا يلزم منه اشتراط التسليم، وإنما يلزمه إحضار ذلك، فإذا أحضر كل واحد منهما ما يجب عليه تسليمه فقد تحققت المساواة بينهما، فيتم التسليم معًا، أو بتنصيب عدل يستلم منهما، ويسلمهما، هذا هو الذي يحقق المساواة بينهما، وينزع الخوف منهما.
القول الثاني:
يجبر البائع بتسليم المبيع أولًا، وهو الأظهر عند الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وجه من قال: يجبر البائع:
أن حق المشتري تعلق بعين المبيع، وحق البائع تعلق بالذمة، وما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة.
ولذلك قال الفقهاء: ما تعلق بالعين مقدم على ما تعلق بالذمة (٣).
وقال الفقهاء أيضًا: من وجد عين ماله فهو أحق به.
وقالوا أيضًا: «إذا تزاحم حقان في محل: أحدهما متعلق بذمة من هو عليه، والآخر متعلق بعين من هي له، قدم الحق المتعلق بالعين على الآخر؛ لأنه يفوت بفواتها، بخلاف الحق الآخر» (٤).
стр. 3037
القول الثالث:
يلزم الحاكم بإحضار كل واحد ما عليه، فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري يبدأ بأيهما شاء، أو يأمرهما بالوضع عند عدل، ليفعل العدل ذلك، وهذا قول في مذهب الشافعية (١).
وجه من قال: يستلم حاكم أو عدل منهما، ويقوم بالتسليم:
لما وجب على كل واحد منهما تسليم ما في يده، ولم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وجب أن يقوم الحاكم أو العدل بالاستلام منهما، والتسليم لهما، هذا هو مقتضى العدل بين المتعاقدين.
القول الرابع:
لا يجبر أي واحد منهما، بل يمنعهما من التخاصم، فإذا سلم أحدهما أجبر الآخر، وهذا قول في مذهب الشافعية (٢).
وجه من قال بهذا القول:
لا يوجد ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فيتركا حتى يصطلحا، أو يتبرع أحدهما بالتسليم فيجبر الآخر.
الراجح:
الذي أميل إليه أن القول بأن الحاكم يستلم منهما، ويقوم بتسليمهما، أو يعين عدل يقبض منهما، ويسلمهما هذا فيه عدل لكل واحد منهما، ولا أعلم نصًا يقتضي إجبار أحد المتعاقدين قبل الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 3038
الفصل الثالث
الاختلاف في الثمن
سبق لنا دراسة الاختلاف في المبيع، ومعظم الأحكام فيها تنطبق على الاختلاف في الثمن، بجامع أن كلًا من المبيع والثمن معقود عليه إلا في حالات نادرة أو قليلة، والذي اقتضى فصلهما هو التنسيق والترتيب، والاختلاف في الثمن قد يكون اختلافًا في قدره، وقد يكون اختلافًا في جنسه، وقد يكون اختلافًا في صفته أو نوعه، وكل ذلك قد يكون والسلعة قائمة، وقد يكون والسلعة فائتة، ولا يختلف الحكم في الاختلاف في قدر الثمن عن الاختلاف في بقيتها، لأن كل ذلك راجع إلى الاختلاف في الثمن، إلا قول الحنابلة في الاختلاف في صفة الثمن، وهو أن الواجب: نقد البلد، فإن تعدد أخذ الغالب رواجًا، فإن استوت نقود البلد في الرواج فالوسط منها، وإذا لم يكن في البلد إلا نقدان متساويان فينبغي أن يتحالفا؛ لأنهما اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما، فيتحالفان كما لو اختلفا في قدر الثمن (١).
стр. 3039
وعلى هذا سيكون الكلام في الخلاف في الثمن على الخلاف في قدره، وما عداه مقيس عليه، والاختلاف في قدره تارة يكون والسلعة قائمة، وتارة يقع، والسلعة فائتة، أو تالفة، وسوف نتناول خلاف الفقهاء في هاتين المسألتين إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 3040
المبحث الأول
الاختلاف في قدر الثمن
الفرع الأول
الاختلاف في قدر الثمن والسلعة قائمة
[م-٦٠٧] إذا اختلف المتعاقدان في قدر الثمن، بأن قال البائع: بعتك سلعتي بألف دينار، وقال المشتري: اشتريتها بخمسمائة، والسلعة قائمة، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
يتحالفان، ويترادان، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمالكية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 3041
دليل من قال: يتحالفان:
الدليل الأول:
أن كل واحد من المتعاقدين مدع، ومدعى عليه، فالبائع يدعي أن البيع كان بعشرين، والمشتري ينكر ذلك، والمشتري يدعي أن البيع كان بعشرة، والبائع ينكره، فشرعت اليمين في حقهما.
(ح-٤٨٦) لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١).
وجه الاستدلال:
قوله (ولكن اليمين على المدعى عليه) وقد ثبت أن كل واحد منهما مدعى عليه.
(ح-٤٨٧) ولما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل.
عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (٢).
فيقال للبائع: أنت تدعي أن البيع كان بعشرين ألك بينة؟ فإن قال: لا. قال: لك يمين صاحبك، ويقال للمشتري: أنت تدعي أن البيع وقع بعشرة، ألك بينة؟ فإن قال: لا. قيل له: لك يمين صاحبك، وعلى هذا كل واحد منهما عليه أن يحلف باعتباره مدعى عليه.
стр. 3042
الدليل الثاني:
(ح-٤٨٨) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
ففرق الحديث بين قيام السلعة وبين فواتها.
قال الطحاوي: «وقفنا على صحة قوله عندهم: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع)، وإن كان ذلك كله لا يقوم من جهة الإسناد، فغنوا بصحته عندهم عن طلب الإسناد له» (١).
وجه الاستدلال:
فقوله: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة) فدل على أن التحالف يشترط له أن تكون السلعة قائمة، ولأنه بالتحالف يفسخ العقد، ولا فسخ للعقد مع فوات المبيع؛ لعدم إمكان رد المبيع.
ويجاب عن ذلك:
أن لفظ والسلعة قائمة انفرد فيه محمد بن أبي ليلى، ولم يذكره كل من روى حديث ابن مسعود في اختلاف البيعان، فلا يصح الاحتجاج بها هذا من جهة، وليس في حديث ابن أبي ليلى النص على التحالف.
(ح-٤٨٩) وهذا لفظ محمد بن أبي ليلى، فقد رواه عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن أبيه.
عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: إذا اختلف البيعان والبيع قائم بعينه، وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع (٢).
стр. 3043
وأما لفظ التحالف فلم يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (١)، وابن حزم (٢)، وغيرهما، وقد سبق الجواب عن كلام الطحاوي ومن وافقه في كلام سابق.
القول الثاني:
القول قول المشتري مع يمينه، وهو رواية عن مالك (٣)، وبه قال أبو ثور (٤).
دليل من قال: القول قول المشتري مع يمينه:
بأن كلًا من البائع والمشتري متفقان على العشرة، مختلفان فيما زاد عليها، فالبائع يدعيها، والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر؛ لأنه مدعى عليه، لحديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٥).
الدليل الثاني:
أن المشتري هو الغارم، والقول قول الغارم بيمينه.
ويناقش:
بأن البائع أيضا غارم، حيث يخرج منه ملكه بما لم يرضه.
стр. 3044
القول الثالث:
القول قول البائع، أو يترادان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الشعبي (١).
دليل من قال: القول قول البائع أو يترادان:
(ح-٤٩٠) ما رواه أبو داود من طريق أبي عميس، عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه.
عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس، من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
[حسن بمجموع طرقه] (٢).
وأجيب:
بأنه لا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عباس القائل بالتحالف، قال ابن قدامة: «ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدًا، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف، فرضي المشتري بذلك أخذ به، وإن أبى حلف أيضًا، وفسخ البيع بينهما» (٣).
وبهذا التوجيه نكون قد أخذنا بحديث ابن عباس وحديث ابن مسعود ﵄.
стр. 3045
الدليل الثاني:
أن البائع غارم فهو الذي ستؤخذ منه السلعة، فلا يغرم غير ما أقر به، ولا ينزع ماله منه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري ما يقوله رب السلعة، أو يترك السلعة لصاحبها.
ونوقش:
بأن المشتري غارم أيضًا من جهة أن البائع يريد إعطاءه السلعة بثمن لم يرضه.
ويجاب:
على تقدير أن المشتري غارم أيضًا، فيجتمعان أن كلًا منهما غارم، فدفع الغرم عن المشتري بألا يلزم بقول البائع، كما أن دفع الغرم عن البائع ألا يلزم بإخراج ملكه منه إلا بثمن يرتضيه، فنكون بهذا قد حققنا العدل بينهما.
الدليل الثالث:
أن الأصل بقاء ملكه على ملكه فلا يترك هذا الأصل بمجرد دعوى المشتري.
القول الرابع:
إن كان الاختلاف قبل القبض تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، وهو رواية عن الإمام مالك (١) وراوية عن الإمام أحمد (٢).
دليل هذا القول:
وجه التفريق بين قبل القبض وبعده أنهما قبل القبض قد تساويا في الدعوى،
стр. 3046
ولا مرجح لأحدهما فيتحالفان لحديث ابن مسعود (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا) (١)
وقد علمت الجواب عن هذا الحديث.
وأما بعد القبض فالقول قول المشتري؛ لأنه إذا قبض السلعة فقد صار القبض شاهدًا للمشتري، وشبهة لصدقه، واليمين إنما تجب على أقوى المتداعيين شبهة، ويقوي ذلك أيضًا أن البائع والمشتري قد اتفقا على حصول الملك للمشتري، واتفقا على بعض الثمن، والبائع يدعي عليه زيادة على ما اتفقا عليه، والمشتري ينكر الزيادة، والقول قول المنكر (٢).
الترجيح:
الذي أراه أن الأخذ بحديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه)، ويبقى الاجتهاد في تحديد المدعى عليه في هذه المسألة، هل هو المشتري منكر الزيادة، أو كل من البائع والمشتري، وهذا الأخير هو الأقرب عندي، وأن الراجح أنهما يتحالفان، والجمع الذي ذكره ابن قدامة في التوفيق بين حديث ابن عباس وابن مسعود جيد، والله أعلم.
* * *
стр. 3047
المسألة الأولى
من يبدأ بالحلف
[م-٦٠٨] إذا اختلف المتبايعان، وقلنا يتحالفان، فمن يبدأ الأول بالحلف؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
يبدأ المشتري بالحلف، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقول محمد ابن الحسن، وأحد القولين عن أبي يوسف (١)، وقول عند الشافعية (٢).
وجه من قال: يبدأ الحلف بالمشتري:
الوجه الأول:
أن اليمين وظيفة المنكر، والمشتري أشد إنكارًا، وذلك أن البائع والمشتري قد اتفقا على العشرة، واختلفا في الزائد، فالبائع يدعي قدرًا زائدًا، والمشتري ينكر ذلك، فهو أشد إنكارًا من البائع.
الوجه الثاني:
أن المشتري يطالب أولًا بتسليم الثمن؛ لأن الثمن في الذمة، فيطالب بتسليمه
стр. 3048
حتى يكون عينًا، وإذا كان أول التسليمين عليه، وهو تسليم الثمن، فأول اليمينين عليه أيضًا.
القول الثاني:
يبدأ الحلف بالبائع، وهو قول لأبي حنيفة، وأحد القولين عن أبي يوسف، واختاره زفر (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأظهر القولين عند الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: يبدأ الحلف بالبائع:
الدليل الأول:
(ح-٤٩١) ما رواه أبو داود من طريق أبي عميس، عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، عن ابن مسعود، وفيه:
قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
[حسن بمجموع طرقه] (٥).
стр. 3049
وجه الاستدلال:
قال السرخسي: «الشرع جعل القول قول البائع، وهو يقتضي الاكتفاء بيمينه، وإن كان لا يكتفى بيمينه فلا أقل من أن يبدأ بيمينه» (١).
الدليل الثاني:
أن المقصود من الاستحلاف قطع المنازعة، والنكول طريق إليه، وبنكول البائع تنقطع المنازعة بنفسه، وبنكول المشتري لا تنقطع المنازعة، ولكن يجبر على أداء ما ادعى من الثمن، فيبدأ بيمين من يكون نكوله أقرب إلى قطع المنازعة (٢).
الدليل الثالث:
أن المتبايعين إذا تحالفا رجع المبيع إلى البائع، فكان البائع بهذا كصاحب اليد، فكان جانبه أقوى من المشتري، والبداءة إنما تكون في جانب الأقوى.
القول الثالث:
يتساويان، حيث لا فرق، وعلى هذا يخير الحاكم بين أن يبدأ بيمين البائع، أو بيمين المشتري، أو يقرع بينهما، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
стр. 3050
دليل من قال: يتساويان، فيتخير الحاكم، أو يقرع:
بأنه لما لم يوجد ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، لأن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه، استويا في التقديم. وعلى هذا يكون التخير للحاكم، أو أن يقرع بينهما.
القول الرابع:
ينظر أيهما سبق بالدعوة، فيبدأ بيمين خصمه، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
دليل هذا القول:
أن من سبق بالدعوة قد سبق بالادعاء، فصار هو المدعي، وخصمه مدعى عليه، فيبدأ بيمين المدعى عليه، كما في حديث ابن عباس (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
الراجح:
سبق وأن رجحنا في المسألة السابقة أن كلا من البائع والمشتري مدع، ومدعى عليه، واليمين في جانب المدعى عليه، فقضية التقديم والتأخير ليست مسألة ذات شأن كبير، لأن كل واحد منهما مطالب باليمين، والبداءة بهذا أو بذاك لن تعفي الخصم الآخر من اليمين، فالقول بأن الحاكم يبدأ بأيهما شاء قول قوي لتساويهما، يليه بالقوة البداءة بيمين المشتري، لأن ما زاد على الثمن، يدعيه البائع، وينكره المشتري، واليمين على المنكر (المدعى عليه)، والله أعلم.
* * *