ولا مرجح لأحدهما فيتحالفان لحديث ابن مسعود (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا) (١)
وقد علمت الجواب عن هذا الحديث.
وأما بعد القبض فالقول قول المشتري؛ لأنه إذا قبض السلعة فقد صار القبض شاهدًا للمشتري، وشبهة لصدقه، واليمين إنما تجب على أقوى المتداعيين شبهة، ويقوي ذلك أيضًا أن البائع والمشتري قد اتفقا على حصول الملك للمشتري، واتفقا على بعض الثمن، والبائع يدعي عليه زيادة على ما اتفقا عليه، والمشتري ينكر الزيادة، والقول قول المنكر (٢).
الترجيح:
الذي أراه أن الأخذ بحديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه)، ويبقى الاجتهاد في تحديد المدعى عليه في هذه المسألة، هل هو المشتري منكر الزيادة، أو كل من البائع والمشتري، وهذا الأخير هو الأقرب عندي، وأن الراجح أنهما يتحالفان، والجمع الذي ذكره ابن قدامة في التوفيق بين حديث ابن عباس وابن مسعود جيد، والله أعلم.
* * *
стр. 3047
المسألة الأولى
من يبدأ بالحلف
[م-٦٠٨] إذا اختلف المتبايعان، وقلنا يتحالفان، فمن يبدأ الأول بالحلف؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
يبدأ المشتري بالحلف، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقول محمد ابن الحسن، وأحد القولين عن أبي يوسف (١)، وقول عند الشافعية (٢).
وجه من قال: يبدأ الحلف بالمشتري:
الوجه الأول:
أن اليمين وظيفة المنكر، والمشتري أشد إنكارًا، وذلك أن البائع والمشتري قد اتفقا على العشرة، واختلفا في الزائد، فالبائع يدعي قدرًا زائدًا، والمشتري ينكر ذلك، فهو أشد إنكارًا من البائع.
الوجه الثاني:
أن المشتري يطالب أولًا بتسليم الثمن؛ لأن الثمن في الذمة، فيطالب بتسليمه
стр. 3048
حتى يكون عينًا، وإذا كان أول التسليمين عليه، وهو تسليم الثمن، فأول اليمينين عليه أيضًا.
القول الثاني:
يبدأ الحلف بالبائع، وهو قول لأبي حنيفة، وأحد القولين عن أبي يوسف، واختاره زفر (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأظهر القولين عند الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: يبدأ الحلف بالبائع:
الدليل الأول:
(ح-٤٩١) ما رواه أبو داود من طريق أبي عميس، عن عبد الرحمن ابن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، عن ابن مسعود، وفيه:
قال عبد الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان.
[حسن بمجموع طرقه] (٥).
стр. 3049
وجه الاستدلال:
قال السرخسي: «الشرع جعل القول قول البائع، وهو يقتضي الاكتفاء بيمينه، وإن كان لا يكتفى بيمينه فلا أقل من أن يبدأ بيمينه» (١).
الدليل الثاني:
أن المقصود من الاستحلاف قطع المنازعة، والنكول طريق إليه، وبنكول البائع تنقطع المنازعة بنفسه، وبنكول المشتري لا تنقطع المنازعة، ولكن يجبر على أداء ما ادعى من الثمن، فيبدأ بيمين من يكون نكوله أقرب إلى قطع المنازعة (٢).
الدليل الثالث:
أن المتبايعين إذا تحالفا رجع المبيع إلى البائع، فكان البائع بهذا كصاحب اليد، فكان جانبه أقوى من المشتري، والبداءة إنما تكون في جانب الأقوى.
القول الثالث:
يتساويان، حيث لا فرق، وعلى هذا يخير الحاكم بين أن يبدأ بيمين البائع، أو بيمين المشتري، أو يقرع بينهما، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
стр. 3050
دليل من قال: يتساويان، فيتخير الحاكم، أو يقرع:
بأنه لما لم يوجد ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، لأن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه، استويا في التقديم. وعلى هذا يكون التخير للحاكم، أو أن يقرع بينهما.
القول الرابع:
ينظر أيهما سبق بالدعوة، فيبدأ بيمين خصمه، وهو قول في مذهب الحنفية (١).
دليل هذا القول:
أن من سبق بالدعوة قد سبق بالادعاء، فصار هو المدعي، وخصمه مدعى عليه، فيبدأ بيمين المدعى عليه، كما في حديث ابن عباس (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
الراجح:
سبق وأن رجحنا في المسألة السابقة أن كلا من البائع والمشتري مدع، ومدعى عليه، واليمين في جانب المدعى عليه، فقضية التقديم والتأخير ليست مسألة ذات شأن كبير، لأن كل واحد منهما مطالب باليمين، والبداءة بهذا أو بذاك لن تعفي الخصم الآخر من اليمين، فالقول بأن الحاكم يبدأ بأيهما شاء قول قوي لتساويهما، يليه بالقوة البداءة بيمين المشتري، لأن ما زاد على الثمن، يدعيه البائع، وينكره المشتري، واليمين على المنكر (المدعى عليه)، والله أعلم.
* * *
стр. 3051
المسألة الثانية
في صفة اليمين
[م-٦٠٩] اختلف العلماء في صفة اليمين على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الأصح في صفة اليمين عند الحنفية الاقتصار على النفي: بأن يحلف البائع بالله ما باعه بألف، ويحلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين.
واستدلوا بأثر ونظر:
أما الأثر فلأن الأيمان وضعت على ذلك، دل عليه حديث القسامة: بالله ما قتلتم، ولا علمتم له قاتلًا (١).
وأما النظر، فلأن اليمين إنما تجب على المنكر، وهو النافي فيحلف على هيئة النفي إشعارًا بأن الحلف وجب عليه لإنكاره، وإنما وجب على البائع والمشتري؛ لأن كلا منهما منكر ... (٢).
القول الثاني:
يحلف بالنفي والإثبات، فالنفي لما ادعي عليه، والإثبات لما ادعاه، لأن كلًا منهما مدع، ومدعى عليه، فهو يدعي عقدًا، وينكر آخر فما يثبته فهو مدع فيه، وما ينكره فهو مدعى عليه، فافتقر إلى النفي والإثبات.
ويقدم النفي على الإثبات، وهذا مذهب الجمهور، وقول مرجوح في مذهب الحنفية (٣).
стр. 3052
القول الثالث:
يقدم الإثبات على النفي، كما قدم الإثبات على النفي في اللعان، اختاره أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (١).
وهل يجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة، بحيث يحلف البائع ما باعه بكذا، وإنما باعه بكذا، ويحلف المشتري: ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا؟ أو يفرد النفي بيمين، والإثبات بيمين، قولان.
جاء في المهذب: «وهل يجمع بين النفي والإثبات بيمين واحدة، أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجمع بينهما بيمين واحدة، وهو المنصوص في الأم؛ لأنه أقرب إلى فصل القضاء، فعلى هذا يحلف البائع أنه لم يبع بألف، وقد باع بألفين، ويحلف المشتري أنه ما اشترى بألفين، ولقد اشترى بألف، فإن نكل المشتري قضي للبائع، وإن حلف فقد تحالفا.
والثاني: أنه يفرد النفي بيمين، والإثبات بيمين؛ لأنه دعوى عقد، وإنكار عقد، فافتقر إلى يمينين، ولأنا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الإثبات قبل نكول المشتري عن يمين النفي، وذلك لا يجوز، فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع بألف، ثم يحلف المشتري أنه ما ابتاع بألفين، فإن نكل المشتري حلف البائع أنه باع بألفين وقضي له، فإن حلف المشتري، حلف
стр. 3053
البائع: أنه باع بألفين، ثم يحلف المشتري أنه ابتاع بألف، فإن نكل قضي للبائع، وإن حلف فقد تحالفا» (١).
الترجيح:
الراجح والله أعلم مذهب الحنفية، وهو ما اختاره شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، قال في الشرح الممتع:
«الصحيح أنه لا يحتاج إلى الجمع بين النفي والإثبات، والمقصود هو نفي ما ادعاه صاحبه فقط، أو إثبات ما ادعاه هو، وهذا يحصل بإفراد النفي، أو إفراد الإثبات، والجمع بينهما ليس بلازم، وهذا أيضًا أقوى من وجوب الجمع بينهما، وذلك لأن المقصود من الألفاظ هو المعاني، فإذا ظهر المعنى اكتفينا به بأي صيغة كانت، فلا يشترط على القول الراجح الجمع بينهما، بل نقول: إذا أثبت كفى، سواء جاء بطريق الحصر: «والله ما بعته إلا بكذا» أو قال: «والله لقد بعته بمائة» وإذا قلنا: بالجمع أيضًا، فالقول الراجح أيضًا أنه لا يشترط تقديم النفي، وأنه لو قال: والله لقد بعته بمائة، وما بعته بثمانين كفى؛ لأن المقصود حصل» (٢).
стр. 3054
المسألة الثالثة
إذا تحالفا فهل ينفسخ العقد أم يحتاج إلى فسخ القاضي
[م-٦١٠] إذا وقع التحالف بين المتبايعين، هل لكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد، أو يحتاج الأمر إلى فسخ القاضي؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا ينفسخ إلا بحكم القاضي، وهذا أصح القولين في مذهب الحنفية (١)، وقول عند المالكية (٢)، وأصح القولين في مذهب الشافعية (٣).
وجه من قال: لا ينفسخ إلا بحكم القاضي:
الوجه الأول:
أن المتبايعين لما تحالفا لم يثبت ما يدعيه كل واحد منهما، وقد اعترفا
стр. 3055
بالبيع، فيبقى البيع بثمن مجهول، فيفسخ القاضي قطعًا للمنازعة (١).
الوجه الثاني:
إذا كانت البينة، وهي أقوى من اليمين لا ينفسخ العقد بها، فلو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ العقد بذلك فكونه لا ينفسخ العقد بمجرد التحالف من باب أولى.
القول الثاني:
لهما فسخه بعد التحالف، ولا يحتاج إلى حكم قاض، وهو قول عند الحنفية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، والمنصوص عليه عند الحنابلة (٥).
وذكر بعضهم في ثمرة الخلاف: إذا رضي أحدهما بما قال الآخر بعد التحالف، وقبل الحكم بفسخ العقد، فعلى القول بأن الفسخ يحتاج إلى حكم قاض له أن يأخذه، وعلى القول الآخر ليس له ذلك لحصول الفسخ بمجرد التحالف (٦).
دليل من قال: الفسخ لا يحتاج إلى حكم القاضي:
الدليل الأول:
(ح-٤٩٢) ما رواه أحمد من طريق الثوري، عن معن، عن القاسم، قال:
стр. 3056
اختلف عبد الله والأشعث، فقال: ذا بعشرة، وقال الآخر: ذا بعشرين، قال: اجعل بيني وبينك رجلًا، قال: أنت بيني وبين نفسك، قال: أقضي بما قضى به رسول الله ﷺ : إذا اختلف البيعان، ولم تكن بينة، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع (١).
[حسن بمجموع طرقه] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله (أويترادان البيع) حيث جعل لهما تراد البيع من غير حاجة إلى حكم حاكم.
الدليل الثاني:
القياس على انفساخ النكاح بمجرد التلاعن بين الزوجين، ولم يفتقر ذلك إلى حكم حاكم.
وأجيب:
أن القياس على اللعان قياس مع الفارق، وذلك أن الزوجين إذا تلاعنا فرق القاضي بينها مطلقًا طلب الزوجان التفريق أو لم يطلباه؛ لأن حرمة التفريق ثبتت شرعًا للعان، ولا يجتمعان أبدًا، وهذه الحرمة حق الشرع، وأما العقد وفسخه فحقهما بدليل قوله ﵊: تحالفا وترادا.
الدليل الثالث:
لما تحالفا ولم يرض أحد المتعاقدين بما يقول الآخر لم يبق ممكنًا إلزام
стр. 3057
أحدهما بما يقول الآخر، ولم يبق فائدة في بقاء العقد دون أن يتفقا على ثمن معلوم، فينفسخ بنفسه، ولا حاجة إلى حكم حاكم.
الترجيح:
الراجح أنهما إذا تحالفا، فتراضيا على الفسخ انفسخ العقد ولو بدون حكم حاكم، حتى أولئك الذين يقولون: لا ينفسخ إلا بحكم الحاكم يقولون بذلك حال التراضي، سواء اعتبروا ذلك من قبيل الفسخ أو من قبيل الإقالة، ولكن لو لم يرض أحدهما بفسخ العقد فنحتاج حينئذ إلى حكم الحاكم لينقطع النزاع، وليكون الأمر ملزمًا.
* * *
стр. 3058
المسألة الرابعة
في نفاذ الفسخ ظاهرا وباطنًا
الحكم يجري على الظاهر، والسرائر موكولة إلى الله (١).
[م-٦١١] إذا انفسخ العقد بين المتنازعين، سواء أقلنا: انفسخ بمجرد التحالف، أم كان الأمر بعد أن حكم به حاكم، فهل ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، أم أنه ينفسخ في الظاهر فقط، وأما في الباطن فلأن أحدهما ظالم لا ينفسخ العقد في حقه؟
وقبل الجواب على هذا السؤال نقول:
معنى الفسخ في الظاهر: أن يصح التصرف فيما بينه وبين المخلوقين.
ومعنى: الفسخ في الباطن: أن يصح التصرف فيما بينه وبين الله.
وثمرة الخلاف بين القولين: تظهر فيما إذا كان المبيع أمة والظالم هو البائع، فهل يحل للبائع وطؤها وهل يحل للمبتاع وطؤها إذا ظفر بها وأمكنه ذلك؛ لأنه أخذ ثمنه الذي دفعه فيها ومراعاة لمن يقول بالفسخ في حق المظلوم باطنًا أيضًا أو لا يحل له ذلك، وهل للبائع الظالم إذا فسخ البيع ورد له المبيع أن يبيعه وإذا حصل له ربح، فهل له أن يتملكه؟ (٢).
أما كونه ينفسخ في الظاهر فلا خلاف فيه إلا قولًا شاذًا عند الشافعية كما سيأتي، ولذلك رد المبيع إلى البائع، ورد الثمن إلى المشتري.
стр. 3059
وأما في الباطن، فقد اختلف الفقهاء في انفساخه على خمسة أقوال:
القول الأول:
إن العقد ينفسخ في الباطن، وهو مذهب أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، والصحيح في مذهب الحنابلة (٤).
القول الثاني:
ينفذ الفسخ في الظاهر فقط دون الباطن، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، ووجه عند الشافعية (٦).
القول الثالث:
إن كان البائع صادقًا انفسخ البيع في حقه ظاهرًا وباطنًا، وإن كان البائع ظالمًا انفسخ ظاهرًا، لا باطنًا، وإن كان المشتري ظالما انفسخ في حقه ظاهرا وباطنًا، وهو وجه عند الشافعية (٧)، وقول أبي الخطاب من الحنابلة (٨).
стр. 3060
القول الرابع:
إن فسخه الصادق انفسخ في حقه ظاهرًا وباطنًا، وإن فسخه الكاذب انفسخ في حقه ظاهرًا، لا باطنًا.
وهذا القول للمالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، وقول للحنابلة اختاره ابن قدامة (٣).
القول الخامس:
لا ينفسخ في الباطن مطلقا، وهو قول للشافعية (٤).
دليل من قال: إذا تحالفا انفسخ العقد بالباطن، ولو كان أحدهما ظالمًا:
الدليل الأول:
القياس على اللعان، بجامع أن كلًا منهما يحصل الفسخ بمجرد التحالف، بصرف النظر عن كون أحدهما صادقًا أو كاذبًا.
ويجاب:
بأن الفسخ في اللعان حق الشرع، وأما الفسخ في البيع فهو حق المتعاقدين، فافترقا.
الدليل الثاني:
أن هذا الفسخ لاستدراك الظلامة، فهو كالرد بالعيب.
стр. 3061
ويجاب:
بأن الرد بالعيب فيه استدراك للظلامة؛ لأن الذي يطلب الفسخ قد وقع عليه ظلم بسبب العيب الموجود في السلعة، وأما في مسألتنا فلا يتعين أن يكون الفسخ استداركًا للظلامة؛ لأن الفسخ قد يطلبه الكاذب من المتعاقدين، وهو ظالم بطلبه الفسخ، فكيف يكون الفسخ استدراكًا للظلامة.
دليل من قال: العقد ينفسخ ظاهرًا فقط:
استدلوا بأثر ونظر: أما الأثر:
(ح-٤٩٣) فاستدلوا بما رواه البخاري من طريق عروة، عن زينب بنت أم سلمة.
عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار (١).
وجه الاستدلال:
بين الرسول ﷺ أن حكم الحاكم هو فيما يتعلق بالظاهر فقط بدليل قوله (وأقضي له على نحو ما أسمع) فالسماع ظاهر، وقد لا يتطابق مع الباطن، وبالتالي حكم الحاكم لا يحل الحرام، وقوله ﷺ : (فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا) دليل على أن ملك المظلوم ما زال باقيًا على ملكه.
وأما النظر: فلأن سبب الفسخ هو الجهل بالثمن، والثمن معلوم في الباطن، مجهول في الظاهر، فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن، اختص البطلان بالظاهر دون الباطن.
стр. 3062
دليل من قال: إن كان البائع ظالمًا انفسخ ظاهرًا لا باطنًا، وإن كان المشتري كاذبًا انفسخ ظاهرًا وباطنًا:
وجه التفريق بين البائع والمشتري، أن البائع إذا كان ظالمًا، فإنه كان يمكنه إمضاء العقد، واستيفاء حقه، فإذا فسخ فقد تعدى، فلا ينفسخ العقد في الباطن، ولا يباح له التصرف في المبيع؛ لأنه غاصب.
وإن كان المشتري ظالمًا انفسخ البيع ظاهرًا وباطنا؛ لأن البائع لا يمكنه استيفاء حقه في العقد، فكان له الفسخ، كما لو أفلس المشتري.
دليل من قال: إن فسخ الصادق البيع انفسخ ظاهرًا وباطنًا، وإن فسخ الكاذب عالمًا بكذبه لم ينفسخ في حقه فقط دون الصادق:
إن فسخه الصادق منهما انفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الفسخ يحل له، فانفسخ بالنسبة إليه.
وإن فسخه الكاذب عالمًا بكذبه لم ينفسخ في الباطن؛ لأنه لا يحل له الفسخ، فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه، ويثبت بالنسبة إلى صاحبه، فيباح له التصرف فيما رجع إليه؛ لأنه رجع إليه بحكم الشرع من غير عدوان منه، فأشبه ما لو رد عليه المبيع بدعوى العيب، ولا عيب فيه.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن القول بأن الفسخ إن طالب به الصادق انفسخ ظاهرًا وباطنًا، وإن طالب به المعتدي لم ينفسخ في حقه في الباطن؛ لأنه ظالم ومعتد في تصرفه، بخلاف صاحبه، والله أعلم.
* * *
стр. 3063
الفرع الثاني
الاختلاف في قدر الثمن والسلعة تالفة
[م-٦١٢] علمنا فيما سبق خلاف العلماء فيما لو اختلف المتعاقدان في قدر الثمن، والسلعة قائمة، فهل يختلف الحكم فيما لو اختلف المتعاقدان في قدر الثمن، والسلعة تالفة، كما لو قال البائع: بعتك سلعتي بألف دينار، وقال المشتري: اشتريتها بخمسمائة، والحال أن السلعة تالفة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول قول المشتري مع يمينه، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف من الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢).
القول الثاني:
القول قول المشتري بشرط أن يدعي الأشبه، فإن ادعى ما لا يشبه أن يكون ثمن السلعة، وجاء البائع بما يشبه أن يكون ثمنًا للسلعة صدق مع يمينه. وهذا القول رواية ابن القاسم عن مالك (٣)،
стр. 3064
واختاره ابن قدامة (١).
القول الثالث:
يتحالفان كما لو كانت السلعة قائمة، وبهذا قال محمد بن الحسن من الحنفية (٢)، ورواية أشهب عن مالك (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، والصحيح في مذهب الحنابلة (٥).
فالأقوال الثلاثة ترجع إلى قولين:
أحدهما: أن القول قول المشتري مع يمينه، سواء أكان ذلك مطلقًا، أم كان ذلك بشرط أن يدعي الأشبه.
والثاني: أنهما يتحالفان.
والفرق بينهما: أننا إذا قلنا: بالتحالف، فإن العقد سوف ينفسخ إذا
стр. 3065
تحالفا (١)، فيرد البائع الثمن، ويرد المشتري بدلا من السلعة الهالكة إما مثلها أو قيمتها.
وإن قلنا: إن القول قول المشتري بيمينه، فإذا حلف استحق المبيع بالثمن الذي أقر به، وإن نكل لزمه ما ادعى به البائع، هذه هي الأقوال، وما يترتب عليها، وحان الآن ذكر أدلة كل قول، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
دليل من قال: القول قول المشتري مع يمينه:
الدليل الأول:
(ح-٤٩٤) ما يروى مرفوعًا بلفظ (إذا اختلف البيعان والسلعة قائمة تحالفا).
ففرق بين قيام السلعة وبين فواتها (٢).
وجه الاستدلال:
فقوله (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا) دليل على أن التحالف يشترط له أن تكون السلعة قائمة.
وهذا الحديث بهذا اللفظ لا أصل له، وسبق بيانه والحمد لله.
الدليل الثاني:
(ح-٤٩٥) ما رواه الدارقطني من طريق الحسن بن عمارة، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن أبيه.
عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع، فإذا استهلك فالقول قول المشتري.
стр. 3066
قال الدارقطني: الحسن بن عمارة متروك (١).
الدليل الثالث:
أن المتبايعين إذا تحالفا انفسخ العقد، ولا فسخ للعقد مع فوات المبيع؛ لعدم إمكان رد المبيع، وبالتالي لا يشرع التحالف.
ويناقش:
إذا لم يمكن رد المبيع بعينه، فإنه يمكن رد بدله، وهو مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان قيميًا.
الدليل الرابع:
الأصل أن المتبايعين إذا اختلفا في زيادة في قدر الثمن، فالبائع يدعيها، والمشتري ينكرها، أن يكون القول قول المنكر، وهو المشتري، هذا هو الأصل، تركنا هذا الأصل حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه التحالف، فما عداه يبقى على الأصل.
ونوقش:
بأنك قد علمت أن لفظ (تحالفا) المنسوبة لحديث ابن مسعود لم يرد في شيء من كتب الحديث، وإنما يورده الفقهاء دون أن يوقف له على إسناد، وبالتالي لا يحتج بها.
دليل من قال: القول قول المشتري بشرط أن يدعي الأشبه .
أن المشتري إذا ادعى ا لأشبه قوي جانبه، واليمين إنما هي في جانب أقوى المتداعيين.
стр. 3067
دليل من قال: يتحالفان:
استدلوا بالأدلة نفسها التي ذكرناها في مسألة (اختلاف المتبايعين في قدر الثمن والسلعة قائمة) فأغنى عن إعادتها هنا، ورأى أصحاب هذا القول بأنه لا فرق بين أن تكون السلعة قائمة، أو أن تكون السلعة تالفة في الحكم، بل لو قيل: إن التحالف مع تلف السلعة آكد من التحالف مع قيام السلعة.
وجه ذلك:
أن المتبايعين إذا كانا يتحالفان مع قيام السلعة، والقدرة على إمكان تمييز الصادق من الكاذب، وذلك عن طريق تحكيم قيمتها في الحال، ومعرفة أشبه القولين بالقيمة، فإذا كان يجري التحالف بينهما مع إمكان الوقوف على قيمة السلعة، فأولى أن يجري ذلك عند عدم إمكان ذلك كما لو تلفت السلعة.
الراجح:
الراجح أنهما يتحالفان، ويترادان البيع إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، والله أعلم.
* * *
стр. 3068
الفرع الثالث
الاختلاف في قيمة السلعة الهالكة
[م-٦١٣] رجحنا فيما لو اختلف المتبايعان، والسلعة هالكة، أنهما يتحالفان، فإذا تحالفا انفسخ العقد، فصار حقًا على البائع أن يرد الثمن إلى المشتري، وكان حقًا على المشتري أن يرد مثل السلعة إن كانت مثلية، أو يرد قيمتها إن كانت قيمية، فإذا اختلفا في قيمة السلعة، فمن يقدم قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القول قول البائع مع يمينه، وهذا مذهب الحنيفة اختاره أبو يوسف (١)، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وهو المنصوص في الأم (٣)، وصححه الشيرازي من الشافعية (٤).
وجه من قال: القول قول البائع:
قال الزيلعي: «كان القول قول البائع مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على وجوب كل الثمن، ثم المشتري يدعي زيادة السقوط بدعواه أن قيمة الهالك أقل والبائع ينكر فكان القول له».
стр. 3069
ويناقش:
لو اتفقا على قدر الثمن لم يصح وقوع الاختلاف، فالثمن الذي يدعيه البائع لا يعترف به المشتري، فكيف يقال: اتفقا على وجوب كل الثمن.
القول الثاني:
القول قول المشتري مع يمينه، وهذا اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (١)، وابن أبي ليلى (٢)، ورجحه النووي من الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: القول قول المشتري:
الدليل الأول:
أن المشتري مدعى عليه؛ حيث يدعي البائع عليه زيادة في القيمة، والمشتري ينكرها، وقد قال ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه: ولكن اليمين على المدعى عليه.
الدليل الثاني:
ولأن المشتري غارم، وإذا اختلف قول الغارم والمغروم له، فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة.
стр. 3070
القول الثالث:
إن اختلفا في قيمة الهالك تواصفاه، ثم قوم، فإن اختلفا في صفته، فالقول للبائع إن انتقد الثمن، وإن لم ينتقد فللمشتري، وهذا مذهب المالكية (١).
الدليل على أن القول للبائع إن انتقد الثمن، وللمشتري إن لم ينتقد:
هذا القول يعتمد تقديم قول الغارم، فالمشتري إن لم ينتقد الثمن فهو الغارم، والبائع هو الغارم إن كان المشتري قد انتقد الثمن.
الراجح:
الذي أميل إليه أن القول قول المشتري مع يمينه.
* * *
стр. 3071
الفرع الرابع
وقت اعتبار القيمة
[م-٦١٤] إذا اختلف المتعاقدان في ثمن السلعة، وكانت السلعة تالفة، وفسخ العقد، ووجب رد القيمة، فهل المعتبر في قيمة السلعة، وقت قيام العقد، أو وقت التلف، أو وقت القبض؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المعتبر في القيمة وقت القبض.
وهذا مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، وقول عند الشافعية (١).
القول الثاني:
المعتبر في القيمة يوم العقد.
وهذه هي الرواية المشهورة في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
стр. 3072
القول الثالث:
المعتبر قيمته يوم تلفه، وهو أصح الأقوال في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
القول الرابع:
المعتبر أقل القيمتين يوم العقد ويوم القبض، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
القول الخامس:
المعتبر أقصى القيمتين من يوم القبض إلى يوم التلف، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
وجه من قال: القيمة تعتبر وقت القبض:
أن القبض هو سبب الضمان، فيكون المعتبر في القيمة وقت القبض.
وجه من قال: القيمة تعتبر وقت العقد .
أن هذا العقد عقد صحيح، فوجب اعتبار القيمة من وقت العقد، ويختلف عن العقد الفاسد الذي يجب أن يكون المعتبر هو وقت القبض؛ لأن وقت العقد لا يمكن اعتباره لفساده.
стр. 3073
وجه من قال: القيمة تعتبر وقت التلف:
الأصل أن الواجب رد عين المبيع، انتقلنا عن هذا الواجب لتعذر رد العين بسبب التلف، إلى قيمة العين، فالقيمة إنما وجبت بسبب تلف المبيع، فاعتبرت القيمة يوم التلف.
وجه من قال: يعتبر أقل القيمتين يوم العقد ويوم القبض:
قالوا: إن كانت القيمة يوم العقد أقل، فالزيادة حدثت في ملك المشتري، يعني: فلا تجب عليه. وإن كانت القيمة يوم القبض أقل، فهي المعتمدة؛ لأنها يوم دخول السلعة في ضمان المشتري؛ لأن السلعة لا تدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض.
وجه من قال: المعتبر أقصى القيمتين من يوم القبض إلى يوم التلف:
لعلهم رأوا أن القول في هذه المسألة كالقول في السلعة إذا تلفت، وقد قبضت بعقد فاسد، فإنهم قالوا: إنه يضمن بأقصى القيمة من القبض إلى التلف وعللوا ذلك بأنه مطالب في كل وقت برده، ولم يفعل، فيعامل معاملة الغاصب.
ويجاب:
بأن يد الغاصب يد معتدية، فيعامل بالأشد، بينما المقبوض هنا مقبوض بعقد صحيح، فكيف يعامل معاملة الغاصب.
الراجح:
بعد تأمل الخلاف أجد أن الراجح يتنازعه قولان: إما القيمة وقت القبض، أو القيمة وقت التلف، وما عداه فهو قول ضعيف، والله أعلم.
стр. 3074
وبهذا نكون ولله الحمد والمنة قد انتهينا من أوجه اختلاف المتبايعين في أحكام المبيع، وكان الأليق بهذا الكتاب كما نبهت سابقًا أن يذكر في باب الأقضية، والنزاع فيه يدور في تحديد المدعي من المدعى عليه، وفي أيهما يقدم عند التعارض حديث ابن مسعود في اختلاف المتبايعين، أو حديث ابن عباس في تقديم قول المنكر مع يمينه في باب الدعاوى، ومع أن حديث ابن عباس عام، وحديث ابن مسعود خاص، والقاعدة تقتضي تقديم الخاص على العام، ولكن هذا عند تساوي الأدلة في القوة، فحديث ابن عباس متفق على صحته، وحديث ابن مسعود أحسن أحواله أن يكون حسنًا، والله أعلم
* * *
стр. 3075
في فسخ العقد وانفساخه
تمهيد
تكلمنا فيما سبق على مقومات عقد البيع (صيغة العقد، وأحكام المتعاقدين، وأحكام المبيع، والثمن) ثم انتقلنا بعد ذلك إلى ا لكلام على موانع البيع، لأن العقد قد لا يتم بتوفر شروطه فقط، فلا بد من انتفاء موانعه، وبعد أن انتهينا من الكلام على الموانع انتقلنا للكلام على الشروط التي يضعها المتعاقدان أو أحدهما أثناء عقد البيع مما لهما فيه مصلحة، ولا ينافي ذلك مقتضى العقد، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى أحكام الخيار، والتي تجعل العقد من كونه لازمًا إلى كونه جائزًا مدة معلومة، فإذا تحقق كل ذلك، وأصبح العقد لازمًا فإنه لا يجوز لأحد من المتعاقدين أن يستقل بنقض الاتفاق أو تعديله ما لم يتم الاتفاق على ذلك بين الطرفين؛ لأن العقد إذا أبرم على وجه الصحة نشأ عنه التزام لا يستطيع العاقد أن يتحلل منه إلا أنه قد يطرأ على العقد أمور تجعل العقد قابلًا للانحلال بعد أن كان لازمًا، وهو ما يسمى بانفساخ العقد، وقد يقوم اتفاق بين العاقدين على فسخ هذا الالتزام والتحلل منه، وهو ما يسمى بفسخ العقد لهذا عقدت في هذا المبحث دراسة رفع آثار العقد بعد لزومه، لنكون بذلك قد تنقلنا من عقد البيع من الصيغة التي تعبر عن إرادة المتعاقدين، ورغبتهما في إنشاء العقد، إلى الصيغة التي ترفع آثار العقد بعد لزومه، فإذا انتهينا من هذا المبحث نكون بذلك إن شاء الله قد ختمنا عقد البيع، نحمد الله على عونه، وتوفيقه، وفتحه، فله الفضل كله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
стр. 3076
تعريف الفسخ اصطلاحًا (١):
عرفه الفقهاء بأنه حل رابطة العقد (٢).
وقيل: رفع حكمه (٣).
الفرق بين الفسخ والانفساخ:
قد يكون الانفساخ أثرًا للفسخ، ولذلك يقال: فسخت البيع فانفسخ.
وقد يوجد فرق بينهما، فيقال:
الفسخ: هو فعل المكلف، بأن يعمد المكلف إلى عقد لازم قبل لزومه أو بعده بفسخ البيع.
والانفساخ: هو حكم الشرع بذلك إذا وجد مقتضيه، كما لو قام مانع من صحة العقد، أو تعذر الاستمرار في العقد لفوات محله، كما ينفسخ عقد البيع من تلقاء نفسه إذا تبين فساده، وكما ينفسخ النكاح إذا طرأ عليه الفساد بسبب ردة أحد الزوجين، أو عند تبين رضاع بينهما، وكما ينفسخ عقد المضاربة بموت أحد العاقدين، ونحو ذلك.
يقول القرافي: «الفسخ قلب كل واحد من العوضين لصاحبه، والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه، فالأول فعل المتعاقدين أو الحاكم إذا
стр. 3077
ظفروا بالعقود المحرمة. والثاني صفة العوضين، فالأول سبب شرعي، والثاني حكم شرعي، فهذان فرعان، فالأول من جهة الموصوفات، والثاني من جهة الأسباب والمسببات» (١).
ويقول الدكتور نزيه حماد: «والذي يتحصل من كلام الفقهاء أن هذا الرفع إما أن يترتب على سبب إرادي، كما في الإقالة وخيار الشرط ونحوها، فيسمى فسخًا. وإما أن ينشأ بسبب طارئ غير إرادي، كما في حالة انفساخ البيع بهلاك المبيع قبل تسليمه للمشتري، وذلك لاستحالة تنفيذ العقد بالتسليم بعد هلاك محله، فينفسخ العقد لفقد ما يعتمد عليه بقاؤه وكما في حالة انفساخ الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة بموت أحد العاقدين .... ويسمى هذا الزوال انفساخًا» (٢).
وقد قسم ابن رجب الفسوخ التي ترد على العقد إلى قسمين: الانفساخ الحكمي، والفسخ الاختياري (٣).
الفرق بين الإقالة وبين الفسخ:
الإقالة على الصحيح هي نوع من الفسخ، إلا أن هناك فروقًا بين الإقالة والفسخ.
الفرق الأول:
الإقالة تختص في رفع العقد اللازم، بخلاف الفسخ، فإنه يرد على العقد اللازم كما يرد على العقد الجائز.
стр. 3078
الفرق الثاني:
الإقالة تتوقف على رضا المتعاقدين. والفسخ لا يشترط له الرضا، فقد يقع الفسخ لحق الشارع ولو بغير اختيار المتعاقدين، وقد يقع بسبب استحقاق لأحد العاقدين، أو بسبب شرط، فمن يملكه يكن له حق الأخذ به دون أن يتوقف ذلك على رضا المتعاقد الآخر.
الفرق الثالث:
أن عقد الإقالة من عقود الإرفاق والإحسان بخلاف الفسخ.
وسوف نتكلم أولًا إن شاء الله تعالى على العقود التي تقبل الفسخ، والعقود التي لا تقبل الفسخ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مسائل انفساخ العقد، وبعده ننتقل إن شاء الله تعالى إلى الكلام على فسخ العقد، وإن كان في بعض هذه المسائل تداخل؛ لأن بعض العقود فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: ينفسخ العقد فيها، وبعضهم يقول: للمشتري الخيار إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه، فعلى القول الأول تعتبر المسألة من مسائل الانفساخ، وعلى القول الثاني تعتبر المسألة من مسائل الفسخ؛ لأنها علقت بإرادة العاقد، فلينتبه إلى هذا، والله أعلم.
* * *
стр. 3079
المبحث الأول
في الشروط العامة للفسخ
[م-٦١٥] لما كان للفسخ أسباب متعددة، كان لكل سبب من هذه الأسباب شروط خاصة للفسخ به، وهذه الشروط قد تكلمنا عليها عند دراستها، فالفسخ بالعيب ذكرنا شروطه عند الكلام على خيار العيب، وكذا الفسخ بخيار الشرط تكلمنا على شروطه عند الكلام على خيار الشرط، وشروط الفسخ بالإقالة سنذكر شروطه عند الكلام على الإقالة إلا أن أسباب الفسخ مع تنوعها تتفق فيما بينها بشروط يصح أن نسميها: الشروط العامة للفسخ.
فمن هذه الشروط:
الشرط الأول:
أن يكون العقد قابلًا للفسخ، سواء كان العقد لازمًا كعقود المعاوضات المالية، أو كان العقد جائزًا كالوكالة والعارية، فإن كان العقد غير قابل للفسخ لم يتطرق إليه الفسخ، وذلك مثل الوقف، والعتق، والطلاق، فإنها إذا وقعت لا يمكن رفعها.
وكذلك أيضًا الأيمان والنذور؛ لأن الشارع قد وضع لهما رافعًا خاصًا بهما، وهو الكفارة.
الشرط الثاني:
أن يقوم في العقد ما يوجب فسخه، أو يطرأ عليه موجب للفسخ.
فمثال الأول: أن يكون المتبايعان قد عقدا البيع بشرط الخيار لهما أو لأحدهما.
стр. 3080
ومثال الثاني: أن يظهر عيب في المبيع كتمه البائع، أو تهلك العين المستأجرة قبل تمام مدة العقد.
وإذا لم يوجد في العقد ما يوجب فسخه امتنع الفسخ؛ لأن الأصل في عقد البيع اللزوم.
الشرط الثالث:
ألا يطرأ مانع من موانع الفسخ، فإن طرأ مانع من موانع الفسخ امتنع الفسخ، وذلك كأن يتضمن الفسخ تفريق الصفقة؛ لأن التفريق قد يضر بالبائع. أو أن يكون المبيع قد تغير عن حاله وقت العقد، فإن تغير امتنع الفسخ في الجملة، أو تعلق بالمبيع حق للغير من بيع أو رهن ففي هذه الحالة يمتنع الفسخ؛ لأن الفسخ يؤدي إلى ضياع حق الغير.
الشرط الرابع:
هل يشترط علم الآخر بالفسخ؟
وللجواب عن ذلك نقول: إن كان الفسخ بدلالة الفعل، كأن يكون الخيار للبائع فيعتق المبيع، فلا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يشترط لذلك علم العاقد الآخر، فمتى تصرف من له حق الفسخ في المبيع تصرفًا يدل على الفسخ انفسخ العقد وإن لم يعلم العاقد الآخر.
وإن كان الفسخ بدلالة اللفظ، كأن يقول من له حق الفسخ فسخت العقد، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا بد من علم الآخر، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١).
стр. 3081
وخرج أبو الخطاب الحنبلي ومن تبعه من عزل الوكيل: أنه لا يفسخ في غيبته حتى يبلغه في المدة (١).
القول الثاني:
لا يشترط علم الآخر، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وجه قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن:
أن الفسخ بدون علم صاحبه يلزم منه وقوع الضرر على صاحبه؛ لأنه ربما يعتمد تمام البيع السابق، فيتصرف فيه، فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع، أو لا يطلب لسلعته مشتريًا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا
стр. 3082
نوع ضرر، فيتوقف على علمه، وصار كعزل الوكيل يتطلب علمه بذلك، بخلاف الإجازة؛ لأنه لا ضرر فيها على صاحبه، إذ هو موافق له فيها (١).
فكل ما فيه إلزام على الغير لا يثبت بدون علمه، فإذا اختار العاقد الفسخ فإنه يلزم غيره حكمًا جديدًا لم يكن، فلا يثبت حكم تصرفه في حق ذلك الغير ما لم يعلم به.
وأجيب:
القول بأنه يخبره حتى لا يتصرف في المبيع، فالأصل أنه ممنوع من التصرف زمن الخيار؛ لأن تصرفه يؤدي إلى إسقاط حق صاحبه، وهذا لا يجوز.
وأما القياس على عزل الوكيل فهو قياس مع الفارق، فإن الموكل قد سلط على التصرف بإذن من الوكيل، فعزله خلاف الأصل، فيتوقف عزله على علمه; كما أن العبد له أن يعمل بالحكم المنسوخ قبل علمه بالناسخ، بخلاف شرط الخيار فليس له أن يعتبر العقد لازمًا في زمن الخيار.
وبخلاف خيار العيب ; لأن المشتري هناك غير مسلط على الفسخ وإنما له حق المطالبة بتسليم الجزء الفائت فإذا تحقق عجز البائع عنه، تمكن من الفسخ فلا يتحقق عجزه إلا بمحضر منه (٢).
وجه قول الجمهور أنه لا يشترط علمه:
الوجه الأول:
أن العاقدين لما اتفقا على اشتراط الخيار كان ذلك منهما اتفاقًا على حق
стр. 3083
الفسخ، فهو حق متفق على ثبوته بذلك الشرط، فلا يحتاج إلى إذن، ولا حضور، ولا حكم قضاء، فكان حق الفسخ حقًا خالصًا لمن له الخيار.
الوجه الثاني:
إذا كان لا يشترط رضاه في الفسخ، فيتم الفسخ ولو مع سخط صاحبه، فكذلك لا يشترط علمه.
الوجه الثالث:
أن موجب الخيار: الفسخ أو الإجازة، ثم الإجازة تتم بغير محضر الآخر بالإجماع، كما تتم بغير رضاه، فكذا الفسخ بل أولى ; لأن الخيار يشترط للفسخ لا للنفاذ، إذ النفاذ ثابت بدون الخيار، وهذا لأنه بالاتفاق على اشتراط الخيار صار مسلطا على الفسخ من جهته، ولهذا لا يشترط رضاه في تصرفه، فلا يتوقف تصرفه على علمه، كالوكيل إذا تصرف بغير حضرة الموكل، وكالمخيرة إذا اختارت نفسها بغير حضرة الزوج، بأن بلغها الخبر وهي غائبة (١).
* * *
стр. 3084
المبحث الثاني
في موانع الفسخ
لا نستطيع أن نضع موانع عامة للفسخ كما وضعت ذلك في الشروط، وذلك أن كل سبب من أسباب الفسخ له موانعه الخاصة.
فخيار المجلس له موانعه التي تختلف عن خيار الشرط، وعن خيار العيب، كما أن أسباب الفسخ لم تتوقف على الخيار فقط، فهناك أسباب كثيرة للفسخ، منها: الفسخ بسبب فساد العقد، ومنها الفسخ بسبب إفلاس المشتري، ومنها الفسخ بسبب ظهور استحقاق في المبيع وغيرها من الأسباب التي سوف نقف عليها إن شاء الله تعالى، وسوف أحاول قدر الإمكان الإشارة إلى الموانع التي هي محل اتفاق بين الفقهاء في الجملة، وقد تكلمنا في كتاب الخيار عن موانع الفسخ في كل نوع من أنواع الخيار مما يغني عن ذكره على سبيل التفصيل.
فمن الموانع التي لم يختلف فيها الفقهاء في الجملة:
المانع الأول: انتهاء مدة الخيار .
[م-٦١٦] إذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ من له الخيار امتنع الفسخ.
وقد خالف بعض الفقهاء في مسألتين:
المسألة الأولى:
في دخول الغاية في شرط الخيار، فإذا اشترط الخيار إلى الغد، أو إلى الليل، أو إلى الظهر، فهل يدخل الغد والليل، والظهر، أو لا تدخل (١).
стр. 3085
المسألة الثانية:
إذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ من له الخيار، فهل له الرد بعد انقضاء المدة بيوم أو يومين، أو ليس له الرد؟ (١).
وقد تكلمنا على هاتين المسألتين في خيار الشرط فأغنى عن إعادته هنا.
المانع الثاني: إسقاط الخيار .
[م-٦١٧] إذا أجاز البيع من له الخيار فقد لزم البيع، وبطل حقه بالفسخ.