← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وخرج أبو الخطاب الحنبلي ومن تبعه من عزل الوكيل: أنه لا يفسخ في غيبته حتى يبلغه في المدة (١). القول الثاني: لا يشترط علم الآخر، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وجه قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن: أن الفسخ بدون علم صاحبه يلزم منه وقوع الضرر على صاحبه؛ لأنه ربما يعتمد تمام البيع السابق، فيتصرف فيه، فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع، أو لا يطلب لسلعته مشتريًا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا

стр. 3082

نوع ضرر، فيتوقف على علمه، وصار كعزل الوكيل يتطلب علمه بذلك، بخلاف الإجازة؛ لأنه لا ضرر فيها على صاحبه، إذ هو موافق له فيها (١). فكل ما فيه إلزام على الغير لا يثبت بدون علمه، فإذا اختار العاقد الفسخ فإنه يلزم غيره حكمًا جديدًا لم يكن، فلا يثبت حكم تصرفه في حق ذلك الغير ما لم يعلم به. وأجيب: القول بأنه يخبره حتى لا يتصرف في المبيع، فالأصل أنه ممنوع من التصرف زمن الخيار؛ لأن تصرفه يؤدي إلى إسقاط حق صاحبه، وهذا لا يجوز. وأما القياس على عزل الوكيل فهو قياس مع الفارق، فإن الموكل قد سلط على التصرف بإذن من الوكيل، فعزله خلاف الأصل، فيتوقف عزله على علمه; كما أن العبد له أن يعمل بالحكم المنسوخ قبل علمه بالناسخ، بخلاف شرط الخيار فليس له أن يعتبر العقد لازمًا في زمن الخيار. وبخلاف خيار العيب ; لأن المشتري هناك غير مسلط على الفسخ وإنما له حق المطالبة بتسليم الجزء الفائت فإذا تحقق عجز البائع عنه، تمكن من الفسخ فلا يتحقق عجزه إلا بمحضر منه (٢). وجه قول الجمهور أنه لا يشترط علمه: الوجه الأول: أن العاقدين لما اتفقا على اشتراط الخيار كان ذلك منهما اتفاقًا على حق

стр. 3083

الفسخ، فهو حق متفق على ثبوته بذلك الشرط، فلا يحتاج إلى إذن، ولا حضور، ولا حكم قضاء، فكان حق الفسخ حقًا خالصًا لمن له الخيار. الوجه الثاني: إذا كان لا يشترط رضاه في الفسخ، فيتم الفسخ ولو مع سخط صاحبه، فكذلك لا يشترط علمه. الوجه الثالث: أن موجب الخيار: الفسخ أو الإجازة، ثم الإجازة تتم بغير محضر الآخر بالإجماع، كما تتم بغير رضاه، فكذا الفسخ بل أولى ; لأن الخيار يشترط للفسخ لا للنفاذ، إذ النفاذ ثابت بدون الخيار، وهذا لأنه بالاتفاق على اشتراط الخيار صار مسلطا على الفسخ من جهته، ولهذا لا يشترط رضاه في تصرفه، فلا يتوقف تصرفه على علمه، كالوكيل إذا تصرف بغير حضرة الموكل، وكالمخيرة إذا اختارت نفسها بغير حضرة الزوج، بأن بلغها الخبر وهي غائبة (١). * * *

стр. 3084

المبحث الثاني في موانع الفسخ لا نستطيع أن نضع موانع عامة للفسخ كما وضعت ذلك في الشروط، وذلك أن كل سبب من أسباب الفسخ له موانعه الخاصة. فخيار المجلس له موانعه التي تختلف عن خيار الشرط، وعن خيار العيب، كما أن أسباب الفسخ لم تتوقف على الخيار فقط، فهناك أسباب كثيرة للفسخ، منها: الفسخ بسبب فساد العقد، ومنها الفسخ بسبب إفلاس المشتري، ومنها الفسخ بسبب ظهور استحقاق في المبيع وغيرها من الأسباب التي سوف نقف عليها إن شاء الله تعالى، وسوف أحاول قدر الإمكان الإشارة إلى الموانع التي هي محل اتفاق بين الفقهاء في الجملة، وقد تكلمنا في كتاب الخيار عن موانع الفسخ في كل نوع من أنواع الخيار مما يغني عن ذكره على سبيل التفصيل. فمن الموانع التي لم يختلف فيها الفقهاء في الجملة: المانع الأول: انتهاء مدة الخيار . [م-٦١٦] إذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ من له الخيار امتنع الفسخ. وقد خالف بعض الفقهاء في مسألتين: المسألة الأولى: في دخول الغاية في شرط الخيار، فإذا اشترط الخيار إلى الغد، أو إلى الليل، أو إلى الظهر، فهل يدخل الغد والليل، والظهر، أو لا تدخل (١).

стр. 3085

المسألة الثانية: إذا انقضت مدة الخيار، ولم يفسخ من له الخيار، فهل له الرد بعد انقضاء المدة بيوم أو يومين، أو ليس له الرد؟ (١). وقد تكلمنا على هاتين المسألتين في خيار الشرط فأغنى عن إعادته هنا. المانع الثاني: إسقاط الخيار . [م-٦١٧] إذا أجاز البيع من له الخيار فقد لزم البيع، وبطل حقه بالفسخ.

стр. 3086

والإجازة منها ما هو صريح، ومنها ما هو بطريق الدلالة: فالصريح: أن يقول من له الخيار: أجزت البيع، أو أوجبته، أو أسقطت الخيار، أو أبطلته، ونحو ذلك. وأما الإجازة بطريق الدلالة، وهو أن يتصرف من له الخيار بالعوض الذي انتقل إليه تصرف الملاك، فإذا تصرف البائع في الثمن وكان الخيار له وحده كان هذا دليلًا على إجازة البيع، وبالتالي امتناع الفسخ. كما أن تصرف البائع في المبيع إذا كان الخيار له وحده دليل على فسخ البيع. وتصرف المشتري في المبيع - إذا كان الخيار له وحده - دليل على إجازة البيع، وتصرفه في الثمن دليل على فسخ البيع (١).

стр. 3087

المانع الثالث: الرضا بالعيب . [م-٦١٨] إذا تبين للمشتري بعد البيع أن السلعة معيبة، ورضي المشتري بالعيب امتنع الفسخ، كما لو علم بالعيب قبل الشراء، ورضي به. ولا يكفي إطلاعه على العيب بل لا بد أن يعلم أنه عيب في السلعة، فلو اطلع على العيب ورضي به، ولم يعلم أن مثله يعتبر عيبًا فلا يعتبر اطلاعه عليه رضا (١). والرضا بالعيب قسمان: صريح وكناية. فالرضا الصريح: كأن يقول بعد اطلاعه على العيب رضيت به، أو أجزت البيع، أو أبرأت البائع، أو أسقطت خياري، فإذا نطق بالرضا امتنع الفسخ، وهذا باتفاق الفقهاء (٢). لأن الفسخ حق له، فإذا أسقطه برضاه سقط. ولأن الرد ثبت دفعًا للضرر عن المشتري، فإذا رضي بالضرر جاز البيع. قال ابن تيمية: «إذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالاتفاق» (٣).

стр. 3088

والرضا الضمني أو الكناية: بأن يصدر من المشتري بعد العلم بالعيب فعل يدل على الرضا به، كما لو استغل المبيع لغير ضرورة ولا تجربة (١)، أو عرضه للبيع. فإن حصل مثل ذلك، فقيل: يمتنع الفسخ، وهذا قول عامة أهل العلم (٢). وقيل: لا يسقط خياره، وهو اختيار ابن حزم (٣). وقد تكلمنا على أدلة المسألة في خيار العيب فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد. المانع الرابع: [م-٦١٩] أن يوجد مانع يمنع من الفسخ. كما لو تحول المبيع إلى عين أخرى لا يجوز تملكها، كما لو انقلب العصير إلى خمر، فإن هذا مانع يمنع من الفسخ.

стр. 3089

جاء في الفتاوى الهندية: «قال محمد رحمه الله تعالى في الجامع: مسلم اشترى عصيرًا، وقبضه، وتخمر في يده، ثم اطلع على عيب لم يرده، ويرجع بنقصان العيب، فإن قال البائع: أنا آخذ الخمر بعينها فليس له ذلك ; لأن امتناع الرد لحق الشرع ... » (١). وقال النووي: «لو اشترى عصيرًا حلوًا، فلم يعلم بعيبه حتى صار خمرًا، فله الأرش، وليس له رد الخمر، واسترجاع ثمنه، سواء أرضي البائع بقبوله أم لا؛ لتحريم المعاوضة على الخمر» (٢). تكاد تكون هذه الموانع محل اتفاق في الجملة بين الفقهاء، وهناك موانع هي محل خلاف نشير إليها، ونترك التفصيل فيها، لكون التفصيل فيها سبق في كتاب الخيار، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد: من الموانع المختلف فيها: حدوث عيب جديد عند المشتري. فإذا حدث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، فإن ذلك يمنع من رد السلعة المعيب عند الحنفية (٣)، وهو القول الجديد للشافعي (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، اختارها ابن تيمية (٦).

стр. 3090

ومن الموانع التي تمنع الرد حدوث زيادة متصلة غير متولدة من المبيع كالصبغ والخياطة للثوب، والبناء والغراس في الأرض. وهذا مذهب الحنفية (١). ومنها: تلف المبيع عند المشتري، فإذا اشترى الرجل السلعة، ثم وقف على عيب فيها، وقبل ردها تلفت عنده، سواء كان تلفها حسًا كالموت للدابة، والأكل للطعام، أو حكمًا كما لو أوقفها، أو وهبها، فقد ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٥)، إلى أن تلف المعقود عليه يسقط خيار العيب، ويمنع من الفسخ. هذه تقريبًا بعض موانع الفسخ للبيع المختلف فيها، ومن أحب أن يقف على الخلاف فعليه مراجعة كتاب الخيار، فإني قد وضحت عند كل خيار ما يمنع من الرد، والحمد لله على توفيقه وإعانته. * * *

стр. 3091

الباب الأول في أسباب انفساخ العقد الفصل الأول انفساخ العقد لقيام المانع الشرعي [م-٦٢٠] قد يقوم مانع شرعي يمنع من صحة البيع، حتى ولو قامت أركانه، وتوفرت شروطه، وقد عقدت بابًا كاملًا في الكلام على البيوع المنهي عنها، وتكلمت على خلاف العلماء في هذه البيوع عقدًا عقدا، فإذا قام هذا المانع في عقد من العقود فإن العقد يصبح باطلًا، ولا يجوز المضي فيه، وهذا يشمل كل بيع ثبت النهي عنه لذاته، وكان الحق فيه لله ، ولم يكن الحق فيه لآدمي، فإذا عقد الإنسان على ميتة (١)، أو على خمر (٢)، أو على خنزير، أو عقد على دم (٣)، أو اشترى حرًا، ونحو ذلك، فإن العقد يعتبر باطلًا، وليس هذا خاصًا في البيع، بل حتى في الأجرة المحرمة، كمهر البغي، وهو أجر الزانية على الزنا، وحلوان الكاهن، وهو ما يعطاه الكاهن أجرًا على كهانته ونحو هذه العقود.

стр. 3092

والعقد في هذه الحالة لم ينعقد أصلًا، فهو في حكم اللغو، ومن ثم لا يتطرق إليه فسخ، كما لا تلحقه إجازة، وقد يستخدم بعض الفقهاء كلمة (وجوب الفسخ) للعقد الباطل، فقد جاء في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك، حين سئل عن رجل عقد على أخت له من الرضاع، ولم يعلم، وكان ذلك قبل الدخول، فقال: «هذا العقد باطل إجماعًا لقوله ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فيجب فسخه» (١). فقد يعبرون بالفسخ ويريدون به البطلان والنقض، يقال: انفسخ: أي بطل وانتقض. والحق أن بين الفسخ والبطلان فرقًا جوهريًا: فالعقد الباطل في حكم المعدوم، حيث لم ينعقد أصلًا. وأما الانفساخ فإنه يكون بعد تمام الانعقاد لسبب طارئ يمتنع معه بقاء العقد كهلاك العين المستأجرة مثلًا. وإنما اشترطت أن يكون النهي عن المبيع لذاته؛ لأن النهي إن كان يعود لأمر خارج فإنه لا يمنع من صحة البيع، كما في النهي عن تلقي الركبان، فإذا اشترى المتلقي فإن العقد صحيح وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 3093

كما أن اشتراط أن يكون النهي لحق الله ؛ لأن النهي إن كان لحق العاقد، كما في البيع على بيع أخيه، وكما في زيادة الناجش ونحوها، فإن البيع قد يصح مع التحريم، وهذا مذهب الجمهور (١). * * *

стр. 3094

فرع انفساخ البيع بسبب فساد العقد العقد الباطل لم ينعقد أصلًا، والفاسد يفسخ ما دامت عين المبيع قائمة (١). قال الحنفية: البيع الفاسد يفيد الملك بالقبض والباطل لا يفيده أصلًا (٢). وهذا الضابط عند من يفرق بين الفاسد والباطل. المختلف في فساده إذا فات يمضي بالثمن، والمتفق على فساده يمضي بالقيمة إن كان مقومًا أو مثليًا (٣). المقبوض بعقد فاسد تعتبر قيمته يوم القبض، وقيل: يوم التلف (٤). [م-٦٢١] انفساخ العقد بسبب فساد العقد، هذه المسألة فرع عن المسألة المتقدمة، وهي مبنية على مسألة خلافية في التفريق بين العقد الباطل والعقد الفاسد كما هو مذهب الحنفية، فإذا اعتبرنا المسألة الماضية تجري في العقود الباطلة، فإن هذه المسألة تتنزل على العقود الفاسدة. وقد اختلف الحنفية مع الجمهور في التفريق بين الباطل والفاسد: فقيل: الفاسد مرادف للباطل، وهذا مذهب الجمهور في الجملة. وذهب الحنفية إلى التفريق بين العقد الفاسد وبين الباطل:

стр. 3095

فالباطل عندهم: هو البيع الذي في ركنه خلل، كبيع المجنون، وغير المميز وبيع الميتة. والفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه (١)، كما لو باع شيئًا بثمن مؤجل إلى مدة غير معلومة، أو كان البيع في حال الإكراه، أو اشتمل البيع على وصف محرم كالربا (٢). وأما حكم البيع الفاسد والبيع الباطل: فالبيع الباطل يتفقون جميعًا على أنه لا يفيد الملك، وأن وجوده كعدمه، ولا ينقلب إلى عقد صحيح (٣)؛ لأن الشارع لم يأذن به، فوجوده كعدمه. كما يتفقون على أن البيع الفاسد لا أثر له قبل قبضه، وأنه يجب فسخه، ورده، ولا يتوقف فسخه على رضا الطرفين، ما دامت عينه قائمة ولم تتغير، ولم يتصرف فيها قابضها. وهذا ما يعنينا في كتاب الفسخ. قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته: «الفاسد يجب فسخه على كل منهما بدون رضا الآخر، وكذا للقاضي فسخه بلا رضاهما» (٤).

стр. 3096

وقال ابن الجلاب المالكي في كتابه التفريع: «من اشترى شيئًا بيعًا فاسدًا فسخ بيعه، ورد المبيع على بائعه» (١). وقال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق أن حكمها الرد - أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمن» (٢). واختلفوا في قبضه، هل يفيد الملك إذا قبض؟ فقال الحنفية: إذا قبض بإذن صاحبه أفاد الملك (٣). وقالت المالكية: يفيد شبهة الملك (٤). وذهب الشافعية والحنابلة: إلى أنه لا يفيد الملك أبدًا. قال النووي: «إذا اشترى شيئًا فاسدًا، إما لشرط فاسد، وإما لسبب آخر، ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، ويلزمه رده، وعليه مئونة رده، كالمغصوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن» (٥). وقال ابن قدامة: «وكل موضع فسد به العقد لم يحصل به ملك، وإن قبض؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد، فأشبه ما لو كان الثمن ميتة، ولا ينفذ تصرف المشتري

стр. 3097

فيه، وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل، وأجرة مثله مدة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقض بما يضمن به المغصوب؛ لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع، أشبه المغصوب» (١). واختلفوا في وجوب فسخه إذا تصرف فيه قابضه أو تغير: فذهب الحنفية إلى أنه يبطل حق الفسخ إذا هلك المبيع في يد المشتري، أو استهلكه، أو أخرجه من يده ببيع صحيح، أو بهبة، أو زاد فيه المشتري شيئًا من ماله، كما لو كان المبيع دارًا فعمرها، أو أرضًا فغرس فيها أشجارًا، أو تغير اسم المبيع بأن كان حنطة، فطحنها، وجعلها دقيقًا (٢). وقال مالك: يفسخ ما لم يفت (٣). وقال الشافعية والحنابلة: يفسخ أبدًا حيثما وقع، وكيفما وجد، فات أو لم يفت. قال في منح الجليل: «قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم: النهي يدل على الفساد. وقال أبو حنيفة: يدل على الصحة. فكل واحد طرد أصله إلا مالكًا - أي لم يطرد حكمه في هذا الباب - فقال أبو حنيفة: يجوز التصرف في المبيع بيعًا فاسدًا ابتداء وهذه هي الصحة. وقال الشافعي ومن وافقه: لا يثبت أصلًا، ولو تداولته الأملاك وهذا هو الفساد ....

стр. 3098

فطرد الحنفي أصله، وقال إذا اشترى جارية شراء فاسدًا جاز له وطؤها وكذا سائر العقود الفاسدة وطرد الشافعي أصله، وقال: يحرم الانتفاع مطلقًا، وإن باعه ألف بيع وجب نقضه ونحن خالفنا أصلنا، وراعينا الخلاف، وقلنا: البيع الفاسد يثبت شبهة الملك فيما يقبله فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة، وهي حوالة السوق - أي تغيره- وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع .... وقال ابن مسلمة: يمضي الفاسد المختلف فيه .... » (١). فالفرق بين مذهب الحنفية والمالكية في أثر العقد الفاسد: أن الحنفية يشترطون مجرد القبض. وأما المالكية فيشترطون القبض، وفوات الرجوع في المبيع كما لو باعه بعد قبضه. والحنفية يعتبرون الملك حقيقة، والمالكية يعدونه شبهة على خلاف في المذهب (٢). الراجح: سبق لنا مناقشة مذهب الحنفية في التفريق بين البيع الفاسد والباطل، والذي يعنينا هنا أن العلماء متفقون على وجوب الفسخ ما دامت عين المبيع قائمة لم تتغير، ولم يتصرف فيه صاحبه، وأنه مضمون على قابضه بالقيمة، لا بالثمن المسمى في العقد؛ لأن العقد فاسد على خلاف بينهم، هل الواجب قيمته يوم تصرف فيه، أو قيمته يوم قبضه؟ وقد سبق بيان الراجح فيه، فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 3099

الفصل الثاني انفساخ العقد بسبب فوات المحل المعقود عليه قبل القبض لن نناقش مسألة فوات المعقود عليه قبل القبض إلا من خلال المسائل التي لها تعلق بانفساخ العقد، وأما المسائل التي لا تعلق لها بانفساخ العقد فلن نتعرض لها؛ لأننا قد تعرضنا لتلف المعقود عليه بكل تفاصيله في باب أحكام المبيع، في مبحث تلف المبيع. فمثلًا تلف المعقود عليه قبل القبض إذا كان من فعل المشتري، أو من فعل أجنبي، أو كان التلف بعد قبض المشتري له لم يوجب ذلك انفساخ العقد قولًا واحدًا، فمثل هذه المسائل لن نتعرض لها، وإنما نتعرض للمسائل التي قيل فيها بانفساخ العقد بهلاك المعقود عليه فقط، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 3100

المبحث الأول هلاك المعقود عليه قبل القبض الفرع الأول هلاك المبيع بآفة سماوية قال ابن قدامة: ما لا يحتاج إلى قبض إذا تلف فهو من مال المشتري (١). [م-٦٢٢] إذا هلك المبيع قبل القبض بآفة سماوية، فإما أن يكون فيه حق توفية، أولا. فإن كان فيه حق توفية من كيل، أو وزن، أو عد أو ذرع، فإن عقد البيع ينفسخ، وهذا قول عامة الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وإن لم يكن في المبيع حق توفية من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، فاختلف الفقهاء على قولين:

стр. 3101

القول الأول: ينفسخ البيع، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: لا ينفسخ البيع، ويكون ضمانه على المشتري، وهو مذهب المالكية (٤)،

стр. 3102

والمشهور عند الحنابلة (١). وقد قدمنا أدلة الأقوال في أحكام المعقود عليه، في باب تلف المبيع، فانظره هناك. * * *

стр. 3103

الفرع الثاني هلاك المبيع بفعل البائع إتلاف البائع للمبيع بعد لزوم العقد كإتلاف الأجنبي (١). [م-٦٢٣] اختلف العلماء في انفساخ البيع إذا تلف المبيع قبل القبض بفعل البائع على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينفسخ البيع، وهذا هو مذهب الحنفية (٢)، والمذهب عند الشافعية (٣). القول الثاني: لا ينفسخ البيع مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٤).

стр. 3104

القول الثالث: لا ينفسخ البيع بشرط أن يكون البيع ليس فيه حق توفية، فإن كان فيه حق توفية خير مشتر بين الفسخ والإمضاء، وهذا مذهب الحنابلة (١). وجه من قال: ينفسخ البيع: أن المبيع في يد البائع ليس أمانة عنده، وإنما يده يد ضمان، وإذا كانت يده يد ضمان فإذا تلف المبيع بفعل البائع قبل القبض بطل العقد، وانفسخ البيع. ويناقش: بأنه لا يلزم من كون الضمان عليه أن ينفسخ العقد، بل يجب عليه رد مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا. وجه من قال: لا ينفسخ العقد: أن إتلاف البائع للمبيع بعد لزوم العقد كإتلاف الأجنبي لا فرق في ذلك، فإذا كان إتلاف الأجنبي لا يوجب الفسخ، فكذلك إتلاف البائع، فمن باشر الإتلاف وجب عليه الغرم: والغرم: هو ضمان المتلف بالمثل إن كان مثليًا، أو بالقيمة إن كان متقومًا؛ لأن البائع قد أتلف مالًا مملوكًا لغيره بغير إذنه. وجه تفريق الحنابلة بين ما فيه حق توفية، وبين غيره: أن المبيع الذي فيه حق توفية ضمانه على البائع حتى يقبضه المشتري، فإذا أتلفه البائع فكأنه حدث به عيب عند البائع، فيخير المشتري بين الفسخ، ليأخذ الثمن، وبين إمضاء البيع ليضمن البائع بدل المبيع، وبدل المبيع: هو المثل في المثليات، والقيمة في غير المثليات.

стр. 3105

وأما إذا لم يكن في المبيع حق توفية، فإنه يدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد، فإذا أتلفه البائع فقد أتلف ملك غيره، فيجب عليه ضمان ما يتلفه: وهو دفع مثله إن كان مثليًا، أو دفع قيمته إن كان متقومًا. ومذهب المالكية أقوى الأقوال، ولا يوجد تلازم بين الضمان وبين الفسخ حتى يقال: ما كان من ضمان البائع أوجب ذلك الفسخ إذا تلف، وما كان ضمانه على المشتري لم يوجب الفسخ. * * *

стр. 3106

الفرع الثالث هلاك الثمن المعين قبل قبضه جاء في درر الحكام: «تلف أحد البدلين قبل التسليم في بيع المقايضة يفسخ البيع .. » (١). [م-٦٢٤] ذهب عامة الفقهاء إلى انفساخ العقد بهلاك الثمن المعين إذا كان مما يتعين بالتعيين قبل قبضه، وذلك قياسًا على المبيع؛ لأن الثمن لما كان عينًا أصبح كل واحد منهما مبيعًا، وقد قدمت أن هلاك المبيع قبل القبض ينفسخ به العقد، فكذلك الثمن المعين (٢). جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام ما نصه: «إذا تلف المبيع قبل القبض في يد البائع، أو تلف الثمن المتعين بالتعيين قبل التسليم في يد المشتري ينفسخ البيع» (٣). وقال أيضًا: «تلف أحد البدلين قبل التسليم في بيع المقايضة يفسخ البيع .. » (٤). وبيع المقايضة: هو بيع عين بعين.

стр. 3107

وقال في مختصر المزني «ولو كان الثمن عرضًا، أو ذهبًا بعينه، فتلف من يد المشتري، أو تلفت السلعة مع يدي البائع انتقض البيع» (١). * * *

стр. 3108

المبحث الثالث في انفساخ البيع بسبب الجوائح الجائحة في اللغة: الشدة. وفي اصطلاح الشافعية والحنابلة: كل ما أذهب الثمرة أو بعضها بغير جناية آدمي، كريح ومطر وثلج وبرد وجليد وصاعقة وحر وعطش ونحوها (١). وعرفها المالكية: كل شيء لا يستطاع دفعه لو علم به، سواء أكان سماويًا كالبرد والحر، والعفن، والدود، والفأر، والطير، والريح والثلج والمطر، أم غير سماوي كجيش (٢). (ح-٤٩٦) والأصل فيه ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق. عن جابر أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (٣). (ح-٤٩٧) ورواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير. أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ (٤). فالحديث يفيد أن الثمر المبيع على شجره إذا بيع دون أصله، وقد بدا صلاحه، ولم يتم نضجه، إذا قبضه المشتري، فأصابته جائحة فإن البيع ينفسخ؛ لأنه جعل الضمان على البائع.

стр. 3109

[م-٦٢٥] وقد اختلف العلماء في الأخذ بالحديث على قولين: القول الأول: ذهب إلى القول بالحديث المالكية (١)، والحنابلة (٢)، والقديم من قول الشافعي (٣). حيث جعلوا الضمان على البائع، ومعنى هذا أنهم يذهبون إلى القول بانفساخ البيع إذا أصيبت الثمرة بجائحة. القول الثاني: ضمان المبيع على المشتري، ومعنى هذا أنهم لا يرون انفساخ العقد بالجائحة، وهو مذهب الحنفية (٤)، والقول الجديد للشافعي (٥). وقد تم ذكر أدلة القولين ومناقشتها، وبيان الراجح في باب تلف المبيع فأغنى عن إعادتها هنا، وإنما أوجب إعادة المسألة للتوكيد على المسائل التي ينفسخ فيها العقد تلقائيًا، فرقًا بينها وبين المسائل التي لا تنفسخ إلا بإرادة العاقدين أو أحدهما، والله الموفق للصواب. * * *

стр. 3110

المبحث الرابع انفساخ العقد بسبب موت أحد العاقدين قال الماوردي: العقود غير اللازمة تبطل بالموت (١). [م-٦٢٦] في العقود الجائزة كعقد المضاربة والوكالة ونحوها إذا مات رب المال، أو مات العامل في عقد المضاربة انفسخت المضاربة، فموت رب المال ينهي المضاربة؛ لأنها تعتمد على الإذن منه للمضارب في التصرف في مال المضاربة، وبوفاة صاحب المال ينتهي الإذن. كما أن موت العامل ينهي المضاربة كذلك؛ لأن الإذن من رب المال صادر له هو، ولا يتصور بقاء الإذن بعد وفاة المضارب إلا أن المالكية قالوا: إن كان ورثة العامل مأمونين قيل: لهم: بيعوا ما بقي في يدي صاحبكم من السلع، وأنتم على الربح الذي كان لصاحبكم (٢). قال الكاساني: «وتبطل بموت أحدهما - يعني المضاربة - لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل، وسواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، فلا يقف على العلم كما في الوكالة» (٣).

стр. 3111

وقال في مغني المحتاج: «ولو مات أحدهما أو جن، أو أغمي عليه انفسخ عقد القراض كالوكالة ... » (١). وقد بحثت هذه المسألة بتوسع في عقد المضاربة فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 3112

المبحث الخامس انفساخ العقد بسبب ظهور استحقاق في المبيع تعريف الاستحقاق اصطلاحًا (١): قيل في تعريفه: ظهور كون الشيء حقًا واجبًا للغير (٢). وقيل: بأنه رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله بغير عوض (٣). والاستحقاق عند الفقهاء نوعان: مبطل للملك وناقل له. فالأول: ما يبطل ملكية كل أحد في المستحق به، كظهور المبيع وقفًا. والثاني: ما ينقل الملكية من واحد إلى آخر، كأن يشتري أحد مالًا، فيظهر أنه ملك لآخر، فهذا الاستحقاق قد ينقل ويحول ملكية ذلك المال من المشتري إلى ذلك الآخر (٤). * * *

стр. 3113

الفرع الأول انفساخ العقد عند استحقاق المبيع كله استحقاق المبيع إن أبطل الملك وجب الفسخ، وإن نقل الملك توقف العقد على الإجازة. [م-٦٢٧] إذا استحق المبيع كله، فإن كان الاستحقاق مبطلًا للملك، كما لو كان المستحق وقفًا فإن البيع ينفسخ قولًا واحدًا. وإن كان الاستحقاق ناقلًا للملكية، وهو الذي يرد على محل قابل للتملك، فاختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: لا ينفسخ العقد بل يكون موقوفا على إجازة المستحق فإن أجازه نفذ وإن لم يجزه انفسخ وهذا هو مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢).

стр. 3114

جاء في معين الحكام: «استحقاق المبيع يوجب توقف العقد على الإجازة، لا نقضه في ظاهر الرواية» (١). القول الثاني: ينفسخ العقد، وهو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣). وسبب الخلاف بين الحنفية والمالكية من جهة وبين الشافعية والحنابلة أمور: الأول: أن النهي في هذا العقد ليس عائدًا إلى ذات البيع، وإنما النهي لأمر خارج، وهو حق الآدمي، كبيع الفضولي، فيكون الأمر موقوفًا على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ كما هو مذهب الحنفية والمالكية، وفي هذا مصلحة

стр. 3115

للمالك، ومصلحة للمشتري حيث لم يبطل بيعه مباشرة، وإن لم يجزه لم ينفذ مراعاة لحقه. وهذا فيه قوة، وإن كان هناك فرق بين بيع الفضولي وبين هذه المسألة، وذلك أن مسألة بيع الفضولي تصرف فيه البائع لمصلحة المالك بدون إذنه، فهو لم يبعه أصلًا لحظ نفسه، وإنما لحظ في رغبة المشتري بالشراء غبطة للمالك، وخشي إن انتظر إلى أن يأخذ إذنًا من صاحبه أن تضيع الصفقة على مالكه، فباعه له دون أن يأخذ إذنه، وأما مسألتنا هذه فإن البائع قد باعه لمصلحته هو، وعلى أنه هو المالك للمال، وقد يكون ذلك نتيجة شبهة عنده، وقد يكون نتيجة غصب وظلم وتعد، ثم بعد أن باع السلعة تبين أن المبيع مستحق لغيره، فهذا الفرق قد يكون مؤثرًا في الحكم، وقد يقال: إن الفرق لا يمس الحكم، وإنما يتعلق بالضمان، فإن الفضولي قد تصرف لمصلحة المالك، وهذا قد تصرف لمصلحته، فيضمن الثاني دون الأول، والله أعلم. الثاني: أن بيع ملك غيره لمصلحة غير مالكه بدون إذن مالكه بيع لما لا يملك، وبيع ما لا يملك مفسوخ أبدًا، والمفسوخ لا تلحقه إجازة. وهذا سبق الجواب عنه، في الفرق بين تصرف الفضولي وبين هذا البيع، وبينا أن الفرق ربما يكون غير مؤثر في الحكم. الثالث: إثبات المالك لاستحقاقه للمبيع دليل على عدم رضاه بالبيع، وإذا لم يكن راضيًا كان مفسوخًا، والمفسوخ لا تلحقه الإجازة. وأجيب: القول بأن إثبات الاستحقاق دليل على عدم الرضا بالبيع ليس بلازم، لجواز أن يكون دليل عدم الرضا بأن يذهب من يده مجانًا، وذلك لأنه لو لم يدع

стр. 3116

الاستحقاق ويثبته استمر في يد المشتري من غير أن يحصل له عين المبيع، ولا بدله، فإثباته ليحصل له أحدهما، إما العين أو البدل كما لو أجاز البيع (١). * * *

стр. 3117

الفرع الثاني استحقاق بعض المبيع قال المالكية: استحقاق الأكثر كاستحقاق الكل (١). [م-٦٢٨] اختلف العلماء فيما لو كان الاستحقاق لبعض المبيع دون الكل، فهل يبطل البيع في الكل، أو يبطل البيع في البعض؟ اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال: القول الأول: مذهب الحنفية: ذهب الحنفية إلى التفريق بين استحقاق المبيع قبل قبضه، واستحقاقه بعد قبضه: فإن استحق المبيع قبل قبض المشتري للمبيع بطل العقد في القدر المستحق، لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملكًا للبائع، ولم توجد الإجازة من المالك، فبطل، وللمشتري الخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده، سواء كان استحقاق ما استحقه يوجب العيب في الباقي، أو لا يوجب؛ لأنه إذا لم يرض المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام، فصار كعيب ظهر في السلعة قبل القبض، وذلك يوجب الخيار فكذا هذا. وإن كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض، فكذلك الجواب سواء. وإن استحق المبيع بعد قبض الكل بطل البيع في القدر المستحق لما قلنا، ثم ينظر: فإن كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي، فالمشتري بالخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده؛ لأن الشركة في الأعيان عيب.

стр. 3118

وإن كان استحقاق ما استحق لا يوجب العيب في الباقي، كثوبين استحق أحدهما فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه، فلم يكن له خيار الرد، والله أعلم (١). القول الثاني: مذهب المالكية: فرق المالكية بين الاستحقاق في الشائع وغيره وبين كون المستحق الأقل أو الأكثر، وبين أن يكون مثليًا أو قيميًا. وحاصل مذهبهم: أن يقال: لا يخلو استحقاق البعض إما أن يكون شائعًا أو معينًا: فإن كان شائعا مما لا ينقسم خير المشتري - سواء قل المستحق أو كثر- بين التمسك بالباقي والرجوع بحصة المستحق وبين الرد والرجوع بجميع الثمن، وإنما جعل له الخيار دفعًا لضرر الشركة. وإن استحق جزءًا معينًا فلا يخلو إما أن يكون مقومًا أو مثليًا: فإن كان مقومًا كالعروض والحيوان فإن استحق البعض رجع بحصته بالقيمة لا بالتسمية. وإن استحق وجه الصفقة (أكثر من النصف ولو يسيرًا) تعين رد الباقي ولا يجوز التمسك بالأقل. وجه التفريق: أن استحقاق الأكثر كاستحقاق الكل؛ لأن الحكم لما كان للغالب انفسخ العقد باستحقاق الأكثر، فكان التمسك بالأقل كابتداء عقدة بثمن مجهول إذ لا

стр. 3119

يعلم حصة الباقي من الثمن إلا بعد تقويم المستحق والباقي، ونسبة قيمة الباقي لمجموع القيمتين، بخلاف استحقاق الأقل (١). وإن كان الجزء المعين مثليًا فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن، ولم يخير وإن استحق الأكثر خير بين التمسك والرجوع بحصته من الثمن وبين الرد والرجوع بالثمن؛ لأن حصة المال المثلي من الثمن معلومة بخلاف المتقوم (٢). القول الثالث: أنه إذا استحق البعض بطل البيع في الجميع، نص عليه في الأم، وهو رواية عند الحنابلة (٣). جاء في الأم: «قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي أنه إذا بيع الشيء، فاستحق بعضه بطل البيع كله؛ لأن الصفقة جمعت شيئين حلالًا وحرامًا، فبطل كله» (٤). وجاء فيه أيضًا: «آخر قول الشافعي أنه إذا استحق بعض ما اشترى، فإن البيع كلُه باطل، من قبل أن الصفقة جمعت حلالًا وحرامًا، فبطلت كلها» (٥).

стр. 3120

وجه القول بالبطلان: أحدهما: ما نص عليه من أنها لفظة واحدة قد جمعت حرامًا وحلالًا، وتبعيضها غير ممكن، وتغليب أحد الحكمين واجب، فكان تغليب حكم الحرام في إبطال العقد على الحلال أولى تغليبًا لجانب الحضر. الثاني: أنه ببطلان البيع في الحرام يبطل من الثمن ما قابله فيصير الباقي بعده مجهولًا، وجهالة الثمن تبطل البيع، فوجب أن يكون البيع الحلال باطلًا؛ لجهالة ثمنه (١). القول الرابع: يتخير المشتري بين رد المبيع بالفسخ، وبين التمسك بالباقي، والرجوع بحصة القدر المستحق من الثمن، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية ثانية للحنابلة (٢). جاء في مختصر المزني: «لو اشترى عبدًا، واستحق نصفه، إن شاء رد الثمن، وإن شاء أخذ نصفه» (٣).
следующие страницы →