الاستحقاق ويثبته استمر في يد المشتري من غير أن يحصل له عين المبيع، ولا بدله، فإثباته ليحصل له أحدهما، إما العين أو البدل كما لو أجاز البيع (١).
* * *
стр. 3117
الفرع الثاني
استحقاق بعض المبيع
قال المالكية: استحقاق الأكثر كاستحقاق الكل (١).
[م-٦٢٨] اختلف العلماء فيما لو كان الاستحقاق لبعض المبيع دون الكل، فهل يبطل البيع في الكل، أو يبطل البيع في البعض؟
اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال:
القول الأول: مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية إلى التفريق بين استحقاق المبيع قبل قبضه، واستحقاقه بعد قبضه:
فإن استحق المبيع قبل قبض المشتري للمبيع بطل العقد في القدر المستحق، لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملكًا للبائع، ولم توجد الإجازة من المالك، فبطل، وللمشتري الخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده، سواء كان استحقاق ما استحقه يوجب العيب في الباقي، أو لا يوجب؛ لأنه إذا لم يرض المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام، فصار كعيب ظهر في السلعة قبل القبض، وذلك يوجب الخيار فكذا هذا.
وإن كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض، فكذلك الجواب سواء.
وإن استحق المبيع بعد قبض الكل بطل البيع في القدر المستحق لما قلنا، ثم ينظر: فإن كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي، فالمشتري بالخيار في الباقي إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده؛ لأن الشركة في الأعيان عيب.
стр. 3118
وإن كان استحقاق ما استحق لا يوجب العيب في الباقي، كثوبين استحق أحدهما فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه، فلم يكن له خيار الرد، والله أعلم (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
فرق المالكية بين الاستحقاق في الشائع وغيره وبين كون المستحق الأقل أو الأكثر، وبين أن يكون مثليًا أو قيميًا.
وحاصل مذهبهم: أن يقال: لا يخلو استحقاق البعض إما أن يكون شائعًا أو معينًا:
فإن كان شائعا مما لا ينقسم خير المشتري - سواء قل المستحق أو كثر- بين التمسك بالباقي والرجوع بحصة المستحق وبين الرد والرجوع بجميع الثمن، وإنما جعل له الخيار دفعًا لضرر الشركة.
وإن استحق جزءًا معينًا فلا يخلو إما أن يكون مقومًا أو مثليًا:
فإن كان مقومًا كالعروض والحيوان فإن استحق البعض رجع بحصته بالقيمة لا بالتسمية.
وإن استحق وجه الصفقة (أكثر من النصف ولو يسيرًا) تعين رد الباقي ولا يجوز التمسك بالأقل.
وجه التفريق:
أن استحقاق الأكثر كاستحقاق الكل؛ لأن الحكم لما كان للغالب انفسخ العقد باستحقاق الأكثر، فكان التمسك بالأقل كابتداء عقدة بثمن مجهول إذ لا
стр. 3119
يعلم حصة الباقي من الثمن إلا بعد تقويم المستحق والباقي، ونسبة قيمة الباقي لمجموع القيمتين، بخلاف استحقاق الأقل (١).
وإن كان الجزء المعين مثليًا فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن، ولم يخير وإن استحق الأكثر خير بين التمسك والرجوع بحصته من الثمن وبين الرد والرجوع بالثمن؛ لأن حصة المال المثلي من الثمن معلومة بخلاف المتقوم (٢).
القول الثالث:
أنه إذا استحق البعض بطل البيع في الجميع، نص عليه في الأم، وهو رواية عند الحنابلة (٣).
جاء في الأم: «قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي أنه إذا بيع الشيء، فاستحق بعضه بطل البيع كله؛ لأن الصفقة جمعت شيئين حلالًا وحرامًا، فبطل كله» (٤).
وجاء فيه أيضًا: «آخر قول الشافعي أنه إذا استحق بعض ما اشترى، فإن البيع كلُه باطل، من قبل أن الصفقة جمعت حلالًا وحرامًا، فبطلت كلها» (٥).
стр. 3120
وجه القول بالبطلان:
أحدهما: ما نص عليه من أنها لفظة واحدة قد جمعت حرامًا وحلالًا، وتبعيضها غير ممكن، وتغليب أحد الحكمين واجب، فكان تغليب حكم الحرام في إبطال العقد على الحلال أولى تغليبًا لجانب الحضر.
الثاني: أنه ببطلان البيع في الحرام يبطل من الثمن ما قابله فيصير الباقي بعده مجهولًا، وجهالة الثمن تبطل البيع، فوجب أن يكون البيع الحلال باطلًا؛ لجهالة ثمنه (١).
القول الرابع:
يتخير المشتري بين رد المبيع بالفسخ، وبين التمسك بالباقي، والرجوع بحصة القدر المستحق من الثمن، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية ثانية للحنابلة (٢).
جاء في مختصر المزني: «لو اشترى عبدًا، واستحق نصفه، إن شاء رد الثمن، وإن شاء أخذ نصفه» (٣).
стр. 3121
وجاء فيه أيضًا: «إن اشترى شقصًا وعرضًا صفقة واحدة، أخذت الشفعة بحصتها من الثمن» (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول: أنه لما كان لو أفرد كل واحد منهما بالعقد خالفه حكم صاحبه، وجب إذا جمع بينهما في العقد أن يخالف كل واحد منهما صاحبه، كالمشتري صفقة عبدًا وشقصًا في الشفعة.
الوجه الثاني: أنه لو كان الجمع بينهما يوجب حمل أحدهما على الآخر، لم يكن حمل الصحة على البطلان بأولى من حمل البطلان على الصحة، كالانفراد، فوجب أن يسقط اعتبار أحدهما بالآخر لتكافؤ الأمرين، ويحمل كل واحد منهما على مقتضاه في الحالين (٢).
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بإبطال البيع مطلقًا قول ضعيف، وفيه تضييع لحق المشتري كما لو رغب في أخذ البعض، وما يدعى أن الثمن يبقى مجهولًا فإنها جهالة طارئة تعرف بالحساب، كما أن إلزام المشتري في قبول الصفقة، وهو لم يعقد قبوله إلا على الصفقة كاملة فيه إجحاف عليه، لأنه قد يكون له غرض صحيح في كمال الصفقة، لا في بعضها.
وأما البائع فإنه لا خيار له مطلقًا، لأنه لا نقص عليه.
وينبغي أن يكون الخيار للمشتري إن شاء قبل البعض، ورجع بمثل الفائت إن
стр. 3122
كان مثليًا أو بقيمته إن كان قيميًا، وإن شاء رد السلعة لاسيما إذا ترتب على تفريق الصفقة ضرر عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 3123
المبحث السادس
في استحقاق الثمن
قال الماوردي: «كل حق ثابت في الذمة لا يبطل بتلف المال .... » (١).
[م-٦٢٩] علمنا خلاف العلماء فيما إذا استحق المبيع، فهل يختلف الحكم فيما إذا استحق الثمن؟
فيه تفصيل:
أن يكون الثمن واجبًا في ذمة المشتري، كما لو اشترى الرجل المبيع بنقود لم يعينها، فلو استحق مال المشتري كله لم يوجب ذلك فسخ العقد قولًا واحدًا؛ لأن الحق لم يتعلق بنقود بعينها، وإنما تعلق ذلك بذمته (٢).
قال في الحاوي: «كل حق ثابت في الذمة لا يبطل بتلف المال، كالدين والقرض، وكل حق تعلق بالعين يبطل بتلف المال، كالوديعة والمضاربة» (٣).
والفرق بين ما وجب في الذمة والمعين من وجهين:
الوجه الأول:
أن المعين إذا تلف أو استحق فقد فات، وأما ما تعلق في الذمة فلو تلف مال الإنسان كله أو استحق لم يفت؛ لأن تعلقه بالذمة، وليس بعين المال، فتشغل ذمته بدفع مثله.
стр. 3124
الوجه الثاني:
أن ما في الذمة يكون وفاؤه بدفع أيةِ عينٍ مالية مثلية من جنس الملتزم به، بخلاف المعين، فإن الحق يتعلق بذاته.
وإن كان الثمن نقودًا معينة فالخلاف مبني على مسألة أخرى، هل تتعين النقود بالتعيين، أو لا تتعين؟
فمن قال: لا تتعين بالتعيين، فإنه لا يفسخ العقد بهلاك النقود المعينة، وهو مذهب الحنفية والمالكية.
ومن قال: إنها تتعين بالتعيين فإنه يقول بفسخ العقد، والله أعلم. وقد ناقشت مسألة: هل النقود تتعين بالتعيين في مسألة مستقلة، وبينت الراجح منها، فأغنى عن إعادتها هنا.
وإن كان الثمن عينًا فعامة الفقهاء على بطلان البيع (١)؛ لأن المعين يراد لعينه، ولا يقوم غيره مقامه.
قال ابن عابدين: «الاستحقاق في بيع المقايضة يبطل البيع» (٢).
جاء في التاج والإكليل: «قال مالك: من ابتاع شقصًا بحنطة بعينها، فاستحقت الحنطة قبل أخذ الشفيع، فسخ البيع، ولا شفعة» (٣).
وجاء في حاشية الرملي: «ولو استحق الثمن، فإن كان معينًا بطل البيع» (٤).
* * *
стр. 3125
المبحث السابع
في انفساخ البيع بسبب كساد الثمن
منع التعامل في النقود يجعلها معدومة حكمًا .
[م-٦٣٠] إذا اشترى الرجل سلعة بفلوس نافقة، ثم كسدت قبل تسلمها (١)، فهل ينفسخ العقد؟ اختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال:
القول الأول:
ينفسخ العقد، وهذا رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى (٢).
القول الثاني:
لا ينفسخ، والبائع بالخيار، إن شاء فسخ، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس، وهذا رأي أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣).
стр. 3126
القول الثالث:
يجب رد المثل ما دامت الفلوس موجودة، ولو رخصت أو غلت، فإن عدمت بالكلية فله قيمتها، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١)،
ومذهب الحنابلة (٢).
القول الرابع:
يجب على المدين عند الكساد أو الانقطاع المثل، وليس للدائن سواه، ولا يثبت للبائع الخيار في الفسخ، ويعتبر الكساد أو الانقطاع كجائحة نزلت به، وهو مذهب المدونة، وما أفتى به ابن رشد (٣)، وعليه جمهور الشافعية (٤).
وجه من قال: ينفسخ العقد بكساد الثمن:
أن الفلوس والدراهم المغشوشة إذا كسدت خرجت عن كونها ثمنًا، لأن ثمنيتها إنما ثبتت باصطلاح الناس عليها، فإذا ترك الناس التعامل بها فقد زال عنها صفة الثمنية، ولا بيع بلا ثمن، فينفسخ العقد ضرورة.
стр. 3127
وإذا كان تخمر العصير قبل القبض وبعد العقد يبطل العقد، فكذلك كساد الفلوس قبل القبض يبطل العقد، لأن كلًا منهما لو اقترن بالعقد كان مانعًا (١).
وجه من قال: لا ينفسخ العقد، وللبائع الخيار:
أن العقد تم، والفلوس كانت رائجة، فثبتت في ذمة المشتري ثمنًا، وما وجب في الذمة لا يحتمل الهلاك، فلا يكون الكساد هلاكًا لما استقر في الذمة، بل يكون عيبًا فيها يوجب الخيار للبائع (٢).
وجه من قال: يجب على المشتري رد المثل ولو رخصت، وإلا فالقيمة:
لأنه إنما وجب عليه المثل؛ لأن هذا هو ما لزمه يوم العقد، وكونها رخص سعرها لا يوجب عدم الرد؛ لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير سعرها، فأشبهت الحنطة إذا رخصت أو غلت، لكن إن انقطع الثمن حتى لا يوجد، أو أبطل السلطان التعامل بها كان له قيمته، لأن كل شيء تعذر مثله حسًا أو حكمًا وجبت قيمته (٣).
ولأن انقطاع التعامل بها يسقط ماليتها، ويكون وجودها كعدمها، والبيع لم ينعقد إلا بما يعتبر مالًا.
ولأن إبطال التعامل بها يشبه كسرها، أو تلف جزء منها، فيلحقه الضمان، فيرد قيمتها.
стр. 3128
وجه من قال: يجب عليه المثل مطلقًا:
إذا كان العقد قد تم بهذه الفلوس وهي رائجة، فهي التي وجبت عليه بتراضيهما، وكسادها وانقطاعها بعد لزوم العقد، واستقرار الوجوب بمنزلة الجائحة التي تنزل به، لا يتحملها المشتري، وهو لم يكن سببًا فيها.
الراجح:
أن النقود إن انقطعت أو منع السلطان التعامل بها وجب على المشتري قيمتها، لأن يده يد ضمان، ولأن منع التعامل في النقود يجعلها معدومة حكمًا، فيلزمه قيمتها، وإن رخصت دفعها إلى البائع، ولم يلزمه شيء، لأن المال لم يكن معدومًا حكمًا، ويكون النقص من مال البائع كما أن الثمن لو زادت قيمته كان له، فكذلك إذا نزلت قيمته كان ذلك عليه، فالغنم بالغرم، والله أعلم، وهذا أقرب الأقوال إلى الحق، وهو ما أميل إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 3129
المبحث الثامن
في انفساخ العقد بسبب اختلاط المبيع بغيره
[م-٦٣١] إذا اختلط المبيع بغيره، ولم يقدر على تمييزه، كأن يكون المبيع ثمرًا على شجر، وقد بيعت بشرط القطع، فلم تقطع حتى حدثت ثمرة أخرى معها، واختلطت بها، ولم يتميز مال كل منهما، أو كان المبيع حنطة بيعت جزافًا، فلم تقبض حتى انثالت عليها أخرى، واختلطت، فهل يفسخ البيع بذلك؟
اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن حصل الاختلاط قبل القبض فسد البيع؛ لتعذر التمييز قبل التسليم، فأشبه فوات المبيع قبل التسليم. وهذا قول واحد في مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وإن أثمرت ثمرًا جديدًا بعد القبض فإنهما يشتركان فيها للاختلاط، والقول في قدره للمشتري مع يمينه؛ لأن المبيع في يده، وهو منكر، والقول قول المنكر، وهذا مذهب الحنفية (٣).
стр. 3130
القول الثاني:
إذا حدث الاختلاط، وكان حق كل واحد لم يتميز، فإن كان ذلك قبل التخلية، كان للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة.
وجهه: أننا لم نقل بفسخ العقد؛ لبقاء عين المبيع.
وقلنا بالخيار: لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم.
وإن سمح البائع بترك الثمرة الجديدة للمشتري، سقط خياره على الأصح، وأجبر على القبول. لزوال المحذور.
وإن حدث ذلك بعد التخلية فإن تصالحا وتوافقا على شيء فذاك، وإلا فالقول قول صاحب اليد في قدر حق الآخر، واليد بعد التخلية للمشتري. وهذا مذهب الشافعية (١).
القول الثالث:
يصطلحان على الزيادة، ولا يبطل العقد، وهذا مذهب الحنابلة (٢).
стр. 3131
وجهه: أننا لم نقل يبطلان العقد؛ لأن المبيع لم يتعذر تسليمه، وإنما اختلط بغيره، فهو كما لو اشترى طعامًا في مكان، فانثال عليه طعام للبائع، أو انثال هو على طعام للبائع، ولم يعرف قدر كل واحد منهما، ويفارق هذا ما لو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، أو اشترى عرية فتركها حتى أثمرت، فإن العقد يبطل في إحدى الروايتين؛ لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب النهي، وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، أو شراء الرطب بالتمر من غير كيل من غير حاجة إلى أكله رطبًا، وهاهنا ما ارتكب نهيًا، ولم يجعل هذا طريقا إلى فعل المحرم (١). والله أعلم.
* * *
стр. 3132
المبحث التاسع
انفساخ العقد بسبب التعذر في تنفيذ العقد
الفرع الأول
عجز العاقد عن المضي في العقد
[م-٦٣٢] إذا عجز العاقد عن المضي في موجب العقد انفسخ العقد، كما لو استأجر شخص رجلًا على قلع الضرس، ثم سكن الضرس.
أو استأجر طبيبًا على قطع اليد المتآكلة، ثم برئت اليد قبل التنفيذ، أو استأجر على استيفاء القصاص، ثم سقط بالعفو، فهنا ينفسخ العقد لعجز العاقد عن المضي في موجب العقد شرعًا، لأن المضي فيه في هذه الحالات يعتبر حرامًا (١).
قال السرخسي: «من استأجر أجيرًا ليقلع ضرسه، فسكن ما به من الوجع كان ذلك عذرًا في فسخ الإجارة» (٢).
وقال ابن قدامة: «إن برأ الضرس قبل قلعه انفسخت الإجارة؛ لأن قلعه لا يجوز، وإن لم يبرأ، لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر؛ لأن إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررًا، وذلك مفوض إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلًا لذلك، وصاحب الضرس أعلم بمضرته، ومنفعته، وقدر ألمه» (٣).
стр. 3133
وجاء في أسنى المطالب: «(لو استأجرها) أي امرأة إجارة عين (لكنس المسجد اليوم) مثلًا (فحاضت، انفسخت) أي الإجارة (لفوات المنفعة شرعًا)» (١).
وقال النووي: «فإذا استؤجر لقلع سن وجعة، أو يد متآكلة، أو لاستيفاء قصاص في نفس أو طرف، فالإجارة صحيحة على الأصح كما سبق، فإذا زال الوجع، أو عفي عن القصاص، فقد أطلق الجمهور أن الإجارة تنفسخ، وفيه كلامان:
أحدهما: أن المنفعة في هذه الإجارة مضبوطة بالعمل دون الزمان، وهو غير مأيوس منه؛ لاحتمال عود الوجع، فليكن زوال الوجع، كغصب المستأجرة، حتى يثبت خيار الفسخ دون الانفساخ.
والثاني: حكى الشيخ أبو محمد وجهًا أن الإجارة لا تنفسخ، بل يستعمل الأجير في قلع مسمار، أو وتد، ويراعى تداني العملين، وهذا ضعيف، والقوي ما قيل: إن الحكم بالانفساخ جواب على أن المستوفى به لا يبدل، فإن جوزناه أمره بقلع سن وجعة لغيره» (٢).
стр. 3134
الفرع الثاني
تعذر التنفيذ بسبب فوات العين المستأجرة
[م-٦٣٣] ذهب عامة الفقهاء إلى أن عقد الإجارة ينفسخ بهلاك العين المستأجرة، فإن تلفت قبل القبض، أو عقيب القبض قبل مضي مدة يتمكن المستأجر من الانتفاع بها انفسخ العقد من أصله، وسقط الأجر.
وإن تلفت العين المستأجرة بعد مضي شيء من المدة، انفسخت فيما بقي دون ما مضى ويكون عليه من الأجرة بقدر ما استوفى من المنفعة أو بقدر ما مضى من المدة.
واختار أبو ثور بأن العين المستأجرة إذا تلفت بعد القبض فإن الأجرة تجب للمؤجر; لأن المعقود عليه تلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط ; لأن المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين؛ لأن المنافع تحدث شيئًا فشيئًا، وإنما يستلمها على حسب وجودها شيئًا فشيئًا فإذا اعترض مانع فقد تعذر تسليم المعقود عليه قبل القبض، فلا يجب البدل، كما لو تعذر تسليم المبيع قبل القبض بالهلاك (١).
وقد سبق بحث هذه المسألة مع ذكر الأدلة عليها في عقد الإجارة، فلله الحمد.
* * *
стр. 3135
الفرع الثالث
تعذر التنفيذ بسبب الإفلاس
تعريف الإفلاس اصطلاحًا (١):
التفليس: خلع الرجل من ماله لغرمائه (٢).
والمفلس: من كان دينه مساويًا لماله، أو كان دينه أزيد (٣).
وقال في المغني: والمفلس في عرف الفقهاء من دينه أ كثر من ماله، وخرجه أكثر من دخله، وسموه مفلسًا وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي ﷺ مفلس الآخرة فإنه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه فقسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سمي بذلك لما يؤول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها (٤).
стр. 3136
علاقة الفلس بتعذر تنفيذ العقد:
إذا تم عقد البيع بالإيجاب والقبول بين البائع والمشتري، وافترقا فقد انعقد البيع، ومقتضاه: انتقال ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع، وبناء على ذلك يكون المشتري قد ملك السلعة بهذا العقد ملكا حقيقيًا، وموجب العقد: أن يسلم البائع المبيع للمشتري، ويسلم المشتري الثمن للبائع فلو فرض أن المشتري قد عجز عن تسليم الثمن بسبب إفلاسه، فهنا نستطيع أن نقول: إن أحد العاقدين قد طرأ عليه عجز عن تنفيذ ما يوجبه عليه العقد، وهو تسليم الثمن، فهل ينفسخ البيع باعتبار أن العقد الذي طرأ عليه الإفلاس قد تعذر فيه تسديد المشتري للثمن، وبالتالي تعذر فيه تنفيذ موجب العقد: من تسليم المبيع للمشتري، وتسليم الثمن للبائع؟
وللجواب على ذلك نقول: المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يطرأ الإفلاس قبل قبض المشتري للمبيع.
الصورة الثانية: أن يطرأ الإفلاس بعد قبض المشتري للمبيع.
وسوف نعرض حكم كل صورة من هذه الصور.
* * *
стр. 3137
المسألة الأولى
الإفلاس قبل قبض المفلس للمبيع
[م-٦٣٤] إذا باع الرجل السلعة بثمن حال، ولم يقبض ثمنها حتى أفلس المشتري، والعين ما زالت باقية في يد البائع لم يقبضها المشتري فإن العقد ينفسخ، ويكون البائع أحق بعين سلعته من بين بقية غرماء المشتري المفلس، وقد حكي الاتفاق على هذا.
قال الكاساني في البدائع: «وإن لم يكن قبضه - يعني المبيع - حتى أفلس أو مات ... فإن كان حالًا فالبائع أحق به بالإجماع» (١).
قال ابن رشد الجد: «فأما العرض - يعني المبيع - فإن كان في يد بائعه لم يسلمه حتى أفلس المشتري، فهو أحق به في الموت والفلس جميعًا؛ لأنه كالرهن بيده، وهذا ما لا خلاف فيه» (٢).
ونقل الإجماع كذلك ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد (٣)، والقرافي في الذخيرة (٤).
* * *
стр. 3138
المسألة الثانية
الإفلاس بعد قبض المفلس للمبيع
[م-٦٣٥] من باع سلعة وقبضها المشتري ولم يستلم البائع من ثمنها شيئًا حتى أفلس المشتري، فوجد البائع عين سلعته المبيعة لدى المشتري لم تتغير عن حالها، ولم يتعلق بها حق عيني لأحد، فهل ينفسخ البيع، ويكون البائع أحق بسلعته من سائر الغرماء؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
لا يكون البائع أحق من غيره في عين سلعته، بل هو أسوة الغرماء. وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
للبائع أن يفسخ العقد، ويكون أحق من غيره في عين سلعته من بقية الغرماء، وهذا مذهب جماهير أهل العلم (٢).
стр. 3139
دليل من قال: البائع وبقية الغرماء سواء:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فالمفلس يستحق النظرة بدلالة الآية.
ويجاب عن الآية:
بأن الآية عامة، والحديث الوارد في المسألة خاص، والخاص مقدم على العام.
أو يقال: إن وجود السلعة عند المشتري لا يصدق عليه أنه معسر حتى يمكن إمهاله، وإنما الأمر بالإنظار للمعسر إذا كان البائع لا يجد عنده ما يقوم بسداد دينه، ولذلك للغرماء إذا وجدوا مالًا عند المعسر لهم أن يأخذوه، ولا ينافي ذلك الأمر بإنظاره، وإنما قدم البائع على بقية الغرماء لتعلق حقه بأمرين ذمة المشتري وقيام عين المبيع، بخلاف غيره فإن تعلقهم بالذمة فقط.
الدليل الثاني:
استشهد الحنفية بما قال السرخسي: ذكر الخصاص بإسناده أن النبي ﷺ قال: أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده متاعه، فهو في ماله بين غرمائه، أو قال: فهو أسوة غرمائه (١).
لم أقف عليه في كتب الحديث المسندة، وهو مخالف لما رواه الجماعة من حديث أبي هريرة، وسيأتي ذكره في أدلة القول الثاني.
الدليل الثالث:
أن البيع انعقد بالإيجاب والقبول، فخرج المبيع من ملك البائع، ودخل في
стр. 3140
ملك المشتري، وبالقبض صار من ضمان المشتري، ومالًا له كسائر أمواله، وأصبح حق البائع متعلقًا بذمة المشتري مثله مثل دين بقية الغرماء، فالقول باستحقاق البائع لعين سلعته المبيعة نقض لملك المشتري.
ويناقش من عدة وجوه:
الوجه الأول:
أن هذا نظر في مقابل النص، فيكون نظرًا فاسدًا.
الوجه الثاني:
كون البيع انعقد فإنه لا يمنع من فسخ العقد بالإفلاس، كما يثبت الفسخ لثبوت العيب ونحوه، فعجزه عن تسليم الثمن عيب يوجب فسخ العقد بعد انعقاده، خاصة أن الأمر الذي ثبت به الحكم هو نص شرعي صحيح، وهو أخص، فيبنى العام على الخاص.
الوجه الثالث:
أن البائع قد امتاز عن بقية الغرماء بأن عين المبيع ما زال قائمًا، فإذا كان بقية الغرماء قد تعلق حقهم في الذمة فقط، فالبائع قد تعلق حقه في الذمة، وفي عين المال لقيام المبيع على حاله، وعدم فواته، فبهذا استحق التقديم على غيره، كما يستحق من الغرماء التقديم فيما لو كان دينه موثقًا برهن ونحوه، والله أعلم.
الدليل الرابع:
من حق البائع حبس السلعة حتى يستلم ثمنها، سواء كان المشتري معسرًا أو موسرًا، وقد سبق الكلام عليه في حبس المبيع، فإذا سلم البائع للمشتري السلعة فقد سقط حقه في حبس السلعة، والرجوع عن البيع مطلقًا، موسرًا كان أو
стр. 3141
معسرًا كالمرتهن إذا سلم المرهون للراهن فإنه يسقط حقه في الرجوع في العين المرهونة، فكذا البائع.
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين الرهن والمبيع، فالرهن من عقود التوثقة، وهو ليس عوضًا للمبيع، بينما الثمن عوض عن السلعة، فإذا تعذر استيفاء الثمن رجع البائع إلى سلعته.
دليل من قال: للبائع فسخ العقد، وأخذ سلعته:
الدليل الأول:
(ح-٤٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام أخبره.
أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ قضى بأن الرجل إذا وجد سلعته عند المشتري، وقد أفلس فهو مقدم على غيره من الغرماء.
ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أننا لا نسلم أن الحديث في البيع، لأن الحديث يقول: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس) والمبيع إذا باعه البائع، وقبضه المشتري لا يسمى عين مال
стр. 3142
البائع، وذلك لخروجه عن ملكه بالبيع، ولخروجه عن ضمانه بالقبض، فهو الآن مال المشتري، وعلى ذلك فالمراد بقوله (من أدرك عين ماله عند رجل) كما لو أخذ ذلك على وجه الغصب، أو السرقة، أو استعاره، أو التقطه، أو أودعه صاحبه عند رجل، ثم أفلس، فهنا يصدق عليه أن المال مال البائع، ويقدم على سائر الغرماء.
وأجيب عن هذا الاعتراض بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
لو كان الحديث يتكلم عن العواري والمغصوب والسرقة لما كان لذكر الفلس فائدة، فإن هذه الأعيان هي ملك لصاحبها مطلقًا، سواء أفلس من هي في يده أو لم يفلس.
الجواب الثاني:
أن صيغة (أحق به) صيغة تفضيل، فهي تقتضي الاشتراك، إلا أن البائع أحق من غيره من الشركاء، وفي المغصوب والمسروق والعواري لا يستحسن أن يقال: أحق؛ لأنه لا يوجد شركاء.
الجواب الثالث:
قال ابن خزيمة: «المال قد يضاف إلى المالك الذي قد ملكه في بعض الأوقات بعد زوال ملكه عنه كقوله تعالى ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ [يوسف: ٦٢] فأضاف البضاعة إليهم بعد اشترائهم بها طعامًا» (١).
стр. 3143
الجواب الرابع:
(ح-٤٩٩) أن مالكًا قد رواه في الموطأ عن ابن شهاب،
عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه فهو أحق به. وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء.
[وهذا مرسل] (١).
وقد اعتضد بمرسل آخر رجاله ثقات.
(ح-٥٠٠) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع.
عن ابن أبي مليكة، قال: قال رسول الله ﷺ : من باع سلعة لرجل لم ينقده، ثم أفلس الرجل، فوجد سلعته بعينها، فليأخذها دون الغرماء (٢).
(ح-٥٠١) وروى عبد الرزاق في المصنف (٣)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٤)، والحميدي في مسنده (٥)، وابن حبان في صحيحه (٦)، والدارقطني
стр. 3144
في سننه (١)، من طريق هشام بن يحيى.
عن أبي هريرة بلفظ: إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها دون الغرماء.
وفي إسناده هشام بن يحيى، وهو صالح في المتابعات (٢).
وأما رواية مسلم من طريق ابن أبي حسين، أن أبا بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم أخبره، أن عمر بن عبد العزيز حدثه، عن حديث أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرقه، أنه لصاحبه الذي باعه.
فهذه رواية له بالمعنى، والمحفوظ من رواية يحيى بن سعيد، عن أبي بكر أن النبي ﷺ قال: فأدرك متاعه بعينه.
وقال يحيى بن سعيد: فهو أحق، ولم يقل: لصاحبه الذي باعه.
وجاء لفظ البيع من رواية يحيى بن سعيد، وذلك فيما يرويه الثوري عنه، إلا أن الثوري قد اختلف عليه على ثلاثة ألفاظ، مما يجعل الباحث يتوقف في قبول لفظ الثوري.
فقد أخرج الدارقطني من طريق عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، عن الفريابي (٣).
стр. 3145
وأخرجه أيضًا من طريق زيد بن أبي الورقاء (١).
والبيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي حذيفة (٢)،
كلهم عن سفيان، عن يحيى بن سعيد به، عن أبي بكر به، بلفظ: من باع سلعة، فأفلس صاحبها، فوجدها بعينها فهو أحق بها دون الغرماء. فهنا نص الثوري على ذكر الحديث بلفظ البيع.
وخالفهم عبد الرزاق فرواه في مصنفه، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد به، بلفظ: أيما رجل أفلس، وعنده سلعة بعينها، فصاحبها أحق بها دون الغرماء. وهذا موافق للفظ الجماعة في عدم التنصيص على ذكر البيع (٣).
وهو اللفظ الثاني لسفيان.
وهناك لفظ ثالث، أعتقد أن الثوري قد انقلب عليه الحديث فيه.
(ح-٥٠٢) فقد روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، عن ابن عمرو ابن حزم به بلفظ: أن النبي ﷺ قال: إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس، وهي عنده بعينها، فهو أحق بها من الغرماء.
أخرجه الثوري في جامعه (٤)، ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة (٥)، وابن حبان في صحيحه (٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧).
стр. 3146
فجعل المشتري أحق بها من الغرماء، وإنما الشأن في البائع لأنه هو الذي ينازعه الغرماء استحقاق السلعة أو ثمنها.
والذي يجري وفق القواعد الحديثية، أن لفظ البيع ليس محفوظًا في طريق يحيى بن سعيد، وأن رواية الثوري للحديث، ورواية ابن أبي حسين التي في مسلم ليست محفوظة، وقد رواه جمع غفير عن يحيى بن سعيد، ولم يذكروا ما ذكره الثوري وابن أبي حسين عنه، وقد وقفت على خمسة عشر حافظًا، بعضهم في الصحيحين، وبعضهم في أحدهما، وبعضهم خارج الصحيح (١).
стр. 3147
الجواب الثاني للحنفية:
قالوا: لو سلمنا أن حديث أبي هريرة في البيع، فإنه محمول على ما إذا أفلس المشتري قبل قبضه للسلعة، فالبائع في هذه الحالة أحق بالرجوع في هذه السلعة، وهذا مما لا خلاف فيه، وعلى ذلك فلا دلالة في الحديث على أن المشتري إذا قبض السلعة ثم أفلس بالثمن أن البائع أحق بها من بقية الغرماء.
وأجيب:
أن قوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس (١).
فقوله (عند رجل قد أفلس) فالحديث يتكلم على مبيع عند مشتر مفلس أدركه البائع بعينه قبل تغيره.
الجواب الثالث للحنفية:
أن هذا الحديث خبر آحاد، مخالف للأصول، فلا يقبل، ووجه معارضته لذلك: أن السلعة بالقبض صارت ملكًا للمشتري، وداخلة تحت ضمانه، وحق
стр. 3148
البائع من الثمن إنما هو دين متعلق بالذمة، والذمة باقية بعد الإفلاس كبقائها قبله لم تتغير، فالقول بأن البائع يملك الفسخ بالإفلاس، ونقض البيع، وبالتالي نقض الملك الثابت بعقد صحيح مخالف للأصول.
ويناقش:
بأننا لا نسلم أولًا أن الحديث مخالف للأصول، وسيأتي في الدليل الثاني والثالث أن فسخ العقد هو مقتضى القياس الصحيح هذا من جهة، ومن جهة أخرى دعوى أن خبر الآحاد إذا خالف الأصول وجب رده قول مجانب للصواب، بل يجب العمل به كالخبر المتواتر، وحديث إنما الأعمال بالنيات من أعظم الأحاديث التي يعتمد عليها في الأحكام، ومع ذلك هو فرد غريب، ولم يمنع ذلك من صحته مع عظم الحاجة إليه، وتبليغ الرسالة من أعظم الأمور، وكان الرسول ﷺ يرسل آحاد الصحابة لتبليغها عن طريق المكاتبة وغيرها، وكانت الحجة تقوم بذلك، وأكثر الأخبار التي تعم بها البلوى هي أخبار آحاد، والأخبار المتواترة قليلة، بل إن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو تقسيم حادث، لا يعرف عند أئمة السلف المتقدمين، ثم الدعوى برد الحديث الصحيح بدعوى مخالفته للأصول دعوى واهية؛ لأن الحديث أصل بذاته، وحجة بنفسه، وإذا سلم أن هذا يعارض الأصول تكون المسألة الواردة بهذا الحديث مستثناة من الأصل لورود الحديث الصحيح بخصوصها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على المسلم فيه إذا تعذر تسليمه، فإذا كان الفقهاء يرون فسخ عقد السلم إذا تعذر تسليم المسلم فيه، وهو أحد العوضين، فكذلك إذا تعذر تسليم الثمن يستحق البائع الفسخ.
стр. 3149
الدليل الثالث:
أن البائع إذا شرط في البيع رهنًا، فعجز عن تسليمه استحق الفسخ، مع أن الرهن مجرد وثيقة بالثمن، فما بالك بالعجز عن تسليم الثمن نفسه ألا يكون أولى بالفسخ من العجز عن تسليم الرهن (١).
* * *
стр. 3150
مطلب
في شروط الرجوع في عين مال البائع عند المفلس
القائلون بجواز رجوع البائع في عين ماله إذا وجده عند المفلس يقولون ذلك إذا توفرت شروطه على خلاف بينهم في هذه الشروط، وسوف أسوق إن شاء الله تعالى الشروط المتفق عليها والمختلف فيها بين أهل المذاهب، مع بيان الراجح، مع التنبيه أن الخلاف لن يدخل فيه مذهب الحنفية لأنهم لا يقولون برجوع البائع على المفلس بعين ماله كما تقدم، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 3151
الشرط الأول
ألا يتعلق بالمبيع حق للغير
[م-٦٣٦] وهذا الشرط متفق عليه، فإن تعلق بالمبيع حق للغير من بيع، أو جناية أو رهن أو هبة ونحوها لم يكن للبائع فسخ العقد.
قال ابن قدامة: «فإن رهنها المشتري ثم أفلس، أو وهبها لم يملك البائع الرجوع كما لو باعها أو أعتقها. ولأن في الرجوع إضرارًا بالمرتهن ولا يزال الضرر بالضرر؛ ولأن النبي ﷺ قال: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به). وهذا لم يجده عند المفلس. ولا نعلم في هذا خلافًا» (١).
* * *
стр. 3152
الشرط الثاني
في اشتراط كون المشتري لم ينقد من ثمنها شيء
[م-٦٣٧] اختلف الفقهاء في اشتراط رجوع البائع عن البيع كون المشتري المفلس لم ينقد من ثمنها شيئًا على قولين:
القول الأول:
ليس هذا بشرط، وهذا مذهب المالكية والشافعية.
إلا أن المالكية قالوا: إن شاء رد الثمن المقبوض، وأخذ سلعته، وإن شاء أمسك المقبوض وشارك الغرماء بما بقي من الثمن (١).
وقالت الشافعية: يثبت للبائع حق الرجوع بحصة ما بقي من الثمن (٢).
وجه قول الشافعية:
بأنه إذا جاز للبائع الرجوع في العين كلها عند عدم القبض، جاز له الرجوع في بعضها إذا لم يكن قبض كامل الثمن.
القول الثاني:
يشترط أن يكون المشتري لم ينقد من ثمنها شيئًا، فإن نقد بعض الثمن فليس للبائع حق الرجوع، وهذا مذهب الحنابلة ((٣).
стр. 3153
دليل الحنابلة:
الدليل الأول:
(ح-٥٠٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب.
عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء (١).
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل] (٢).
(ح-٥٠٤) ووصله أبو داود من طريق عبد الله بن عبد الجبار - يعني الخبايري - حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش - عن الزبيدي - قال أبو داود وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل الحمصي - عن الزهري، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يقبض من ثمنها شيئًا فهي له، فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرماء، و أيما امرئ هلك، وعنده متاع امرئ بعينه، اقتضى منه شيئا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء (٣).
[وصله إسماعيل بن عياش، وأرسله غيره، وهو المحفوظ] (٤).