← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويقول الشيخ أحمد إبراهيم: «وأما العقد بالتلفون فالذي يظهر أنه كالعقد مشافهة، مهما طالت الشقة بينهما، ويعتبر العاقدان كأنهما في مجلس واحد، إذ المعنى المفهوم من اتحاد المجلس أن يسمع أحدهما كلام الآخر، ويتبينه، وهذا حاصل في الكلام بالتلفون، كما هو مشاهد لنا، غاية الأمر أنه يحتمل الكذب، وتصنع صوت الغير، لكن هذا قد يحصل في الرسالة والكتابة أيضًا» (١). ويقول الأستاذ علي الخفيف: «إذا استعملا التلفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد، وبطل بذلك الإيجاب» (٢). وقد تبين لنا في بحث ألفاظ الإيجاب والقبول أن الشرع يعتبر الرضا هو الأساس في صحة العقود، لهذا أجاز الفقهاء التعاقد بالرسالة والكتابة وبالإشارة والمعاطاة، بل أجاز البيع بكل ما يدل على الرضا عرفًا، فكل ما عده الناس بيعًا فهو بيع، ومنه البيع عن طريق الهاتف. يقول الحطاب: «واحتج المالكية بما تقدم من أن الأفعال، وإن انتفت منها الدلالة الوضعية، ففيها دلالة عرفية، وهي كافية، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منكما، فتكفي دلالة العرف في ذلك على طيب النفس والرضا بقول أو فعل» (٣). واختار النووي والمتولي والبغوي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة انعقاد

стр. 352

البيع بكل ما يعده الناس بيعًا (١). وفي القانون المدني المصري: «يعتبر التعاقد بالتلفون أو بأية طريقة مماثلة كأنه تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان، وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان» (٢). والذي قد يحتاج إلى توضيح في البيع بالهاتف ونحوه، الكلام في مسائل منها: المسألة الأولى: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول . يذكر الفقهاء لصيغة العقد شروطًا من أهمها شرطان: الأول: موافقة القبول للإيجاب، وسيأتي الكلام عليه بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى. الثاني: اتصال القبول بالإيجاب.، ويشترط لاتصال القبول بالإيجاب ثلاثة شروط: - أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه. - ألا يرجع الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول. فما الذي يقصده الفقهاء بقولهم: اتحاد مجلس العقد، أو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد؟ ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كون المتعاقدين في

стр. 353

مكان واحد، لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر كما مر علينا في البيع عن طريق المكاتبة أو المراسلة، وإنما المراد باتحاد المجلس: الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد. فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، ما لم يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل أجنبي يعتبر إبطالًا للإيجاب، كرجوع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو إعراض القابل عن هذا الإيجاب باشتغاله بشيء آخر غير العقد، فإذا لم يوجد شيء من ذلك صح القبول الصادر منه مهما طال الوقت. وبناء عليه يكون اتحاد المجلس في العقد عن طريق الهاتف: هو زمن الاتصال، فما دامت المحادثة في شأن العقد قائمة اعتبر المجلس قائمًا، وإذا انتقلا إلى حديث آخر اعتبر المجلس منتهيًا (١). المسألة الثانية: هل يثبت خيار ما يسمى (خيار المجلس) في البيع بالهاتف عند القائلين به، وهما الشافعية والحنابلة، وإذا قلنا بثبوته فكيف نكيفه؟ قال النووي: «لو تناديا، وهما متباعدان، وتبايعا صح البيع، وأما الخيار: فقال إمام الحرمين: يحتمل أن يقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته. قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه

стр. 354

احتمالان للإمام، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما، فإذا فارق أحدهما موضعه، ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا، حصل التفرق، وسقط الخيار، هذا كلامه، والأصح في الجملة ثبوت الخيار، وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه، وينقطع بذلك خيارهما جميعًا. وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء، أو ساحة، أو كانا في بيتين من دار، أو في صحن، وصفة، صرح به المتولي، والله أعلم» (١). وفي بيع الهاتف اختلف الفقهاء المعاصرون في ثبوت خيار المجلس في الهاتف. فقيل: لا يوجد خيار مجلس في الهاتف؛ لأن قوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» إذا حملنا التفرق على تفرق الأبدان، وهو الصحيح، فإن الأبدان قد تفرقا بهما، فأحدهما في المشرق، والآخر في المغرب، فقضية خيار المجلس ينبغي ألا يحدث لأن الوسائل الحديثة أحدثت لنا طريقة أو وضعًا غير موجود في حديث الخيار، ولا يدل عليه الحديث إلا بتمحص وتكلف وقياسات لا يدل عليها الحديث، فتحقيق المناط غير متحقق في هذا». وذهب آخرون إلى أنه يمكن لنا أن نحدد مجلس العقد في بيع الهاتف. يقول الأستاذ علي الخفيف ﵀: «إذا استعملا التلفون بالتعاقد كانا كحاضرين، فيدوم مجلس العقد ما دامت محادثتهما في شأنه، فإذا انتقلا منه إلى حديث في موضوع آخر انتهى مجلس العقد ... » (٢).

стр. 355

وحتى نعرف القول الراجح لا بد لنا من معرفة مقصد الشارع من تشريع ما يسمى بخيار المجلس، هل قصد احترام المجلس (مكان التبايع) لذات المجلس، أو قصد أن يكون هناك فترة من الزمن بعد الإيجاب والقبول يتروى فيها كل من المتعاقدين خشية أن يكون تسرع في الصفقة، لأن البيع قد يقع فجأة من غير ترو ولا نظر، فجعل الشارع هذا الخيار ليحق له الرجوع، وإذا كان المقصود بالمفارقة هو مفارقة مكان التبايع فالمكان قائم في كل صفقة، فالحكم يتعلق بمكانهما إن كانا حاضرين، أو تعلق الحكم باتصالهما إن كانا غائبين، وليس من شرط قيامه اتحاد المكان، وقد ناقشت فيما سبق المكان في حالة البيع بالمكاتبة والمراسلة، فهنا المكان هو مكان الاتصال، فإذا انقطع الاتصال بين المتصلين فقد افترقا. المسألة الثالثة: البيع بالتلفون لا يصح فيما يشترط فيه القبض الفوري إلا إذا تم القبض بعد انتهاء المكالمة مباشرة، كأن يكون لكل واحد منهما عند الآخر وكيل بالقبض مثلًا، أو نحو ذلك، فالعقود في الأموال الربوية لا يتم فيها العقد بالهاتف إلا مع هذا الضابط.

стр. 356

الفصل الثاني صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد هل يمكن أن يصدر الإيجاب والقبول من شخص واحد؟ وإذا أمكن تصور ذلك، فهل يصح العقد؟ لهذه المسألة أكثر من صورة، منها الجائز، ومنها ما هو محل خلاف. [م - ٥٤] فالصورة الجائزة، حتى حكى بعضهم الإجماع على جوازها، لها أمثلة منها: لو زوج أمته عبده الصغير، فإن للسيد أن يتولى طرفي العقد بنفسه؛ لأنه مالك لذلك بحكم الملك، لا بحكم الإذن (١). ومنها: الأب يشتري مال الصغير لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير (٢). وعللوا ذلك بأن الأب من طبعه الشفقة على ولده، والميل إليه، وترك حظ نفسه لحظه. وحكى القرافي الإجماع على صحة بيع الأب وشرائه من مال ولده الصغير (٣).

стр. 357

وأما التي هي محل خلاف، فلها صورتان: أحدهما: مسألة بيع الوكيل لنفسه، وشرائه منها، فلو وكل رجل رجلًا على شراء عقار، وكان عند الوكيل عين المطلوب، فهل له أن يبيع هذا العقار على موكله، ومثله لو وكله على بيع العقار، وهو محتاج إليه، فهل له أن يشتري هذا العقار؟ الصورة الثانية: تولي الوكيل طرفي العقد نيابة عن العاقدين، كما لو وكله شخص على بيع سلعة، ووكله آخر على شرائها. وسوف نتعرض إن شاء الله تعالى بالبحث لكل مسألة على انفرادها. أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 358

المبحث الأول في بيع الوكيل لنفسه وشرائه منها [م - ٥٥] إذا نهي الوكيل عن إجراء العقد مع نفسه فأجراه لم يصح العقد، وذلك لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه، فلم يجز له كما لو لم يوكله. أما إذا أذن له بإجراء العقد مع نفسه، أو أطلق الوكالة ففي هذا خلاف بين أهل العلم. فقيل: له ذلك مطلقًا، وبه قال مالك ﵀ (١)،ورواية عن الإمام أحمد (٢).

стр. 359

وقيل: لا يجوز له مطلقًا، ولو أذن له الموكل، وهو مذهب الحنفية (١)، وقال به أكثر الشافعية (٢). وقيل: إن أذن له جاز، وإلا فلا، وهو قول عند الحنفية، (٣)، والمشهور من مذهب المالكية (٤)، واختاره بعض الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). تعليل من قال: للوكيل أن يبيع على نفسه ويشتري منها مطلقًا . التعليل الأول: استدلوا بأن الوكيل ببيعه أو شرائه قد امتثل أمر الموكل، وحصل غرضه فصح كما لو كان من شخص أجنبي (٧).

стр. 360

ونوقش هذا: بأن الموكل عندما وكله في البيع والشراء إنما يقصد من شخص أجنبي، ولو كان الموكل يعرف أن الوكيل سوف يتعاقد مع نفسه لباشر الموكل البيع عليه، ولم يكن هناك حاجة إلى أن ينيبه عن نفسه، وإذا كان العرف في الوكالة لا يتناول بيعه على نفسه لم يكن مفوضًا في هذا التصرف. التعليل الثاني: أن دين الرجل وأمانته تحمله على عمل الحق، وربما زاد خيرًا (١). ويناقش هذا: الناس متفاوتون في هذا الأمر، وربما تجد الرجل الذي ترضى سلوكه في قيامه بالواجبات المتعلقة بالبدن من صلاة وصيام وحج، وتضعف نفسه في الأمور المالية، كما أن الإنسان مجبول على محاباته لنفسه، وهو أمر مشاهد، وإنصاف الإنسان من نفسه عزيز. التعليل الثالث: لما جاز بيع الوكيل من غيره جاز من نفسه؛ قياسًا على الأب حيث يجوز له أن يبيع على ولده من غيره، ويجوز له أن يبيع من نفسه. ونوقش هذا: لا يصح القياس على بيع الأب من مال ولده لأن الوالد مفطور على الشفقة على ابنه، فالقياس مع الفارق.

стр. 361

تعليل من قال: ليس له ذلك مطلقًا . التعليل الأول: الوكيل بمقتضى الطبيعة البشرية يستقصي لنفسه، وقد أخذ عليه بمقتضى عقد الوكالة أن يستقصي للموكل، فهذان غرضان متضادان فتمانعا. ونوقش هذا: بأن العقد لا يخرج عن صورتين: إما أن يعين الموكل للوكيل الثمن الذي يبيع به، أو لا يعين له ثمنًا، فإن عين له ثمنًا فقد زال مقصود الاستقصاء، وأن الوكيل لا يريد أكثر من هذا الثمن وقد حصل، سواء شراه الوكيل أو اشتراه غيره، وإن لم يعين له الثمن تقيد البيع والشراء بثمن المثل، كما لو باع أو اشترى من أجنبي، وهذا يدفع محاباة الوكيل لنفسه (١). التعليل الثاني: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد واحد بنفسه، ويأخذ بإحدى يديه من الأخرى (٢). فكيف يكون الشخص الواحد مسلمًا ومستلمًا، مطالِبًا ومطالَبًا. وكما أن الموكل لو وكل الوكيل ليهب من نفسه لم يصح، وإن انتفت التهمة؛ لاتحاد الموجب والقابل، فكذلك بيعه على نفسه وشراؤه منها (٣). ويناقش: لا يوجد دليل يمنع من قيام الوكيل بنفسه بطرفي العقد، فمن قال: لا يجوز

стр. 362

فيطالب بالدليل، وإذا جاز في المسألة المتفق عليها قيامه بطرفي العقد كما لو زوج عبده الصغير أمته، جاز له ذلك في المسائل المختلف فيها. وإذا كان الموكل مالكا للهبة بنفسه، فله الإنابة فيها؛ لأن من ملك شيئًا ملك الإنابة فيه، كما لو وكل المرأة على طلاق نفسها. تعليل من قال: ليس له ذلك إلا أن يأذن له . التعليل الأول: قالوا: إن سياق التوكيل في البيع يدل على إخراج الوكيل من جملة المشترين؛ لأن الموكل جعله بائعًا، فلا يكون مشتريًا، فنحتاج حتى يكون مشتريًا إلى إذن صريح من الموكل. التعليل الثاني: أن العرف محكم في ذلك، فمن وكل في البيع لم يدخل بيعه على نفسه، وإنما المقصود بيعه من غيره، ومن وكل في الشراء لم يدخل شراؤه من نفسه، فتحمل الوكالة على المتعارف عليه، ولذلك قلنا: نحتاج إلى إذن الموكل إذا باع أو اشترى من نفسه لحمل اللفظ على غير المتعارف عليه. التعليل الثالث: أن علة المنع من البيع والشراء من النفس وجود مظنة التهمة في محاباة النفس، وعدم رضا الموكل بهذا التصرف، وإخراج هذا التصرف من عموم لفظه وإذنه، فإذا صرح بالإذن فقد رضي هذا التصرف، وهو لو وهب له المبلغ كاملًا لم يكن هناك مانع شرعي، فإذا رضي منه أن يبيع على نفسه أو يشتري منها جاز ذلك من باب أولى.

стр. 363

واعترض الشافعية: بأن العلة ليس انتفاء التهمة فقط، وإنما هي عدم جواز اتحاد الموجب والقابل؛ لأن الإيجاب والقبول لا ينتظمان من شخص واحد، بدليل أنه لو وكله ليهب من نفسه لم يصح مع أن التهمة منتفية. ورد هذا: بأنه قد جاز إجراء الأب العقد مع نفسه في مال ولده الصغير، مع اتحاد الموجب والقابل. الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه أن الوكيل لا يجوز له الشراء ولا البيع من نفسه إلا أن يكون هناك إذن سابق من الموكل أو إجازة لاحقة منه، أو كان الوكيل قد عين الثمن في البيع والشراء وكان يعرف ثمن السلعة (١)، أو كان البيع بالمزايدة، وتولى المزايدة غيره، فانتهت عليه، والذي يجعلنا نقول بأن الوكيل ليس له حق البيع والشراء من نفسه أن الوكالة بالبيع والشراء لا يدخل فيها عرفًا شراء الوكيل وبيعه من نفسه، إذ لو علم الموكل أن الوكيل سوف يتعاقد مع نفسه بيعًا أو شراء لأقدم على التعامل معه مباشرة منذ البداية دون أن ينيبه عنه، وإذا كان لفظ الوكالة لا يتناوله عرفًا لم يكن له حق التصرف، وإذا كان الوكيل يرى أنه لم يحاب نفسه فما المانع أن يطلع الوكيل على ذلك ليأخذ منه إجازة على تصرفه، وليبعد عن نفسه التهمة، وقد يطلع الموكل على تصرف الوكيل فيرفض هذا التصرف ويبطله، ويؤدي ذلك إلى فتح باب التنازع. * * *

стр. 364

المبحث الثاني تولى الوكيل طرفي العقد نيابة عن العاقدين [م - ٥٦] إذا وكل شخص في بيع سلعة، ووكله آخر في شرائها، فيكون الوكيل نائبًا عن البائع والمشتري في آن واحد، فما حكم هذه المسألة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم: فقيل: لا يصح للوكيل إصدار تولي طرفي العقد نيابة عن العاقدين، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: يصح، وهو مذهب المالكية (٤)، ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (٥)، وقال ابن قدامة، والمرداوي من الحنابلة: وهو قياس المذهب (٦). وجه من قال: لا يصح للوكيل تولي صيغة العقد نيابة عن العاقدين: استدل الشافعية على عدم الجواز بأنه لا يجوز اتحاد الموجب والقابل؛ لأن

стр. 365

الإيجاب والقبول لا ينتظمان من شخص واحد، بدليل أنه لو وكله ليهب من نفسه لم يصح مع أن التهمة منتفية. واعترض: بأنه لا يوجد دليل يمنع من قيام الوكيل بنفسه بطرفي العقد، فمن قال: لا يجوز فيطالب بالدليل، وإذا جاز في المسألة المتفق عليها قيامه بطرفي العقد كما لو تولى الأب طرفي البيع في مال ولده، أو زوج عبده الصغير أمته، جاز له ذلك في المسائل المختلف فيها. ورد هذا: بأن الأب يتولى طرفي البيع في مال ولده وكذا الجد لقوة الولاية ولكثرة الحاجة في البيع، وعسر مراجعة السلطان، وهل يتولى الجد طرفي النكاح في حفدته، فيه وجهان مبنيان على أن العلة في البيع قوة الولاية وحدها، أم مع كثرة الحاجة إلى البيع فإن النكاح نادر (١). وجه من قال بالجواز: الوجه الأول: أن تصرف الوكيل عن العاقدين بناء على إذن منهما، فصح تولي العقد نيابة عنهما. الوجه الثاني: القياس على تولي الأب والجد طرفي البيع في مال ولده.

стр. 366

وأجيب: بأن الولاية أقوى من الوكالة، لأنها مستمدة من الشرع، والأب والجد لهما حق الولاية على الأبناء، فلا يقاس الأضعف على الأقوى. الوجه الثالث: أن التهمة منتفية، لأن الوكيل لا يعقد العقد مع نفسه، أو مع ولده، فصحت النيابة. الراجح: القول بالجواز بشرط أن لا يوجد ما يدل على المحاباة. * * *

стр. 367

الفصل الثالث الإيجاب والقبول الصوري المبحث الأول في بيع التلجئة الفرع الأول في تعريف بيع التلجئة قد يصدر الإيجاب والقبول من المتعاقدين، ولا يريدان حقيقة البيع، وإنما حملهما على ذلك الخوف من ظالم، أو الهروب من المكوس ونحوها، ويسميه الفقهاء بيع التلجئة وبيع الأمانة، ويسميه المعاصرون (العقد الصوري). تعريفه: يقول ابن عابدين: التلجئة: أن يتواضعا على إظهار البيع عند الناس لكن بلا قصده (١). وفي تعريفات الجرجاني: هو العقد الذي يباشره الإنسان عن ضرورة، ويصير كالمدفوع إليه، وصورته: أن يقول الرجل لغيره: أبيع داري منك بكذا في الظاهر، ولا يكون بيعًا في الحقيقة، ويشهد على ذلك، وهو نوع من الهزل (٢). ويقول ابن قدامة: «ومعنى بيع التلجئة: أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره

стр. 368

ملكه، فيواطئ رجلًا على أن يظهر أنه اشتراه منه؛ ليحتمي بذلك، ولا يريدان بيعًا حقيقيًا» (١). الحكم التكليفي لبيع التلجئة: [م-٥٧] يختلف الحكم بحسب الغرض من الفعل، فإن كان الحامل على البيع الصوري حماية ماله من تسلط بعض الظلمة عليه بغير حق كان فعله مباحًا؛ لأن الإنسان من حقه أن يدافع عن ماله المعصوم، وإن كان الحامل عليه عملًا غير مشروع، كما لو كان الرجل مدينًا، فيلجأ إلى العقود الصورية ليبعد أمواله عن متناول دائنيه، بأن يتظاهر بإبرام تصرفات من شأنها إخراج هذه الأموال من ذمته، ليدعي الإعسار، وقد يخفي الطرفان عقد البيع تحت ستار عقد هبة صوري ليسقط حق الشفعة لشريكه، فهذا الفعل يكون محرمًا؛ لأنه يتضمن إسقاط حق الغير بغير حق. * * *

стр. 369

الفرع الثاني خلاف العلماء في بيع التلجئة قال ابن تيمية: المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرف والعادات (١). وقال أيضًا: كل لفظ بغير قصد من المتكلم ... فإنه لا يترتب عليه حكم (٢). وخالف في ذلك الشافعية، فقالوا: إذا تعارضت النية واللفظ يغلب حكم اللفظ لقوته على حكم النية لضعفه (٣). [م -٥٨] اختلف العلماء في بيع التلجئة فقيل: البيع باطل. وهذا القول هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد (٤)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: البيع صحيح، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة (٦)، وهو مذهب الشافعية (٧)، ووجه في مذهب الحنابلة (٨).

стр. 370

وقيل: البيع موقوف، إن أجازاه معًا صح، وإن رداه بطل، وإن أجازه أحدهما لم ينعقد، وهو قول في مذهب الحنفية (١).

стр. 371

وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى مسألة أخرى، وهي إذا تعارضت الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة، فما هو المقدم منهما؟ أو بعبارة أخرى، هل المعتبر في العقود المعاني أو الألفاظ. وقد أشار النووي إلى هذا حين تكلم عن بيع التلجئة، فقال: «والصحيح صحته؛ لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان» (١). وسوف نفرد هذه المسألة بالبحث (أعني الاختلاف بين اللفظ والمعنى) لأهميتها بعد أن ننتهي من مسألتنا هذه. دليل من قال: البيع باطل . الدليل الأول: (ح-٢٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢). وجه الاستدلال: أن كلًا من البائع والمشتري لم ينويا البيع، ولم يقصداه، والقصد معتبر في العقود، فلم يقع البيع.

стр. 372

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فلا بد من وجود إرادة البيع عند كل من المتعاقدين ليتحقق حصول الرضا منهما، والذي هو أهم شرط في صحة العقود، فإذا فقدت الإرادة فقد الرضا، وإذا فقد الرضا بطل البيع. واعترض الشافعية: بأن عدم رضاه بوقوعه مع إيقاعه لا عبرة به، فهو كظنه أنه لا يقع، لا أثر له لخطأ ظنه. الدليل الثالث: القياس على بيع الهازل، فإذا كان بيع الهازل لا ينعقد لعدم توفر القصد، فكذلك بيع التلجئة بجامع أن كلا منهما لم يرد البيع حقيقة. واعترض الشافعية على هذا الدليل بأن الأصح عندهم انعقاد بيع الهازل. تعليل من قال: يصح بيع التلجئة . التعليل الأول: قالوا: إن هذا العقد قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، وتمت أركانه، فيكون بيعًا صحيحًا، ولا عبرة بما اتفق عليه المتعاقدان بالسر، لأن العبرة بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان» (١).

стр. 373

ونوقش: بأن هذا البيع لم تتوفر فيه شروط البيع الصحيح، فإن من شروط البيع أن يقصد المتعاقدان حقيقة البيع ليكون البيع عن تراض منهما، وهذا ما لم يتوفر هنا، بل هو مكره على صورة العقد، وقد اتفقا على عدم نقل الملكية، وأن ملك كل واحد منهما باق على ما كان قبل العقد. التعليل الثاني: البيع قد تم بينهما خاليًا عن مقارنة مفسد فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط فقد تم البيع، ولا عبرة بالشرط الفاسد، فالشرط يكون مفسدًا للعقد لو كان مقارنًا للعقد. وأجيب: بأننا لا نسلم بالتفريق في الشرط الفاسد بين كونه سابقًا للعقد، وبين كونه مقارنًا للعقد، وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في باب الشروط في البيع، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. الراجح: القول بأن البيع لا يقع، وأن العبرة بما نوياه، لا بما أظهراه، لأن العبرة بالمعاني دون الألفاظ، وسوف نناقش إن شاء الله تعالى في المسألة التالية: هل العبرة في العقود المعاني أو الألفاظ. * * *

стр. 374

مسألة في اختلاف لفظ الصيغة عن معناها [م - ٥٩] الأصل في ألفاظ العقود أن تكون مطابقة للمعنى المراد من العاقدين؛ لأن اللفظ هو المعبر عن المعنى القائم في نفس المتعاقدين، والأصل حمل كلام المتعاقدين على ظاهره، واللغة ما جعلت إلا لتعبر عما في النفس، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بدون صارف بطلت فائدة اللغة وفائدة التخاطب، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكن الخلاف فيما لو تيقنا أن العاقد أراد معنى مخالفًا للفظ الصادر منه، فهل يغلب اللفظ، أو يغلب المعنى باعتباره هو المقصود، واللفظ مجرد دليل عليه؟ أضرب مثالًا ليتضح المقصود، لو أعار رجل شيئًا، وشرط عوضًا، فهل يعتبر العقد عارية، أو يعتبر إجارة لاشتراط العوض فيه؟ ولو قال: بعتك هذا الثوب بلا ثمن، فهل ينعقد هبة أو بيعًا؟ فإن نظرنا إلى اللفظ فإن الإيجاب صادر بلفظ البيع، وإذا نظرنا إلى المعنى، وكون التمليك بدون عوض فهو يدل على أن العقد من عقود التبرعات. ولو قال العاقد: وهبتك هذه الدابة بألف، فهل ذكر العوض يجعل العقد من عقود المعاوضات فيكون بيعًا، أو نعتبر اللفظ، ونفسد العقد؛ لأن عقود التبرعات لا عوض فيها، وهكذا إذا جاء اللفظ في العقود مخالفًا للمعنى الذي أراده العاقدان، فهل المعتبر اللفظ أو المراد المعنى؟ في هذا خلاف بين أهل العلم: فقيل: المعتبر هو المعنى الذي قصده العاقدان، واللفظ تابع للمعنى، فإذا

стр. 375

تعذر حمل اللفظ على مقتضاه حمل على المعنى الذي أراده العاقدان، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). ولا بد عند من قال بهذا القول في اعتبار المعنى وتقديمه على اللفظ أن يقع اتفاق العاقدين على المعنى المخالف للفظ، أو تدل عليه قرينة لفظية أو عرفية،

стр. 376

أو حالية (١). وقيل: المعتبر اللفظ دون النظر إلى المعنى. وهو القول الراجح في مذهب الشافعية (٢).

стр. 377

وقيل: هناك فرق بين القضاء وبين غيره، ففي القضاء العبرة بالإرادة الظاهرة إلا إذا قامت قرينة على الإرادة الباطنة، وهذا اختيار ابن القيم (١). دليل من قال: المعتبر المعنى: الدليل الأول: (ح-٢٨) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢). الدليل الثاني: (ح-٢٩) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك - إن كنت صادقًا- ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد

стр. 378

منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه، يقول: اللهم هل بلغت، بصر عيني وسمع أذني، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم ينظر إلى لفظ المعطي، وإنما نظر إلى قصده ونيته، فلما كان الحال يدل على أن المعطي إنما أعطى نظرًا لولاية المعطى؛ لينتفعوا منه تخفيفًا عنهم أو تقديمًا لهم على غيرهم أو لغيرها من الأسباب لم يعتبر ذلك هدية، وكان هذا الحديث أصلًا في اعتبار المقاصد ودلالات الحال في العقود (٢). الدليل الثالث: النية تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته، وفي الثواب والعقاب، بل تؤثر حتى في الفعل الذي ليس بعقد فيصير حلالًا تارةً، وحرامًا تارة باختلاف النية والقصد فالحيوان حلال أكله إذا ذبح لله، ويحرم إذا ذبح لغير الله وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم فيحرم عليه، ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم على المشتري، وينوي أنها له فتحل له وصورة العقد واحدة وإنما اختلفت النية والقصد وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة، وهذا قربة صحيحة، وهذا معصية باطلة بالقصد وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرًا معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ ، وعصره بنية

стр. 379

أن يكون خلا أو دبسا جائز، وصورة الفعل واحدة وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة وكذلك قول الرجل لزوجه: «أنت عندي مثل أمي» ينوي بها الظهار فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه وكذلك من أدى عن غيره واجبًا ينوي به الرجوع ملكه وإن نوى به التبرع لم يرجع. وهذا كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات والمثوبات والعقوبات ; فقد اطردت سنته بذلك في شرعه وقدره أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره ; فإن القربات كلها مبناها على النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن صائمًا ولو دار حول البيت يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يكن اعتكافًا. وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب ; ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام ولو أكل طعاما حرامًا يظنه حلالا لم يأثم به ولو أكله وهو حلال يظنه حرامًا، وقد أقدم عليه أثم بنيته وكذلك لو قتل من يظنه مسلما معصوما فبان كافرًا حربيا أثم بنيته، والأمثلة كثيرة، وهي غير محصورة (١).

стр. 380

الدليل الرابع: «الألفاظ مقصودة لغيرها، ومعاني العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت، واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه» (١). قال ابن القيم: « ... من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذاوتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان، عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإيماءة، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها» (٢). الدليل الخامس: إذا كان الجهل بمعنى اللفظ يسقط حكمه، وذلك كما لو نطق الأعجمي بلفظ الكفر، أو بلفظ البيع أو الشراء، وقال: إني لا أعرف معناها، ولم أقصده، فكذلك إذا نطق العربي بلفظ، ولم يقصد معناه، بل قصد به معنى آخر، فإن اللفظ لا يلزمه حكمه، وإنما يلزمه المعنى الذي أراده وقصده (٣). الدليل السادس: إذا كان السامع لا يفهم معنى الجملة إلا بحسب متعلقاتها، فكذلك اللفظ

стр. 381

يتغير معناه بحسب ما يتعلق به، فإذا قال الإنسان: رأيت أسدًا في الغابة فالمقصود به الأسد الحقيقي، وإذا قال: رأيت أسدًا في ساحة الوغى فالمراد به الرجل الشجاع، وكلمة أسد لفظ واحد تغير معناه بحسب ما يتعلق به، فكذلك ألفاظ العقود، فإذا اشتهر لفظ في عقد، ثم أتى بعده بمتعلق يدل على عقد آخر، فإن السامع لا يفهم منه العقد الأول، بل العقد الثاني، فلا بد أن يقبل ما أراده المتكلم ودلت عليه القرينة؛ لأن المراد بالتخاطب أن يفهم المخاطب كلام المتكلم. الدليل السابع: إذا كان المرجع في عقود الناس إلى عرفهم، وعاداتهم، فما عده الناس بيعًا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، قال ابن تيمية: هذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل (١). فإذا كان العرف يخالف الحقيقة اللغوية قدم العرف، وهذا تقديم للمعنى على اللفظ. ونظرًا لأهمية اعتبار العرف في معرفة قصد المتعاقدين فسوف أفرد له فصلًا خاصًا. وهناك أدلة أخرى سوف نتوسع بذكرها عند الكلام على عقد البيع، هل يتشرط فيه لفظ البيع، أو يصح بكل ما يدل عليه مما يدل على التمليك لغة أو عرفًا. دليل من قال: يقدم اللفظ . الدليل الأول: اعتبار المعنى يؤدي إلى إهمال اللفظ وهذا لا يصح، لأن ألفاظ اللغة لا

стр. 382

يعدل بها عما وضعت له في اللغة، فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له، فكذا ألفاظ العقود. ويجاب عن ذلك: بأن القول بأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك، بل قد ذكرنا في أدلة القول الأول تقديم النية على اللفظ في أحكام متفرقة، وكيف كانت النية مؤثرة في التحليل والتحريم والصحة والفساد، والثواب والعقاب. الدليل الثاني: العقود تفسد باقتران شرط مفسد، ففسادها بتغير مقتضاها أولى. ويجاب: بأن الشرط مؤثر في صحة العقد، فقد يشترط ما يخالف الشرع، وقد يشترط ما ينافي مقتضى العقد، بخلاف اللفظ فلا يشترط له لفظ معين، وإنما اللفظ وسيلة لمعرفة حصول الرضا من العاقدين، فإذا تحقق الرضا بأي لفظ كان فقد حصل المقصود. الدليل الثالث: الأصل حمل الكلام على ظاهره، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بطلت فائدة اللغة وفائدة التخاطب. ويجاب: نعم الأصل حمل الكلام على ظاهره إلا إذا تعذر ذلك لقرينة حالية أو عرفية، فكما أن الأصل حمل الأمر على الوجوب والنهي على الكراهة إلا لقرينة

стр. 383

صارفة، فكذلك هنا، فنحن لم نترك ظاهر اللفظ إلا عند تعذره، وكنا بين أمرين إما أن نأخذ بهذا الظاهر والذي تيقنا أنه غير مراد للعاقدين، وبالتالي نبطل العقد، وإما أن نترك هذا الظاهر لقرينة صارفة، ونعمل بالمعنى الذي أراده العاقدان، ولاشك أن إمضاء العقود خير من إبطالها بسبب لفظ ظاهر غير مراد، وإعمال الكلام خير من إهماله. وجه من فرق بين القضاء وبين غيره: أن المتكلم بصيغ العقود إذا قصد غير معناها نحو أن يقصد بقوله: أنت طالق، أي أنها طالق من زوج سابق، لا تلزمه هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى، وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضًا؛ لأن السياق والقرينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلًا، وادعى ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه؛ لأنها خلاف الظاهر. وهذا القول وسط بين القولين، خاصة أنه عند التنازع لابد من العمل إما بالبينة، أو بالظاهر، فإذا لم يوجد بينة أو قرينة تدل على عدم إرادة المعنى الظاهر علمنا بالظاهر، والباطن بينه وبين الله . والله أعلم. * * *

стр. 384

الفرع الثالث في الهزل في البيع [م - ٦٠] من البيع الصوري أن يكون المتعاقدان أو أحدهما هازلًا، ولم يقصد إنشاء العقد، فهل ينعقد بيع الهازل، أو يعتبر باطلًا لعدم قصد البيع. اختلف العلماء في هذا، فقيل: لا ينعقد بيع الهازل، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، والوجه المشهور في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: ينعقد، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٦)، ووجه في مذهب الحنابلة، اختاره أبو الخطاب (٧). وقيل: يقبل إن ادعى الهزل بقرينة، وهو قول في مذهب المالكية (٨)، وقول

стр. 385

في مذهب الحنابلة (١). دليل من قال: لا ينعقد . ذكروا أن العاقد وإن تكلم بصيغة العقد إلا أنه لم يرد حكم العقد، ولم يرض به، ولا بد من إرادة العقد ليتحقق الرضا، والذي هو شرط أساسي في صحة البيع، فإذا عدم الرضا عدم العقد. دليل من قال: ينعقد بيع الهازل . الدليل الأول: الهزل لم يجعله الله عذرًا صارفًا، بل صاحبه أحق بالعقوبة، ألا ترى أن الله تعالى عذر المكره في تكلمه بالكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولم يعذر الهازل، بل قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وكذلك رفع المؤاخذة على المخطئ والناسي (٢). الدليل الثاني: الهازل غير مأذون له في الهزل في العقود، فهو متكلم باللفظ، مريد له، ولم يصرفه عن معناه إكراه، ولا خطأ، ولا نسيان، ولا جهل (٣).

стр. 386

فمن باشر سبب الحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه وإن لم يرده (١). الدليل الثالث: عقد الهازل قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، وتمت أركانه، فيكون بيعًا صحيحًا، ولا عبرة بما نواه وقصده، وإنما العبرة بالإرادة الظاهرة حفاظًا على مبدأ استقرار العقود والمعاملات. وأجيب: بأننا قدمنا الأدلة في المسألة السابقة بأن العبرة بالعقود بما نواه وقصده العاقدان، وإذا تعارضت الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة قدمت الإرادة الباطنة. دليل من قال: لا بد من قرينة على أنه كان هازلًا . الهزل أمر باطن لا يعرف إلا من جهة الهازل، والأصل عدم الهزل، فإذا تكلم في إيجاب العقد أو في قبوله فالأمر محمول على الجد، وأما دعواه الهزل وأنه لم يقصد العقد فهذا أمر خفي بينه وبين الله، وأما في الظاهر فهو محمول على الصحة، ولا نقبل قوله في دعوى الهزل إلا بقرينة؛ لأنه يستلزم من قبول قوله إبطال حق العاقد الآخر، ولو فتح الباب في هذا لكان كل من يريد أن يفسخ العقد يدعي الهزل. الراجح: بعد استعراض الأقوال نجد أن الأقوال ترجع إلى قولين: ينعقد بيع الهازل، أو لا ينعقد، وأما القول بأنه لا بد من قرينة تدل على أنه أراد الهزل فهذا القول يرجع إلى القول بعدم انعقاد العقد في بيع الهازل؛ لأن هذا القول لم يطلب

стр. 387

سوى إثبات وجود الهزل، فإذا ثبت لديه انتفى الحكم عنده، وأظن أن القائلين لا ينعقد لا يختلفون في هذا، لأن الأمر إما أن يصدقه صاحبه على دعوى الهزل، أو يكذبه، فإن صدقه أصبحت الأقوال في المسألة قولين، وإن كذبه فالأصل مع مدعي الجد؛ لأنه هو الأصل، ولذلك الحنفية الذين يقولون بأن بيع الهازل لا ينعقد يقولون في نفس الوقت لا بد من قرينة، جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام «الجد شرط في البيع، فلا ينعقد بيع الهزل؛ إذ لا رضاء في عقد يبنى على الهزل ... وعلى هذا إذا قصد بالمبايعة الهزل وجب التصريح بذلك أثناء العقد إذ لا تغني دلالة الحال عن ذلك وحدها. فعلى الهازل في بيعه أن يقول للمشتري إني بعتك هذا المال هازلًا. وإذا تواطأ متبايعان على أن العقد الذي سيجريانه بحضور الشهود يراد به الهزل فالتواطؤ الذي تقدم العقد بمنزلة التصريح بقصد الهزل أثناء العقد ويكون هذا البيع بيع هزل، فإذا اختلف المتبايعان في البيع، هل هو هزل أو جد؟ فالقول لمدعي الجد مع يمينه، فإذا وجدت قرينة تدل على قصد الهزل في البيع كأن يباع الشيء بنقص فاحش جدًا فالقول إذ ذاك لمدعي الهزل أما إذا ادعى الهزل مشتر بعد أن دفع ثمن المبيع أو بعضه فدعواه غير مسموعة» (١). وإذا كان الأمر كذلك، فالخلاف إنما هو في حالة قيام ما يدل على إرادة الهزل أو الاتفاق عليه بين المتعاقدين هل ينعقد العقد في مثل هذه الحالة، أو لا ينعقد؟ والذي يظهر لي أن القول الصواب مع قول من قال: لا ينعقد العقد لعدم وجود قصد البيع والرضا به، والله أعلم (٢).

стр. 388

وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية سابقة، وهي إذا تعارضت الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة، فمن المقدم، هل يؤخذ بما نواه العاقدان، أو بما أظهراه؟ وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وبينت الراجح فيها، فإن شئت الاستزادة فارجع إليها مشكورًا. * * *

стр. 389

خاتمة القول المختار في صيغة العقود قال القاضي أبو الحسين الحنبلي: ينعقد البيع بكل لفظ يدل عليه عرف الناس وعادتهم، وإن لم يوجد الإيجاب والقبول (١). [م - ٦١] بعد استعراض طويل لكلام الفقهاء في صيغ البيع المختلفة اللفظية والفعلية، حيث عرضنا بالتفصيل رأي المذاهب الفقهية بالصيغة اللفظية، سواء كان اللفظ ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا، كما عرضنا رأي هذه المذاهب في الجملة الاسمية، وفي كلمة نعم، وعرضنا أقوال الفقهاء في صيغة البيع الفعلية من إشارة وكتابة ومعاطاة، وعن طريق الاتصال بالبرق والفاكس والهاتف والحاسب الآلي وغيرها، ولما كان القول الراجح في جميع تلك المسائل واحدًا فيما يتعلق بالصيغة، رأيت أن أعرض هذا القول في آخر هذه المباحث خشية التكرار، فأقول: الصحيح أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عده الناس بيعًا، أو إجارة، فهو بيع وإجارة، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد في الشرع، ولا في اللغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم، ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاح في المعاملات، فيصح بالقول كما يصح بالفعل، ويصح بالإشارة المفهومة، والكتابة وبكل ما يدل على المراد، ولهذا أدلة كثيرة ذكرها ابن تيمية ﵀، أذكر منها،

стр. 390

الدليل الأول: أن الله اكتفى بالتراضي في البيع، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤]. فتلك الآية في جنس المعاوضات، وهذه الآية في جنس التبرعات، ولم يشترط لفظًا معينًا، ولا فعلًا معينًا، يدل على التراضي، وعلى طيب النفس، ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود، وهو ظاهر في بعضها، فإذا وجد تعلق الحكم به بدلالة القرآن. الدليل الثاني: أن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، وهكذا كل شيء ليس له حد في الشرع، وليس له حد في اللغة فالمرجع فيه إلى العرف. بيان ذلك: أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله» معلقًا بها أحكام شرعية، وكل اسم لا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة، كالشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر، والمنافق، وكالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض المذكور في قوله ﷺ : (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه). ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين
следующие страницы →