← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

البيع لأن ذلك يؤدي إلى بيع المنقول قبل قبضه، وهذا ممتنع على مذهب أبي يوسف، فتحمل على الفسخ في هذه الصورة، وفي أمثالها مما يكون البيع فيه غير جائز، والله أعلم. الراجح: الذي أميل إليه أن الإقالة فسخ بشرط أن تكون بمثل الثمن الأول، فإن كانت بأكثر منه، أو بأقل، أو بثمن مختلف عن الثمن الأول فإنها بيع من البيوع يشترط فيها ما يشترط في البيع، فإن قيل: كيف تعتبر فسخًا في حال، وبيعًا في حال، وحقيقتها واحدة؟ فالجواب: أن الأصل أنها فسخ لما كان ذلك يؤدي إلى رفع العقد، ورجوع المبيع إلى البائع، والثمن إلى المشتري، ولكن لما اختلف الحال، بأن كان الثمن بأكثر من الثمن الأول علمنا أن العاقدين لم يريدا من لفظ الإقالة الفسخ، وإنما أرادا والله أعلم عقدًا آخر ولكنهما استعملا لفظ الإقالة، والعبرة في العقود بالمعاني، فلو قال: وهبتك هذا بعشرة كان بيعًا، وإن استعمل لفظ الهبة، لأنه حين ذكر العوض خرج من حقيقة الهبة إلى حقيقة المعاوضة، والله أعلم. * * *

стр. 3222

المبحث الأول ثمرة الخلاف في حقيقة الإقالة عرفنا أن الخلاف بين العلماء في تكييف الإقالة راجع إلى قولين: أحدهما يرى الإقالة بيعًا. والثاني: يرى الإقالة فسخًا. فإن قلنا: إن الإقالة بيع، فإنها يثبت لها ما يثبت للبيع من أحكام. وإن قلنا: إن الإقالة فسخ، لم يثبت لها أحكام البيع، وسوف نذكر بعض هذه الأحكام على وجه الإجمال، لأننا قد قدمنا أدلة من يرى أنها بيع، وأدلة من يرى أنها فسخ، فلا حاجة لإعادته في كل مسألة من هذه المسائل. * * *

стр. 3223

المبحث الثاني الإقالة هل هي رفع للعقد من أصله أو من حينه [م-٦٦٤] الإقالة على القول بأنها بيع، كما هو مذهب المالكية، واختيار أبي يوسف من الحنفية. فهو بيع مستأنف وهذا ظاهر لا إشكال فيه، لكن على القول بأن الإقالة فسخ (رفع للعقد)، هل هي رفع للعقد من أصله، أو من حين الاتفاق على الإقالة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: الإقالة رفع للعقد من أصله، وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: رفع للعقد من حينه، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٢)، والمذهب عند الحنابلة، واختاره ابن تيمية (٣). وقد ذكرت هذه المسألة بأدلتها في مبحث سابق، فأغنى عن إعادتها هنا. و الراجح: أن الفسخ من حين الإقالة، وليس من أصل العقد؛ لأن الإقالة لا ترد إلا على عقد صحيح، فيكون الفسخ طارئًا على العقد، فلا يعتد إلا من حدوثه.

стр. 3224

وثمرة الخلاف في هذه المسألة، هو استحقاق النماء المنفصل في المقال فيه: فمن قال: إن الإقالة فسخ للعقد من الأصل، رأى أن الزيادة المتصلة غير المتولدة، كالصبغ للثوب، وكذلك النماء المنفصل المتولد كالولد والثمرة يمنعان من الإقالة. ومن رأى أن الإقالة فسخ للعقد من حينه جعل النماء المنفصل غير تابع للمقال فيه في وجوب الرد؛ لأنه حدث في ملك المشتري، فيكون من حقه. * * *

стр. 3225

المبحث الثالث خيار المجلس في الإقالة [م-٦٦٥] من المعلوم أن خيار المجلس لا يقول به من فقهاء المذاهب إلا الشافعية والحنابلة، ولما كان الشافعية والحنابلة في المشهور عنهم: يرون أن الإقالة فسخ لم يثبتوا خيار المجلس في عقد الإقالة (١). قال في الإنصاف: «ومنها الإقالة، فلا يثبت فيها خيار المجلس على الصحيح من المذهب؛ لأنها فسخ، وإن قلنا: إنها بيع ثبت» (٢). وقال ابن رجب في القواعد: «هل يثبت فيها خيار المجلس؟ إن قلنا: هي فسخ لم يثبت الخيار، وإن قلنا: هي بيع، ففي التلخيص: يثبت الخيار كسائر البيوع، ويحتمل عندي ألا يثبت أيضًا؛ لأن الخيار وضع للنظر في الحظ، والمقيل قد دخل على أنه لا حظ له، وإنما هو متبرع، والمستقيل لم يطلب الإقالة بعد لزوم العقد إلا بعد ترو ونظر، وعلم بأن الحظ له في ذلك، وندم على العقد الأول، فلا يحتاج بعد ذلك إلى مهلة لإعادة النظر، والله أعلم» (٣). * * *

стр. 3226

المبحث الرابع البيع بلفظ الإقالة [م-٦٦٦] الحكم الثالث: قال ابن رجب: «تصح الإقالة بلفظ الإقالة والمصالحة إن قلنا: هي فسخ ذكره القاضي وابن عقيل وإن قلنا هي بيع لم ينعقد بذلك صرح به القاضي في خلافه، قال: ما يصلح للحل لا يصلح للعقد، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل، فلا ينعقد البيع بلفظ الإقالة، ولا الإقالة بلفظ البيع. وظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك وتكون معطاة» (١). وسوف يأتي إن شاء الله مزيد بحث عند الكلام على صيغ الإقالة، فانظره هناك لمزيد من المعلومات. * * *

стр. 3227

المبحث الخامس الإقالة قبل قبض المبيع [م-٦٦٧] سبق لنا الخلاف في حكم بيع الشيء قبل قبضه، فهناك من يمنع بيع كل شيء قبل قبضه، كما هو مذهب الشافعية. وهناك من يمنع بيع المنقول قبل قبضه بخلاف العقار، كما هو مذهب الحنفية. وهناك من يمنع بيع الطعام المكيل أو الموزون قبل قبضه، ويجيز بيع الجزاف قبل قبضه، وهو المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة. وقد سبق تحرير ذلك ومناقشته، وبيان الراجح. فمن رأى أن الإقالة فسخ، لم يمنع من الإقالة قبل قبض المبيع، ولا بيع المقال فيه قبل قبضه. وهذا ما ذهب إليه أكثر الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).

стр. 3228

قال النووي: «لو باع سلعة، وتقابضا، ثم تقايلا وأراد البائع بيعها قبل قبضها من المشتري فالمذهب صحته قال صاحب البيان: قال أصحابنا البغداديون: يصح بيعه قطعًا لأنه ملكها بغير عقد وقال صاحب الإبانة: هل يصح بيعها؟ فيه قولان بناء على أن الإقالة بيع أو فسخ ... » (١). وقال السيوطي: «إذا تقايلا في عقود الربا يجب التقابض في المجلس بناء على أنها بيع، ولا يجب بناء على أنها فسخ، وهو الأصح» (٢). وأما من رأى أنها بيع، فذهب إلى المنع فيما لا يصح بيعه قبل قبضه، حسب مذهبه في التصرف في المبيع قبل قبضه. فمنع أبو يوسف في أحد قوليه الإقالة في المنقول قبل قبضه، بناء على اختياره في المنع من بيع المنقول قبل قبضه (٣). ومنع المالكية من الإقالة في عقد الصرف إلا مع التقابض قبل التفرق (٤).

стр. 3229

وقد رجحنا أن الإقالة هي من قبيل الفسخ، وليست بيعًا مستأنفًا، والله أعلم. * * *

стр. 3230

المبحث السادس الأخذ بالشفعة [م-٦٦٨] اختلف العلماء في الأخذ بالشفعة بالإقالة في بيع العقار بناء على اختلافهم هل الإقالة بيع، أو حل للبيع (فسخ)؟ على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول قديم

стр. 3231

للشافعي (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢)، إلى القول بثبوت حق الشفعة بالإقالة كما يثبت ذلك في عقد البيع. القول الثاني: لا يثبت حق الأخذ بالشفعة في الإقالة، وهو اختيار زفر، ومحمد ابن الحسن من الحنفية (٣)، والمذهب عند الشافعية (٤)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٥).

стр. 3232

بناء على أن الإقالة تعتبر فسخًا، وليست بيعًا، والشفعة إنما تثبت في البيع فقط. قال في كشاف القناع: «ولا شفعة بالإقالة، لأن المقتضي لها هو البيع، ولم يوجد» (١). وهذا هو الراجح. وانظر المسألة في عقد الشفعة، فقد بحثتها هناك، ولله الحمد. * * *

стр. 3233

المبحث السابع اشتراط العلم في المقال فيه [م-٦٦٩] من رأى أن الإقالة فسخ أجاز الإقالة مع الجهل بالمقال فيه، ومع عدم القدرة على تسليمه، وهذا مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: «ومنها عدم اشتراط شروط البيع، من معرفة المقال فيه، والقدرة على تسليمه، وتمييزه عن غيره على المذهب» (٢). وقال ابن رجب: «إذا قلنا: هي فسخ لم يشترط لها شروط البيع من معرفة المقال فيه، والقدرة على تسليمه، وتمييزه عن غيره، ويشترط ذلك على القول بأنها بيع، ذكره صاحب المغني في التفليس، فلو تقايلا العبد، وهو غائب بعد مضي مدة؛ يتغير في مثلها، أو بعد إباقه، أو اشتباهه بغيره، صح على الأول دون الثاني» (٣). وأما من ذهب إلى أن الإقالة بيع، فإنه يشترط فيها ما يشترط في البيع. وقد قدمنا الأدلة على أن الإقالة فسخ، فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 3234

المبحث الثامن الإقالة بعد نداء الجمعة الثاني [م-٦٧٠] أبطل المالكية الإقالة بعد نداء الجمعة الثاني باعتبار أن الإقالة بيع. جاء في شرح الزرقاني على مختصر خليل: «والإقالة بيع، فيشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه، وإذا وقعت وقت نداء الجمعة فسخت» (١). وأما الحنابلة فقد نصوا على أن الإقالة صحيحة بعد نداء الجمعة كسائر الفسوخ؛ لأن الله إنما نهى عن البيع، والإقالة ليست بيعًا (٢). وإذا علمنا العلة في النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني لما في ذلك من الانشغال عن ذكر الله، وعن الصلاة كان النهي شاملًا للإقالة أيضًا؛ لأن المعنى الذي من أ جله نهي عن البيع موجود فيها. * * *

стр. 3235

المبحث التاسع الإقالة مع تعيب المبيع عند المشتري [م-٦٧١] إذا تعيب المبيع عند المشتري، ثم أقال أحدهما الآخر، فوجد البائع أن السلعة فيها عيب، فهل له حق الرد بالعيب؟ في هذا خلاف بين العلماء. ذهب أبو حنيفة إلى أن تعيب السلعة يمنع من الإقالة، وإن كان يرى أن الإقالة فسخ؛ لأن القاعدة عندهم تقول: ما يمنع الرد بالعيب يمنع من الإقالة، ومعلوم أن المشتري لو اشترى سلعة، فوجد بها عيبًا، ثم حدث بها عيب جديد عند المشتري سقط حقه في الرد عند الحنفية، فكذلك الإقالة إذا حدث بها عيب عند المشتري امتنعت الإقالة عند أبي حنيفة (١). أما من يرى أنها بيع كأبي يوسف، فله الرد بالعيب مطلقًا، لأن الإقالة بيع عنده، وكذلك له الرد بالعيب عند محمد كما لو تعذر حمل الإقالة على الفسخ وذلك فيما لو أقاله بأكثر من الثمن، فإنه يعتبرها بيعًا في هذه الحالة، فتعطى حكمه (٢). وكذلك ذهب المالكية إلى أن له رد الإقالة بالعيب. جاء في شرح الزرقاني على مختصر خليل: «ولو حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري، ولو لم يعلم به البائع إلا بعد الإقالة، فله الرد به» (٣).

стр. 3236

ورأى الشافعية أنه لو تعيب في يده غرم المشتري الأرش على اعتبار أن الإقالة فسخ، وهو الأصح، وعلى القول بأنها بيع: يتخير البائع بين أن يجيز ولا أرش له، أو يرد الإقالة ويأخذ الثمن (١). وأما الحنابلة فالمتأخرون منهم يرون أن الإقالة لا ترد بالعيب. قال في كشاف القناع: «ولا ترد الإقالة بعيب في المقال فيه؛ لأن الفسخ لا يفسخ» (٢). وجاء في القواعد لابن رجب: «هل يرد بالمعيب؟ إن قلنا: هي بيع ردت به، وإن قلنا: هي فسخ فيحتمل ألا يرد به؛ لأن الأصحاب قالوا: الفسخ لا يفسخ. ويحتمل أن يرد به كما جوزوا فسخ الإقالة والرد بالعيب لأحد الشفيعين، وأفتى الشيخ تقي الدين بفسخ الخلع بالعيب في عوضه، وبفوت حقه فيه، وبإفلاس الزوجة به» (٣). وعندي أن له الخيار حتى على القول بأن الإقالة فسخ؛ لأن المقيل إنما أقاله بناء على سلامة المبيع من العيب، فإذا حدث به عيب فإن الرضا بالإقالة الصادر من المقيل يكون غير متحقق، لأنه إنما رضي أن ترجع إليه سلعته كما كانت، فلما لم يطلعه المشتري بما أحدثه من عيب في السلعة فإنه قد يكون قد غره بذلك، فيثبت له خيار الغرر، والله أعلم. ثم وقفت على كلام للسرخسي نحو ما ذكرت، أنقله بحروفه:

стр. 3237

قال ﵀: «فإذا باع المأذون جارية بألف وتقابضا، ثم قطع المشتري يدها أو وطئها أو ذهبت عينها من غير فعل أحد، ثم تقايلا البيع، ولا يعلم العبد بذلك، فهو بالخيار إن شاء أخذها، وإن شاء ردها؛ لأنه إنما رضي بالإقالة على أن تعود إليه كما خرجت من يده، وقد خرجت من يده غير معيبة، والآن تعود إليه معيبة، فلا يتم رضاه بها؛ فلهذا كان له الخيار، وحال البائع عند الإقالة كحال المشتري عند العقد، ولو حدث بالمبيع عيب بعد العقد، وقبل القبض يخير المشتري فهذا مثله» (١). * * *

стр. 3238

المبحث العاشر الإقالة مع تلف المبيع [م-٦٧٢] تصح الإقالة مع تلف الثمن، وهل تصح مع تلف المبيع، فيه خلاف: اختار الحنفية أن تلف المبيع يمنع من الإقالة، قال في الهداية: «هلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة، وهلاك المبيع يمنع منها» (١). ولأن الإقالة رفع العقد، وإنما يرفع الشيء من المحل الوارد عليه، ومحل العقد المعقود عليه، والمعقود عليه المبيع دون الثمن، فإن الثمن معقود به، ولهذا شرط قيام الملك في المبيع عند العقد دون الثمن، فإن كان المبيع هالكًا عند الإقالة فالإقالة باطلة لفوات محلها (٢). واستثنى الحنفية مسألتين لا يعتبر فيهما الهلاك مانعًا من الإقالة: المسألة الأولى: هلاك البدلين في الصرف؛ لأنهما لا يتعينان بالتعيين، فلم تتعلق الإقالة بعينهما. المسألة الثانية: لو كان البيع مقايضة، بيع معين بمعين، ثم هلك أحد العوضين جازت

стр. 3239

الإقالة؛ لأن كلًا منهما مبيع من وجه، فكان المبيع باقيًا ببقاء العين القائمة منهما (١). وقال المتأخرون من الحنابلة لا تصح الإقالة مع تلف المبيع، جاء في كشاف القناع: «وتصح الإقالة مع تلف ثمن، لا مع تلف مبيع لتعذر الرد فيه» (٢). وخالف في ذلك الشافعية فقالوا: تلف المبيع لا يمنع من الإقالة كالفسخ، وهو وجه في مذهب الحنابلة. قال الشافعي ﵀: «ومن سلف رجلًا دابةً، أو عرضًا في طعام إلى أجل، فلما حل الأجل، فسأله أن يقيله منه، فلا بأس بذلك، كانت الدابة قائمة بعينها أو فائتة؛ لأنه لو كانت الإقالة بيعًا للطعام قبل أن يقبض لم يكن له إقالته، فيبيعه طعاما له عليه بدابة للذي عليه الطعام، ولكنه كان فسخ البيع، وفسخ البيع إبطاله لم يكن بذلك بأس، كانت الدابة قائمة أو مستهلكة، فهي مضمونة، وعليه قيمتها إذا كانت مستهلكة» (٣). جاء في المجموع: «تلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ، وقد جوز الشافعي الإقالة بعد التلف ... » (٤). وجاء فيه أيضًا: «والإقالة بعد تلف المبيع جائزة على الأصح، إن قلنا: إنها فسخ» (٥).

стр. 3240

وقال النووي: «ولا تجوز الإقالة بعد تلف المبيع إن قلنا: بيع، وإلا فالأصح الجواز كالفسخ بالتحالف، وعلى هذا يرد المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا» (١). وجاء في قواعد ابن رجب: «هل يصح - يعني الإقالة - مع تلف السلع؟ على طريقتين: أحدهما: لا يصح على الروايتين، وهي طريقة القاضي في موضع من خلافه وصاحب المغني. والثاني: إن قلنا هي فسخ صحت وإلا لم تصح، قال القاضي في موضع من خلافه: هو قياس المذهب ... » (٢). وأما المالكية الذين يذهبون إلى أن الإقالة بيع مستأنف (٣)، فمقتضى المذهب عندهم أن الإقالة لا تصح مع تلف المبيع؛ لأنه من قبيل بيع المعدوم، فلا يصح، والله أعلم.

стр. 3241

المبحث الحادي عشر الإقالة بزيادة أو بنقص أو بغير جنس الثمن الإقالة فسخ إلا أن يتعذر حملها على الفسخ فتكون بيعًا. [م-٦٧٣] إذا كانت الإقالة بزيادة على الثمن، أو كانت بأنقص منه، أو كانت بغير جنس الثمن، فهل تصح الإقالة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تصح الإقالة؛ لأن الإقالة بيع، وإذا كانت بيعًا صحت بأكثر أو بأنقص أو بغير جنس الثمن، وهو اختيار أبي يوسف (١)، ومذهب المالكية (٢). وتصح أيضًا على رأي محمد بن الحسن، فإنه يرى أن الإقالة وإن كان الأصل فيها أنها فسخ إلا أنه إذا تعذر حملها على الفسخ جعلت بيعًا للضرورة، كما لو كانت الإقالة بأكثر من الثمن الأول (٣). القول الثاني لا تصح الإقالة بزيادة على الثمن، ولا بأنقص منه، ولا بغير جنس الثمن؛ لأنها فسخ للعقد، وليست بيعًا مستأنفًا. وإليه ذهب أبو حنيفة وزفر (٤)، وهو القول الراجح في مذهب

стр. 3242

الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). إلا أن أبا حنيفة يرى أنه إذا شرط زيادة على الثمن الأول، صحت الإقالة، وبطل شرط الزيادة؛ لتعذر الفسخ على الزيادة، لأن رفع ما لم يكن ثابتًا بالعقد الأول محال، فيبطل الشرط وحده، ولأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة بخلاف البيع (٣). وعلى قول الشافعية والحنابلة الإقالة باطلة؛ لأنهم أدخلوا فيها شرطًا فاسدًا (٤)؛ وهو شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل، فبطل كبيع درهم بدرهمين. جاء في أسنى المطالب: «ولا تصح إلا به أي بذلك الثمن، فإن زاد فيه أو نقص عنه، أو شرط فيه أجلًا، أو أخذ صحاحًا عن مكسرة، أو عكسه بطلت، وبقي العقد بحاله» (٥). وجاء في قواعد ابن رجب: «إذا تقايلا بزيادة على الثمن، أو نقص منه، أو بغير جنس الثمن، فإن قلنا: هي فسخ لم يصح; لأن الفسخ رفع للعقد، فيترادان العوضين على وجههما كالرد بالعيب وغيره وإن قلنا: هي بيع فوجهان حكاهما أبو الخطاب ومن بعده: أحدهما: يصح وقاله القاضي في كتاب الروايتين كسائر البيوع. والثاني: لا يصح وهو المذهب عند القاضي في (خلافه) وصححه السامري

стр. 3243

لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى ماله فلم يجز بأكثر من الثمن ... » (١). * * *

стр. 3244

المبحث الثاني عشر الإقالة بعد أن نما المبيع [م-٦٧٤] إذا تقايل المتبايعان، وقد نما المبيع، فلمن يكون النماء، في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن الزيادة المتصلة غير المتولدة، وكذلك النماء المنفصل المتولد يمنعان من الإقالة، أما الزيادة المتصلة المتولدة، والزيادة المنفصلة غير المتولدة فليستا من موانع الإقالة (١). مثال الزيادة المتصلة غير المتولدة: كأن يصبغ الثوب، أو يبني على الأرض، فهذا يمنع من الإقالة؛ لأن هذه الزيادة ليست بتابعة، بل هي أصل بنفسها، فلو رد المبيع فإنه لا يخلو: إما أن يرده وحده بدون الزيادة، وهذا لا سبيل إليه لتعذره. أو يرده مع الزيادة، وهذا أيضًا لا سبيل إليه لكون الزيادة ليست مبيعة، فامتنع أصلًا، والإقالة لا ترد على غير المبيع؛ فلو رده مع الزيادة لزم الربا، فإن الزيادة تكون فضلًا مستحقًا في عقد المعاوضة بلا مقابل، وهو معنى الربا أو شبهته، ولشبهة الربا حكم الربا، فلا يجوز، فامتنع أصلًا، وليس للبائع أن يأخذه وإن رضي المشتري بترك الزيادة؛ لأن الامتناع لم يتمحض لحقه، بل لحقه وحق الشرع بسبب ما ذكرنا من لزوم الربا.

стр. 3245

ومثال الزيادة المنفصلة المتولدة: كأن يكون المبيع حيوانًا، فيلد، أو بستانًا فيثمر. فالزيادة هنا مانع من الإقالة عند الحنفية. وجه ذلك: أن القول بالرد بالإقالة يتضمن محظورين؛ لأنها إما أن ترد الزيادة مع الأصل، أو يرد الأصل بدونها: فإن ردت مع الأصل ترتب على ذلك إعطاء ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه (١). وإن رد الأصل بدونها لزم منه الربا: لأن المشتري يكون أخذ الزيادة بدون مقابل، وذلك هو عين الربا، وما دام أن الفسخ يترتب عليه هذان المحظوران، فإننا نقول: يمتنع الرد (٢). ويناقش: بأن المشتري إذا أخذ الزيادة لم يكن ذلك بلا مقابل، بل أخذ ذلك في مقابل الضمان، ولذلك لم يعتبر الحنفية الغلة الحاصلة من كسب العبد إذا أخذها المشتري بأنها من قبيل الربا، مع أنها زيادة حاصلة من عين المبيع. وأما الزيادة التي لا تمنع من الرد عند الحنفية: فهي الزيادة المتصلة المتولدة: كالسمن في الحيوان، ومثل لو كان الحيوان مصابًا في عينه فيبرأ عند المشتري، فالإقالة في هذا الحيوان صحيحة؛ لأن الزيادة متصلة متولدة. ومثال الزيادة المنفصلة غير المتولدة: كما إذا اشترى رجل من آخر طاحونًا،

стр. 3246

أو حصانًا، فأجر المشتري الطاحون، أو أكرى الحصان، وقبض الأجرة، ثم تقايل البائع والمشتري فالإقالة صحيحة والأجرة للمشتري. وحجة هذا القول إجماع الفقهاء على أن الزيادة المنفصلة غير المتولدة كالغلة الحاصلة من تأجير المبيع لا تمنع من رد المبيع بالعيب، والإقالة مقيسة عليه. جاء في تحفة الفقهاء: «أجمعوا أن الكسب والغلة التي تحدث بعد القبض لا تمنع فسخ العقد» (١). القول الثاني: التفريق بين النماء المتصل وبين النماء المنفصل، فالمتصل يتبع المبيع، والمنفصل يكون للمشتري. وهذا مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣). وقال ابن رجب في القواعد: «إذا نما المبيع نماء منفصلًا، ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة بيع، لم يتبع النماء بغير خلاف. وإن قلنا: فسخ، فقال القاضي: النماء للمشتري، وينبغي تخريجه على وجهين، كالرد بالعيب، والرجوع للمفلس» (٤).

стр. 3247

وقد تكلمنا في باب الرد بالعيب على حكم الزيادة المتصلة والمنفصلة بما يكفي، ولا يختلف الكلام في ذلك الباب عن الكلام في الإقالة، بجامع أن كلًا منهما فسخ للمعقود عليه. كما رجحنا هناك بأنه لا فرق بين الزيادة المتصلة، وبين الزيادة المنفصلة، بأن كلًا منهما للمشتري؛ لأنه نماء حدث في ملكه، إلا أن الزيادة المتصلة يكون المشتري فيها شريكًا للبائع بقدر الزيادة الحاصلة، وإذا لم يرغب البائع في شركة المشتري فعليه ألا يقبل الإقالة، وقد تغير المبيع. قال ابن رجب في القواعد: «(القاعدة الحادية والثمانون): النماء المتصل في الأعيان المملوكة العائدة إلى من انتقل الملك عنه بالمفسوخ تتبع الأعيان على ظاهر المذهب عند أصحابنا. والمنصوص عن أحمد: أنه لا يتبع، وهو الذي ذكره الشيرازي في المبهج ولم يحك فيه خلافًا، وهو اختيار ابن عقيل، صرح به في كتاب الصداق، والشيخ تقي الدين ..... ويتخرج على ذلك مسائل: منها: المردود بالعيب إذا كان قد زاد زيادة متصلة، كالسمن، وتعلم صناعة، فالمشهور عند الأصحاب أن الزيادة للبائع تبعًا لأصلها، ولا يستحق المشتري عليه شيئًا. وخرج ابن عقيل: بأن الزيادة للمشتري، وكذلك قال الشيرازي، وزاد أنه يرجع على البائع بقيمة النماء، وكذلك ذكر الشيخ تقي الدين إبهامه من عموم كلام أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى غنمًا، فنمت، ثم استحقت، فالنماء له، قال: وهذا يعم المنفصل والمتصل.

стр. 3248

قلت (القائل ابن رجب):وقد نص أحمد على الرجوع بقيمة النماء المتصل صريحًا كما قال الشيرازي في رواية ابن منصور: فيمن اشترى سلعة، فنمت عنده، وكان بها داء، فإن شاء المشتري حبسها، ورجع بقدر الدواء، وإن شاء ردها، ورجع عليه بقدر النماء، وتأولها القاضي على أن النماء المتصل يرده معها، وهو ظاهر الفساد؛ لأن الضمير في قوله رجع يعود إلى المشتري، وفي قوله عليه يعود إلى البائع، وإنما يرجع المشتري على [البائع بقيمة] النماء المنفصل ووجه الإجبار هنا على دفع القيمة: أن البائع قد أجبر على أخذ سلعته، ورد ثمنها فكذلك نماؤها المتصل بها يتبعها في حكمها، وإن لم يقع عليه العقد، والمردود بالإقالة والخيار يتوجه فيه مثل ذلك، إلا أن يقال الفسخ للخيار وقع للعقد من أصله، بخلاف العيب والإقالة، وقد صرح بذلك القاضي وابن عقيل في خلافهما وفيه بعد» (١). هذه بعض الأحكام التي كان الخلاف فيها مبنيًا على الخلاف في حقيقة الإقالة، هل هي بيع أو فسخ، وقد رجحنا أن الإقالة فسخ، إلا أنها إذا كانت بأكثر من الثمن فتعتبر بيعًا، يثبت لها أحكام البيع، والله أعلم. * * *

стр. 3249

الفصل الثالث في أركان الإقالة [م-٦٧٥] من رأى أن الإقالة بيع رأى أنها عقد من العقود، والعقد لا يقوم إلا بتوفر أركانه، وشروطه. وأركان الإقالة: هي أركان البيع، وقد تم بحثها فيما سبق. ومن رأى أن الإقالة فسخ لم يتعرض لأركان الإقالة، وهم الأكثر إلا أن بعضهم لما رأى أن الإقالة لا يستقل بها أحد العاقدين، بل لا بد فيها من إيجاب وقبول رأى أن لها شبهًا في العقود، فأصبح يدخل في مباحثها (أركان الإقالة) وهم قلة. وقد اختلف العلماء في أركان الإقالة: فالحنفية يرون أن أركان الإقالة: هي الإيجاب من أحد العاقدين والقبول من الآخر، فإذا وجد الإيجاب من أحدهما والقبول من الآخر بلفظ يدل عليه فقد تم الركن (١). لا فرق عندهم بين توصيف الإقالة بأنها بيع، أو أنها فسخ. وأما الجمهور: فأركان الإقالة عندهم إن اعتبرنا الإقالة فسخًا اثنان: الأول: العاقدان: وهما المستقيل: وهو الذي يطلب الإقالة: والمقيل، وهو الذي يملكها منهما. الثاني: الصيغة التي تعبر عن رضا المتعاقدين بالإقالة.

стр. 3250

ويزاد عليه إن اعتبرنا الإقالة بيعًا (المقال فيه)، والسبب أننا إن اعتبرنا الإقالة فسخًا فلا يعد المقال فيه ركنًا في الإقالة؛ لأن الفسخ يرد على المعدوم كما يرد على الموجود. وإن اعتبرنا الإقالة بيعًا، فإن المقال فيه يعتبر ركنًا في العقد، فلا بد من وجود المقال فيه (محل العقد). وسبب الاختلاف: أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهذه الأشياء من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده. بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته. ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركنًا، وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى

стр. 3251

غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركنًا» (١). ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات ومعاملات. * * *

стр. 3252

الفصل الرابع في شروط الإقالة المبحث الأول في الشروط المتفق عليها الشرط الأول رضا المتقالين [م-٦٧٦] تختلف شروط الإقالة من مذهب لآخر بناء على اختلافهم في توصيف الإقالة، هل هي بيع، أو فسخ. وهناك شروط هي محل اتفاق بين القولين، سواء قلنا: إنها بيع، أو قلنا: إنها فسخ. فمن تلك الشروط رضا المتقايلين. فالرضا شرط لصحة الإقالة سواء اعتبرنا الإقالة بيعًا أو اعتبرناها فسخًا؛ لأن الكلام في رفع العقد اللازم، والعقد اللازم لا يمكن رفعه إلا برضا الطرفين. أما رفع العقد غير اللازم فعائد إلى صاحب الخيار، ولا يشترط فيه رضا الآخر، ولا يقال لرفع هذا العقد: إقالة. ولو أكره عليها المتقايلان، أو أحدهما لم تصح الإقالة.

стр. 3253

الشرط الثاني اتحاد المجلس [م-٦٧٧] لما كان ركن الإقالة المتفق عليه كما سبق هو الإيجاب والقبول، فأشبهت الإقالة سائر العقود القائمة على الإيجاب والقبول، كعقد البيع، فالمراد: باتحاد المجلس: هو موافقة القبول للإيجاب في مجلس واحد. والذي حمل الفقهاء على اعتبار اتحاد المجلس شرطًا في عقد الإقالة، أننا إن قلنا باشتراط الفورية في القبول كان في ذلك تضييق على من وجه إليه الإيجاب، وعدم إعطائه فرصة للتدبر. فإن رفض فورًا ضاعت فرصة يتطلع لها الشارع، وهو إقالة النادم من العاقدين إلى الإقالة، وربما كان له في قبول الإقالة حظ له في الدنيا مع حظ الآخرة، وإن قبل فورًا ربما كان في الإقالة ضرر عليه، فيحتاج لفترة تأمل للموازنة بين ما يغنم، وبين ما يغرم. وإن قلنا: يسمح له أن يتأخر في صدور القبول حتى بعد التفرق، كان في ذلك إضرار بالموجب، وذلك بإبقائه مدة طويلة دون الرد على إيجابه، ومن هنا كان القول باتحاد المجلس قولًا وسطًا. وعن هذا قال الفقهاء: إن المجلس يجمع المتفرقات. يقول البابرتي: «ما وجه اختصاص خيار الرد والقبول بالمجلس، ولم لا يبطل الإيجاب عقب خلوه عن القبول؟ أو لمَ لا يتوقف على ما وراء المجلس؟ وتقرير الجواب: أن في إبطاله قبل انقضاء المجلس عسرًا بالمشتري، وفي إبقائه فيما وراء المجلس عسرًا بالبائع، وفي التوقف على المجلس يسرًا بهما

стр. 3254

جميعًا، والمجلس جامع للمتفرقات .... فجعلت ساعاته ساعة واحدة، دفعًا للعسر، وتحقيقًا لليسر» (١). إذا علم ذلك، فإن اتحاد المجلس تارة يكون حقيقيًا بأن يكون الطرفان حاضرين معًا، فيكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. وتارة يكون حكميًا: كما لو تفرق مجلس القبول عن مجلس الإيجاب كما لو كانت الإقالة عن طريق المكاتبة والمراسلة. والمراد بالمجلس: ما هو أعم من الجلوس، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان (٢). ومجلس الإقالة: هو الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالإقالة، فإن أعرضا عنها واشتغلا عنها بما يقطعها عرفًا فقد انقطع المجلس، ومن الإعراض عن الإقالة انفضاض المجلس دون صدور القبول. جاء في البحر الرائق: «المجلس المتحد: ألا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض عن العقد» (٣). وقال أيضًا: «القيام - يعني عن المجلس - دليل الإعراض» (٤). فالعبرة هو الإعراض عن الإقالة، سواء كان ذلك بالقيام من المجلس، أو كان ذلك بالإعراض عنها والاشتغال بغيرها، ولو كان المجلس باقيًا، فلا ينبغي أن يؤثر انتقالهما من مجلس إلى مجلس آخر ما داما منشغلين بالإقالة.

стр. 3255

وجاء في درر الحكام «وصورة اختلاف المجلس: أن يوجب أحدهما، فيقوم الآخر قبل القبول، أو يشتغل بعمل يوجب اختلاف المجلس» (١). ويترتب على القول باتحاد المجلس أحكام منها: الأول: تحديد أجل للقبول يكون للقابل فيه حق التروي، فيقبل في خلاله، أو بمعنى آخر أنه يجوز أن يتراخى القبول عن الإيجاب ما دام المتعاقدان في مجلس العقد، ولم يعرضا عنه. الثاني: أن للموجب خيار الرجوع عن إيحابه إلى أن يصدر القبول أو ينفض المجلس. قال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما شرائط صحة الإقالة فمنها .... المجلس لما ذكرنا أن معنى البيع موجود فيها، فيشترط لها المجلس كما يشترط للبيع» (٢). وقال ابن عابدين: «اتحاد المجلس في الإيجاب والقبول شرط في الإقالة» (٣). هذان الشرطان متفق عليهما سواء اعتبرت الإقالة فسخًا، أو اعتبرت بيعًا، أما باقي الشروط فإنه مختلف فيها لاختلافهم في تكييف الإقالة.

стр. 3256

المبحث الثاني في شروط الإقالة المختلف فيها الشرط الأول اشتراط أن تكون الإقالة بمثل الثمن الأول [م-٦٧٨] هذا الاختلاف في هذا الشرط راجع إلى الاختلاف في تكييف الإقالة، وهل هي فسخ، أو بيع مستأنف، فمن رأى أنها فسخ أوجب أن تكون بالثمن الأول. وهذا مذهب أبي حنيفة وزفر (١)، والراجح في مذهب الشافعية (٢). والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). ومن رأى أنها بيع لم يمنع من أن تكون الإقالة بمثل الثمن الأول، أو بأكثر منه، أو بأنقص، وهذا اختيار أبي يوسف من الحنفية (٤)، والمالكية (٥). وكذلك على رأي محمد بن الحسن، فإنه يرى أن الإقالة وإن كان الأصل فيها أنها فسخ إلا أنه إذا تعذر حملها على الفسخ جعلت بيعًا للضرورة، كما لو كانت الإقالة بأكثر من الثمن الأول (٦).

стр. 3257

وقد تكلمنا على هذه المسألة مرتين، مرة عند الكلام على حقيقة الإقالة، ومرة عند الكلام على ثمرة الخلاف، فأغنى عن إعادة الكلام هنا. * * *

стр. 3258

الشرط الثاني اشتراط العلم بالمقال فيه والقدرة على تسليمه [م-٦٧٩] من الشروط المختلف فيها اشتراط العلم بالمقال فيه، واشتراط القدرة على تسليمه، والاختلاف في هذين الشرطين راجع إلى الاختلاف في توصيف الإقالة، هل هي فسخ، أو بيع مستأنف، فمن رأى أنها فسخ لم يوجب العلم بالمقال فيه، ولا القدرة على تسليمه. ومن رأى أن الإقالة بيع اشترط العلم بالمقال فيه، وتمييزه عن غيره، والقدرة على تسليمه. وقد تكلمنا على هذه المسألة عند الكلام على ثمرة الخلاف في حقيقة الإقالة، فأغنى عن إعادة الكلام هنا. * * *

стр. 3259

الفصل الخامس في صيغ الإقالة كثير من الفقهاء لم يتوجهوا للبحث في صيغ الإقالة اكتفاء بالكلام على صيغ الإيجاب والقبول في عقد البيع، فأحكام الإيجاب والقبول واحدة، لا فرق فيها بين عقد البيع، وبين عقد الإقالة. وأكثر ما بحثوا في صيغ الإقالة، هل تصح الإقالة بغير لفظ الإقالة، كلفظ التراد، والتفاسخ، والمصالحة، ونحوها، وأكثر من بحث صيغ الإقالة هم الحنفية، ولذلك سيكون الكلام في الإيجاب والقبول في عقد الإقالة مقيسًا على عقد البيع فيما لم أجد فيه نصًا عن الفقهاء في صيغ الإقالة. أسأل الله وحده عونه وتوفيقه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤]. * * *

стр. 3260

المبحث الأول الصيغة القولية الفرع الأول الإقالة بغير لفظ الإقالة [م-٦٨٠] بينا سابقًا أن الرضا شرط في صحة الإقالة، وأن الإكراه على الإقالة بغير حق يبطلها. والتعبير عن الرضا تارة يكون بالصيغة القولية، وتارة يكون بالصيغة الفعلية. وأما الإقالة بالقول، فهذه الصيغة محل اتفاق، ولكن السؤال هل يشترط للإقالة أن تكون بصيغة الإقالة؟ فذهب الجمهور إلى صحة الإقالة بأي لفظ يؤدي المعنى، وأنه لا يتعين فيها لفظ معين. وذهب الحنفية إلى أن الإقالة إن كانت بلفظ البيع فهي بيع إجماعًا (١). وإن كانت الإقالة بلفظ المفاسخة، أوالمتاركة، أو التراد لم تجعل بيعًا اتفاقًا، فهي فسخ عندهم قولًا واحدًا، وهذا يعني عدم حصر الإقالة بلفظ الإقالة. وإن كانت بلفظ الإقالة فهي على الخلاف، فقيل: هي فسخ، وقيل: هي بيع (٢). جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ولا ينحصر انعقاد الإقالة في لفظ
следующие страницы →