← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

المبحث الثاني: في حكم السلم الموازي. الباب الخامس: في عقد الاستصناع. تمهيد: في تعريف الاستصناع وبيان مقوماته الفصل الأول: في توصيف عقد الاستصناع المبحث الأول: الفرق بين الاستصناع وبين السلم. المبحث الثاني: الاستصناع بين العقد والوعد. المبحث الثالث: الاستصناع عقد بيع أو إجارة. المبحث الرابع: الإستصناع عقد لازم أو جائز الفصل الثاني: خلاف الفقهاء في عقد الإستصناع. الفصل الثالث: في شروط عقد الإستصناع. الشرط الأول: ذكر الجنس والنوع والقدر. الشرط الثاني: أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس. الشرط الثالث: في ذكر الأجل فيه. عقد المقاولة: ويتكون من تمهيد وسبعة أبواب، والأبواب مقسمة إلى فصول، ومباحث وغيرها، على النحو التالي. التمهيد: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في تعريف المقاولة. المبحث الثاني: في خصائص عقد المقاولة. الباب الأول: في حقيقة المقاولة. ويشتمل على فصلين:

стр. 3292

الفصل الأول: في التوصيف الفقهي لعقد المقاولة. المبحث الأول: في توصيف العقد إذا كان العمل والمواد من المقاول. المبحث الثاني: أن يقدم المقاول العمل فقط. الفصل الثاني: في الحكم الفقهي للمقاولة. الباب الثاني: في شروط المقاولة. الباب الثالث: في الالتزامات الناشئة عن عقد المقاولة. الفصل الأول: في التزام المقاول. المبحث الأول: التزام المقاول بإنجاز العمل. المبحث الثاني: التزام المقاول بشأن مواد العمل. المبحث الثالث: تسليم العمل بعد إنجازه. الفصل الثاني: في التزام رب العمل. المبحث الأول: تمكين المقاول من إنجاز العمل. المبحث الثاني: تسليم العمل بعد إنجازه. المبحث الثالث: في دفع الأجرة المستحقة للمقاول. الفرع الأول: في وقت امتلاك المقاول للأجرة. الفرع الثاني: في شروط الأجرة. الشرط الأول: في معرفة الأجرة. الشرط الثاني: في اشتراط تعجيل الأجرة إذا كانت معينة. الشرط الثالث: في تأجيل الأجرة إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة.

стр. 3293

الشرط الرابع: في أجرة المقاول إذا كانت منفعة. الباب الرابع: في ضمان المقاول. الفصل الأول: في ضمان المقاول إذا كان متعهدًا بالمواد. الفصل الثاني: في ضمان المقاول إذا كانت المواد من رب المال. المبحث الأول: أن تكون العين في يد المقاول. المبحث الثاني: في ضمان المقاول والعين في يد صاحبها. الفصل الثالث: في صفة العيب المضمون. الفصل الرابع: في كيفية الضمان إذا كانت المواد من المقاول. الفصل الخامس: في كيفية الضمان إذا كانت المواد من رب العمل. الفصل السادس: إذا حبس العين لاستيفاء الأجرة فتلفت. الفصل السابع: في البراءة من العيب. الباب الخامس: في المقاولة من الباطن. الفصل الأول: في تعريف المقاولة من الباطن. الفصل الثاني: في حكم عقد المقاولة من الباطن. الفصل الثالث: في ضمان المقاول من الباطن. الباب السادس: في الشرط الجزائي الفصل الأول: حكم اشتراط مثل هذا الشرط في العقود الفصل الثاني: في أخذ الشرط الجزائي على المقاول. الفصل الثالث: في أخذ الشرط الجزائي على صاحب العمل.

стр. 3294

الباب السابع: في انتهاء عقد المقاولة. الفصل الأول: في انتهاء المقاولة بإنجاز العقد. الفصل الثاني: إنهاء عقد المقاولة عن طريق الإقالة. الفصل الثالث: انتهاء المقاولة بوجود ما يقتضي الفسخ. الفصل الرابع: في موت المقاول. عقد التوريد: ويشتمل على تمهيد، وبابين. التمهيد: ويشتمل على مباحث: المبحث الأول: التعريف بعقد التوريد. المبحث الثاني: خصائص عقد التوريد. المبحث الثالث: عقد التوريد وبيع ما ليس عند المورد. الباب الأول: في توصيف عقد التوريد. الفصل الأول: عقد التوريد والعقود المسماة. الفصل الثاني: التوريد بين العقد والوعد. الفصل الثالث: التوريد من العقود اللازمة. الفصل الرابع: التوريد عقد مركب من بيع وإجارة. الباب الثاني: حكم عقد التوريد في الفقه الإسلامي. الفصل الأول: أن تكون السلعة الموردة معينة. المبحث الأول: أن تباع بلا رؤية ولا صفة. المبحث الثاني: أن تباع السلعة المعينة الغائبة بالوصف.

стр. 3295

الفصل الثاني: أن تكون السلعة موصوفة في الذمة. المبحث الأول: أن تتطلب السلعة صناعة. المبحث الثاني: أن تكون السلعة لا تتطلب صناعة. المبحث الثالث: أن يتم توريد السلعة من دائم العمل. الفصل الثالث: تأثير الظروف الطارئة على التزامات المقاول. عقود المناقصات: ويشتمل على تمهيد، وثلاثة أبواب. التمهيد: ويشتمل على مباحث: المبحث الأول: تعريف المناقصة والعلاقة بينها وبين المزايدة. المبحث الثاني: في خصائص عقد المناقصة. المبحث الثالث: مقومات عقد المناقصة. الباب الأول: في الإجراءات المتبعة في عقد المناقصة. الباب الثاني: في الإيجاب والقبول. الفصل الأول: تحديد الإيجاب والقبول في عقد المناقصة. الفصل الثاني: في رجوع المتقدم بالعطاء عن إيجابه قبل رسو المناقصة. الفصل الثالث: في تقديم الإيجاب الأكثر على الإيجاب الأقل. الباب الثالث: في التوصيف الفقهي للمناقصة. الفصل الأول: في حكم بيع دفتر الشروط. الفصل الثاني: خطاب الضمان في عقد المناقصة. المبحث الأول: التعريف بخطابات الضمان.

стр. 3296

المبحث الثاني: أنواع الضمان في عقد المناقصة. المبحث الثالث: في مصادرة مبلغ الضمان إذا سحب العارض عرضه قبل البت. الفرع الأول: في حكم مصادرة الضمان الابتدائي. الفرع الثاني: في حكم مصادرة الضمان النهائي. الفصل الثالث: في حكم إجراء عقد المناقصة. هذه آخر مسألة في خطة بحث المجلد الثامن، والحمد لله على عونه وتوفيقه، وسوف يلي هذه العقود إن شاء الله تعالى عقد الإجارة في المجلد التاسع، أسأل الله العون والسداد. * * *

стр. 3297

عقد السلم تمهيد تعريف السلم تعريف السلم اصطلاحًا (١): السلم نوع من البيوع، إلا أنه لما كان له شروط خاصة أعطي اسمًا خاصًا. وقد ذكر الفقهاء للسلم تعريفات عدة تختلف فيما بينها في بعض القيود تبعًا لاختلافهم في الشروط المعتبرة فيه. فالفقهاء متفقون على أن السلم عقد (٢). وبعضهم يصرح بأنه عقد بيع (٣). ومتفقون أيضًا أن المبيع موصوف.

стр. 3298

ومتفقون أيضًا أن الموصوف غير معين: أي دين في الذمة، فلا يجوز في السلم أن يكون العقد على عين معينة، ولو كانت موصوفة؛ لأن العين لا تسمى سلمًا. ويختلف الدين عن العين بأمرين هما: الأول: في المتعلق، فالدين متعلق في الذمة، وقد يكون حالًا، وقد يكون مؤجلًا. والعين يتعلق الحق بذاتها، وليس في الذمة، وقد تكون حاضرة، وقد تكون غائبة. وبناء على هذا الفرق: فإن ما تعلق بالذمة لا يبطل، ولو تلف مال صاحبه كله؛ لأن متعلقه بالذمة لم يتعلق حقه بعين معينة، بينما العين إذا تلفت بغير تعد، ولا تفريط فقد فاتت على صاحبها؛ لأن حق صاحبها متعلق بعينها. وكذلك من عليه دين فإن له قضاءه من أي ماله شاء، وإن لم يدفع عينه. بخلاف العين، فإن الحق يتعلق بذاتها لا بأمثالها. الفارق الثاني: الحوالة والمقاصة لا تجري إلا في الديون؛ لأن الأعيان إنما تستوفى بذاتها لا بأمثالها. هذا ما يتفق عليه الفقهاء في عقد السلم، وأما ما يختلفون فيه فإنهم يختلفون فيما يلي: (١) - يختلف الشافعية مع الجمهور: بأن الشافعية يصححون السلم حالًا ومؤجلًا بينما الجمهور يرون اشتراط الأجل في صحة السلم. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف في السلم الحال. (٢) - يختلف المالكية مع الجمهور في تسليم الثمن في مجلس العقد.

стр. 3299

فالجمهور يشترطون تسليم رأس المال في مجلس العقد، بينما المالكية أجازوا تأجيله اليوم واليومين والثلاثة؛ لخفة الأمر. هذه هي الفروق، وواضح أن الحنفية والحنابلة متفقون على التعريف، وانفرد المالكية بجواز تأخير الثمن يومًا، أو يومين؛ لقرب الأمر، كما انفرد الشافعية بجواز أن يكون السلم حالًا. إذا عرف هذا، نأتي إلى ذكر التعريفات: عرفه الحنفية: بأنه بيع آجل بعاجل (١). فقوله: (بيع): أخرج القرض، فإنه مبادلة عاجل بآجل، ولكنه على سبيل الإرفاق والإحسان، وليس على سبيل التكسب والمعاوضة. وقوله (آجل) إشارة إلى أن الحنفية يشترطون الأجل في المسلم فيه، وقد خرج بهذا القيد كل بيع يجب فيه التقابض، كبيع الصرف، وبيع الأموال الربوية المتحدة في العلة، كبيع الذهب بالفضة، وبيع البر بالتمر، فإن هذه البيوع لا يجوز أن يسلم فيها؛ لأنه لا يجوز تأجيل المبيع. ويؤخذ على التعريف: أنه لم يذكر قيد أن يكون المؤجل متعلقًا بالذمة، فإن المعين قد يكون مؤجلًا، ولا يسمى سلمًا، بل لا بد أن يكون المؤجل متعلقًا بالذمة، أي غير معين. فمن اشترى سيارة زيد على أن يستلمها بعد شهر فهذا المبيع عين مؤجلة، ولا تتعلق بالذمة؛ لأن السلعة كما قلت معينة، ومن اشترى سيارة يستلمها بعد شهر صفتها كذا، وكذا، ولم يرد سيارة بعينها، فهذا المبيع دين مؤجل، ومحله

стр. 3300

الذمة، وإن كان الحنفية لا يجيزون تأجيل المعين، بل يجب أن يكون حالًا عندهم. وقد نص العيني في عمدة القارئ على أن يكون المسلم فيه موصوفًا في الذمة (١). وقولهم (بعاجل) إشارة إلى وجوب تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لأن تأجيل الثمن، والمبيع مؤجل يجعل العقد من باب بيع الدين بالدين المتفق على منعه، وهو ما يسمى ابتداء الدين بالدين. تعريف المالكية: عرفه القرطبي بقوله: «بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم» (٢). فهذا التعريف موافق لتعريف الجمهور إلا في قوله (أو ما هو في حكمها) أي في حكم العين الحاضرة، حيث يرى المالكية أنه يجوز تأخير قبض رأس مال السلم يومين، أو ثلاثة؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، بينما يرى الجمهور أنه لا يجوز التفرق قبل قبض الثمن في مجلس العقد. تعريف الشافعية: عرفه النووي بقوله: «عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا (٣). وعرفه بعض الشافعية: تسليم عاجل في عوض، لا يجب تعجيله (٤).

стр. 3301

وهذا التعريف أكثر تعبيرًا عن قيود الشافعية، فقوله: لا يجب تعجيله، إشارة إلى جواز السلم الحال، والمؤجل. وهذا التعريف موافق لتعريف الجمهور إلا أن الشافعية لم يشترطوا الأجل في المسلم فيه. تعريف الحنابلة: قال في المطلع: «عقد على موصوف في الذمة، مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد» (١). وبهذا يتبين لنا أن عقد السلم هو عكس بيع المرابحة المصرفية، فبيع المرابحة المصرفية يقوم على تسليم المبيع مقدمًا، وتأجيل الثمن في مقابل زيادة في الثمن نظير التأجيل، بينما عقد السلم يقوم على تسليم الثمن مقدمًا، وتأجيل المبيع، مقابل زيادة في مقدار المبيع، وفي صفته. ويتكون عقد السلم مما يلي: (١) - مشتر ويسمى في لغة الفقهاء: (المسلم، أو يقال: رب السلم). (٢) - بائع، ويسمى: (المسلم إليه). (٣) - الثمن المقدم، ويسمى: (رأس مال السلم). (٤) - المبيع المؤجل ويسمى: (المسلم فيه، أو دين السلم). * * *

стр. 3302

الباب الأول في حكم السلم الفصل الأول في الأدلة على مشروعية السلم إذا جاز أن يثبت الثمن في الذمة، جاز أن يثبت المبيع في الذمة؛ لأنه أحد العوضين، فما جاز في الثمن جاز في المثمن. [م-٦٨٨] الأدلة على مشروعية السلم: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالآية بعمومها تشمل جميع المداينات. (ث-٩٢) فقد روى ابن أبي شيبة من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج. عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله، وأذن فيه، ثم قرأ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] (١). [حسن] (٢).

стр. 3303

قال شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀: «فيها - يعني الآية - فوائد كثيرة، منها: جواز المعاملات في الديون، سواء كانت ديون سلم، أو شراء مؤجل ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقرهم عليه الملك الديان» (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. [البقرة: ٢٧٥] أخذ بعض العلماء من عموم الآية جواز السلم؛ باعتبار السلم نوعًا من البيع (٢). الدليل الثالث: (ح-٥١٢) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال. عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (٣). وفي رواية للبخاري: قدم النبي ﷺ ، وهم يسلفون في الثمار السنتين،

стр. 3304

والثلاث، فقال: أسلفوا في الثمار في كيل معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١). وفي رواية للبخاري: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٢). الدليل الرابع: (ح-٥١٣) روى البخاري بإسناده من طريق شعبة، عن ابن أبي المجالد قال: اختلف عبد الله بن شداد بن الهاد، وأبو بردة في السلف، فبعثوني إلى ابن أبي أوفى ﵁، فسألته فقال: إنا كنا نسلف على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر في الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. وسألت ابن أبزى، فقال مثل ذلك (٣). ورواه البخاري من طريق الشيباني، حدثنا محمد بن أبي المجالد، قال: بعثني عبد الله بن شداد، وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقالا: سله، هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة، قال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة، والشعير، والزيت، في كيل معلوم، إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى، فسألته، فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ، ولم نسألهم، ألهم حرث، أم لا؟ (٤).

стр. 3305

وهذا يدل على أن تعاطي السلم لم يكن فيه خلاف بين أصحاب النبي ﷺ في عصر التشريع وبعده. الدليل الخامس: من الإجماع، نقل الإجماع الشافعي، قال في الأم: «والسلف بالصفة والأجل ما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم حفظت عنه» (١). وقال القرطبي ﵀: «والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه ﵇، عن بيع ما ليس عندك ... » (٢). وقال النووي: «أجمع المسلمون على جواز السلم» (٣). وممن حكى الإجماع الزيلعي في تبيين الحقائق (٤)، وابن قدامة في المغني (٥)، وابن رشد في بداية المجتهد (٦)، وغيرهم. وقال ابن حجر: «اتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكي عن ابن المسيب» (٧). ولا أدري ما صحة ما ينسب عن ابن المسيب، ذلك أن في مدونة مالك، ومصنف ابن أبي شيبة ما يدل على أنه يرى جواز السلم في الجملة (٨).

стр. 3306

الدليل السادس: من القياس، فإنه إذا جاز أن يثبت الثمن في الذمة جاز أن يثبت المبيع في الذمة؛ لأنه أحد العوضين، فما جاز في الثمن جاز في المثمن. الدليل السابع: حاجة الناس إلى جواز السلم، والشريعة إنما جاءت لتلبية حاجة الناس فيما لا ظلم فيه، فأرباب الثمار وأصحاب الصناعات ربما احتاجوا إلى السيولة النقدية لتمويل مشاريعهم، وإكمالها، وإصلاح ثمارهم، وربما أعوزتهم النفقة، فجوز لهم السلم؛ ليرتفقوا بذلك، ويرتفق به من لديه فائض مالي يبحث عن استثماره وذلك في حصوله على سلع بسعر رخيص، سواء كانت حاجته للسلع للتجارة، أو استهلاك. * * *

стр. 3307

الفصل الثاني أهمية عقد السلم للمصارف الإسلامية قال ابن عباس: لما حرم الله الربا أباح السلم (١). وقال الرازي: جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ... (٢). [م-٦٨٩] السلم في أصله عقد ينهض بوظيفة التمويل، وهو بذلك بديل للربا المتفق على تحريمه، وصالح لعمل البنوك الإسلامية من حيث مرونته، واستجابته لحاجات التمويل المختلفة، سواء أكان التمويل قصير الأجل، أم متوسطه، أم طويله، ويستطيع أن يلبي حاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء، سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين، أم الصناعيين، أم المقاولين، أم من التجار. جاء في تفسير البغوي: «قال ابن عباس ﵄: لما حرم الله الربا أباح السلم» (٣). وجاء في تفسير الرازي لآية المداينة: «جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم، ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة، ولا منفعة، يوصل إليها بالطريق الحرام، إلا وضع الله لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقًا حلالًا، وسبيلًا مشروعًا» (٤).

стр. 3308

فالبنك الإسلامي بإمكانه أن يشتري السلع المثلية، ويدفع الثمن حالًا، ويقبض الكمية التي اشترى بعد ستة أشهر، أو سنة، أو أكثر من ذلك، وتستطيع البنوك عند تسلم المسلم فيه (المبيع) أن تقوم ببيعه نقدًا، أو بالأجل، والبيع بالأجل ييسر على المشترين، ويحقق ربحًا جديدًا للبنك، ويستطيع البنك أن يبقى في إطار الوساطة المالية، ولا يعمل عمل التجار، فلا يضطر إلى استئجار مستودعات، ومخازن، وذلك بالدخول في عقد سلم موازٍ، يكون فيه المصرف بائعًا بعد أن كان مشتريًا في العقد الأول، ويبيع تلك السلعة المثلية بالوصف، وليس عين ما اشتراه؛ لأنه لا يجوز البيع قبل قبض السلعة، ويجعل أجل التسليم مماثلًا لما اشترى، وعندئذ يتمثل ربح البنك في الفرق بين سعر شرائه وسعر بيعه. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «تعددت مجالات تطبيق عقد السلم، ومنها ما يلي: أ - يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم، أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها، ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم، فيقدم لهم بهذا التمويل نفعًا بالغًا، ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم. ب - يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي، والصناعي، ولاسيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها سلمًا، وإعادة تسويقها بأسعار مجزية. ج - يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين، وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات، وآلات،

стр. 3309

أو مواد أولية، كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم، وإعادة تسويقها» (١). لهذا يجب على المصارف الإسلامية، والباحثين والمتخصصين في التمويل الإسلامي النظر إلى عقد السلم كبديل عملي للإقراض الربوي. فيتفق التمويل بالسلم مع التمويل الربوي بما يلي: أن الممول بعقد السلم يستطيع أن يدفع مالًا حاضرًا (رأس مال السلم) ليحصل على مبيع بثمن أرخص من قيمته الحاضرة، فكأنه دفع مالًا أقل، ليأخذ أكثر مقابل التأجيل. وهو بهذا يتفق مع البنك الربوي الذي يدفع أقل، ليأخذ أكثر في مقابل التأجيل. إلا أنه يختلف عن التمويل الربوي بما يلي: (١) - أن الواسطة في تمويل السلم هي السلع الموصوفة في الذمة، بينما الواسطة لدى البنوك التقليدية هي النقود، وليست السلع. وهذا فارق جوهري، فالتمويل في عقد السلم يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية من سلع صناعية، أو زراعية، بخلاف الاتجار بالنقود، فهو لا يخدم سوى أصحاب رؤوس الأموال فقط، ليكون المال دولة بين الأغنياء. (٢) - إذا تعذر تسليم السلعة في عقد السلم، واختار البنك، أو المشتري عدم فسخ العقد، وإمهال البائع، فإنه لا يجوز له أن يأخذ مقابل التأجيل أية فوائد، أو زيادة في صفة المبيع، أو في كميته، بل ينظر البائع في إرفاق يشبه القرض إلى أن يتمكن من توفير السلعة، بخلاف التمويل الربوي فإنه يحسب فائدة على المدة التي يتأخر فيها عن التسديد، ولو كان التأخر لظروف خارجة عن إرادته.

стр. 3310

(٣) - التمويل في عقد السلم معرض للربح، والخسارة، فقد تهبط السلع في وقت التسليم، ويكون ثمنها أرخص من ثمنها وقت الشراء، ويكون ذلك من صالح البائع، وقد يحصل العكس، فقد ترتفع قيم السلع، فيتضاعف الربح، ويكون هذا من صالح المشتري، فالحصول على الربح أمر محتمل وليس مؤكدًا، وهذه طبيعة التجارة، بل طبيعة التمويل، والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي. وهذا يحقق العدل، والمساواة بين طرفي العقد، فليس هناك طرف يمكنه الحصول على ربح مضمون، بل كلا الطرفين معرض للربح والخسارة. أما التمويل الربوي فهو لا يعرض نفسه للمخاطر، فهو يدفع نقودًا ليأخذها مضافًا إليها الفائدة الربوية، سواء ربح متلقي التمويل، أم خسر. هذه أهم الفروق بين التمويل في عقد السلم، وبين التمويل في عقد الربا. * * *

стр. 3311

الفصل الثالث عقد السلم على وفق القياس [م-٦٩٠] بعد اتفاق الفقهاء على جواز عقد السلم، فقد اختلفوا هل هذه الإباحة متفقة مع القياس، وقواعد الشريعة، أم أنها مخالفة للقياس، وإنما شرع على سبيل الرخصة على قولين. القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن عقد السلم شرع رخصة، وأنه مخالف للقياس، وأنه مستثنى من النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده (١). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: (ح-٥١٤) ما يروى عن النبي ﷺ من النهي عن بيع ما ليس عند البائع، ورخص في السلم (٢). [لا أصل له بهذا اللفظ، قال في العناية: هذا لا يثبت إلا من كلام الفقهاء] (٣).

стр. 3312

الدليل الثاني: السلم على خلاف القياس؛ لأنه من بيع المعدوم، وبيع المعدوم لا يجوز. قال ابن نجيم: «وأما شرائط المعقود عليه: فأن يكون موجودًا .... وأن يكون مقدور التسليم، فلم ينعقد بيع المعدوم» (١). ويقول الكاساني في الكلام على شروط انعقاد البيع: «وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع، منها أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٢). وفي الفتاوى الهندية: «وأما شرائط الانعقاد، فأنواع: منها في العاقد ... ومنها في المبيع، وهو أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٣). وقال القرافي المالكي في الفروق: «بيع المجهول الموجود باطل قطعًا، فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم» (٤).

стр. 3313

وقال الشيرازي في المهذب: «ولا يجوز بيع المعدوم، كالثمرة التي لم تخلق .. » (١). وقال النووي في المجموع: «بيع المعدوم باطل بالإجماع ... » (٢). ويقول ابن قدامة في الكافي: «ولا يجوز بيع المعدوم؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر. رواه مسلم» (٣). فلما جاز بيع السلم، وهو من بيع المعدوم، كان ذلك دليلًا على أنه على خلاف القياس. ويناقش: صحيح أن السلم قد يكون من بيع المعدوم؛ لأن المسلم فيه قد لا يكون موجودًا وقت العقد، لكن السلم ليس من بيع المعدوم الممنوع؛ لأن جمهور الفقهاء الذين جوزوا أن يكون المسلم فيه غير موجود وقت العقد، اشترطوا أن يكون المسلم فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل، وهذا يخرجه من المعدوم الممنوع بيعه، ويدخله في المعدوم الجائز بيعه. قال ابن القيم: «ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة; فليست العلة في المنع لا العدم، ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو: ما لا يقدر على تسليمه سواء

стр. 3314

كان موجودًا، أو معدومًا، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، إن كان موجودًا ... » (١). وبيع المعدوم لا يخرج عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون المبيع فيه محقق العدم، فليس في هذا البيع غرر، والبيع باطل بداهة؛ لاستحالة التنفيذ. وإما أن يكون المبيع محقق الوجود عند التسليم، فلا غرر أيضًا، والبيع صحيح. ومنه السلم، فإن الشارع أجازه؛ لأن المبيع فيه محقق الوجود عادة في المستقبل. وإما أن يكون المبيع مجهول الوجود؛ وهذا ممنوع لوجود الغرر. وعليه نقول: المعدوم الذي فيه غرر لا يجوز بيعه، ولكن ليس كل معدوم يخفى علينا عاقبته؛ لأن من المعدوم ما لا غرر في بيعه، ولا تخفى علينا عاقبته، كما في بيع الأشياء المعدومة وقت العقد، ولكنها متحققة الوجود في المستقبل بحسب العادة، كما في السلم، والاستصناع، وبيع الأشياء المتلاحقة الوجود (٢). القول الثاني: ذهب ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم بأن السلم جاء على وفق القياس. واختلفوا في توجيه ذلك: فابن حزم نزع ـ كعادته ـ إلى الظاهرية، ونفى أن يكون السلم بيعًا، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى:

стр. 3315

أما اختلاف اللفظ بين البيع وبين السلم، والسلف فظاهر، وهو يرى أن الأسماء توقيفية، فالشارع لم يسمه بيعًا، وإنما سماه سلمًا أو سلفًا، فتسميته بيعًا مخالف للتسمية التوقيفية من لدن الشارع. وأما اختلاف السلم عن البيع من حيث المعنى: فالبيع يجوز حالا، ويجوز مؤجلًا، والسلم عنده لا يجوز إلا مؤجلًا. والبيع لا يجوز فيما ليس عند البائع. والسلم يجوز فيما ليس عند البائع. والبيع لا يجوز إلا بشيء بعينه، والسلم لا يجوز بشيء بعينه أصلًا. وإذا كان السلم ليس بيعًا، فلا يكون داخلًا في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، حتى يستثنى منه السلم، بل السلم أصل قائم بنفسه، توافرت الأدلة على مشروعيته (١). ويرد على ابن حزم: بأن السلم ليس من البيع المطلق هذا صحيح، ولكنه نوع من البيع، فالصرف له اسم خاص، وله شروط خاصة، وليس من البيع المطلق، ومع هذا سماه الشارع بيعًا، فقال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل) وكون الشارع خصه باسم السلف؛ لأن السلف الذي هو تقديم الثمن شرط في صحته، بخلاف البيع المطلق، فلما كان من شروطه تقديم الثمن أعطي اسمًا خاصًا، وإلا فهو بيع، فالبيع جنس يدخل فيه أنواع كثيرة من البيوع، منها السلم، ومنها الصرف، وهو خاص في بيع الأثمان بعضها ببعض، ومنها المقايضة، وهي بيع العروض بعضها ببعض. وأدلة ابن حزم التي ساقها غاية ما فيها أنها توجد فرقًا بين البيع المطلق، وبين

стр. 3316

السلم، وهذا غير كاف؛ لكون السلم ليس بيعًا، كما أن الصرف سمي بيعًا، ويشترط له من الشروط ما لا يشترط في البيع المطلق. ولأن البيع، والسلم يتفقان على أن حقيقتهما مبادلة مال بمال، على سبيل التملك. وهذه حقيقة البيع الاصطلاحية. استدلال ابن تيمية وابن القيم: يرى ابن تيمية، وابن القيم أن السلم جار على وفق القياس، بل قالا: من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده، فالسلم جار على وفق القياس، وذلك أن السلم المؤجل دين من الديون، فكما أن الثمن قد يؤجل في الذمة، وهو أحد العوضين، فكذلك المثمن قد يؤجل في ذمة البائع، فأي فرق بين كون أحد العوضين يصح أن يكون مؤجلًا في الذمة، ولا يصح أن يكون العوض الآخر مؤجلًا في الذمة. فالسلم بيع مضمون في الذمة، موصوف، مقدور على تسليمه غالبًا، فهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، فقياس السلم على بيع العين المعدومة، لا يدرى أيقدر على تحصيلها، أم لا؟ والمشتري منها على غرر من أفسد القياس، وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه، ولا هو مقدور له، وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته، مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى (١).

стр. 3317

واعترض على ذلك: قياس المبيع على الثمن قياس مع الفارق، يقول ابن الهمام: «الفرق ظاهر وهو أن المبيع هو المقصود من البيع والمحل لوروده، فانعدامه يوجب انعدام البيع بخلاف الثمن، فإنه وصف يثبت في الذمة مع صحة البيع فقد تحقق البيع شرعًا مع عدم وجود الثمن؛ لأن الموجود في الذمة وصف يطابقه الثمن، لا عين الثمن» (١). ويجاب: بأننا نتفق أنه لا يجوز أن يكون كل من الثمن والمثمن دينًا في الذمة، وإلا صار من باب بيع الدين بالدين، فالواجب في كل البيوع إذا كان أحد العوضين دينًا في الذمة أن يكون العوض الآخر متعينًا، وليس دينًا. فإذا تعين الثمن، وسلَّم في مجلس العقد، وصار المبيع دينًا في الذمة، كما هو في السلم كان على وفق القياس تمامًا، كما لو كان الثمن دينًا في الذمة، والمثمن متعينًا في مجلس العقد، والقول بأن المبيع هو المقصود في العقد ليس صحيحًا، فالمبيع مقصود للمشتري، كما أن الثمن مقصود للبائع. الراجح من الخلاف: أعتقد أن الحق وسط بين قول الجمهور وقول ابن تيمية: فالسلم عقد يتجاذبه مبيح وحاظر، فالمبيح أن المبيع ليس شيئًا معينًا، وإنما هو في الذمة، وما يستقر في الذمة فليس عرضة للتلف، فهو دين من الديون. وأما المانع فهو كون المسلم فيه قد لا يوجد، وإن كانت العادة وجوده، ولكن ذلك أمر مستقبلي غيبي، ولهذا

стр. 3318

بحث الفقهاء عن خيارات المشتري فيما لو عجز البائع عن تقديم المبيع وقت التسليم، فليس بيع السلم بمنزلة بيع العين الحاضرة، ولكن كونه من عقود الغرر، لا يعني أن إباحته ليست على وفق القياس، فالغرر منه ما هو مباح مطلقًا، كالغرر اليسير، والغرر التابع، ومنه ما هو محرم تبيحه الحاجة، كالغرر الكثير إذا كانت هناك حاجة عامة إليه، والمقصود بالحاجة العامة أي حاجة عامة المزارعين، أو الحرفيين، وليس المقصود كافة الناس، ولا شك أن حاجة الناس إلى السلم اليوم أشد من حاجتهم إليه وقت التشريع، فقد كان المزارعون من الصحابة فقراء يحتاجون إلى المال لاستصلاح حرثهم ومزارعهم، وكان الأغنياء يسلفون منهم الثمار السنة، والسنتين، وكانت التجارة ميسرة، وبسيطة، وخالية من التعقيد، وتدخل الدولة في التجارة كان محدودًا جدًا بالقدر الذي يمنع من الغش، ويقيم العدل، أما اليوم ومع تعقيد التجارة، وفرض قيود، ومكوس على من يريد أن يمارسها، وأصبحت الدول تتدخل في جميع تفاصيلها، وانتشر الاحتكار، وتوفر التمويل الربوي في أصقاع الأرض، تكون الحاجة إلى مشروعية السلم حاجة لا تخص فئة خاصة من المزارعين، أو الصناعيين، بل تلبي حاجة قائمة لدى مختلف شرائح المجتمع، فغالب الناس اليوم بحاجة إلى تمويل مباح يفي بحاجاتهم دون الوقوع في محذور شرعي. والمعاملات المالية ليست كالعبادات، فقد يتنازع المعاملة الواحدة موجبان، أحدهما يبيحها، والآخر يمنعها، ويراعي الشارع أقوى الداعيين، فليس من شرط المعاملة المباحة أن تكون خالية من أي داع للتحريم، المهم ألا يكون هذا الداعي هو الأقوى، كما في الخمر، فإن فيها إثمًا كبيرًا، ومنافع للناس، وعندما كان الإثم أكبر لم ينظر إلى المنافع، ولو كانت المنافع أكثر لم ينظر إلى الإثم، وهكذا معاملات الناس، والله أعلم. * * *

стр. 3319

الفصل الرابع السلم لا يدخل في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان [م-٦٩١] ورد النهي عن بيع ما ليس عند البائع، وأصح هذه الأحاديث حديث عبد الله بن عمرو. (ح-٥١٥) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف، وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١). [إسناده حسن] (٢). وأما حديث حكيم بن حزام، وإن كان أشهر من حديث عبد الله بن عمرو إلا أن فيه اختلافًا في ألفاظه. (ح-٥١٦) فقد رواه أحمد من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك. [وهذا إسناد منقطع يوسف لم يدرك حكيم بن حزام]. ورواه أبو داود الطيالسي، من طريق يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعًا، فما يحل لي، وما يحرم علي؟ فقال لي: إذا بعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه (٣).

стр. 3320

وهذا مختلف في موضوعه عن اللفظ السابق، فاللفظ السابق في بيع ما ليس عنده، وهذا في التصرف في المبيع قبل قبضه، وإن كان عنده. [وفي إسناده عبد الله بن عصمة لم يوثقه إمام معتبر، فالإسناد ضعيف]. ورواه عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبع طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه. رواه الشافعي، وأحمد، والنسائي، والبيهقي وغيرهم، واللفظ للنسائي. وهذا اللفظ أخص من اللفظ السابق؛ لأن اللفظ السابق نهاه عن بيع الشيء قبل قبضه، وهنا نهاه عن بيع الطعام الذي فيه توفية حتى يستوفيه، أي حتى يكيله، ولكنه من المؤكد ليس في النهي عن بيع ما ليس عنده. وقد توبع عبد الله بن عصمة تابعه على هذا اللفظ عبد الله بن محمد ابن صيفي، وحزام بن حكيم، لهذا أرى أن هذا هو المحفوظ في إسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى، وله شواهد كثيرة بعضها في الصحيحين، وقد سبق تخريج كل هذه الطرق فأغنى عن إعادتها هنا (١). وقد اختلف الناس في تفسير حديث: (لا تبع ما ليس عندك) إلى ثلاثة أقوال، ذكرها ابن تيمية في مواضع من كتبه، ونقله عنه موافقًا له تلميذه ابن القيم في أحد قوليه (٢)، خلاصتها:

стр. 3321

القول الأول: ذهب الشافعي إلى أن حديث حكيم بن حزام ﵁ إنما ينهى عن بيع الأعيان المعينة، ليكون بيع الموصوف في الذمة ليس داخلًا تحته، وبناء على هذا القول لا يدخل السلم في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان (١). قال الشافعي: «لما نهى رسول الله ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده، وأذن في السلف (السلم) استدللنا على أنه لا ينهى عما أمر به، وعلمنا أنه إنما نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا عليه، وذلك بيع الأعيان» (٢).

стр. 3322

وهو أحد القولين عن ابن القيم، قال ابن القيم في تهذيب السنن: «ظن طائفة أن السلم مخصوص من عموم هذا الحديث - يعني حديث حكيم بن حزام - فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنوه، فإن الحديث تناول بيع الأعيان، وأما السلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في معين عنده كان فاسدًا» (١). فهذا ذهاب من ابن القيم إلى أن حديث حكيم بن حزام في بيع الأعيان. وهذا القول هو أرجح الأقوال. اعتراض ابن تيمية: أجاب ابن تيمية على قول الشافعي بأن هذا التفسير ضعيف جدًا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا، هو ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون له: نطلب عبد فلان، أو دار فلان، وإنما الذي يفعله الناس، أن يأتيه الطالب، فيقول: أريد طعام كذا، وكذا، وثوبًا صفته كذا وكذا، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، ولهذا قال: يأتيني، فيطلب البيع ليس عندي، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوك لغيري. فالطالب قد طلب الجنس، ولم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت عادة الطالب. ويجاب عن اعتراض ابن تيمية: كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يصح توجيهه لو كان حديث حكيم ابن حزام محفوظًا باللفظ الذي استشهد به ابن تيمية ﵀، وإذا كان المحفوظ في حديث

стр. 3323

حكيم - كما بينته عند تخريج الحديث - إنما هو بالنهي عن بيع الطعام حتى يستوفى، لم يكن فيه دليل على اشتراط وجود المسلم فيه مملوكًا عند البائع، وإنما النهي عن بيع ما ليس عندك ثبت من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس فيه القصة التي ذكرها حكيم، وهو مطلق، ويمكن حمله على النهي عن بيع شيء معين لا يملكه، كما حمله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى مزيد بسط لهذه المسألة في بحث: خلاف العلماء في السلم الحال، في هذا البحث. القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عموم حديث لا تبع ما ليس عندك يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم مطلقًا، لكن جاءت الأحاديث في جواز السلم المؤجل، وبقي النهي عن السلم الحال، وعليه يكون السلم المؤجل قد استثني من بيع ما ليس عند البائع. وبقي النهي عن بيع ما ليس عند البائع يشمل أمرين: بيع المعين مما ليس مملوكًا له. وبيع الموصوف في الذمة إذا كان حالًا، وهو ما يسمى بالسلم الحال (١).

стр. 3324

قال الجصاص: «ومنه ما روي أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، إني أرى الشيء في السوق ثم يطلبه مني طالب، فأبيعه، ثم أشتريه، فأسلمه، فقال ﷺ : لا تبع ما ليس عندك. فهذا عموم في كل بيع لما ليس عند الإنسان سواء، كان عينًا، أو في الذمة» (١). القول الثالث: يرى ابن تيمية أن حديث (لا تبع ما ليس عندك) يشمل النهي عن أمرين: الأول: النهي عن بيع المعين إذا لم يكن عنده. الثاني: يشمل النهي عن بيع السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، لأنه سيكون البائع غير قادر على تسليمه، فإن كان عنده وقت العقد جاز السلم الحال (٢).

стр. 3325

وإذا كان النهي عن بيع ما ليس عند البائع يرجع إلى عدم القدرة على التسليم، فإن من شروط السلم أن يكون قادرًا على التسليم عند حلول أجله فلا يدخل في النهي عن بيع ما ليس عند البائع. الراجح: أرى أن الراجح في ذلك قول الشافعي ﵀، وأن حديث حكيم ابن حزام بلفظ: الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك، أن هذا اللفظ غير محفوظ، وأن السلم الحال والمؤجل غير داخل في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، وأن السلم عقد انقلب فيه الثمن إلى مبيع، والمبيع إلى ثمن. توضيح ذلك: أن من طبيعة المبيع أن يكون معينًا. ومن طبيعة الثمن عدم التعيين أي أن يكون في الذمة، كما لو كان الثمن نقودًا. هذا هو الأصل في البيع، وفي هذه الصورة لا خلاف أنه لو سلَّم المبيع، وأجل الثمن فلا حرج في ذلك، ولا يدخل في حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان. وقد يأتي البيع على خلاف الأصل. فيتعين كلٌ من المبيع، والثمن، كما في بيع المقايضة، فحين يكون البيع مبادلة عروض بعروض، سيارة بسيارة، أو بيت ببيت. فهنا كلٌ من المبيع والثمن يجب تعيينهما، وكل منهما صالح لأن يكون ثمنًا، والآخر مبيعًا. وقد يكون كل من المبيع والثمن لا يقبلان التعيين، كما في عقد الصرف، لهذا وجب التقابض في مجلس العقد؛ لكي يتعين كل واحد منهما بالقبض، وكل منهما صالح لأن يكون مبيعًا، وثمنًا.

стр. 3326

أما عقد السلم فقد انقلب إلى وجوب تعيين الثمن ليكون بمنزلة المبيع، لذا اشترط أن يكون التسليم في مجلس العقد، وعدم تعيين المبيع ليكون بمنزلة الثمن. ولهذا اشترطوا أن يكون المبيع مثليًا ليكون على صفة الثمن. هذا كل ما في الأمر، وتأجيل الثمن، وتقديم المثمن لا نزاع فيه، وعلى وفق القياس، فإذا لوحظ هذا في عقد السلم لم نكن بحاجة إلى أن نقول: إن السلم مستثنى من بيع ما ليس عند البائع. وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التوسع عند الكلام على موانع البيع، وذلك عند الكلام عن مسائل الغرر التي تعود إلى عدم القدرة على تسليم المبيع، فارجع إليه إن شئت، وسيأتي بقية أخرى من الكلام على هذه المسألة عند الكلام عن السلم الحال، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 3327

الباب الثاني في أركان السلم [م-٦٩٢] السلم عقد من العقود، وكل عقد لا بد له من أركان يقوم عليها، وهو على الصحيح عقد بيع، فأركان البيع هي أركان السلم، وقد سبق الكلام عن أركان البيع. وقد وقع خلاف بين الحنفية، والجمهور في تحديد الركن. فالحنفية يرون أن الركن هو جزء الماهية (١). والجمهور يرون أن الركن ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا منه، أم لازمًا له (٢). وبناء على هذا الاختلاف اختلفوا في أركان السلم: فقيل: أركان السلم هي الصيغة فقط (الإيجاب، والقبول)، وهذا مذهب الحنفية (٣). وجهه: أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب، والقبول، أما العاقدان، والمعقود عليه، فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.

стр. 3328

وقيل: أركان السلم ثلاثة: (ا) - الصيغة (الإيجاب، والقبول). (٢) - والعاقدان (البائع، والمشتري). (٣) - والمحل (المعقود عليه من مبيع، وثمن)، وهذا مذهب الجمهور (١). ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع، والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة، والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل، كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركنًا، وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد، بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركنًا» (٢). ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات، ومعاملات، وأهمية تحديد

стр. 3329

الأركان تأتي بحسب مصطلح الحنفية في التفريق بين البيع الفاسد، والباطل، فالباطل: هو الذي لحق الخلل فيه ركن البيع، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله، دون وصفه، وقد سبق الكلام عليه عند الكلام على عقد البيع، ولله الحمد. * * *

стр. 3330

الفصل الأول في الركن الأول (الصيغة) المبحث الأول في شروط الإيجاب والقبول الصيغة: هي الإيجاب والقبول، وسبق تحرير الخلاف في تعريف الإيجاب والقبول بين مذهب الجمهور، والحنفية في المجلد الأول من عقد البيع فارجع إليه إن شئت. ويشترط في الإيجاب والقبول شروط، منها: الشرط الأول: توافق الإيجاب والقبول. [م-٦٩٣] جاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه لا بد لانعقاد العقد من توافق الإيجاب والقبول» (١). فلو أوجب البائع مثلًا البيع بثمن قدره مائة، فقبل المشتري بتسعين، فهنا خالف الإيجاب القبول في الثمن. أو أوجب المؤجر بخمسين دينارًا نقدًا، فقبل المستأجر بخمسين مؤجلة، فهنا خالفه في صفة الثمن. أو أوجب البيع في الكتاب، فقبل في القلم، فهنا خالفه في عين المبيع (المثمن). أو قال: بعتكه بألف، فقال: اشتريته بشرط الخيار.
следующие страницы →