أما عقد السلم فقد انقلب إلى وجوب تعيين الثمن ليكون بمنزلة المبيع، لذا اشترط أن يكون التسليم في مجلس العقد، وعدم تعيين المبيع ليكون بمنزلة الثمن. ولهذا اشترطوا أن يكون المبيع مثليًا ليكون على صفة الثمن. هذا كل ما في الأمر، وتأجيل الثمن، وتقديم المثمن لا نزاع فيه، وعلى وفق القياس، فإذا لوحظ هذا في عقد السلم لم نكن بحاجة إلى أن نقول: إن السلم مستثنى من بيع ما ليس عند البائع.
وقد بحثت هذه المسألة بشيء من التوسع عند الكلام على موانع البيع، وذلك عند الكلام عن مسائل الغرر التي تعود إلى عدم القدرة على تسليم المبيع، فارجع إليه إن شئت، وسيأتي بقية أخرى من الكلام على هذه المسألة عند الكلام عن السلم الحال، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 3327
الباب الثاني
في أركان السلم
[م-٦٩٢] السلم عقد من العقود، وكل عقد لا بد له من أركان يقوم عليها، وهو على الصحيح عقد بيع، فأركان البيع هي أركان السلم، وقد سبق الكلام عن أركان البيع.
وقد وقع خلاف بين الحنفية، والجمهور في تحديد الركن.
فالحنفية يرون أن الركن هو جزء الماهية (١).
والجمهور يرون أن الركن ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءًا منه، أم لازمًا له (٢).
وبناء على هذا الاختلاف اختلفوا في أركان السلم:
فقيل: أركان السلم هي الصيغة فقط (الإيجاب، والقبول)، وهذا مذهب الحنفية (٣).
وجهه: أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب، والقبول، أما العاقدان، والمعقود عليه، فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
стр. 3328
وقيل: أركان السلم ثلاثة:
(ا) - الصيغة (الإيجاب، والقبول).
(٢) - والعاقدان (البائع، والمشتري).
(٣) - والمحل (المعقود عليه من مبيع، وثمن)، وهذا مذهب الجمهور (١).
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع، والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة، والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر، ويمكن أن يقال: الفرق أن الفاعل علة لفعله، والعلة غير المعلول، فالماهية معلولة، فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل، كما في العبادات، وأعطي حكم العلة العقلية، ولم يجعل ركنًا، وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل، بل يفتقر إلى غيره؛ لأن كل واحد من العاقدين غير عاقد، بل العاقد اثنان، فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل، فَبَعُد بهذا الاعتبار عن شبه العلة، وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه، فناسب أن يجعل ركنًا» (٢).
ولا حاجة إلى هذا الفارق العسر كما وصفه، بل يقال: مذهب الحنفية أقوى، ومطرد في تحديد أركان الشيء من عبادات، ومعاملات، وأهمية تحديد
стр. 3329
الأركان تأتي بحسب مصطلح الحنفية في التفريق بين البيع الفاسد، والباطل، فالباطل: هو الذي لحق الخلل فيه ركن البيع، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله، دون وصفه، وقد سبق الكلام عليه عند الكلام على عقد البيع، ولله الحمد.
* * *
стр. 3330
الفصل الأول
في الركن الأول (الصيغة)
المبحث الأول
في شروط الإيجاب والقبول
الصيغة: هي الإيجاب والقبول، وسبق تحرير الخلاف في تعريف الإيجاب والقبول بين مذهب الجمهور، والحنفية في المجلد الأول من عقد البيع فارجع إليه إن شئت.
ويشترط في الإيجاب والقبول شروط، منها:
الشرط الأول: توافق الإيجاب والقبول.
[م-٦٩٣] جاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه لا بد لانعقاد العقد من توافق الإيجاب والقبول» (١).
فلو أوجب البائع مثلًا البيع بثمن قدره مائة، فقبل المشتري بتسعين، فهنا خالف الإيجاب القبول في الثمن.
أو أوجب المؤجر بخمسين دينارًا نقدًا، فقبل المستأجر بخمسين مؤجلة، فهنا خالفه في صفة الثمن.
أو أوجب البيع في الكتاب، فقبل في القلم، فهنا خالفه في عين المبيع (المثمن).
أو قال: بعتكه بألف، فقال: اشتريته بشرط الخيار.
стр. 3331
أو جزأ الصفقة، بأن أوجب البيع في السيارتين بمائة ألف، فقال المشتري: قبلت في هذه السيارة بخمسين ألفًا لم ينعقد العقد؛ لأن ذلك رد للإيجاب، وليس قبولًا له.
[م-٦٩٤] الشرط الثاني: اتحاد مجلس العقد.
والمراد بالمجلس: هو الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، فإن أعرضا عن العقد، واشتغلا عنه بما يقطعه عرفًا، فقد انقطع المجلس، ومن الإعراض عن العقد انفضاض المجلس.
جاء في البحر الرائق: «المجلس المتحد: ألا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض عن العقد» (١).
وقال أيضًا: «القيام - يعني عن المجلس - دليل الإعراض» (٢).
فالعبرة هو الإعراض عن العقد، سواء كان ذلك بالقيام من المجلس، أو كان ذلك بالإعراض عنه والاشتغال بغيره، ولو كان المجلس باقيًا، فلا ينبغي أن يؤثر انتقالهما من مجلس إلى مجلس آخر ما داما منشغلين بالعقد.
الشرط الثالث:
[م-٦٩٥] ألا يرجع الموجب قبل صدور القبول. وهذا الشرط مختلف فيه بين المالكية والجمهور، وسبق تحرير الخلاف في المجلد الأول من عقد البيع.
وقد ذكرت مسائل كثيرة متفرعة عن هذه الشروط، وذلك عند الكلام عن أحكام الإيجاب والقبول في عقد البيع، فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 3332
المبحث الثاني
في انعقاد السلم بلفظ البيع
العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني (١).
[م-٦٩٦] اختلف الفقهاء هل ينعقد السلم بلفظ البيع؟
فقيل: ينعقد إذا بين فيه إرادة السلم، وتحققت شروطه، كأن يقول المسلم إليه: أبيع عليك خمسين رطلًا زيتًا صفته كذا، إلى أجل كذا، بعشرة دنانير حالة، وقبل المسلم.
وهذا مذهب الجمهور وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لا ينعقد، وهذا قول زفر (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
стр. 3333
دليل الجمهور:
أن العبرة في العقود بالمعاني، وليس بالألفاظ والمباني، وجميع العقود لا يشترط لها لفظ معين لانعقادها، بل تنعقد بكل لفظ يفهمه المتعاقدان مما تعارفا عليه، وكان معبرًا عن إرادتهما بوضوح لا لبس فيه، ولا إشكال، ولذلك البيع ينعقد بلفظ التمليك، ولا يشترط له لفظ البيع، فكذلك السلم.
حجة زفر من الحنفية:
القياس ألا ينعقد السلم أصلًا؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، وأنه منهي عنه، إلا أن النص جاء بجوازه بلفظ السلم، بقوله (ورخص في السلم)، فوجب الاقتصار عليه؛ لعدم إجزاء سواه.
ويناقش:
سبق مناقشة دعوى أن السلم على خلاف القياس، والصحيح أن جوازه كان على وفق القياس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو أخذنا بمقتضى الاستدلال لقلنا: لا ينعقد حتى بلفظ السلم؛ لأن لفظ السلم لم يرد في السنة، وما يروى منسوبًا إلى السنة بلفظ: (ورخص في السلم) سبق لنا أنه من كلام الفقهاء، وليس له أصل، واللفظ الوارد في السنة هو السلف، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ... ) الخ، وسبق تخريجه، ولم يقل أحد من الفقهاء: إن السلف لا ينعقد بلفظ السلم.
ولذلك نقل بعض الفقهاء عن ابن عمر أنه كره تسميته بالسلم (١).
وجاء في مواهب الجليل: «قال ابن عبد السلام: وكره بعض السلف لفظة
стр. 3334
السلم في حقيقته العرفية التي هي أحد أنواع البيع، ورأى أنه إنما يستعمل لفظ السلف، أو التسليف صونًا منه للفظ السلم عن التبذل في الأمور الدنيوية، ورأى أنه قريب من لفظ الإسلام، ثم قال: والصحيح جوازه، لاسيما وغالب استعمال الفقهاء إنما هو صيغة الفعل مقرونة بحرف في فيقول: أسلم في كذا، فإذا أرادوا الاسم أتوا بلفظة السلم، وقَلَّ ما يستعملون لفظة الإسلام في هذا الباب» (١).
قلت وفي التنزيل: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل:٨٧].
وقال سبحانه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء:٩٠].
والمراد من هذه النصوص الإشارة إلى أن الاحتجاج بأن السلم لا ينعقد إلا بهذا اللفظ لاعتقاد أن هذا هو اللفظ الوارد شرعًا، فيه ما فيه، لا من جهة المعنى، ولا من جهة اللفظ.
حجة بعض أصحاب الشافعية:
أن اللفظ مقدم في العقود على المعنى، فإذا استعمل لفظ البيع بدلًا من لفظ السلم انعقد بيعًا، تقديمًا للفظ على المعنى، ويشترط لصحته تعيين أحد العوضين، ولا يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس؛ لأن السلم غير البيع.
الراجح:
القول بجوازه بكل لفظ يدل على المراد، لأن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حدًا بل ذكرها مطلقة، ولم نتعبد بلفظ معين حتى نقتصر عليه، بل العبرة في العقود بما يدل عليها من أعراف المتعاقدين، والله أعلم.
* * *
стр. 3335
المبحث الثالث
في اشتراط أن تكون صيغة عقد السلم باتة لا خيار فيها
الفرع الأول
ثبوت خيار المجلس في عقد السلم
جاء في الاعتناء للبكري: «كل عقد لازم وارد على عين (كالصرف، وبيع الطعام بالطعام، والسلم، والتولية، والتشريك، وصلح المعاوضة، وغيرها) يثبت فيه خيار المجلس لكل من المتبايعين» (١).
[م-٦٩٧] هذا الفصل إنما يبحث بناء على قول الشافعية والحنابلة ممن يذهب إلى القول بثبوت خيار المجلس، وهو الراجح، ولا يتأتى هذا البحث على مذهب من لا يثبت خيار المجلس، كالحنفية، والمالكية.
ولقد اختلف الشافعية، والحنابلة في ثبوت خيار المجلس في عقد السلم.
فقيل: يثبت فيه خيار المجلس، وهو مذهب الشافعية (٢)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٣)؛ لتناول البيع له؛ ولأن خيار المجلس شرع للنظر في الحظ في المعاوضة، وهو موجود فيه.
وقيل: لا يثبت فيه خيار المجلس، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، قياسًا على خيار الشرط.
стр. 3336
والأول أصح، والقياس على خيار الشرط على القول بمنعه لا يصح؛ وذلك لأن عقد السلم يفتقر إلى القبض في المجلس، فلو أثبتنا فيه خيار الشرط أدى إلى أن يفترقا قبل تمامه، وهذا لا يصح. وهذا المعنى غير موجود في خيار المجلس.
وسيأتي مناقشة خيار الشرط إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.
* * *
стр. 3337
الفرع الثاني
في اشتراط الخيار في عقد السلم
خيار الشرط لا يمنع الانعقاد، وإنما يمنع اللزوم، وعليه فإن الخيار يثبت في كل عين ملكت بعقد يقبل الفسخ لا ربا فيه.
[م-٦٩٨] علمنا في المبحث السابق حكم خيار المجلس في عقد السلم، فما حكم خيار الشرط فيه؟
وإذا كان الاشتراط غير جائز، فهل يفسد العقد، أو يبطل الشرط وحده؟
اختلف الفقهاء في اشتراط الخيار في عقد السلم.
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن عقد السلم عقد بات، لا يدخله خيار الشرط (١).
دليل الجمهور على المنع:
الدليل الأول:
الإجماع، حكاه النووي، قال: «البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس، كالصرف، وبيع الطعام بالطعام، أو القبض في أحد العوضين، كالسلم، لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف ..... » (٢).
стр. 3338
والحق أن الخلاف محفوظ، كما سوف تعلم ذلك من خلال عرض أقوال المسألة.
الدليل الثاني:
كل عقد يشترط فيه قبض الثمن في مجلس العقد، لا يجوز اشتراط الخيار فيه، كالصرف، والسلم، وبيع الربوي بمثله؛ لأنه إذا كان لا يجوز أن يفترقا إلا وقد تم العقد، وقبض الثمن، كما جاء في أثر ابن عمر في الصرف (ما لم تفترقا وبينكما شيء) والثمن في السلم لا يجوز التفرق فيه قبل قبض الثمن؛ لوجوب إتمام العقد قبل التفرق، فاشتراط الخيار ينافي ذلك؛ لأن الخيار يجعل المتعاقدين يفترقان، ولم يلزم العقد.
يقول الكاساني: «قبض رأس المال من شرائط الصحة .... ولا صحة للقبض إلا في الملك، وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك، فيمنع المستحق صحة القبض» (١).
وقدم الحنفية تعليلًا آخر، وهو أن مقتضى العقد في البيع اللزوم، واشتراط الخيار يمنع لزوم العقد، فهو مخالف لمقتضى العقد، مفسد للعقد في الأصل، إلا أنا عرفنا جوازه بالنص، والنص ورد في بيع العين، فبقي بيع الذمة على أصل القياس خصوصًا إذا لم يكن في معناه (٢).
يناقش:
هذا الدليل مبني على القول بوجوب تسليم الثمن في مجلس العقد، وهي مسألة خلافية، وسيأتي مناقشة تلك المسألة في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
стр. 3339
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى جواز اشتراط الخيار في عقد السلم بمقدار المدة التي يجوز تأخير تسليم الثمن فيها: يومين، أو ثلاثة أيام، بشرط ألا ينقد رأس المال في مجلس العقد.
جاء في المدونة: «هل يجيز مالك الخيار في التسليف (السلم) قال: إذا كان أجلًا قريبًا، اليوم واليومين، ولم يقدم رأس المال، فلا أرى به بأسًا، وهو قول مالك» (١).
دليل المالكية على مذهبهم:
بنى المالكية قولهم هذا على مسألة أخرى اختلفوا فيها مع الجمهور، وهي مسألة: تأخير تسليم الثمن عن مجلس العقد اليومين، والثلاثة، فلما رأى المالكية أن تأخير تسليم الثمن يومين، أو ثلاثة أيام لا يضر؛ لكونها مدة يسيرة، وأن المعقود عليه لا يلحقه بذلك تغير، وأن هذه المدة بحكم التسليم في المجلس؛ لقربها منه، وإنما يمنع من كثيره؛ لما في ذلك من مشابهة الكالئ بالكالئ، أجازوا اشتراط الخيار في عقد السلم بمقدار تلك المدة التي يجوز تأخير تسليم الثمن فيها: يومين، أو ثلاثة أيام، بشرط ألا ينقد رأس المال في مجلس العقد؛ لأن نقده، ولو كان طوعيًا يجعل العقد يتردد بين الثمنية والسلفية، وبين البيع، والسلف.
ويناقش:
يجاب على هذا التوجيه بما أجيب عن سابقه، وهو أن مسألة تأخير تسليم
стр. 3340
الثمن عن مجلس العقد في عقد السلم مسألة خلافية، وسيأتي مناقشة تلك المسألة في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
القول الثالث:
ذهب ابن تيمية إلى جواز خيار الشرط في كل العقود، وظاهره دخول خيار الشرط في عقد السلم (١).
ولم أقف على دليل ابن تيمية، ويمكن أن يستدل له بالآتي:
الدليل الأول:
أن الخيار لا ينافي الملك، فالبيع ينعقد بالإيجاب، والقبول، والملك يثبت بذلك، ووجود الخيار غاية ما فيه أن يعطي صاحبه حق الفسخ بعد ثبوته، وهذا لا يترتب عليه أي محذور شرعي.
الدليل الثاني:
جواز الخيار قياسًا على جواز الإقالة، فإذا كانت الإقالة جائزة في عقد السلم، كان الخيار جائزًا، ولا فرق.
الدليل الثالث:
القول بأن اشتراط الخيار ينافي استحقاق القبض الواجب غير دقيق، فقد يحصل القبض ويقوم الخيار، وقد لا يحصل القبض، ولا يكون في العقد خيار، فلا تلازم بينهما.
الراجح:
إذا صحت حكاية الإجماع التي حكاها النووي في المنع من اشتراط الخيار
стр. 3341
في عقد السلم فهو حجة، وإن كان الإجماع لا يصح، فيمكن النظر في مدى جواز اشتراط الخيار.
ففي مبادلة الربوي بمثله لا يصح اشتراط الخيار؛ لأن هذا يؤدي إلى التفرق قبل لزوم العقد، والحديث يقول: يدًا بيد، وأثر ابن عمر يقول: (على ألا تفترقا وبينكما شيء).
وفي عقد السلم ليست المبادلة بين مال ربوي بمثله، فلا أرى حرجًا في اشتراط الخيار، والله أعلم.
* * *
стр. 3342
الفرع الثالث
في اشتراط خيار الرؤية
[م-٦٩٩] تكلمت في عقد البيع عن خيار الرؤية، وذكرت تعريفه اصطلاحًا: بأنه حق يثبت به للمتملك الفسخ أو الإمضاء عند رؤية محل العقد المعين الذي عقد عليه ولم يره (١).
فعلم من هذا أن خيار الرؤية هو في شراء شيء معين غائب، لم يسبق له رؤية.
وقولنا: في شراء شيء معين: المقصود به ما ينعقد العقد على عينه، لا على مثله.
فالمبيع الغائب تارة يتعلق بشيء موصوف في الذمة، فيكون من قبيل بيع السلم، حالًا كان، أو مؤجلًا، وهذا لا يحق للمشتري أن يفسخ العقد فيه بخيار الرؤية، بحجة أن البائع أعطاه شيئًا لم يكن مطابقًا للموصوف؛ لأن المبيع لم يتعين في عين ذلك الشيء المدفوع، وإنما تعلق بذمة البائع، ولم يتعلق بشيء معين، فيبقى العقد قائمًا، ويلزم البائع بدفع سلعة مطابقة للصفة المتفق عليها.
وتارة يكون المبيع الغائب متعلقًا بشيء معين، فلا يقال له بأنه سلم، ولكن يقال له: غائب، وهذا الغائب: إما أن يكون قد شاهده البائع، ولم يمض على الرؤية وقت يخشى عليه من التغير، فهذا غير مقصود في خيار الرؤية.
وإما أن يكون المبيع المعين موصوفًا، لم يره المشتري، وإنما وصف له، وهذا هو الذي يدخله خيار الرؤية.
стр. 3343
جاء في فتح القدير: «(وكذا لا يثبت فيه) أي في السلم (خيار الرؤية) بالإجماع؛ (لأنه غير مفيد) إذ فائدة خيار الرؤية رد المبيع، والمسلم فيه دين في الذمة، فإذا رد المقبوض عاد دينًا كما كان؛ لأنه لم يرد عين ما تناوله العقد، فلا ينفسخ العقد برده، بل يعود حقه في مثله ... » (١).
* * *
стр. 3344
الفرع الرابع
خيار العيب في عقد السلم
[م-٧٠٠] حق المسلِم (المشتري) أن يستلم المسلَم فيه (المبيع) خاليًا من العيوب.
فإذا وجد المسلِم عيبًا في المسلَم فيه، فإن له خيار العيب، إن شاء تجوز به، وإن شاء رده، وأخذ بدله سليمًا؛ لأن المعقود عليه في الذمة بصفة السلامة، فإذا لم يرض بالمعيب رجع إلى ما في الذمة، فإن تعذر البدل ثبت للمسلم الخيار بين الفسخ، أو الصبر إلى أن يقدر على بديل سليم؛ لأن حقه في السليم دون المعيب (١).
* * *
стр. 3345
الفصل الثاني
الركن الثاني (العاقدان)
إذا كنا تكلمنا عن الصيغة في الفصل الأول، فنتناول في الفصل الثاني أحكام العاقد الذي يباشر الإيجاب والقبول.
والعاقدان في عقد السلم هما:
١ - رب السلم، أو المسلِم (المشتري).
٢ - المسلَم إليه (البائع).
ويشترط في العاقدين شروط منها:
الشرط الأول:
[م-٧٠١] أهلية العاقد، فلا يصح بيع مجنون، وسكران، ومعتوه، وسفيه، وصبي غير مميز، أو مميز بغير إذن وليه.
الشرط الثاني:
[م-٧٠٢] أن يكون العاقد مختارًا (أي راضيًا)، وأن يكون هذا الرضا سالمًا من العيوب التي تنافي الاختيار أو تقدح فيه من إكراه، أو غلط، أو تدليس، أو غبن.
الشرط الثالث:
[م-٧٠٣] أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه، أو مأذونًا له فيه، وفي بيع الفضولي وشرائه خلاف بين الفقهاء.
وقد تناولت هذه المسائل، وما يتفرع عنها في عقد البيع، فأغنى عن إعادتها
* * *
стр. 3346
الفصل الثالث
في الركن الثالث (المعقود عليه)
ويقصد بالمعقود عليه هنا:
(١) - الثمن، ويسمى رأس مال السلم.
(٢) - المبيع، ويسمى المسلم فيه.
وهذا أهم ما في عقد السلم؛ لأنه مقصود العقد، والغاية منه، ويشترط للمعقود عليه شروط كثيرة، ولما كان السلم نوعًا من البيع، فإن جميع الشروط التي تشترط في البيع تشترط في السلم، باستثناء شرط واحد يستثنيه الفقهاء، وهو شرط وجود المحل عند العقد، وذلك لأنهم يرون أن بيع المعدوم منهي عنه، والسلم مستثنى من بيع المعدوم، وقد ناقشت هذه المسألة فيما سبق.
وقد ذكرت شروط المبيع والثمن على وجه التفصيل في عقد البيع، في الباب الرابع منه، وما يتفرع على تلك الشروط من مسائل، فأغنى عن إعادتها هنا.
ويزيد عقد السلم على عقد البيع بشروط خاصة سوف أعقد لها بابًا خاصًا لأهميتها، وبيان وجوه الاتفاق والخلاف فيها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 3347
الباب الثالث
في شروط المعقود عليه
الفصل الأول
في الشرط العائد على البدلين معًا
الشرط الأول
ألا يجري بين البدلين ربا النسيئة
قال ابن قدامة: كل مالين حرم النسأ فيهما، لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر (١).
[م-٧٠٤] يشترط في البدلين ألا يجري بينهما ربا النسيئة، ومن باب أولى ألا يجري بينهما ربا الفضل؛ لأن كل مالين حرم التفاضل بينهما، فإن النساء بينهما حرام أيضًا.
ويحرم ربا الفضل في بيع كل مال ربوي اتفقا في الجنس والعلة.
ويحرم ربا النسيئة في بيع كل مال ربوي اختلفا في الجنس، واتفقا في علة ربا الفضل.
قال ابن رشد: «لا خلاف في امتناع السلم فيما لا يجوز فيه النساء، وذلك إما اتفاق المنافع على ما يراه مالك، وإما اتفاق الجنس على ما يراه أبو حنيفة، وإما اعتبار الطعم والجنس على ما يراه الشافعي في علة النساء» (٢).
стр. 3348
وسبق تحرير ذلك في كتاب الربا فأغنى عن إعادة الكلام عليه هنا.
فإذا كان يجري بين الثمن والمبيع ربا الفضل، أو ربا النسيئة لم يصح إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن المالين إذا جرى فيهما ربا الفضل أو النسيئة اشترط فيهما التقابض في المجلس، والسلم يشترط فيه التأخير، وهذا من التضاد.
فلو كان رأس المال من البر، لا يجوز أن يكون المسلم فيه من البر، أو من التمر، أو من الشعير، أو من الملح، أو من غيرها مما يتفق في علة ربا الفضل.
وكذلك لو كان رأس المال من الذهب، لا يجوز أن يكون المسلم فيه من الذهب، أو من الفضة.
أما لو اختلفا في الجنس، والعلة، فإنه يجوز إسلام أحدهما في الآخر.
فيجوز إسلام الذهب في البر، أو في الشعير أو في التمر، أو في الملح أو في غيرها مما يختلف مع الذهب جنسًا، وعلة (١).
* * *
стр. 3349
الشرط الثاني
في كون المسلم فيه أو عوضه منفعة
قال الخرشي: قبض الأوائل، كقبض الأواخر (١).
[م-٧٠٥] سبق لنا عند الكلام على تعريف البيع ذكر صور البيع، من ذلك:
(أ) بيع المقايضة: وهو بيع العروض بعضها ببعض.
(ب) بيع الصرف: وهو بيع الأثمان بعضها ببعض.
(جـ) بيع الأعيان بالأثمان، كبيع السلعة بالدراهم، وهو البيع المشهور. ويصل التقسيم إلى تسع صور مشهورة سبق ذكرها، وضرب الأمثلة عليها.
وأما الصور التي يكون عليها بيع السلم، فمنها:
(١) - أن يكون رأس المال من الأثمان (الدراهم والدنانير)، وما يقوم مقامها من الأوراق النقدية، والمسلم فيه من العروض الموصوفة في الذمة كالحنطة، والشعير، والأرز.
(٢) عكس المسألة السابقة، أن يكون رأس المال من العروض، كالحيوان، والثياب، والمسلم فيه من الأثمان (الدراهم والدنانير) أو ما يقوم مقامها، وهذا جائز على الصحيح، وهو مذهب الجمهور كما سيأتي إن شاء الله بحثه في مسألة مستقلة.
(٣) - أن يكون رأس المال من العروض كالحيوان، والثياب، والمسلم فيه من العروض الموصوفة في الذمة، كالحنطة، والشعير ونحوها.
(٤) - أن يكون رأس المال أو عوضه من المنافع، فالمنافع كما يجوز أن تكون
стр. 3350
رأس مال في السلم، فإنه يجوز أن تكون مسلمًا فيها؛ لأن المنافع تثبت في الذمة كالأعيان. وهذا القسم هو موضع البحث في هذا الفصل.
وعندما نقول: (كون المسلم فيه أو عوضه منفعة) لا نقصد بالمنفعة ثمرة الأعيان، كحليب الأنعام، وثمرة الأشجار، بل المقصود بالمنافع: هي المنافع المعنوية (الأعراض) التي تقوم بالأعيان، مثل سكنى الدار، وركوب الدابة، ونحوها.
وقد أجاز المالكية، والشافعية، والحنابلة، كون المسلم فيه أو عوضه من المنافع.
جاء في شرح الخرشي: «يجوز أن يكون رأس مال السلم منفعة ذات معينة، كخدمة عبده، أو دابته مدة معلومة، بناء على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر ..... واحترز بالمعينة من المنافع المضمونة، فلا يجوز أن تكون رأس المال؛ لأنه كالئ بكالئ، كما إذا قال المسلم للمسلم إليه: أحملك إلى مكة بإردب قمح في ذمتك، تدفعه لي في وقت كذا، إذا لم يشرع فيها، وإلا جاز؛ لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، كما في الإجارة» (١).
وذكر صاحب مواهب الجليل عن ابن عرفة، أنه صحح كون رأس المال منفعة معينة، ولو حل أجل الطعام المسلم فيه قبل استيفاء المنفعة التي هي رأس المال (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «ويجوز جعل المنفعة رأس مال كغيرها، وتسليمها بتسليم العين» (٣).
стр. 3351
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الحنابلة، ما نصه: «السلم في المنافع صحيح بلفظ السلم، أو السلف، فلو قال: أسلمتك هذا الدينار في منفعة عبد، صفته كذا وكذا، لبناء حائط معلوم. أو أسلفتك هذه الدراهم في منفعة دابة، صفتها كذا، وكذا لحمل، أو ركوب معلومين، وقَبِل المؤجر صح سلمًا، ولزم فيه قبض الأجرة في المجلس، وتأجيل النفع إلى أجل معلوم» (١).
ولم أقف على نص من كتب الحنفية يكشف لي مذهبهم في هذه المسألة، إلا أنه معروف في مذهبهم أن المنافع من قبيل الملك، ولا تعتبر مالًا؛ لأن المالية عندهم لا تتحقق إلا بتوفر أمرين:
أحدهما: أن يكون الشيء مما يمكن حيازته وادخاره، والمنافع لا يمكن حيازتها، ولا ادخارها فلا تعتبر مالًا.
الثاني: أن يكون الشيء مما له قيمة مادية بين الناس، فيخرج بذلك حبة القمح، والأرز، فإنه لا ينتفع بها وحدها عادة (٢).
والصواب مع قول الجمهور.
* * *
стр. 3352
الفصل الثاني
في الشروط العائدة إلى رأس مال السلم
الشرط الأول
أن يكون رأس المال معلومًا
المبحث الأول
أن يكون رأس المال موصوفًا في الذمة
[م-٧٠٦] لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط أن يكون رأس المال معلومًا، وذلك لأنه بدل في عقد معاوضة مالية، فلا بد من كونه معلومًا كسائر عقود المعاوضات.
إلا أن رأس المال تارة يكون معينًا عند العقد، كأن يكون حاضرًا مشاهدًا، ثم يقع العقد على عينه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.
وتارة يكون موصوفًا في الذمة، ثم يعين في مجلس العقد عند التسليم، وقبل التفرق.
فإن كان موصوفًا في الذمة فقد قال ابن قدامة: «لا خلاف في اشتراط معرفة صفته إذا كان في الذمة» (١).
وإذا كان لا بد من معرفة صفته، فقد نص الحنفية على أن الصفة يجب بيانها بأمور:
стр. 3353
منها بيان الجنس، كقولنا: دراهم، أو دنانير، أو حنطة، أو تمر، وهكذا.
ومنها بيان النوع كأن يقول: تمر برني، أو سكري، ونحو ذلك.
ومنها بيان الصفة: كقولك: جيد، وسط، رديء.
وعللوا ذلك بأن جهالة الجنس، والنوع، والصفة مفضية إلى المنازعة، ومانعة من صحة البيع. فإن قبل الطرف الآخر وجب تعيين رأس المال في مجلس العقد، وتسليمه إليه وفاء بالعقد (١).
* * *
стр. 3354
المبحث الثاني
أن يكون رأس المال معينًا غير موصوف في الذمة
العوض المشاهد لا يحتاج إلى معرفة قدره، إلا إذا كان العقد يوجب المماثلة (١).
جاء في القواعد والضوابط الفقهية: متى كان العوض معينًا - أي مشاهدًا- كفت معاينته من غير علم بقدره (٢).
[م-٧٠٧] إذا كان رأس المال معينًا غير موصوف في الذمة، فهل يصح إسلامه جزافًا، أم لا بد من معرفة القدر والصفة؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فقيل: لا يشترط ذكر الصفة، ولا ذكر القدر مطلقًا، سواء أكان المال مثليًا،
стр. 3355
أم متقومًا. وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار صاحبي أبي حنفية (٢)، والأصح عند الشافعية (٣) وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يجب معرفة قدر رأس المال وصفته مطلقًا سواء أكان مثليًا، أم متقومًا. ولا تكفي مشاهدته. وهذا قول للشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
وقيل: بالتفريق بين ذكر الصفة، وذكر القدر.
فذكر الصفة ليس بشرط مطلقًا، سواء أكان رأس المال مثليًا، أم متقومًا ما دام أنه حاضر مشاهد.
стр. 3356
وأما ذكر القدر فإن كان رأس المال مثليًا، وجب ذكر قدره، وإن كان متقومًا اكتفي بالإشارة إليه في مجلس العقد. وهذا مذهب أبي حنيفة (١)، واختيار القاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية (٢).
دليل من قال: تكفي المشاهدة مطلقًا:
(ح-٥١٧) استدل بظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه:
من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم. هذا لفظ البخاري (٣).
وجه الاستدلال:
الحديث اشترط بيان قدر المسلم فيه، ولو كان بيان قدر رأس مال السلم شرطًا لبينه ﷺ لقيام الحاجة إليه.
الدليل الثاني:
أن البائع إذا أحاط بصفات الثمن عن طريق العيان فقد ارتفعت الجهالة عن صفته، وأما العلم بمقداره فإنما يطلب إذا كان عقد البيع يوجب المماثلة، فإذا تخلفت المماثلة فسد البيع، فإذا لم تكن المماثلة مطلوبة كانت المشاهدة كافية في العلم بالمبيع، مغنية عن القدر والصفة.
قال الشيرازي: «لا يجب ذكر صفاته ومقداره؛ لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد المثل، فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته، كالمهر، والثمن في البيع» (٤).
стр. 3357
دليل من قال: لا تكفي المشاهدة مطلقًا .
قالوا: إنَّ عقد السلم لا يؤمن أن ينفسخ العقد فيه، كما لو تعذر تسليم المسلم فيه، فوجب معرفة رأس المال بالصفة والقدر ليرد بدله كالقرض. ومثله لو تبين أن بعض الثمن كان مستحقًا، فينفسخ العقد في قدره، فلا يدري في كم بقي، وكم انفسخ (١).
ونوقش:
بأن تعذر المسلم فيه أمر موهوم، ومثله لا يعتبر في العقود، ولو وقع ذلك عمل بالقواعد، فإن القول عند التنازع في مقدار الثمن قول المسلم إليه؛ لأنه غارم. والقياس على القرض غير سديد؛ لأن مقتضى القرض أن يرد بدل ما اقترض، وليس مقتضى عقد السلم رد رأس المال، بل مقتضاه إيفاء المسلم فيه، ودليلهم ينتقض ببيع الأعيان، والإجارة، فإن المبيع قد يتلف قبل قبضه، وقد تتلف العين المؤجرة قبل استيفاء المنفعة، فينفسخ العقد فيهما، فيجب رد الثمن، ولو كان جزافًا، ومع ذلك قالوا بجواز الجزاف فيهما، فإذا كان ذلك لم يمنع من صحة البيع، والإجارة، لم يمنع كون الثمن جزافًا من صحة عقد السلم.
وجه من فرق بين الصفة والمقدار:
أن من شاهد شيئًا فقد أحاط بصفته، لا فرق في ذلك بين المثلي، والقيمي.
وأما المقدار فلا يوقف عليه بمجرد المشاهدة، ولأن العقد يتعلق على مقداره وجهالة قدر رأس المال فيه قد تفضي إلى جهالة المسلم فيه، فلو أسلم مائة درهم بمائة إردب من القمح، فإن الثمن ينقسم على أجزائه، إذ كل درهم
стр. 3358
يقابل إردبًا، فلو كانت الدراهم جزافًا لا يعلم عددها لم يعلم ما يقابل كل درهم منها من القمح، فلو انتقض القبض في بعض الثمن، أو بان بعض الثمن مستحقًا، أو ظهر بعض الثمن معيبًا انفسخ العقد بمقداره، ومع الجهل بالثمن لا يدرى في كم انتقض، وفي كم بقي، فيصير المسلم فيه مجهول القدر.
بخلاف الثمن إذا كان متقومًا، فإن الثمن لا يتعلق بمقداره كما لو كان الثمن ثوبًا، فإن رؤية الثمن تكفي في الإحاطة به، والله أعلم.
ويناقش:
احتمال أن يكون الثمن مستحقًا، أو احتمال أن يصح القبض في البعض ويبطل في البعض، هذه احتمالات لا تعتبر لصحة العقود؛ لأن الأصل سلامة العقود من المفسد، ولو اعتبر ذلك لبطلت معظم العقود؛ ولأن معرفة المبيع لا تتوقف على معرفة المقدار، ما دام أن المبيع مشاهد يحيط به البصر، وليس المال ربويًا بحيث يكون التماثل فيه معتبرًا لصحة العقد، نعم لو كان الثمن دراهم أو دنانير، أو نقودًا ورقية، لكانت المشاهدة لا تكفي لرفع الجهالة عن الثمن، والغرر قد يكون كثيرًا، أما ما عدا النقود، من مكيل، أو موزون، فإن المشاهدة ترفع الجهالة، والله أعلم.
الراجح:
أرى أن مذهب المالكية هو أقوى؛ لقوة دليله، وللجواب عن أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم.
* * *
стр. 3359
الشرط الثاني
أن يتم تسليم رأس المال في مجلس العقد
هل تعيين رأس مال السلم يكفي عن قبضه؟ وهل المعين يعتبر دينًا بتأخيره، أو أن الدين خاص بما تعلق في الذمة؟
[م-٧٠٨] وقع خلاف بين المالكية والجمهور حول وجوب تسليم الثمن في مجلس العقد، بعد اتفاقهم على ما يلي:
قال ابن عبد السلام من المالكية: «لم أعلم خلافًا في كون تعجيل رأس المال عزيمة، وأن الأصل التعجيل، وإنما الخلاف هل يرخص في تأخيره؟» (١).
وقال الغزالي: «لا خلاف أنه لو كان رأس المال نقدًا، ولم يعينه، ثم عينه في المجلس كفاه؛ لأن المجلس كالحريم، فله حكم الابتداء» (٢).
وقال في تهذيب الفروق: «اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير نقد الثمن في المدة الكثيرة مطلقًا، لا باشتراط، ولا بدونه، واختلفوا في اشتراط تأخير نقده اليومين والثلاثة .... » (٣).
وقال ابن رشد في المقدمات: «وأما تأخيره فوق الثلاث بشرط، فذلك لا
стр. 3360
يجوز باتفاق، كان رأس المال عينًا أو عرضًا ... » (١).
واتفقوا على أن عقد السلم ينعقد صحيحًا بدون قبض رأس المال، فليس قبض المال في العقد شرطًا للصحة، وإنما اختلفوا هل القبض في المجلس بعد انعقاد السلم شرط لبقاء العقد على الصحة بحيث يفسد العقد إذا تفرقا قبل القبض، أو يصح العقد، وإن تفرقا قبل القبض؟ (٢).
فقيل: يشترط القبض في المجلس لبقاء العقد على الصحة، ولا يجوز تأخيره عن المجلس مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واختيار ابن عبد البر من المالكية (٦).
وقيل: يجوز تأخير القبض اليومين، والثلاثة مطلقًا بشرط وبغير شرط، وإن تأخر أكثر من ثلاثة أيام، وكان رأس مال السلم عينًا لم يجز مطلقًا بشرط أو بغير شرط. وإن كان رأس مال السلم عرضًا، وتأخر تسليمه أكثر من ثلاثة أيام جاز إذا لم يشترط تأخيره. هذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر أصحابه (٧).
قال القرافي: «ومنشأ الخلاف، هل يسمى هذا التأخير دينًا، أم لا؟ وأن ما قارب الشيء هل يعطى حكمه أم لا؟» (٨).
стр. 3361
دليل الجمهور على اشتراط القبض في المجلس:
الدليل الأول:
(ح-٥١٨) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال،
عن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قال الشافعي في تفسير قوله (من أسلف فليسلف)، قال: «إنما قال: فليعط، ولم يقل: ليبايع، ولا يعطي، ولا يقع اسم التسليف فيه حتى يعطيه ما سلفه قبل أن يفارق من سلفه» (٢).
وقال الرملي: «ولأن السلم مشتق من تسليم رأس المال: أي تعجيله، وأسماء العقود المشتقة من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها» (٣).
الدليل الثاني:
أنه إذا لم يسلم الثمن في مجلس العقد تحول إلى بيع الدين بالدين بالصورة المتفق على منعها.
«قال أحمد: لم يصح منه - أي في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ -حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يسلف إليه شيئًا مؤجلًا، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع»
стр. 3362
ثم قال ابن تيمية: «والإجماع إنما هو بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين» (١).
ويجاب:
بأن رأس المال في السلم قد يكون عينًا، وقد يكون دينًا، فإن كان دينًا في الذمة وجب تسليمه في مجلس العقد، حتى يكون عينًا، ومنه لو كان الثمن نقودًا فإنها لا تتعين بالتعيين على الصحيح، وإن كان رأس مال السلم معينًا فلا يلزم من تأخير تسليمه أن يتحول البيع إلى بيع دين بدين، فلو كان رأس المال ثوبًا معينًا، فإن عدم تسليمه في المجلس لا يجعل البيع من قبيل بيع الدين بالدين؛ لأن الدين ما تعلق في الذمة، والحق قد تعلق بثوب معين، فخرج من بيع الدين بالدين.
وقد اعترف السرخسي، أن رأس السلم إذا كان معينًا أن القياس عدم وجوب التسليم، وأن وجوب التسليم فيه إنما هو من باب الاستحسان، لا أكثر.
قال السرخسي: «فأما تعجيل رأس المال، فنقول: إذا كان رأس المال دراهم، أو دنانير، يكون التعجيل فيه شرطا قياسًا واستحسانًا ; لأن الدراهم، والدنانير لا يتعينان في العقود، فيكون هذا من بيع الدين بالدين وذلك لا يجوز؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ يعني: النسيئة بالنسيئة، فأما إذا كان رأس المال عروضًا، هل يكون التعجيل شرطًا؟ القياس ألا يكون شرطًا، وفي الاستحسان يكون شرطًا.
وجه القياس: أن العروض سلعة تتعين في العقود، بخلاف الدراهم، فلو لم يشترط التعجيل، لا يؤدي إلى بيع الدين بالدين.
стр. 3363
وجه الاستحسان: أن السلم أخذ عاجل بآجل، والمسلم فيه آجل، فوجب أن يكون رأس المال عاجلًا، ليكون حكمه ثابتًا على ما يقتضيه الاسم لغة، كالصرف، والحوالة، والكفالة، فإن هذه العقود تثبت أحكامها بمقتضيات أساميها لغة» (١).
وقال الكاساني: «والقياس ألا يشترط قبضه في المجلس، إذا كان عينًا» (٢).
وقال في شرح ميارة: «وأما غير النقدين فيجوز تأخيره لتعيينه، فليس دينًا بدين ... » (٣).
ويجاب:
بأن العبرة في العقود بالمعاني دون الألفاظ والمباني، ولذلك لو ضَمِنه بشرط إبراء الأصيل كانت حوالة عند الحنفية، ولم تكن كفالة، ولم ينظر إلى ما يقتضيه الاسم، وكذلك لو شرط في الحوالة أن يطالب بالمال أيهما شاء، كانت ضمانًا عند الحنفية، وليست حوالة، وعللوا ذلك بأن المقصود هو المعنى، فلم ينظر الحنفية إلى ما يقتضيه الاسم لغة (٤).
الدليل الثالث:
أن وجوب تسليم الثمن جارٍ على وفق القواعد، وذلك أن كلَّ بيع يتعين فيه المبيع والثمن معًا، لا يشترط فيه القبض أصلًا.
стр. 3364
وكل بيع لا يتعين فيه المبيع والثمن يشترط فيه قبض العوضين في الجملة، كبيع الأثمان بعضها ببعض، وهو ما يعرف بالصرف.
وكل بيع يتعين فيه المبيع، فإنه لا يشترط قبض عوضه عدا الأموال الربوية.
وكل بيع لا يتعين فيه المبيع، فإنه يشترط فيه قبض بدله، وهذا هو عقد السلم (١).
ويجاب:
بأن التعيين غير القبض، فقد يتعين رأس مال السلم، كما لو أشار إليه، أو كان الثمن معروفًا بعينه للبائع، ولا يتم التسليم في مجلس العقد، فهل يبطل العقد بمجرد عدم التسليم، مع أن رأس مال السلم قد تعين، وانتقل الحق من كونه في الذمة إلى ذات العين؟ هذا هو موضع الخلاف.
الدليل الرابع:
أن عقد السلم منطو على غرر احتمل للحاجة، فجبر ذلك بتعجيل قبض العوض الآخر، وهو الثمن، فإذا أخر الثمن زاد الغرر، وزيادة الغرر في العقد تبطله.
ويناقش:
بأن التأجيل لا يعتبر غررًا، ولو كان التأجيل غررًا لما صح عقد السلم؛ لأن المسلم فيه من شرطه التأجيل عند الجمهور.
الدليل الخامس:
أن سبب الرخصة في عقد السلم هو حاجة البائع إلى الارتفاق بالثمن؛ لاستصلاح حرثه، وزرعه، فإذا كان هناك تأخير في الثمن ذهبت الحكمة من مشروعية السلم.
стр. 3365
ويناقش:
بأن عقد السلم كونه رخصة، وليس عزيمة، فيه خلاف بين أهل العلم، ولو قلنا: إن السلم رخصة أبيح للحاجة، لكان هذا يعني تحريم عقد السلم مع انتفاء الحاجة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا، وعدمًا، والسلم عقد مباح مطلقًا، وإباحته ليست مشروطة بوجود الحاجة.
الدليل السادس:
قال ابن عبد البر: «لم يختلف قول مالك أنه لو أقاله في السلم بتأخير يوم أو يومين لم يجز، والابتداء أولى، كذلك في النظر إذ هو مثله قياسًا عليه بلا فرق» (١).
ويجاب:
بأن هذا دليل على ضعف قول مالك في وجوب التسليم في الإقالة، وليس دليلًا على وجوب تسليم الثمن في عقد السلم، وبينهما فرق.
دليل المالكية على جواز تأخير الثمن اليوم واليومين:
الدليل الأول:
المالكية يتفقون مع الجمهور على وجوب تعجيل رأس مال السلم، لكنهم لا يرون أن تأخير التسليم يومًا، أو يومين ينافي التعجيل، وقد احتج المالكية بالقاعدة التي تقول: «ما قارب الشيء له حكمه» (٢).