← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

دليل الجمهور على اشتراط القبض في المجلس: الدليل الأول: (ح-٥١٨) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: قال الشافعي في تفسير قوله (من أسلف فليسلف)، قال: «إنما قال: فليعط، ولم يقل: ليبايع، ولا يعطي، ولا يقع اسم التسليف فيه حتى يعطيه ما سلفه قبل أن يفارق من سلفه» (٢). وقال الرملي: «ولأن السلم مشتق من تسليم رأس المال: أي تعجيله، وأسماء العقود المشتقة من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها» (٣). الدليل الثاني: أنه إذا لم يسلم الثمن في مجلس العقد تحول إلى بيع الدين بالدين بالصورة المتفق على منعها. «قال أحمد: لم يصح منه - أي في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ -حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يسلف إليه شيئًا مؤجلًا، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع»

стр. 3362

ثم قال ابن تيمية: «والإجماع إنما هو بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين» (١). ويجاب: بأن رأس المال في السلم قد يكون عينًا، وقد يكون دينًا، فإن كان دينًا في الذمة وجب تسليمه في مجلس العقد، حتى يكون عينًا، ومنه لو كان الثمن نقودًا فإنها لا تتعين بالتعيين على الصحيح، وإن كان رأس مال السلم معينًا فلا يلزم من تأخير تسليمه أن يتحول البيع إلى بيع دين بدين، فلو كان رأس المال ثوبًا معينًا، فإن عدم تسليمه في المجلس لا يجعل البيع من قبيل بيع الدين بالدين؛ لأن الدين ما تعلق في الذمة، والحق قد تعلق بثوب معين، فخرج من بيع الدين بالدين. وقد اعترف السرخسي، أن رأس السلم إذا كان معينًا أن القياس عدم وجوب التسليم، وأن وجوب التسليم فيه إنما هو من باب الاستحسان، لا أكثر. قال السرخسي: «فأما تعجيل رأس المال، فنقول: إذا كان رأس المال دراهم، أو دنانير، يكون التعجيل فيه شرطا قياسًا واستحسانًا ; لأن الدراهم، والدنانير لا يتعينان في العقود، فيكون هذا من بيع الدين بالدين وذلك لا يجوز؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ يعني: النسيئة بالنسيئة، فأما إذا كان رأس المال عروضًا، هل يكون التعجيل شرطًا؟ القياس ألا يكون شرطًا، وفي الاستحسان يكون شرطًا. وجه القياس: أن العروض سلعة تتعين في العقود، بخلاف الدراهم، فلو لم يشترط التعجيل، لا يؤدي إلى بيع الدين بالدين.

стр. 3363

وجه الاستحسان: أن السلم أخذ عاجل بآجل، والمسلم فيه آجل، فوجب أن يكون رأس المال عاجلًا، ليكون حكمه ثابتًا على ما يقتضيه الاسم لغة، كالصرف، والحوالة، والكفالة، فإن هذه العقود تثبت أحكامها بمقتضيات أساميها لغة» (١). وقال الكاساني: «والقياس ألا يشترط قبضه في المجلس، إذا كان عينًا» (٢). وقال في شرح ميارة: «وأما غير النقدين فيجوز تأخيره لتعيينه، فليس دينًا بدين ... » (٣). ويجاب: بأن العبرة في العقود بالمعاني دون الألفاظ والمباني، ولذلك لو ضَمِنه بشرط إبراء الأصيل كانت حوالة عند الحنفية، ولم تكن كفالة، ولم ينظر إلى ما يقتضيه الاسم، وكذلك لو شرط في الحوالة أن يطالب بالمال أيهما شاء، كانت ضمانًا عند الحنفية، وليست حوالة، وعللوا ذلك بأن المقصود هو المعنى، فلم ينظر الحنفية إلى ما يقتضيه الاسم لغة (٤). الدليل الثالث: أن وجوب تسليم الثمن جارٍ على وفق القواعد، وذلك أن كلَّ بيع يتعين فيه المبيع والثمن معًا، لا يشترط فيه القبض أصلًا.

стр. 3364

وكل بيع لا يتعين فيه المبيع والثمن يشترط فيه قبض العوضين في الجملة، كبيع الأثمان بعضها ببعض، وهو ما يعرف بالصرف. وكل بيع يتعين فيه المبيع، فإنه لا يشترط قبض عوضه عدا الأموال الربوية. وكل بيع لا يتعين فيه المبيع، فإنه يشترط فيه قبض بدله، وهذا هو عقد السلم (١). ويجاب: بأن التعيين غير القبض، فقد يتعين رأس مال السلم، كما لو أشار إليه، أو كان الثمن معروفًا بعينه للبائع، ولا يتم التسليم في مجلس العقد، فهل يبطل العقد بمجرد عدم التسليم، مع أن رأس مال السلم قد تعين، وانتقل الحق من كونه في الذمة إلى ذات العين؟ هذا هو موضع الخلاف. الدليل الرابع: أن عقد السلم منطو على غرر احتمل للحاجة، فجبر ذلك بتعجيل قبض العوض الآخر، وهو الثمن، فإذا أخر الثمن زاد الغرر، وزيادة الغرر في العقد تبطله. ويناقش: بأن التأجيل لا يعتبر غررًا، ولو كان التأجيل غررًا لما صح عقد السلم؛ لأن المسلم فيه من شرطه التأجيل عند الجمهور. الدليل الخامس: أن سبب الرخصة في عقد السلم هو حاجة البائع إلى الارتفاق بالثمن؛ لاستصلاح حرثه، وزرعه، فإذا كان هناك تأخير في الثمن ذهبت الحكمة من مشروعية السلم.

стр. 3365

ويناقش: بأن عقد السلم كونه رخصة، وليس عزيمة، فيه خلاف بين أهل العلم، ولو قلنا: إن السلم رخصة أبيح للحاجة، لكان هذا يعني تحريم عقد السلم مع انتفاء الحاجة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا، وعدمًا، والسلم عقد مباح مطلقًا، وإباحته ليست مشروطة بوجود الحاجة. الدليل السادس: قال ابن عبد البر: «لم يختلف قول مالك أنه لو أقاله في السلم بتأخير يوم أو يومين لم يجز، والابتداء أولى، كذلك في النظر إذ هو مثله قياسًا عليه بلا فرق» (١). ويجاب: بأن هذا دليل على ضعف قول مالك في وجوب التسليم في الإقالة، وليس دليلًا على وجوب تسليم الثمن في عقد السلم، وبينهما فرق. دليل المالكية على جواز تأخير الثمن اليوم واليومين: الدليل الأول: المالكية يتفقون مع الجمهور على وجوب تعجيل رأس مال السلم، لكنهم لا يرون أن تأخير التسليم يومًا، أو يومين ينافي التعجيل، وقد احتج المالكية بالقاعدة التي تقول: «ما قارب الشيء له حكمه» (٢).

стр. 3366

فالتأخير اليسير في حكم المعجل؛ لأن اليسير معفو عنه أشبه المقبوض في مجلس العقد قال ابن رشد: «هذه القاعدة كثيرًا ما يذكرها الفقهاء، ولم أجد دليلًا يشهد لعينها، فأما إعطاؤه حكم نفسه، فهو الأصل، وأما إعطاؤه حكم ما قاربه، فإن كان مما لا يتم إلا به، كإمساك جزء من الليل، فهذا يتجه، وإن كان على خلاف ذلك، فقد يحتج له بحديث: مولى القوم منهم، وبقوله ﵇: المرء مع من أحب ... » (١). واستدل لهذه القاعدة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. قال الشيخ: «ظاهره أن الإمساك بمعروف إذا بلغن أجلهن، مع أنهن إذا بلغن إلى ذلك الحد خرجن من العدة، وانتهى وجه المراجعة، ولكن المراد هنا: إذا قاربن أجلهن، ولم يتجاوزنه، أو يصلن إليه بالفعل، والقاعدة: أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ومثل الآية: الحديث في قوله ﷺ : إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، مع أنه عند الإتيان، أو أثناءه لا يحق له أن يقول ذلك، وإنما يقوله إذا قارب دخوله» (٢). «ومن جهة الاعتبار: أن إلحاق ما قارب الشيء به دليل على أن هذا الشيء

стр. 3367

ليس تحديدًا، بل اجتهاد مقارب، فهو من منزلة العفو، وباب التقديرات الاجتهادية، لا من تحديدات الشرع» (١). الدليل الثاني: التأخير ليس بممنوع لمعنى في العوض، وإنما هو ممنوع لمعنى في العقد لئلا يكون من بيع الكالئ بالكالئ، فإذا عين الثمن لم يفسد العقد بتأخير القبض اليومين والثلاثة (٢). الراجح: أرى أن الراجح - والله أعلم - أن الثمن إن كان في الذمة وجب تسليمه في مجلس العقد؛ حتى لا نقع في بيع الدين بالدين ابتداء، وإن كان الثمن معينًا فإنه لا يشترط قبضه في مجلس العقد، وهل يجوز اشتراط التأجيل أكثر من ثلاثة أيام؟ هذا يتوقف على وجود قول فقهي في ذلك، و لم أقف على قول يرى جواز اشتراط التأجيل مطلقًا، وإنما أجاز المالكية اشتراط التأجيل في حدود اليومين والثلاثة، وجواز التأجيل في الثمن المعين بدون شرط كما سبق ذكره في الأقوال. وقد وقفت في مذهب الشافعية على جواز تأخير القبض مطلقًا بشرط ألا يذكر لفظ السلم في العقد. جاء في تحفة المحتاج: «ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم، أو بدينار في ذمتي. فقال: بعتك، انعقد بيعًا عملًا بمقتضى اللفظ. وقيل: سلمًا نظرًا للمعنى. فعلى الأول: يجب تعيين رأس المال إذا كان في

стр. 3368

الذمة؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين، لا قبضه، ويثبت فيه خيار الشرط، ويجوز الاعتياض عنه. وعلى الثاني ينعكس ذلك ... » (١). فهنا أجاز الشافعية على قولٍ: جواز تأخير القبض إذا تعين الثمن، ولم يشترطوا تسليم الثمن، إلا إذا كان في العقد لفظ السلم، وإذا قلنا: إن العبرة في العقود بالمعاني، لا للألفاظ والمباني، فإنه يؤخذ منه جواز تأخير القبض في السلم إذا كان الثمن معينًا، وليس دينًا، والله أعلم، وقولنا: إن الشافعية يجيزون تأخير القبض في الثمن المعين لا يعني أنهم يجيزون اشتراط التأجيل، فهم لا يجيزون اشتراط التأجيل في المعين، ثمنًا كان أو مثمنًا، وتأخير القبض غير اشتراط التأجيل (٢). كما أجاز المالكية تأخير الثمن إذا شرع في أخذ المثمن كالسلم في الخبز، والفواكه تنزيلًا لقبض بعض العوض منزلة قبض الكل، فليس دينًا بدين، نظيره قبض أوائل المنافع المأخوذة في الديون .. وهذا يدل على أن المانع من التأخير هو الوقوع في بيع الدين بالدين، وفي تعيين الثمن مع تأخيره يزول هذا المحذور (٣). وقد اختار فضيلة الشيخ الصديق الضرير جواز التأجيل بشرط أن يكون أقل

стр. 3369

من أجل المسلم فيه، قال فضيلته: «لا أرى ما يمنع تأجيل رأس المال إلى أجل قريب، أو بعيد، بشرط أن يكون أقل من أجل المسلم فيه ... » (١). واختار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي جواز تأخير الثمن عن مجلس العقد اليومين والثلاثة، جاء في القرار: «الأصل تعجيل قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، ويجوز تأخيره ليومين، أو ثلاثة، ولو بشرط، على ألا تكون مدة التأخير مساوية، أو زائدة عن الأجل المحدد للسلم» (٢). * * *

стр. 3370

الفرع الأول في قبض رأس المال وتأخير بعضه قال السرخسي: إذا بطل العقد في البعض بطل في الكل (١). جاء في موسوعة القواعد والضوابط الفقهية: أحد العاقدين لا ينفرد بتفريق الصفقة (٢). يقابل هذا قول الحنفية: الفساد الطارئ على الصحة لا يشيع (٣). [م-٧٠٩] إذا عجل بعض رأس المال في مجلس العقد، وأجل البعض الآخر، فما حكم عقد السلم؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يصح السلم فيما قبض، ويبطل فيما لم يقبض. وهذا مذهب الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وقيل: يبطل عقد السلم كله، وهذا مذهب المالكية (٧)، ورواية عن الإمام

стр. 3371

أحمد (١)، واختيار زفر من الحنفية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣). وجه قول الجمهور بصحة السلم فيما قبض: الوجه الأول: أن السلم وقع صحيحًا في الكل؛ لأن القبض ليس شرطًا للصحة، وإنما هو شرط لبقاء العقد على الصحة، ولهذا لو نقد الكل قبل الافتراق صح، فإذا تأخر القبض في البعض لم يبطل الجميع، ولا ينبغي أن يشيع الفساد؛ لأنه طارئ على الصحة، فلا وجه لبطلان الجزء الذي قبض. الوجه الثاني: أن القول بصحة ما قبض، وبطلان ما لم يقبض لا ضرر فيه على أحد من العاقدين، كالقول في تفريق الصفقة، ومثله لو اشترى رجل شاتين، وكانت قيمتهما سواء، فوجد في إحداهما عيبًا، كان له رد ما وجد معيبًا بحصته، ولم يبطل البيع في الأخرى. وجه قول المالكية ومن معهم: الوجه الأول: علل المالكية بطلان العقد بأنه متى قبض البعض، وأخر البعض فسد العقد كله؛ لأنه اشتمل على ابتداء دين بدين.

стр. 3372

الوجه الثاني: علل ابن حزم القول بالبطلان بأن العقد واحد، والصفقة واحدة، وكل عقد جمع فاسدًا وجائزًا، فيكون كله فاسدًا؛ لأن العقد لا يتبعض (١). الراجح: إذا كان تفريق الصفقة يفوت على أحدهما غرضه من الصفقة لم يحل التفريق، وإن كان التفريق لا يفوت غرض واحد منهما، جاز تفريق الصفقة برضاهما، هذا إذا كان البعض الذي لم يقبض لم يتعين، أما إذا تعين فيكون فيه الخلاف السابق، هل الواجب القبض مطلقًا، تعين الثمن أو لم يتعين، أو الواجب التعيين ولو لم يقبض؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين؟ والله أعلم. * * *

стр. 3373

الفرع الثاني جعل ما في الذمة رأس مال لسلم جاء في موسوعة القواعد والضوابط الفقهية: الأصل أن ربح ما لم يضمنه الرابح حرام .... (١). [م-٧١٠] إذا كان لرجل في ذمة آخر مائة ريال، فاتفقا على أن يكون هذا المبلغ سلمًا في طعام معلوم مؤجل، فهذه صورة من صور فسخ الدين بالدين، فما حكم ذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: القول الأول: لا يجوز، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢)، واختاره ابن تيمية في أحد قوليه.

стр. 3374

قال ابن تيمية في مختصر الفتاوى المصرية: «ومن اشترى قمحًا إلى أجل، ثم عوض البائع عن الثمن سلعة إلى أجل لم يجز، وكذلك إن احتال على أن يزيده في الثمن، ويزيده في الأجل بصورة يظهر رباها لم يجز، ولم يكن عنده إلا الدين الأول، فإن هذا هو الربا الذي أنزل الله فيه القرآن، يقول الرجل لغريمه عند محل الأجل: تقضي أو تربي» (١). وقال أيضًا: «إذا اشترى قمحًا بثمن إلى أجل، ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم يجز؛ فإن هذا بيع دين بدين» (٢). وقال ابن تيمية أيضًا: «وأما احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله: (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره) فعنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف. والثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه: النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين، ولهذا قال: لا يصرفه إلى غيره، أي: لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، ومن اعتاض عنه بغيره قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره» (٣). فهذا القول من ابن تيمية نص صريح في أنه لا يجوز بيع الدين على من هو عليه بدين آخر، ويجوز بيع الدين بعوض مقبوض، وهو من قبيل بيع الدين بالعين.

стр. 3375

القول الثاني: يجوز جعل ما في الذمة رأس مال لسلم، أي يجوز بيع الدين على من هو عليه بدين آخر، اختاره ابن القيم، وحكاه قولًا لابن تيمية (١). قال ابن القيم: «إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته، فقد سقط الدين من ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز» (٢). وقد سبق لنا في القول الأول النقل الصريح عن ابن تيمية بمنع هذه المعاملة، فإن صح ما حكاه ابن القيم عن شيخه فيكون لابن تيمية قولان في المسألة، وإلا كان وهمًا من ابن القيم في نسبة هذا القول لشيخه، وهو الأقرب. دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: (ح-٥١٩) أنه من باب بيع الدين بالدين، وقد نهي عنه كما في حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (٣). [ضعيف] (٤). و أجيب: قال ابن القيم: «ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث، وفيه ما فيه: أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ

стр. 3376

هو المؤخر، وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينًا في ذمة المسلم فيه، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل ذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز، كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة «(١). وتعقبه بعض العلماء المعاصرين: يقول الدكتور نزيه حماد: «قَصْر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم معنى بيع الكالئ بالكالئ على صورة السلف المؤجل من الطرفين غير مسلم؛ لافتقاره إلى دليل يقيده، ولوجود صورة أخرى يصدق عليها معناه، وتدخل تحت عمومه، وقد نقل الإجماع على حظر بعضها باعتبارها من أفراده، ومنها هذه الصورة» (٢). الدليل الثاني: الإجماع على المنع حكاه ابن قدامة وغيره. قال ابن قدامة: «إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلمًا في طعام إلى أجل، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم: مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي، وعن ابن عمر، أنه قال: لا يصح ذلك، و ذلك أن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن دينًا كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع» (٣).

стр. 3377

وقال السبكي في تكملة المجموع: «تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه: وهو أن يكون للرجل على الرجل دين، فيجعله عليه في دين آخر، مخالف له في الصفة، أو القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه» (١). الدليل الثالث: هذه الصورة شبيهة بربا النساء المعروف، حيث إنَّ استبدال الدين الحال بدين مؤجل من غير جنسه مظنة الزيادة في الدين في مقابل الأجل الممنوح للمدين، وذلك في معنى ربا الجاهلية (تقضي أو تربي). الدليل الرابع: إذا كان ابتداء الدين بالدين مجمعًا على منعه، وقد حكى الإجماع جماعة منهم ابن تيمية وابن القيم، فإن فسخ الدين بالدين مثله حيث لا فرق. دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: الأصل في البيع الحل، ولا يوجد نص يدل على التحريم، يقول ابن القيم: «ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين» (٢). وقد أجاب فيما سبق عن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. الدليل الثاني: استدل ابن القيم على الجواز بالقياس على الحوالة. قال ﵀: «قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين،

стр. 3378

وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز» (١). ويناقش: هناك فرق بين الحوالة وبين بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل من وجهين: الأول: أن بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل من قبيل البيع، والحوالة على الصحيح ليست بيعًا. قال ابن تيمية: «الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع. فأمر المدين بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على ملئ» (٢). وقال القرافي: الحوالة تحويل الحق، وليس بتبديل ... لأن تبديل الدين بالدين لا يجوز، ولأن اسم الحوالة من التحويل، لا من التبديل (٣). الوجه الثاني: يشترط في صحة الحوالة أن يحيله على جنس الدين، لا على جنس آخر، فإذا أحاله على جنس آخر لم تكن حوالة، وخرج العقد من الإرفاق والإحسان إلى المعاوضة والتكسب، فامتنعت.

стр. 3379

قال ابن رشد: «وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط: ... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر، والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (١). بينما بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل هو من قبيل بيع الدين بغير جنسه، فلم يصح القياس على الحوالة، يقول ابن القيم في توصيف بيع الساقط بالواجب: «كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه» (٢). فظهر الفرق بين الحوالة وبين بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل. الدليل الرابع: لكل واحد من المتبايعين غرض صحيح، ومنفعة مطلوبة؛ إذ تبرأ ذمة المدين عن دينه الأول، وتنشغل بدين آخر، قد يكون وفاؤه أسهل عليه وأنفع لجلب منافع الناس، وتحصيل مصالحهم. ويناقش: نحن لا نمانع إذا كان ذلك من قبيل المنفعة للدائن والمدين، وذلك لا يكون إلا إذا كان هناك وفاء في محل العقد، فيتحول البيع إلى بيع دين بعين، ويسلمه المبيع في مجلس العقد، فتبرأ ذمة المدين، وينتفع الدائن بقبض ماله، أما إذا كانت ذمته ستنتقل من دين لدين آخر، فما الفائدة المرجوة من ذلك، فلم ينتفع الدائن، ولم ينتفع المدين، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل

стр. 3380

مقصوده أصلًا، وإذا كان المدين يراه أنه أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى. الدليل الخامس: استدل ﵀ بالقياس على بيع العين بالدين. قال ﵀: «إذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح، وذلك في بيع العين بالدين، جاز أن يفرغها من دين، ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها ابتداء بقرض، أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل» (١). ويناقش: هذا الكلام مدخول من أكثر من وجه: الوجه الأول: لو صح قياس بيع الدين بالدين، على بيع العين بالدين، لم يكن هناك إجماع على النهي عن بيع المؤخر بالمؤخر، وقد اتفقوا على منع بيع المؤخر بالمؤخر، كما لو باع عليه موصوفًا مؤجلًا، بثمن مؤجل. الوجه الثاني: ذكر ابن القيم أن كل واحد منهما له منفعة من هذه المعاملة، فالمدين أفرغ ذمته من دين، وشغلها بآخر، والآخر حصل على الربح. والسؤال: كيف صحح ابن القيم أن يبيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل، وأذن له أن يربح فيه، مع أن بيع الدين على من هو عليه بثمن حال يشترط لجوازه

стр. 3381

ألا يربح فيه حتى لا يربح فيما لم يضمن، فبيعه بثمن مؤجل من باب أولى ألا يربح فيه. الدليل السادس: استدل ابن القيم على الجواز بالقياس على المقاصة، وهو بيع الساقط بالساقط. يقول ابن القيم: «إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه، فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته، وخلفه دين آخر واجب، فهذا من بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة» (١). ويناقش: هناك فرق كبير بين بيع المقاصة وبين مسألتنا، ففي بيع المقاصة تبرأ الذمم، وينتهي الدين، فهو بمنزلة بيع عين بعين، بينما في مسألتنا تنشغل ذمة المدين بدين آخر بلا فائدة، وكان بالإمكان أن يمهل المدين إذا كان المقصود الإرفاق به لولا ما يرجوه الدائن من أخذ الربح في مقابل زيادة الأجل. الراجح: القول بالمنع؛ لأن المسألة لا تخرج إما أن يراد من هذه المعاملة منفعة الدائن، أو منفعة المدين، أو لا يراد منفعة أي واحد منهما. فإن كان لا منفعة لهما كانت هذه المعاملة عبثًا، فالعاقل لا يبيع أو يشتري ما لا منفعة فيه للمتعاقدين. وإن كان يرى أن المنفعة للدائن كان هذا من قبيل تقضي أو تربي، وتكون الزيادة في الأجل مقابل هذه المنفعة، وهي محرمة بالإجماع.

стр. 3382

وإن كانت المنفعة للمدين حيث يراه في الانتقال إلى المبيع الجديد أسهل لوفاء دينه، فلينتظر حتى يكون المبيع معه، ثم يبيعه إياه، فيكون ذلك أسهل لوفاء دينه حقيقة لا دعوى، ويكون من قبيل بيع دين بعين، وليس من قبيل بيع دين بدين، والله أعلم. * * *

стр. 3383

الفرع الثالث جعل ما في يد المسلم إليه رأس مال لسلم [م-٧١١] لو كان عند المسلم إليه أمانة، أو عين مغصوبة، ونحوها، فأراد ربها أن يجعلها رأس مال لسلم بينهما، فهل يصح ذلك؟ هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة، ففي المسألة السابقة كان رأس مال السلم في ذمة المسلم إليه، وأما في هذه المسألة فإن رأس مال السلم عين معينة في يد المسلم إليه، سواء كانت يده يد ضمان كالغاصب، أو كانت يده يد أمانة كالوديعة ونحوها، فلا يرد في هذه المسألة الإشكال السابق بأنه بيع دين بدين، لأن المال إذا تعين في يد المسلم إليه صار البيع من قبيل بيع الدين بالعين. والسؤال هل ينوب القبض السابق للعقد مناب القبض المستحق في مجلسه، أم يحتاج الأمر إلى قبض جديد؟ في ذلك خلاف بين العلماء: فقيل: ينوب القبض السابق لرأس مال السلم عن القبض المستحق في مجلس العقد، إذا كانت يد المسلم إليه يد ضمان، كما لو كان المال في يده بغصب، أو مقبوضًا بعقد فاسد. فإن كانت يد المسلم إليه يد أمانة، كما لو كان المال في يده وديعة، أو عارية، لم ينب القبض السابق عن القبض اللاحق. وهذا مذهب الحنفية (١). وجه ذلك: أن القبض عند الحنفية ينقسم إلى قسمين: قبض ضمان، وقبض أمانة.

стр. 3384

وقبض الضمان: هو: ما كان فيه القابض مسئولًا عن المقبوض تجاه غيره، فيضمنه إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية، كالمغصوب في يد غاصبه، والمبيع في يد مشتريه. وقبض أمانة: وهو ما كان فيه القابض غير مسئول عن المقبوض إلا بالتعدي، أو التقصير في الحفظ. ويرى الحنفية أن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة. وأن القبض السابق للعقد إذا كان مثل المستحق بالعقد، فإنه ينوب منابه، بمعنى: أن القبضين إذا تجانسا بأن كانا قبضي أمانة، أو كانا قبضي ضمان تناوبا؛ لأنه إذا كان مثله، أمكن تحقيق التناوب. فالقبض الواجب في عقد السلم قبض ضمان، فيجب أن يكون القبض السابق لعقد السلم قبض ضمان؛ لينوب القبض السابق عن القبض اللاحق. أما لو كان القبض السابق قبض أمانة، فإنه لا يصح أن ينوب هذا القبض عن الواجب لعقد السلم؛ لأن قبض الأمانة أضعف من قبض الضمان. وذهب الجمهور إلى أنه لا حاجة إلى تجديد القبض، بل ينوب القبض السابق للعين مقام القبض اللاحق المستحق مطلقًا، سواء كانت يد القابض عليه يد ضمان، أم يد أمانة؛ لأن المراد بالقبض المستحق: إثبات اليد، والتمكن من التصرف في المقبوض، فإذا تحقق هذا الأمر فقد وجد القبض، ولا علاقة لكون المقبوض مضمونًا، أو أمانة في حقيقة القبض، ولا يوجد دليل على أنه ينبغي أن يقع القبض ابتداء بعد العقد (١).

стр. 3385

جاء في كشاف القناع: «الشرط السادس للسلم: أن يقبض المسلم إليه، أو وكيله رأس ماله في مجلس العقد، أو ما في معنى القبض، كما لو كان عنده أي المسلم إليه أمانة، أو عين مغصوبة ونحوها، فجعلها ربها رأس مال سلم، فيصح؛ لأنه في معنى القبض» (١). * * *

стр. 3386

الفصل الثالث في الشروط العائدة إلى المسلم فيه أوسع المذاهب في جواز ما يسلم فيه هو المذهب المالكي، حيث لم يمنعوا السلم إلا في أربعة أشياء: الأول: ما لا ينقل كالدور، والأراضين. والثاني: مجهول الصفة، كتراب المعادن، والجزاف. والثالث: ما يتعذر وجوده. والرابع: ما يمتنع بيعه (١). ولذلك أجاز المالكية وحدهم السلم في الجواهر، كما أجازوا السلم في كثير من المعدودات المتفاوتة، كالرمان، والبطيخ، وأجازوا أيضًا السلم في الأجود، والأردأ خلافًا لمذهب الجمهور، وسوف يتكشف لك عند الكلام على شروط المسلم فيه أن مذهب المالكية هو أوسع المذاهب، وأكثرها مرونة. * * *

стр. 3387

الشرط الأول أن يكون المسلم فيه دينًا قال القرافي: ما لا يكون في الذمة لا يكون دينًا (١). [م-٧١٢] يشترط بالاتفاق أن يكون المسلم فيه دينًا، وإذا قلنا: (أن يكون دينًا) فإن ذلك يغني عن قولنا: (موصوفًا في الذمة) فهذه الجملة من باب التوكيد؛ لأن الدين لا يكون إلا موصوفًا في الذمة. فالديون لا تثبت إلا في الذمم، بخلاف الأعيان، فإنها تثبت في الأيدي القابضة لها، وليس محلها الذمة. قال القرافي: «ما لا يكون في الذمة لا يكون دينًا» (٢). وما في الذمة لا يتعين لطالبه إلا إذا قبضه، فالديون في الفقه تقابل الأعيان، ومتى تعين الدين فقد خرج من كونه دينًا، وبناء عليه فإن الدين لا يكون أمانة؛ لأن الأمانة لا تكون مضمونة في الأصل، والديون مضمونة. ويتفرع عن ذلك أن ما كان في الذمة لا يكون إلا موصوفًا؛ لأنه حق متعلق بشيء غير معين، فمن كان عليه دين فله قضاؤه من أي ماله شاء، أما الأعيان فإنها تستوفى بذاتها. وكل حق ثابت في الذمة لا يبطل بتلف المال، كالدين، والقرض؛ لأنه لم يتعلق بعين معينة. وكل حق تعلق بالعين ـ كالوديعة، والمضاربة ـ فإنه يبطل بتلف المال.

стр. 3388

إذا علم ذلك فقد أجمع الفقهاء على أن المسلم فيه لا بد أن يكون دينًا موصوفًا. وقولنا (دينًا موصوفًا) أخرج المعين، ولو كان موصوفًا؛ لأنه ليس بدين. قال الباجي: «وأما السلم فلا بد أن يكون المسلم فيه موصوفًا؛ لأنه لا يصح أن يعرف إلا بالوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون معينًا، وإنما يكون متعلقًا بالذمة. وهذا لا خلاف فيه» (١). وجاء في شرح ميارة: «لا خلاف أن من شروط السلم أن يكون متعلقًا بالذمة» (٢). وبناء عليه فلا يجوز أن يكون المسلم فيه معينًا؛ لأن السلم وضع لبيع شيء في الذمة، بثمن معجل، ومقتضاه ثبوت المسلم فيه دينًا في ذمة المسلم إليه، ومحله ذمة المسلم إليه، فإذا كان المسلم فيه معينًا تعلق حق رب السلم بذاته، وكان محل الالتزام ذلك الشيء المعين، لا ذمة المسلم إليه، ومن هنا كان تعيين المسلم فيه مخالفًا لمقتضى العقد. فإذا جعل السلم في شيء معين فلا يخلو: إما أن يكون هذا الشيء المعين مملوكًا لغيره، أو مملوكًا له وقت العقد. فإن كان مملوكًا لغيره وقت العقد لم يصح العقد؛ لأنه باع ما لا يملك، وهذا مجمع على بطلانه، وقد تكلمنا عنه في مسألة بيع ما ليس عند البائع فأغنى عن إعادة الكلام عليه هنا. وإن كانت السلعة مملوكة له، فإن كان التسليم حالًا فإن العقد صحيح، ولكن لا ينعقد سلمًا، وإنما هو بيع من البيوع.

стр. 3389

وإن كان التسليم مؤجلًا، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز التأجيل في الأعيان؛ لأن من شرط المؤجل عند الجمهور أن يكون دينًا موصوفًا في الذمة، فلا يجوز التأجيل في المعقود عليه (ثمنًا، أو مثمنًا) إذا كان معينًا. لأن تأجيل الأعيان ينطوي على غرر، حيث من الممكن أن يهلك الشيء المعين قبل حلول وقت أدائه، فيستحيل تنفيذه، بخلاف ما لو كان المسلم فيه موصوفًا في الذمة، فإن الوفاء يكون بأداء أية عين يتحقق فيها الأوصاف المتفق عليها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالآية تدل على جواز التأجيل في الديون، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى جواز تأجيل الأعيان، ولهذا قال الكاساني في البدائع «التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان» (١). وقال ابن عابدين: «الأعيان لا تقبل التأجيل» (٢).

стр. 3390

وقال الرملي: «الأعيان لا تقبل التأجيل ثمنًا، ولا مثمنًا» (١). وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر الصفقة» (٢). وجاء في المدونة: «لما كره مالك أن أسلف في سلعة قائمة بعينها، وأضرب لأخذها أجلًا؟ قال: لأن ذلك عنده غرر، لا يدري أتبلغ تلك السلعة إلى ذلك الأجل أم لا، وهو يقدم نقده، فينتفع صاحب تلك السلعة بنقده، فإن هلكت تلك السلعة قبل الأجل كان قد انتفع بنقده من غير أن تصل السلعة إليه، فهذا مخاطرة وغرر» (٣). وجاء في المجموع: «قال أصحابنا: إنما يجوز الأجل إذا كان العوض في الذمة، فأما إذا أجل تسليم المبيع، أو الثمن المعين، بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فالعقد باطل» (٤). وعلل الحنفية والشافعية المنع من التأجيل في المعين، بأنه إنما شرع الأجل لتحصيل المبيع، فإذا كان معينًا فقد تم تحصيله، فلا حاجة له. قال في العناية: «الأجل في المبيع العين باطل؛ لإفضائه إلى تحصيل الحاصل، فإنه شرع ترفيهًا في تحصيله باتساع المدة، فإذا كان المبيع، أو الثمن حاصلًا كان الأجل لتحصيل الحاصل .. » (٥).

стр. 3391

وقال السيوطي: «الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل» (١). وعلل السمرقندي بأن الأجل في المعين لا يفيد، فقال: «ومنها: أن يشترط الأجل في المبيع العين، أو الثمن العين؛ لأن الأجل في الأعيان لا يفيد، فلا يصح، فيكون شرطًا لا يقتضيه العقد، فيفسد البيع» (٢). وهذا الكلام فيما أرى ليس على إطلاقه، وإذا جاز على الصحيح: أن يبيع الدار، ويستثني سكناها مدة معينة، وهذا يقتضي عدم تسليم المعين، جاز الأجل في المعين، وقد تكلمت عن هذه المسألة في باب الشروط في البيع، والحمد لله. كما تجوز على الصحيح الإجارة على مدة لا تلي العقد، وهذا يعني تأخير تسليم المعين، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في كتاب الإجارة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 3392

الشرط الثاني العلم بالمسلم فيه المبحث الأول العلم بالمسلم فيه بضبط مقداره [م-٧١٣] معرفة مقدار المسلم فيه من الشروط المتفق عليها عند الفقهاء؛ لأن السلم متعلق بالذمة، وما تعلق بالذمة يستحيل أن يكون جزافًا غير مقدر؛ لأن ما في الذمة لا يمكن معرفته إلا بالتقدير، بخلاف غيره، فإنه يمكن معرفته عن طريق الإشارة والتعيين. ودليل ذلك: (ح-٥٢٠) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال. عن ابن عباس ﵄، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١). ويقاس على المكيلات، والموزونات غيرها. قال ابن قدامة: «ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافًا» (٢). ولأن العلم بالمبيع شرط من شروط صحة البيع، فإذا لم يعلم قدر المسلم فيه أفضى ذلك إلى جهالة المبيع، وهذا لا يجوز (٣). * * *

стр. 3393

الفرع الأول السلم في المعدود المطلب الأول السلم في المعدودات المتماثلة جاء في العناية: الضابط في معرفة العددي المتقارب عن المتفاوت تفاوت الآحاد في المالية، دون الأنواع (١). [م-٧١٤] لا خلاف بين الفقهاء في السلم في المكيل، والموزون، وهما مالان، مثليان. واختلفوا في السلم في المعدودات المتماثلة، وفي المذروعات، هل يجوز السلم فيها؟ فقيل: يجوز، وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة. قال ابن نجيم: «ويصح في العددي المتقارب، كالبيض، والجوز؛ لأنه معلوم مضبوط، مقدور التسيلم، وما فيه من التفاوت مهدر عرفًا. ولا خلاف في جوازه عددًا ... » (٢).

стр. 3394

وجه الجواز: أن مناط الحكم إمكان ضبط الصفة، ومعرفة المقدار، فجاز إلحاقهما بالمكيل، والموزون؛ لأن الجهالة ترتفع بذلك بصرف النظر عن كونه قيميًا أو مثليًا. وقيل: لا يجوز السلم إلا في المكيل، والموزون، خاصة اختاره ابن حزم، ولا يجوز السلم في المعدود، والمذروع (١)، ووافقه الحنابلة في المذروع في أحد القولين (٢).

стр. 3395

استدلالًا بظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١). و أجيب: بأن الحديث خص الكيل، والوزن؛ لغلبتهما، وللتنبيه على غيرهما (٢). ولو أخذنا بظاهر الحديث، لقلنا: ظاهره يوجب الجمع بين الكيل، والوزن، لقوله ﷺ : (في كيل معلوم، ووزن معلوم)، ولم يقل بهذا أحد، فيكون تقدير الحديث من أسلم في مكيل فليكن الكيل معلومًا، ومن أسلم في موزون فليكن الوزن معلومًا. ولأن الكيل، أو الوزن، ليس مقصودًا في المعاوضة، وإنما هو معيار للوصول إلى معرفة مقدار المبيع، لذلك ينبغي أن يقاس على الكيل، والوزن كل معيار يمكن أن يؤدي نفس الوظيفة في معرفة مقدار المبيع. وهذا هو الراجح. * * *

стр. 3396

المطلب الثاني السلم في المعدود المتفاوت قال الزيلعي: «الأصل أن كل معدود تتفاوت آحاده في المالية، لا يجوز السلم فيه» (١). وقال في حاشية تبيين الحقائق: «ما اختلفت آحاده في القيمة، واتفقت أجناسه، فلا يجوز السلم فيه» (٢). [م-٧١٥] علمنا في المبحث السابق حكم السلم في المعدود المتماثل، وأما السلم في المعدود المتفاوت الآحاد، فقد اختلف العلماء في السلم فيه: فقيل: العددي المتفاوت لا يجوز السلم فيه عددًا، وهذا مذهب الحنفية (٣). وجه من قال: لا يجوز السلم في العددي المتفاوت . الوجه الأول: أن العددي المتفاوت لا يمكن ضبطه بالوصف؛ إذ يبقى فيه جهالة فاحشة

стр. 3397

مفضية إلى المنازعة ولو بينا جنسه، ونوعه، وصفته، وقدره (١). الوجه الثاني: أن من شرط المسلم فيه أن يثبت دينًا في الذمة، والمتفاوت الآحاد لا يمكن أن يكون دينًا في الذمة، ولا يصح قرضه، فلا يصح السلم فيه. وقيل: يقدر بالعدد، أو بالوزن، تبعًا لعرف أهل بلد محل العقد، ويقاس بخيط لمعرفة محيطها، ويوضع هذا الخيط عند أمين. وهذا مذهب المالكية (٢). أما كون التقدير بالعدد، أو بالوزن، فإن الرجوع فيه إلى ما تعارف عليه أهل بلد محل العقد، فما اعتادوا بيعه بالعدد، كان تقديره بالعدد، وما اعتادوا بيعه بالوزن، كان تقديره بالوزن. وأما القياس بالخيط بالإضافة إلى العدد، أو الوزن فلضبط الحجم من صغر، وكبر مما تختلف فيه أغراض الناس، وتتفاوت فيه القيمة. وقيل: يقدر بالوزن، وهذا مذهب الشافعية (٣)، والراجح في مذهب الحنابلة (٤). وجه من قال: يقدر بالوزن فقط: أن العددي المتفاوت لا يمكن ضبطه بالعدد؛ لأن آحاده متفاوتة، فلا ينضبط

стр. 3398

قدره بالعدد. ولا يمكن ضبطه بالمكيال؛ لأنه يتجافى بالمكيال، فلم يبق إلا الوزن. الراجح: أن المعدود إذا كانت آحاده متفاوتة، ويشكل هذا التفاوت فرقًا مقصودًا، فإن السلم ينبغي أن يكون في الوزن، أو في الكيل، إن كان يمكن ضبطه بذلك مع وصف الحجم وصفًا يقطع النزاع، فإن لم يمكن ضبط صفاته بذلك لم يجز السلم فيه. * * *

стр. 3399

المطلب الثالث السلم في المعدود كيلًا أو وزنًا [م-٧١٦] إذا جاز السلم في المعدود؛ لكون آحاده متماثلة، أو متقاربة، فهل يجوز السلم فيه كيلًا، أو وزنًا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما جاز السلم فيه عددًا جاز ضبطه كيلًا، ووزنًا، إن أمكن ضبطه بذلك، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). القول الثاني: اختار بعض الشافعية عدم جواز السلم في المعدود كيلًا، بل يقدر المعدود بالوزن فقط (٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وجهه: أن المعدود لما كان يدخله التباين في حجمه، وفي وزنه، كان تقديره بالوزن أضبط، ولأنه يتجافى بالمكيال، فلا يمكن ضبطه بالكيل.

стр. 3400

والجمهور يشترطون أن يمكن ضبطه بالكيل، فإذا كان يتجافى في المكيال لم يمكن ضبطه بالكيل، فلا بد من الوزن. القول الثالث: سبق لنا أن ابن حزم لا يرى السلم في غير المكيل، والموزون، وقد ذكرنا دليله، وأجبنا عليه في المسألة السابقة، فأغنى عن إعادته، والحمد لله. * * *
следующие страницы →